ندوات مختلفة - السعودية : المحاضرة 01 - منتدى الاثنينية - أمسية 397 – محاضرة في مدينة جده : حفل تكريم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

2011-01-03

مقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله؛ أصحاب المعالي، أصحاب السعادة، السيدات والسادة، أيها الحضور الكرام والحاضرات في قسم السيدات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نرحب بكم هذه الليلة باسم مؤسس منتدى الاثنينية الشيخ عبد المقصود محمد سعيد خوجه، حيث في هذه الليلة المباركة التي جاد فيها الغيث إذ همى واحترزنا منه إلى هذه القاعة المباركة.
ها هي بلاد الشام تجود علينا بعلم من أعلامها ومن علمائها الأفذاذ، لنحتفي به هذه الليلة، إنه فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، فأهلاً و مرحباً به بيننا هذه الليلة.
وخير ما نبدأ به تلاوة مباركة من القرآن الكريم يتلوها المقرئ عبد العزيز عبد الغفور الأنصاري من الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمحافظة جدة..
بارك الله فيك، أيها الأخوة والأخوات؛ نتعرف وإياكم أكثر فأكثر على ضيفنا المحتفى به هذه الليلة من خلال قراءة في بعض سيرته الذاتية.

 

السيرة الذاتية للدكتور راتب النابلسي :

فضيلة الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي ولد في دمشق 1938 م، حصل على شهادة الدكتوراه في التربية من جامعة ( Trainity college ) في ١٩٩٩/٦/١٨ بناء على إنجازاته وخبراته ومؤلفاته في مجال التربية، عين أستاذاً محاضراً في كلية التربية بجامعة دمشق، بين عامي 1969م و 1999م.
عمل أستاذاً لمادة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في جامعة الأزهر فرع الفتح الإسلامي في دمشق، ثم أستاذاً لمادة العقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر في مجمع أبي النور، ثم أستاذاً لأصول التربية في جامعة طرابلس الإسلامية.
في عام 1974م عيّن وما زال خطيباً في جامع جدّه الشيخ عبد الغني النابلسي، ومدرّساً دينياً في مساجد دمشق، وفي جامع بني أمية الكبير في دمشق وغيرها.
عيِّن مديراً لمعهد تحفيظ القرآن في جامع النابلسي، وعضواً مُشرفاً على مجلة نهج الإسلام السورية.
مثّل سورية في عدة مؤتمرات إسلامية في كثير من الدول العربية والأوربية، له دروس، وخُطب، تبثّها إذاعة دمشق، وإذاعات عربية وغربية أخرى.
له دروس وندوات تلفزيونية في سورية، وأبو ظبي، والشارقة، وقنوات أخرى مثل الواحة، وله برنامج الأسماء الحسنى بقناة الرسالة، وله في قناة اقرأ برنامج تفسير سورة الأعراف.
أصدر عدة مؤلفات إسلامية، من أبرزها كتاب نظرات في الإسلام، و ترجم إلى الإنكليزية، وكتاب تأملات في الإسلام، وترجم أيضاً إلى الإنكليزية، وكتاب كلمات مضيئة ولقاءات مثمرة مع الشعراوي، وكتاب الإسراء والمعراج، و كتاب الهجر، وكتاب الله أكبر، وكتاب موسوعة الأسماء الحسنى، ثلاثة مجلدات، ترجم إلى الإنكليزية، كما أن له مشاركات كثيرة في بعض المجلات الرصينة، وهو عضو مؤسس في جمعية مكافحة التدخين والمواد الضارة، ورئيس جمعية حقوق الطفل في سورية.
مرة أخرى نرحب بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي فأهلاً به بيننا.
الكلمة الآن أيها السادة والسيدات لسعادة الشيخ عبد المقصود محمد سعيد خوجه مؤسس منتدى الاثنينية، فليتفضل.

 

كلمة سعادة الشيخ عبد المقصود محمد سعيد خوجه :

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علّم بالقلم، وأصلي وأسلم على خير البشر، وعلى آله وصحبه أجمعين، الأستاذات والأساتذة الأكارم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ من نفحات غوطتها، وشاهق مآذنها، ترفدنا هذه الليلة الفيحاء، بفارس تضلع من نمير أفاضل علمائها، فعلا نجمه، وذاع صيته، وأضاء مشكاته علماً نافعاً بإذن الله، فمرحباً بفضيلة ضيفنا الكريم الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الذي أسعدنا بتلبية دعوة اثنينيتكم، قادماً خصيصاً من دمشق لنلتقي في ظلال المحبة وروابي العلم.
شأن كثير من علمائنا الكبار، أمضى فضيلة ضيفنا حياته متعلماً ومعلماً، فنحسبه إن شاء الله ممن بسطت لهم الملائكة أجنحتها في غدوهم ورواحهم، وصلّت عليهم كفاء تعليمهم الناس الخير، فأنعم به من حال ومآل، ومما لا شك فيه فإن هذه المسيرة القاصدة اكتنفها كثير من اللأواء، ولازمتها فيوض من الصبر على المكاره، فنيل العلم تباريح جثو على الركب، ومزاحمة المناكب في حلق المدارس، وصياغة آلام الغربة عقود ياسمين على جباه الأيام والليالي.
ورغم أنه طلب العلم الشرعي في بواكير حياته، إلا أنه لم يتوان عن صقل مواهب الاستزادة منه في أعرق الجامعات الفرنسية والبريطانية والمصرية، كما تمددت آثاره العلمية عبر شبكتي الاتصالات العنكبوتية والفضائية، معظم أنحاء الدول العربية والغربية، وخاطبت الكثير من الأقليات المسلمة في قريتنا الصغيرة.
لضيفنا الكريم الكثير من التأملات الكونية والحياتية، عصيّ رصدها في عجالة، لأنها تتأبى الإيجاز المخل، وفي تقدير كثير من العلماء أنه ساحة معرفية ممتدة الأرجاء غزيرة الأنداء، تنداح من إقليم الكتابة حتى شواطئ التأمل الفسيح، ومن يراع الفكر الدقيق، حتى رحيق الخطابة العصماء، في رحلة تعود بها الروح إلى يقظتها، والقلب إلى يقينه، والنفس إلى سكينة وهدوء، إذ لا حداء في هذه الرحلة سوى جرس عذب لمتبتل خاشع لآي القرآن الكريم، لا زاد فيه يتخم الجسد، ويوهن الفكر، ويزيد ران القلوب، بل محض نزهة للروح في طيوب المعاني وحدائق قرنفل البيان، فنحسبه من نباريس الهدى، ومنارات العلم، الذين يستفيدون من ناجز الحاضر، وإمكانات المستقبل تأكيداً عملياً بأن رسالة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان.
استطاع ضيفنا الكبير أن يزاوج بين الأدب والفقه بحنكة ودراية، فمقالاته الأدبية مجنحة في سهوب اللغة، مزدانة الأسلوب، ريانة المعاني، واضحة الدلالات، ناصعة البيان، يدعمها ويطرزها بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، مجادلاً ومنافحاً عن رؤاه بالتي هي أحسن، وما أشدّ حاجتنا لهذا المنهج في حوارنا مع الأديان جميعها، بوسطية لا تعرف غلواً ولا تطرفاً، إذ يعتبر صاحب مدرسة تأملية، تعمّق من الإيمان في عصر احتفى بالعلموية، وأعرض كشحاً عن القيم الروحية والحقائق الغيبية، لذا اجتذب بيانه حول العلم والدين العديد من المفكرين الذين أضاءت كتاباتهم عتمة الشك، وكشفت أن ليس ثمة تعارض بينهما، يتجلى ذلك في مؤلفه الموسوم مؤسسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
ما أسعدنا بهذا المنجز الحضاري الذي نتطلع إلى اكتماله مشروعاً تنويرياً، يمتد أفقياً ورأسياً، ليسهم بدور بارز في النهضة المباركة التي تعيشها أمتنا رغم ما يعتورها من منغصات، فالطريق شائك والدرب طويل، إلا أن إرادة ضيفنا الكبير مع دعواتنا له، ومؤازرتنا لسعيه، ستجعل الحزن سهلاً بإذن الله.
آملاً أن نلتقي الاثنينية القادمة للاحتفاء بالأستاذة الشاعرة روضة الحاج، قادمة خصيصاً من السودان الشقيق، لترسم لوحات من شعرها المجدول بالطبيعة والخصب والأرض والنماء، والتي أسهمت في إثراء الساحة الشعرية بدواوينها، عش للقصيد، وفي الساحل يعترف القلب، وللحلم جناح واحد، ومدن المنافي وغيرها.
فإلى لقاء يتجدد، طبتم وطابت لكم الحياة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شكراً لسعادة الشيخ عبد المقصود محمد سعيد خوجه، الذي تفضل بإلقاء كلمته الترحيبية بهذه المناسبة.
الكلمة الآن أيها السادة والسيدات لسعادة اللواء الدكتور السيد أنور ماجد عشقي.

 

كلمة اللواء الدكتور أنور ماجد عشقي :

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أفاض علينا بنعمه، وامتن علينا بجوده وكرمه، جمعنا على الحق وهدانا إليه، وأرانا الباطل ونهانا عنه، وأصلي وأسلم على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كبيراً.
ما استمع أحد إلى المذياع أو شاهد في التلفاز شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، إلا وأصاخ بسمعه وتابع بنظره ما يقوله، فهو يمتاز بجودة الأداء، وعمق التفكير، وحسن السياق، وضيفنا فريد في طرحه الديني، يسقط النص على الواقع، ويتكلم بروح العصر، فيذكرنا بالشيخ الشعراوي والطنطاوي والغزالي، رحمهم الله أجمعين، وضيفنا سليل النجباء، فجده الشيخ عبد الغني النابلسي، رجل ملأ العالم الإسلامي بفكره وعلمه، وزار مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فحاور فيها العلماء، وساجل فيها الشعراء، فأكرمه الله ببناء مسجد له في الشام، واصطفى له من أحفاده ضيفنا الكريم الدكتور محمد راتب ليكون خطيباً ومدرّساً في الجامع.
نذر ضيفنا نفسه للإسلام فتكلم فيه، وكتب باعتدال وفهم، فاختار لنفسه موقعاً بعيداً عن التطرف، متخذاً من الوسطية منهجاً، ومن التوحيد عقيدة، ومن التصوف السليم مشرباً، فدرّس وحاضر وألّف وخطب، وتواصل مع المفكرين والمثقفين، وحضر المؤتمرات، فلن نجد من يخالفه من أهل الفكر، أو الفقه أو السياسة، حارب الجهل فنشر العلم، وقاوم الموبقات فشارك في تأسيس جمعية لمكافحة التدخين والمواد المضرة، ناصر العدالة فترأس جمعية حقوق الطفل، ساهم في النهضة العربية والعالمية فشارك في المؤتمرات الدولية والمحلية.
لفت الأنظار إلى الإسلام، فدرس مادة الإعجاز العلمي في القرآن في كليات التربية وأصول الدين، فمرحباً بشيخنا وأستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي، ونشكر الشيخ عبد المقصود خوجه على هذه اللفتة المباركة، وتكريم الفضلاء من العلماء والمبدعين، والله الموفق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شكراً لسعادة اللواء الدكتور السيد أنور ماجد عشقي على هذه الكلمة، والكلمة الآن لفضيلة الشيخ محمد الدحيم.

 

كلمة فضيلة الشيخ محمد الدحيم :

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد أيها الفضلاء؛ أيتها الفضليات؛ إننا نجد أنفسنا في هذا المساء المبارك مع ضيف كبير، وأنت لن تحتار وأنت تكتب أو تتحدث عن محمد راتب النابلسي، الشيخ الدكتور، والعلّامة الموسوعي، لن تحتار أبداً لأنك تكتب أو تتحدث عن أبعاد متعددة، ينتظمها الوعي والتوازن والتجدد، لكنك ستجد نفسك أمام مسؤولية الكلمة، ومسؤولية الإنسان مسؤولية عالمية، فقامة ضيفنا كبيرة، واهتماماته كثيرة، ووعيه ثاقب، ورؤيته عميقة، قرأت له، وقرأت عنه، ولست هنا لأترجم له، لكنني أجد فيه صورة العالم الفقيه، الفاعل المتحرك، تلك الصورة التي يريدها الإسلام بمقاصديته، لا بمجرد الشكل والصورة.
إن محمد راتب النابلسي عالم وفقيه وأديب، مدرك لروح العصر، وقد تقدم مدعوماً بفكره المستنير، وفقهه الكبير إلى الأخذ بروح العصر، فالأمر كما يقول فولتير: من لم تكن له روح العصر كانت له شروره. فكان له وكان منه الخير الكبير، إن العلّامة الفقيه والمربّي الكبير ضيفنا الليلة رجل أحبّ الناس فأحبوه، إن هذا الإنسان أحب الناس فأحبوه، لقد كان في تواجده وحراكه يمثل روح الإسلام وسماحته، حكمة وموعظة حسنة، لقد جاء الناس إليك أيها الشيخ الجليل، وحضر الناس في هذا المساء، حضروا إليك يستمعون، وحضروا يحبون، وحضروا يقدرون العلم، فاللهم لك الحمد على ما منحك، واللهم لك الحمد على ما أعطاك، وأسأل الله لي ولك وللحاضرين والحاضرات دوام التوفيق والسداد، أما أنتم فقد حضرتم معجبين ومحبّين لهذا العلم، فهذا هو وهذه صفاته وهذه أعماله إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن فيك ما يعجبك.
ضيفنا الكبير، إن هذه الاثنينية التي تجمعنا هذا المساء المبارك والتي كانت طوال عقودها الثلاثة منبر الرأي وملتقى الكلمة لا تخدم سوى الفكر، ولا تنتج إلا الثقافة، قامت على أسس، وبنيت على قيم، فانبعثت رسالتها وتحققت رؤيتها، ومن هنا أستسمحكم أن نوجه الشكر والتقدير لمؤسس الاثنينية سعادة الشيخ عبد المقصود محمد سعيد خوجه، لقد كرر الرجل على مسامعنا أن الاثنينية منكم ولكم وبكم، لكن تأبى عقولنا إلا أن تتوجه بالشكر والتقدير له، فهو الذي غرس فينا حبه، وهو الذي غرس فينا حبّ هذا المجلس المبارك، فله التحية، وله التقدير، وله الامتنان، ولكل الحاضرين والحاضرات، ولكل أصحاب الكلمة، وأصحاب الأسئلة، وأصحاب المداخلات، ولكل من ينقل من هذا المجلس الكلمة كما سمعها ويرويها كما رآها، لكل منكم التحية والتقدير على ما تجده منكم ميادين الفكر وأروقة المعرفة من هذا التواجد والتفاعل، بمثل هذا اللقاء، وبمثل هذا الحوار، وبمثل هذه الكلمات، وبمثل هذا الاحتفاء والتقدير والاحترام للعلماء العاملين، لمثل هذا كله سوف ترتقي الأمة، وتصعد ثقافاتنا، فنحن نؤمن بشيء أو بنظرية كبرى هي صعود الثقافات، وليس صدام الحضارات، وليس أيضاً تحطيم الثقافات، إنها ثقافات صاعدة ستصعد بأهلها بإذن الله تعالى، قال تعالى:

﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[سورة فاطر: 10]

أسأل الله لي ولكم إحساناً وتوفيقاً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شكراً لفضيلة الشيخ محمد الدحيم على هذه الكلمة، أيها الأخوة والأخوات قبل أن ننصت إلى حديث ضيفنا المحتفى به هذه الليلة فضيلة الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي، نود أن نذكركم أنه بعد أن نستمع إلى كلمته حفظه الله سوف يفسح المجال للأسئلة سيكون هناك تقديم طلبات الأسئلة، والأسئلة تلقى من السائل مباشرة، الواقع سؤال واحد لكل ضيف، وكذلك من قسم السيدات أيضاً بالمثل ستكون الأسئلة بالتناوب بين قسم الرجال وقسم السيدات، أما الآن أيها السيدات والسادة مع ضيفنا فضيلة الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي ليحدثنا عن حياته العلمية والعملية، وأهم المحطات في مسيرته الحياتيه، فأهلاً به ومرحباً ولتيفضل.

 

كلمة فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي :

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.
أيها الأخوة الكرام؛ بادئ ذي بدء أشكر لكم من أعماق نفسي هذه الدعوة الكريمة التي إن دلت على شيء فعلى تعلقكم بالعلم والعلماء، وهذا وسام شرف لكم، وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم.
أيها الأخوة الكرام؛ العبد الفقير نشأ يتيماً، وأحياناً يقال: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع كان المنع عين العطاء.
أيها الأخوة؛ نشأت صغيراً، وتعلقت بأستاذ لي دعا إلى الله في التعليم الثانوي، وما شيء لفت نظري في الحياة إلا الدعوة إلى الله، أنا أعتقد أن قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

بحسب نص هذه الآية، وهذا كلام الله، هذا كلام خالق السموات والأرض، هذا كلام الذي لا يأتيه الباطل، هذا كلام القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

أنواع الدعوة إلى الله :

الدعوة إلى الله أيها الأخوة؛ بشكل موجز دعوتان، دعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله، ودعوة إلى الله خالصة، خصائص الدعوة إلى الله الخالصة الاتباع، بينما خصائص الدعوة إلى الذات أحياناً الابتداع، خصائص الدعوة إلى الله التعاون مع بقية الدعاة، وخصائص الدعوة إلى الذات التنافس، خصائص الدعوة إلى الله الخالصة من خصائصها قبول الآخر، بينما خصائص الدعوة إلى الذات إلغاء الآخر.
فحينما يكون الإنسان مخلصاً في دعوته، أولاً: يتعاون مع بقية الدعاة، الدعاة نخبة الأمة، إذا تعاونوا تألقوا، وإذا تألقوا رضي الله عنهم، ورضي عنهم الناس، ولذلك أنا أرفع لواء التعاون بين العلماء منذ خمسة وثلاثين عاماً، والفضل لله عز وجل هناك إنجاز كبير في تقريب وجهات النظر بين الدعاة إلى الله عز وجل، لكن لا يليق بهم أن يتخاصموا، لا يليق بهم أن يتراشقوا التهم، هم نخبة الأمة، فلذلك في دعوتي إلى الله حرصت حرصاً لا حدود له على اللقاء مع معظم علماء دمشق، والاتصال بهم، و تبادل الخبرات، هذا مما يرفع قيمة العلم والعلماء.

 

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة :

أيها الأخوة والأخوات في الحقيقة أن بعض الحقائق الأساسية التي انطلقت منها في دعوتي أن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، الأول والدليل:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

فلأن الإنسان قبِل حمل الأمانة كان المخلوق الأول، أيها الأخ الكريم؛ لأنك من بني البشر أنت عند الله المخلوق الأول، من عرف نفسه عرف ربه، أنت المخلوق الأول، لذلك ورد عن سيدنا علي رضي الله عنه أن ركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإذا سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، والدليل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة : 7 ]

وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾

[ سورة البينة : 6 ]

فالإنسان بين أن يكون فوق الملائكة إذا عرف الله، واستقام على أمره، وأحسن إلى خلقه، وتحرك فيما خُلق له، وبين أن يكون شر البرية، إذا عاش الدنيا ونسي الآخرة، واتبع شهوته، وبنى مجده على أنقاض الآخرين، وبنى حياته على موتهم، وبنى عزه على ذلهم، وبنى أمنه على خوفهم.
لذلك أيها الأخوة؛ الإنسان بين أن يكون أرقى المخلوقات وبين أن يكون أسوأ المخلوقات هذه حقيقة دقيقة جداً.

 

الدعوة إلى الله فرض عين :

فيا أيها الأخوة الكرام؛ هذا الذي يدعو إلى الله، هذا لو يعلم كل أخ كريم أن الدعوة إلى الله - وأنا أعني ما أقول- فرض عين على كل مسلم، أنت لماذا تصلي؟ الجواب البديهي لأن الصلاة فرض، هل أثبت لك أن الدعوة إلى الله فرض عين؟ لكن هذه الدعوة في حدود ما يعلم ومع من يعرف، دليلها:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

دليلها، قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت : 33 ]

فلذلك:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

فالذي لا يدعو على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، أي يجب أن تعتقد أنك تصلي، لأن الصلاة فرض، وينبغي أن تدعو إلى الله، الدعوة كفرض في حدود ما تعلم ومع من تعرف.

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

الدعوة إلى الله تنهض بالأمة و تنير العقول :

لذلك أيها الأخوة، أنا انطلقت من هذا المنطلق فوجدت أن الدعوة إلى الله تنهض بالأمة، الدعوة إلى الله تنير العقول، تحمل النفوس على طاعة الله عز وجل:

((.. فَو َاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))

[البخاري عن سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ]

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

[الطبراني عن أبي رافع ]

(( خير لك من الدنيا وما فيها ))

[أحاديث الإحياء للعراقي ]

أيها الأخوة الكرام؛ أريد أن أبين ماذا ينبغي أن يكون واقع الحديث عندنا، يقول سيدنا سعد بن أبي وقاص: "ثلاثة أنا فيهن رجل- وكلمة رجل في القرآن لا تعني أنه ذكر، تعني أنه بطل- وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، ما صليت صلاةً فشغلت نفسي حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها- الشاهد في الثالثة- وما سمعت حديثاً من رسول صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى".
أنت عندما تقرأ في الجريدة خبراً أن هناك تخفيضاً لرسوم السيارة خمسون بالمئة، تعلم أن هذا الخبر يسهم في تخفيض أسعار السيارات بدقائق، فكيف نقرأ القرآن كل يوم وفيه آيات وبشارات وتحذيرات ووعيد ونذير و لا نتفاعل معه؟ فهذا الذي يقرأ القرآن ولا يتفاعل معه عنده مشكلة كبيرة ينبغي أن ينتبه إليها.
لذلك قالوا: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، كان خلقه القرآن.

 

الإنسان هو المخلوق المكرم و المكلف :

فيا أيها الأخوة؛ أنا اعتقدت أن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، والدليل قوي في القرآن الكريم والسنة، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

لمجرد أنك من بني البشر أنت المخلوق الأول، والإنسان هو المخلوق المكرم، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 70 ]

الشاهد الثالث: والإنسان هو المخلوق المكلف، أنت مكلف أن تعبد الله، كيف إذا ذهب طالب إلى باريس لينال الدكتوراه، نقول: هذه المدينة العملاقة الكبيرة المترامية الأطراف، فيها المعامل، فيها المدارس، فيها الجامعات، فيها المؤسسات، فيها الملاهي، فيها كل شيء، هذا الطالب نقول: علة وجوده في هذه المدينة شيء واحد أن ينال الدكتوراه، ويجب أن نعلم جميعاً أن علة وجودنا في الدنيا بحسب الآية:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

علة وجودنا عبادة الله.

 

العبادة علة وجود الإنسان على سطح الأرض :

أما العبادة التي هي علة وجودنا فهي طاعة طوعية، لأن الله لم يقبل أن تكون علاقتنا به علاقة إكراه، أراد أن تكون علاقة حب، قال تعالى:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54 ]

قال تعالى:

﴿ وَالَّذينَ آمَنوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾

[سورة البقرة: ١٦٥]

قال تعالى:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة : 256 ]

هو خالقنا، مصيرنا بيده، حياتنا بيده، ورزقنا بيده، مع ذلك قال:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة : 256 ]

أراد أن نأتيه طائعين، أراد أن نأتيه بدافع الحب، أراد أن نأتيه بمبادرة شخصية، لذلك إذا أقبلنا عليه سعدنا بقربه، بعض العارفين يقول:

فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائــــــح تـــــــــــركت جميع الكائنات لأجلنــــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــى سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــــا
فأيسر مافي الحب للصب قتـله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنــــا
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــــــا فإنا منحنا بالرضا من أحبنـــــــــــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـــــــــــــــــــا لنحميك مما فيه أشرار خلقنــــــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـــــــــــل وأخلص لنا تلقى المسرة والهنـــــــــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكــن فما القرب والإبعاد إلا بأمـــــــــــــرنــــا

لذلك في نهاية القصيدة يقول:

فيا خجلي منه إذا هـو قال لـــــــي أيا عبدنــــــــا ما قــــــــــــــــرأت كتابنـــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جــرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنــــا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظــــــــــــر مـا به جـــــــــــاء وعدنــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــاً وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
***

أيها الأخوة؛ الإنسان هو المخلوق الأول، والمخلوق المكرم، والمخلوق المكلف بعبادة الله، أي علة وجودنا الوحيدة في الأرض أن نعبد الله، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، فما عَبَدَ الله من أطاعه ولم يحبه، وما عَبَدَ الله من أحبه ولم يطعه، طاعة طوعية ليست قسرية، الأقوياء يطاعون قسراً، لكن الله ما قَبِلَ أن نطيعه قسراً، بل طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.

 

من عرف الآمر تفانى في طاعته :

أيها الأخوة الكرام؛ مع إيماني أن الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم والمكلف، أنا أرى - وأرجو الله أن أكون على صواب- أن في هذا الدين ركنين كبيرين، الركن الأول: معرفة الآمر، والثاني: معرفة الأمر، فالعالم الإسلامي مشغول بمعرفة الأمر، لكن معرفته بالآمر ليست كما ينبغي، فلذلك الأمر بين أيدينا، وهناك مسلمون كُثر يعصون الله عز وجل، لكن أنا أقول دائماً - وهذا محور أساسي في دعوتي- : إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت منه، لذلك في دعوتي تركيز شديد جداً بل يكاد هذا التركيز يأخذ نصف المساحة على التعريف بالآمر، الآمر لا تدركه الأبصار ولكن العقول تصل إليه، الله عز وجل بالمناسبة - وهي نقطة دقيقة أحرص عليها- ذكر لك آية أمر في القرآن الكريم، المؤمن الصادق له موقف من كل آية، موقفك من آية الأمر أن تأتمر، وهناك آية نهي، موقفك منها أن تنتهي، وآية تصف أهل الجنة، موقفك أن تسعى لدخول الجنة، وآية تصف أهل النار، أن تفر من النار، وآية عن الأنبياء السابقين، أن تتعظ، وكل آية لك منها موقف، الآن الشاهد: ما موقفك من ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون؟ بلا موقف مستحيل، الموقف التفكر في خلق السموات والأرض، والتفكر في خلق السموات والأرض هي العبادة الأولى التي هي أوسع باب ندخل منه على الله، وأقصر طريق إلى الله.

لقطتان من لقطات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم :

أيها الأخوة الكرام؛ لقطتان فقط، بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية فقط، ما معنى أربع سنوات ضوئية؟ الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، كم يقطع في الدقيقة؟ ضرب ستين، كم يقطع في الساعة؟ ضرب ستين، كم يقطع في اليوم؟ ضرب أربع وعشرين، كم يقطع في العام؟ ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، كم يقطع في أربع سنوات؟ ضرب أربع، ابنك الصغير في المرحلة الإعدادية مع آلة حاسبة بدقائق يحسب لك المسافة بيننا وبين أقرب نجم ملتهب، هذه المسافة لو أردت أن تقطعها بمركبة أرضية، لو قسمتها على مئة كم ساعة، على أربع وعشرين كم يوم، على ثلاثمئة وخمسة وستين كم سنة، أقصر مسافة بين كوكب الأرض وأقرب نجم ملتهب يبعد عن الأرض أربع سنوات ضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام، إذا معك مركبة أرضية وأنت باتجاه أقرب نجم ملتهب إلى الأرض تحتاج إلى خمسين مليون عام، دقق الآن نجم القطب يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية، أما المجرة المسلسلة فتبعد عنا مليوني سنة ضوئية، الآن يوجد مجرة تبعد عنا أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، اسمع القرآن الكريم:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً، فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا، فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
أيها الأخوة الكرام؛ بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، بالضبط، الآن الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي يدخل بجوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، لو أردنا أن نصل إلى الشمس بمركبة أرضية كم يستغرق الوقت؟ ملايين السنين ،أربعة وعشرون مليون سنة ضوئية، الأرقام أخواننا مخيفة جداً، لذلك قال تعالى:

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس: 101 ]

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 105]

أيها الأخوة الكرام؛ التفكر في خلق السموات والأرض أمر إلهي، قال تعالى:

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة يونس: 101 ]

بالمناسبة نحن ألفنا أن الأوامر الإلهية هي العبادات الشعائرية، لكن العلماء يقولون: كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، فأنا نهجت في دعوتي إلى الله منهج التعريف بالله، وأنت حين تتعرف إلى الآمر ثم تعرف الأمر تتفانى في طاعة الآمر، في حياتنا اليومية قد تأتينا ورقة من مدير البريد: تعال تسلم رسالة مسجلة، لا تتحرك شعرة في جسمك، وقد لا تذهب، وقد تأتي ورقة من جهة أخرى فلا تنام الليل، ما الفرق بين الورقتين؟ الآمر، إن عرفت الأمر وعرفت الآمر تتفانى في طاعة الآمر، أما إن عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تتفنن في معصية الآمر.

 

النجاح الشمولي :

أيها الأخوة الكرام؛ هذة نقطة، النقطة الثانية أنا مؤمن في دعوتي- أنا أعطيكم ملامح الدعوة- أن الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، وأي دعوة تتجه إلى العقل وحده دعوة عرجاء، وأي دعوة تتجه إلى القلب وحده دعوة عرجاء، وأي دعوة تتجه إلى مصالح الإنسان في الدنيا دعوة عرجاء، فلا بد من النجاح الشمولي، الآن بالمناسبة ألغي النجاح الجزئي، إنسان نجح في جمع المال ولم ينجح في تربية أولاده لا يعد ناجحاً، أنا اخترت لكم أربع محطات: علاقتك بالله، وعلاقتك بأهلك وأولادك، وعلاقتك بعملك، وعلاقتك بصحتك، أي خلل في هذه المحطات الأربع ينسحب على بقية المحطات، فلذلك النجاح يجب أن يكون شمولياً، أن تكون العلاقة مع الله في أعلى مستوى، ومع الأهل والأولاد، وفي العمل، ومع الصحة، فإذا حققت هذا النجاح الشمولي كنت ناجحاً، أما أن تكتفي بنجاح واحد فهذا النجاح لا يسمى نجاحاً.

 

الداعية الناجح يجمع في دعوته بين تغذية العقول وتغذية القلوب :

أيها الأخوة؛ الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، لكن الحب، هناك حب يسمو بك، أن تحب الله، أن تحب أنبياءه، أن تحب سيد الأنبياء، أن تحب الصحابة الكرام جميعاً، أن تحب التابعين، وأن تحب تابعي التابعين، وأن تحب العلماء، وأن تحب الدين، وأن تحب المساجد، وأن تحب القرآن، وأن تحب المؤمنين، هذا حب يسمو بك، وهناك حب يسقط بالإنسان إلى الحضيض، أن تحب أهل الدنيا غير المؤمنين من أجل مصالحك معهم، لذلك قالوا: هناك حب في الله هو عين التوحيد، وحب مع الله هو عين الشرك، فالبطولة إن شاء الله هذا المجلس حب في الله.
أيها الأخوة؛ شيء آخر: الإنسان عقل يدرك، غذاؤه العلم، وقلب يحب، غذاؤه الحب، وجسم يتحرك، غذاؤه الطعام والشراب، فما لم تتجه الدعوة إلى الله إلى غذاء العقل والقلب والجسم معاً تعد دعوة عرجاء، لذلك أتمنى على الدعاة أن يجمعوا في دعوتهم بين تغذية العقول، وتغذية القلوب.

 

حرص الإنسان على سلامة و كمال و استمرار وجوده :

أيها الأخوة؛ شيء آخر، كل واحد منا، من دون استثناء، حريص على سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، بالضبط، لا يوجد إنسان يحب المرض، ولا الفقر، حريص على سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، سلامة الوجود بالاستقامة على أمر الله، الاستقامة فيها سلامة، مالك حلال، علاقتك مع النساء مع زوجتك والمحارم فقط، وما دامت الحياة فيها استقامة إذاً فيها سلامة، هذه مكافأة حتمية لكل مستقيم، لكنها استقامة سلبية، أنا ما كذبت، ما غشيت، كلها فيها ماءات، أما البطولة فأن يكون لك عطاء، العمل الصالح عطاء، العمل الصالح يرقى بك، بالاستقامة تسلم، وبالعمل الصالح تسعد، وبتربية أولادك يستمر وجودك.
أتكلم عن خصائص الإنسان، أنت حريص على سلامتك، وعلى سعادتك، وعلى استمرار وجودك، السلامة بالاستقامة، والسعادة بالعمل الصالح، والاستمرار بتربية الأولاد.

 

الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :

أيها الأخوة الكرام؛ لذلك الإنسان في أقصر سورة يقول الله عز وجل:

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

[ سورة العصر : 1]

هذه السورة قال عنها الإمام الشافعي: " لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم ".
يقسم الله بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي في حقيقته زمن، يقول له:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر : 1-2 ]

لم يا رب أنا خاسر؟ قال: لأن مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان فقط، سبت أحد اثنين ثلاثاء أربعاء خميس ذهبت جمعة، جمعة ثانية ثالثة رابعة راح شهر، شهر ثان ثالث راح فصل، أربعة فصول راحت السنة، عشر سنوات راح العقد، الإنسان كم عقد يعيش؟ الإنسان بأدق أدق تعريفاته- التعريف لأحد العلماء الكبار- : الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. فعلى الإنسان أن يعلم أن وجوده في الدنيا وجود مؤقت، والبطولة أن يستغل هذا الوجود لعمل صالح ينفعه بعد مضي الوقت.
أيها الأخوة الكرام؛ هذه بعض الخواطر التي بنيت دعوتي عليها، طبعاً العبد الفقير أنا عملي في الدعوة فيجب أن أبيّن لكم ما هي الخصائص الكبرى في دعوتي إلى الله عز وجل، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون عند حسن ظنكم، وأن ننتفع جميعاً بهذا الحق الذي بين أيدينا والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته.
وعليكم السلام ورحمة والله وبركاته، جزيت خيراً، وأكثر الله من أمثالك فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، الذي سعدنا بكلماته المضيئة، التي نسأل الله أن ينفعنا بها جميعاً.

 

ترحيب من قسم السيدات بالدكتور راتب النابلسي :

أيها الأخوة والأخوات؛ الآن نبدأ مرحلة الأسئلة وإجابة فضيلة الشيخ محمد عليها، ونبدأ الآن من قسم السيدات للترحيب بضيفنا، ثم يكون السؤال الأول من قسم السيدات.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أصحاب المعالي، أصحاب الفضيلة، أصحاب السعادة، الحضور الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ضيفنا في هذه الأمسية تميز في تنوع وغزارة معلوماته، فهو محاضر من الطراز الأول، ألفته أذن المستمع من خلال دروسه ومحاضراته الإرشادية القيّمة، غاية في مختلف نواحي المجتمع بدءاً من تعليم الزوج كيف يختار زوجته، ثم تربية الأبناء في الإسلام، والذي قدم أطروحة توفيق الحكيم ناقداً وكاتباً مسرحياً، وطبعته وزارة الثقافة والإرشاد القومي في وطنه سوريا على نفقتها الخاصة، نرحب جميعاً بفضيلة العالم والمفكر الإسلامي الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الشخصية الإسلامية المشهورة وأحد علماء الدين المعاصرين فأهلاً به معنا، ونبدأ طرح الأسئلة من قسم السيدات وبداية مع سعادة الأستاذة فريدة فارسي تفضلي.
الأستاذة فريدة فارسي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا أهلاً بك معنا، لفت نظري قولك: معرفة الآمر قبل التعرف على الأمر، وموسوعتكم الأسماء الحسنى من أجمل وأعمق ما قرأت عن الآمر سبحانه وتعالى، وبما أن تخصصكم هو التربية، هل نطمح في أن تصدر هذه الموسوعة بأسلوب مبسط يناسب الأطفال ليتعرفوا من خلالها على الآمر، وبذلك نستطيع أن نزرع قيماً إنسانية سامية مستمدة من أسماء وصفات الخالق، شكراً.
الدكتور راتب :
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني من تحقيق ما طلبته، وأنا أعتز بهذا الطلب إن شاء الله.

 

ترحيب الشيخ محمد علي الصابوني بالدكتور راتب النابلسي :

فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني العالم والأستاذ الجامعي المعروف :
بسم الله الرحمن الرحيم، عرفت أستاذنا الفاضل الدكتور محمد راتب النابلسي منذ زمن طويل، لكنني لم ألتق به إلا مرة أو مرتين، لكن تتلمذت في القنوات على أحاديثه، وكنت أدعو له من ذرات قلبي بالتوفيق والنجاح، هذا الرجل أكبر مني وأنا ولدت قبله.
الدكتور راتب :
أنت أكبر مني قدراً وعلماً والله، وأنا تلميذك والله.
فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني العالم والأستاذ الجامعي المعروف :
أقرأ كتاب الله عز وجل فأسمع الآية الكريمة التي تلاها الشيخ وبدأ بها:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

الأصل أن يكون الداعية مسلماً، وأن يطبق أوامر الله ثم يدعو إلى الله، ولكنه ببراعته نبهنا إلى قدر العلم، وقدر الدعوة إلى الله، فبدأ بالدعوة قبل أن يبدأ بعقيدة المسلم المتمسك بدين الإسلام، سؤالي لفضيلتك: أقرأ قوله تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

[ سورة الرعد: 41 ]

هذه الآية أنا أشتغل بخدمة القرآن الكريم منذ ستين سنة، وأنا طالب في الإعدادية و الثانوية، ثم في الجامعة، ثم في الدراسات العليا أخدم كتاب الله، لكن ما وجدت من المفسرين من يشرح صدري بتفسير هذه الآية إلا قلة منهم، وأدركت بعد ذلك قول حبر الأمة وترجمان القرآن الكريم عبد الله بن عباس رضي الله عنه، أتدرون ماذا فسر الآية؟ قال: أو لم ير أننا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها، معظم المفسرين قالوا: نقصها، توسع بلاد المسلمين ونقص ديار وبلدان الكفار. لكن ابن عباس رضي الله عنه قال نقصها بموت علمائها، فإذا مات العلماء انتشر الجهل وعمّ الضلال ورجع الناس إلى أجهل من الجاهلية الأولى، فنسأل الله أن يبارك في جهده، وأن يكرمه، وأنا مدين له وأنا تلميذ عنده، ولا أزال تلميذاً عنده.
الدكتور راتب :
والله أنا تلميذ تلميذك والله.
فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني العالم والأستاذ الجامعي المعروف :
جزاك الله عنا خيراً، وجزى من احتفى بك، وعرف قدرك أخونا الشيخ عبد المقصود محمد سعيد خوجه جزاه الله كل الخير، وأمتع قلوبنا بهذا. هناك كلمة لبعض المتصوفين وأنت شيخ التصوف وشيخ التربية.
الدكتور راتب :
لا تناسبني هذه.
فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني العالم والأستاذ الجامعي المعروف :
لا، تناسبك لأن حديثك كله يطهر النفس، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9]

أقول: إن الإنسان الذي يعرف قدر أهل العلم، يعرف قدر رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن هم العلماء، العلماء هم ورثة الأنبياء، فينبغي أن نعرف قدرهم، وأن نجلهم، وأن نكرمهم، فقد أمر الله عز وجل بتكريم أهل العلم، قال تعالى:

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

[ سورة المجادلة: 11]

هذا هو سؤالي: ما هو رأيك في كلام الإمام الاسكندري: "اجتهادك فيما ضمن لك، وتقصيرك فيما أمرت به دليل على انطماس نور البصيرة منك"، جزاك الله خيراً هذا سؤال يرجى أن توضحه.

 

الإنسان خاسر إلّا إن عمل عملاً ينفعه بعد انقضاء الزمن :

الدكتور راتب :
الإجابة عن هذا السؤال العميق، علة وجودك أن تعبد الله، وقد ضمن الله لك الرزق، فإذا سهوت عن علة وجودك في الدنيا، وهي العبادة، وأمضيت وقتك في الهم في طلب الرزق، وقعت في تناقض عجيب، وهذه مشكلة كبيرة جداً، و الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، والإنسان كائن متحرك إلى هدف ثابت، فكل حركة، وكل دقيقة، وكل ثانية تقربه من هدفه، والله عز وجل قال:

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

[ سورة العصر : 1]

أقسم بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو الزمن، قال له: أنت خاسر، لماذا؟ لأن مضي الزمن يستهلك الإنسان، رحمة الله عز وجل في إلا، حينما تفعل فعلاً في الزمن الذي سينقضي، ينفعك بعد انقضاء الزمن تلافيت الخسارة، الخسارة محققة، الموت ينهي كل شيء، قوة القوي، ضعف الضعيف، غنى الغني، فقر الفقير، علم العالم، جهل الجاهل، الموت ينهي كل شيء، إلا إذا فعلت في الزمن الذي سينقضي عملاً ينفعك بعد انقضاء الزمن، بمعنى أن أي عمل يدخل معك إلى القبر وأي عمل يبقى في البيت لا تجعله أكبر همك، هناك أفعال كثيرة تنتهي في البيت، تنتهي في المحلات التجارية، تنتهي في السوق، تنتهي في الأموال، ولكن يوجد عمل يدخل معك في القبر، هذا العمل يا قيس إن لك قريناً تدفن معه وهو حي، ويدفن معك وأنت ميت، إن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك، وبارك الله بكم.
ننتقل إلى قسم السيدات.
الدكتورة نادية عبد الجبار:
السلام عليكم؛ أنا مكية وأكتب الشعر بالإنجليزية بنية الدعوة من منظور إسلامي، وقد فازت قصائدي في أمريكا وبريطانيا بالمرتبة الأولى لسنوات، وأنا متأثرة بأفكاركم وأفكار الشعراوي والغزالي، فهل من الضروري والأخلاق العلمية والإسلامية أن أذكركم وراء كل قصيدة أم يكفي ذكركم في اللقاءات معي؟

 

ضرورة نقل العلم دون أن يعزى لصاحبه :

الدكتور راتب :
أجيبك كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: "أريد أن ينقل علمي دون أن يُعزى إلي. ما من داع لذلك.
الأستاذ عبد الغني حاووط:
السلام عليكم سعادة الدكتور في الحديث الشريف أن جبريل يقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه ...نسأل الله أن تكون منهم، لكن هناك مقومات تجلب محبة البشر لفلان من الناس فما هي مقومات الداعية الذي يريد أن تسمعه القلوب قبل الآذان؟ فهل يتكرم الدكتور أن يدلنا ويرشدنا لهذه الطرق التي سلكها حتى نال بها كل هذه المحبة والقبول من كل أطياف البشر في كل أنحاء العالم الإسلامي؟ وشكراً.

 

مقومات الداعية الذي تسمعه القلوب قبل الآذان :

الدكتور راتب :
والله أنا أرجو الله أن يجعلنا من هؤلاء، ويجعل الجميع من هؤلاء، أنت حينما تطبق ما تقول فقط، أنا والله أول خطبة خطبتها في حياتي لي عمّ خطيب جامع النابلسي منذ سبعين سنة، فبلغ الخامسة والتسعين و لم يعد يستطيع أن يكمل كلفني أن أخطب مكانه، أنا أذكر أنه أمسكني من يدي بآخر الجامع وساقني إلى المنبر، هذا كان عرساً عثمانياً، أي مادام هو وكلني أمام الناس كان يأخذ بيدي إلى المنبر، أنا في الطريق من أول الحرم إلى المنبر بكيت قلت: يا رب أنا لست أهلاً لكني أعاهدك يا رب ألا أتكلم كلمة إلا وأطبقها في حياتي، هذا رأس مالي الوحيد، لأن هناك مشكلة كبيرة أنت حينما تقول ما لا تفعل كأن الله يعاتبك، يقول لك: عبدي أنت كذلك أما تستحي مني؟ إذا الإنسان منا عاهد نفسه ألا يتكلم كلمة إلا ويطبقها، أنا أذكر مرة دفعت الزكاة مضاعفة، ألقيت خطبة عن الزكاة تركت أثراً مذهلاً، أنا طبقتها، الإنسان عندما يفعل ما يقول يكون له أثر كبير، وأكاد أقول لكم: أكبر خصيصة للدعوة الناجحة أن الداعية يفعل ما يقول، بماذا اختص الأنبياء؟ الصحابة الكرام ما رأوا موقفاً قولياً لا يؤكده الواقع، والآن أقول لكم: مرة سألت الشيخ الشعراوي - أنا زرته مرتين - قلت له: أريد منك نصيحة للدعاة، أنا توقعت النصيحة نصف ساعة أو ساعة، إذا هي جملة واحدة، قال لي: ليحرص الداعية ألا يراه المدعو على خلاف ما يدعوه. فقط ما زاد عن هذه الكلمة، ليحرص الداعية ألا يراه المدعو على خلاف ما يقول.
فأنا منهجي في الدعوة طبق ما تقول الله عز وجل يكتب لك القبول .
سؤال من الطالبة الجامعية ميسون عبد الغني حاووط:
السلام عليكم؛ سعادة الدكتور محمد راتب النابلسي، يستدل البعض على عظمة آيات الإعجاز العلمي في القرآن من خلال ربطها بالاكتشافات والنظريات العلمية، فلو ثبت بطلان النظرية والاكتشاف اهتز معنى الآية والقرآن في نظر غير المسلمين، أم يجب أن تكون الاكتشافات والنظريات العلمية هي التي تتقوى بالآيات الواردة في القرآن، فإذا بطلت النظرية والاكتشاف بقي القرآن، وسيبقى كما هو برفعته وسموه؟ شكراً.

ضرورة التطابق بين آيات القرآن الكريم و الإعجاز العلمي :

الدكتور راتب :
بارك الله لك بهذا السؤال فهو من أعمق الأسئلة.
أيها الأخوة الكرام؛ الإعجاز العلمي كما هو أكبر داعم للإيمان، دققوا في الوقت نفسه أكبر معول لتهديم الإيمان كيف؟ حينما يلتقط الإنسان أية مقولة علمية، من دون تحقق، من دون تبصر، من دون دراسة، ويربطها بآية، هذه المقولة لم تثبت، يأتي الطرف الآخر ينقد هذه المقولة وينقد معها الآية، الآن أعداء الدين مأخذهم الوحيد الإعجاز غير المنضبط، الإعجاز انتشر الآن لكن أنا العبد الفقير منهجي في الإعجاز أن تكون المقولة العلمية حقيقة علمية لا يختلف عليها اثنان في الأرض، كأن نقول: المعادن تتمدد بالحرارة. حقيقة علمية لا يختلف عليها اثنان في الأرض، وأن تكون الآية قطعية الدلالة، ويكون التطابق عفوياً وتاماً، هذه تدرج في الإعجاز، أما إذا التقطنا مقولة علمية قبل التحقق، وقبل البحث، وقبل الدرس، وربطناها ربطاً سريعاً أو ضعيفاً بآية، وقعنا في شرّ أعمالنا، عندئذ يأتي الطرف الآخر، وينقد هذا القرآن من خلال الإعجاز، وينقد هذه المقولة، وينتقل بعدها لينقد الآية، فكما أن الإعجاز شيء عظيم يحتاج إلى منهج، أنا بفضل الله عز وجل كتاب الإعجاز العلمي مضى على تأليفه عدة سنوات صار مطبوعاً حوالي عشرين طبعة، بالمقدمة كاتب شروط الإعجاز، المنهج العلمي للإعجاز، كل إنسان يتحدث بالإعجاز، لكن يجب أن يكون الإعجاز حقائق ثابتة، والآيات قطعية الدلالة، والتطابق عفوياً وتاماً، وإلا أصبح الإعجاز معولاً لتهديم الإيمان.

 

سؤال من الأستاذ سامي صالح التتر مسؤول مجلة اليمامة في جدة:
السلام عليكم؛ من قوانين زيادة الرزق التوكل على الله، فما قولك فيما أخذ عليك أن جوارحنا حلت محل قلوبنا في التوكل على الله، وكيف للقلب أن يكون إمام الجوارح تصديقاً لقول الله تعالى:

﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾

[سورة الإسراء: 84]

أي على شاكلة قلبه؟

 

الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

الدكتور راتب :
رأى سيدنا عمر في الحج أناساً يتسولون، فقال: من أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله. أنا أؤمن أنه ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، التوكل الصحيح طريق ضيق في قمة جبل، عن يمينه واد سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، فالذي يمشي على هذا الطريق، إذا أخذ بالأسباب واعتمد عليها ونسي الله، وقع في وادي الشرك، هذا حال أهل الغرب، يأخذون بالأسباب بأروع ما يكون، لكنهم يؤلهونها، وأما إن لم تأخذ بها، وقعت في وادي المعصية، لأن الله أمرك بأن تأخذ بالأسباب.
فالبطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه مشكلة العالم الإسلامي الأولى، نحن نظن لأننا مؤمنون الله ينصرنا فقط، لكن لا نعد لهم، قال تعال:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

والنصر له قوانين، أول قانون: الإيمان الذي يحمل على طاعة الله، والقانون الثاني: هو الإعداد، إعداد من دون إيمان لا يوجد نصر، إيمان من دون إعداد لا يوجد نصر، شرطان كل منهما لازم غير كافٍ، أن تعد للعدو ما تستطيع، من رحمة الله بنا ما كلفنا أن نعد لهم القوة المكافئة، كلفنا أن نعد القوة المتاحة فقط، قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

والله يتولى ترميم ما نقص منا، إذاً أن نأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، والله هذا المبدأ يحتاجه الصناعيون، ويحتاجه الدعاة، ويحتاجه كل إنسان، أن يأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله تعالى، وكأنها ليست بشيء.
أبسط مثال عندك سفرة إلى الرياض بسيارتك، التوكل هو أن تراجع هذه السيارة، جزءاً جزءاً، وبعد أن تراجعها تماماً وتراجع جاهزيتها التامة، تقول: يا رب أنت المسلم، وهذا الأمر ليس سهلاً، حينما يأخذ المرء بالأسباب ينسى التوكل، يعتمد عليها، وحينما لا يأخذ بها، يؤكد على التوكل، كلاهما خطأ، البطولة هو أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه الحالة تحتاج إلى توحيد وإلى عزيمة قوية، وهذا ما ينقص العالم الإسلامي اليوم.
سؤال من الأستاذة فوزية ملائكة طالبة في الدراسات الشرعية، لمعهد معلومات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة:
السلام عليكم ورحمة الله؛ سؤالي: ألسنا نعبد الله سبحانه وتعالى جميعنا باتباع رسوله عليه الصلاة والسلام؟ فلماذا هذه التسميات: هذا صوفي، وهذا سني، وهذا لا أعرف ما هو، لماذا هذه التسميات؟ لماذا انقسمنا؟ لماذا أصبحنا جماعات؟ وهل تكمن المشكلة في العدو وضع هذا بيننا حتى نصبح متفرقين أم هو من عمل أنفسنا؟ أرجو الإجابة على هذا السؤال.

 

الفتن الطائفية الورقة الرابحة الوحيدة في أيدي الطغاة :

الدكتور راتب :
من الجهتين، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾

[ سورة القصص: 4]

الورقة الرابحة الوحيدة في أيدي الطغاة الفتن الطائفية، ونحن حينما نبتعد عن الله عز وجل نتفرق، الإيمان يجمعنا، والدنيا تفرقنا، الدنيا تفرق، والإيمان يجمع، التفرق له سببان: الأول من أنفسنا، والآخر من أعدائنا، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾

[ سورة القصص: 4]

مسؤول كبيراً جداً في دولة غربية عملاقة قال: لا يعجبني أن يكون العالم مئتي دولة إسلامية أتمناه خمسة آلاف دولة، وهناك خطط لم تنجح، تقسيم بلادنا إلى خمس دول أو ست، لكن لم تنجح والحمد لله، الورقة الرابحة هي إثارة الفتن، هذه حقيقة دقيقة ، وهذه خطة أعداء المسلمين دائماً.
نحن بوعينا إن شاء الله نبحث عن القواسم المشتركة. أقسم لكم بالله بإمكان أي داعية أن يدعو إلى الله خمسين عاماً بالمتفق عليه، لي في الدعوة خمس وثلاثون سنة، والله الذي لا إله إلا هو لا أتكلم إلا بالمتفق عليه، لا توجد أية مشكلة، لماذا أدخل في متاهات الاختلافات؟ تعمل حزازات، تعمل مواقف، وتفرقة، وشرذمة، لذلك: ليس منا من فرّق، الآن أعني ما أقول: إن طرح أية قضية خلافية بحق الأمة جريمة الآن، لأن العدو لا يتمنى إلا الفرقة لنا، لذلك مطلوب منا الآن الوحدة والقواسم المشتركة، بصراحة وهذه مؤلمة جداً: أعداؤنا الغربيون يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة، ونحن نتقاتل والدماء تسيل في بعض البلاد وبيننا خمسة وتسعون بالمئة قواسم مشتركة، الأعداء يتعاونون على خمسة بالمئة ونحن نتقاتل على خمسة وتسعين بالمئة، أنا هذا الذي أتمناه، والله الذي لا إله إلا هو أنا من فضل الله منفتح على كل الدعاة، كل العلماء والله أحبهم جميعاً، أنا الذي أراه أن الناس إذا رأوا الدعاة إلى الله يتعاونون ارتقوا عند الله وعند الناس، وإن رأوهم يتخاصمون ويتراشقون التهم والله سقطوا جميعاً من عين الله، ومن عين الناس. هذا الذي أتمناه والله.
سؤال من الأستاذ خالد المحاميد من جريدة الوطن:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ صديقي الشيخ زادك الله فضلاً وعلماً، نحن دائماً نستمع إليك، ونتمتع بما تقول، وتعلمنا منك الكثير، سؤالي على الرغم من أن الإسلام كدين ونظرية يحض على احترام الإنسان و حقه في الاختلاف، إلا أن مجتمعاتنا الإسلامية كما يبدو لنا هي أكثر المجتمعات إقصاء للآخر، واضطهاداً للإنسان، هل نعيش حالة نفاق عامة في المجتمعات الإسلامية، ونعيش حالة من حالات الجاهلية، حيث إننا لا نرى علماءنا مهمومين في هذه القضية على أهميتها؟ وشكراً .

ضرورة التوفيق بين العلماء و اجتناب الخلافات التي تمزق الأمة :

الدكتور راتب :
والله أنا اعتقادي أن هذه الحالة المرضية كانت سائدة لكنها خفت كثيراً، العبد الفقير من سوريا والله هناك جهود جبارة بذلت للتوفيق بين العلماء، صار لقاءات دورية، صار تعاون، أنا بصراحة هناك الكثير من العلماء في الشام أخوانهم أخواني، وأخواني أخوانهم، لا توجد أية تفرقة لأن المنهج واحد، المشكلة الآن عندما تكون هناك تفرقة يصبح شرذمة، هذه الورقة الرابحة الوحيد بأيدي أعدائنا، أخوك مؤمن لا يوجد خلاف على الأساسيات إطلاقاً، خلاف بالفرعيات، هذه الفرعيات لا تفسد في الود قضية، لا يوجد مشكلة أبداً، أنا والله هذا منهجي، وأنا متفائل، الوضع أفضل بكثير من السابق، قديماً إذا انتقل الشخص من عالم لأخيه يكفروه، الآن لا يوجد مشكلة لأن الدعاة كلهم إلى الله، بوحدة، بتعاون، بتفاهم، وهذا ما أتمناه أن يسود في كل مكان إن شاء الله.
سؤال من الطالبة جامعية تسنيم:
س: السلام عليكم؛ مشاغل الحياة تكثر، وأساس التوفيق في الحياة بالتأكيد هو رضى الله عز وجل، ولكن كيف يستطيع الإنسان أن يظل قلبه متعلقاً بالله تعالى مع كثرة مشاغل الحياة؟

بطولة الإنسان أن ينجح نجاحاً شمولياً :

الدكتور راتب :
والله إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن له عملاً في النهار لا يقبله في الليل، سيدنا عمر بن الخطاب رآه أحد الأشخاص يصلي عندما دخل إلى المسجد، فقال له: ألا تنام الليل؟ قال: إني إن نمت الليل كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي.
أنا أرى الأبطال الناجحين المتفوقين ينظمون أوقاتهم، يوجد وقت للأهل، ووقت للعمل، ووقت للعبادة، ووقت للدعوة، تنظيم الوقت حضارة، له مصطلح آخر اسمه: إدارة الوقت، فكل واحد منا يجب أن يدير وقته، يعمل برنامجاً، الصباح من كذا إلى كذا قرآن، مع الأهل ساعة.

(( .. لنفسك عليك حقاً، و لأهلك عليك حقاً، فأعطِ لكل ذي حق حقه ))

[ البخاري عن عون بن أبي جحيفة ]

فالبطولة طبعاً أكثر الناجحين تأخذهم جهة واحدة، نجح أحدهم بالتجارة وجمع أموالاً طائلة، لكن أولاده لم يعتن بهم، أحياناً عندما يكتشف الإنسان بعد فوات الأوان أنه خسر أولاده يشعر بخسارة لا تعوض، أنا أقول: إن البطولة هو أن تنجح نجاحاً شمولياً، والآن إن أحدث نظريات علم النفس ترى أن النجاح لا يسمى نجاحاً إذا كان جزئياً، أنا جمعت النجاحات في أربعة بنود بشكل مختصر، علاقتك مع الله تعالى بند أساسي، علاقتك مع الأهل والأولاد بند هام جداً، علاقتك بعملك، وعلاقتك بصحتك، وأي خلل بواحدة تنسحب على الثلاثة الأخرى شئت أم أبيت.
فأنا لا أسمي أحدهم بناجح، إذا كان قد نجح بصحته فقط، لا أسميه ناجحاً إذا نجح بعمله التجاري فقط، لا أسميه ناجحاً إذا نجح مع أهله فقط، يجب أن تنجح مع الله ومع أهلك ومع عملك ومع صحتك هذا النجاح الشمولي.
الدكتور محمود حسن زيني أستاذ الأدب الإسلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين، استمعنا إليك كثيراً، وقرأنا لك كثيراً، أما الليلة فسعدنا بك سعادة غامرة حقيقة وأنت تتحدث عن العلوم، فحدثتنا عن الأبعاد ما بين الشمس والأرض، وهناك سؤال يحيرني كثيراً: يشير الإعلام وغيره بأن المخترعين والمكتشفين للفضاء هم الغرب، بينما نعرف أن علماء المسلمين علموا الغرب كل شيء حتى في الفضائيات وفي النجوم لهم جهد كبير، أرجو أن تحدثنا بإيجاز عن أشهر علماء المسلمين الذين لهم فضل في كشف هذه الفضائيات، وهذا العلم.

 

أشهر علماء المسلمين الذين لهم فضل في كشف العلم :

الدكتور راتب :
أيها الأخوة الكرام؛ الرائد الفضائي الأول الذين صعد إلى القمر، كلكم يعلم أن هناك طبقة الهواء، هذه الطبقة سماكتها تقدر بخمسة وستين ألف كيلو متر، فرائد الفضاء خرج من الأرض ضمن طبقة الهواء، فالجو منير صاح فجأة سمعه عالم فلكي كبير من مصر اسمه الدكتور فاروق الباز، كان بمحطة فلوريدا الإرسال، فقال هذا الرائد: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً. شيء عجيب، ما الذي حصل؟ الهواء فيه ظاهرة فيزيائية اسمها انتثار الضوء، أي أشعة الشمس حين تسلط على ذرات الهواء بعض هذه الذرات تعكسها إلى مكان آخر، فنحن هذا المكان في النهار فيه ضياء، لكن لا يوجد شمس، هذا انتثار الضوء، ، فلما تجاوز روّاد الفضاء طبقة الهواء انعدم الانتثار، فقال: لقد أصبحنا عمياً. هذه حقيقة اكُتشفت بعد غزو الفضاء، تفتح القرآن الكريم:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر:14- 15]

عندما أرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً كريماً، لا بد من أن يشهد له أنه رسوله، عن طريق المعجزات، كيف شهد الله لنبيه أنه رسوله؟ من خلال آيات الإعجاز في القرآن الكريم، هذه الآيات لا يمكن أن يستطيع عالم أرضي قبل ألف وأربعمئة سنة أن يتحدث عنها، الآن كشفت، عندك مئات الآيات بعد تقدم العلم ظهرت، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر:14- 15]

هذه سمعها فاروق الباز، سمعها بأذنه من رائد الفضاء، معنى هذا أيها الأخوة الكرام شهادة الله للبشر جميعاً أن هذا القرآن كلامه، آيات الإعجاز ألف وثلاثمئة آية فيها سبق علمي مذهل، فإذا إنسان تعمق بالإعجاز، هذه المادة الوحيدة التي تستطيع أن تقنع الغرب بالإسلام. عالم مصري كبير طبيب، الآية الكريمة:

﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾

[ سورة يوسف: 93 ]

أخذ قميصاً فيه عرق إنسان، بشكل علمي هذه الآية لم تذكر في عالم الغرب، عالم مصري لما ألقي على وجه سيدنا يعقوب القميص ارتد بصيراً، القميص فيه عرق، جاء عالم مصري حلل العرق ظهر فيه أربع وستون مادة، فرز هذه المواد كيميائياً وجاء بعين مبيضة، بالمناسبة الإنسان بعد تقدمه بالسن العدسة تصبح حليبية، لا يرى بها، يسمونها: المياه الزرقاء، هذا أكثر مرض يصيب المتقدمين بالسن، أحياناً المياه الزرقاء، قال تعالى:

﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ ﴾

[ سورة يوسف: 84 ]

لم تعد شفافة، كالحليب بيضاء، فألقي على سيدنا يعقوب قميص سيدنا يوسف، ماذا في القميص؟ فيه عرقه، أخذ العرق حلله فوجد أن فيه أربعاً وستين مادة، المواد استحضرها كيميائياً مادة مادة، وجاء بعدسة إنسان مريض حليبية، ووضع المواد على العين مادة مادة، مادة البولين أرجعت العين شفافة، وهي المادة الوحيدة من أربع وستين مادة، الآن يوجد مشروع تصنع قطرة، كل إنسان صار معه مياه زرقاء لا يحتاج إلى عملية استئصال العدسة، يأخذ قطرة ترجع شفافة، هذا من علماء المسلمين، عالم من مصر، اكتشفها لكن نحن مازلنا مقصرين.
الأستاذة سامية مناع عضو الهيئة العالمية :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله للإسلام والحمد لله للقرآن، والحمد لله للنبي العدنان، صلى الله عليه وسلم المعلم الأول، الهادي البشير، اللهم أمتنا على ملته واحشرنا في زمرته، واجعلنا من محبي العلماء العاملين، أعجبني تواضعكم، الشيخ النابلسي جزيتم خيراً على علمكم الواسع، كل إنسان مأمور بالتبليغ كما قلت: بلغوا عني ولو آية، الإنسان يقول شيئاً ويأمر الناس بشيء ولا يؤديه، قال تعالى:

﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾

[سورة البقرة: 44]

هذه الآيات أساس الداعية الناجح، يا حبذا لو كانت هناك دورات لإعداد الداعية الناجحة من قبل الشيخ النابلسي.
الدكتور راتب :
والله أنا أتمنى عندما أدعى ألبي إن شاء الله.
الأستاذ إحسان صالح طيب:
بسم الله الرحمن الرحيم؛ فضيلة الشيخ ما هو السبيل إلى جمع كلمة علماء المسلمين على لواء التوافق مع الله؟ هذا واحد.
ثانياً: ذكرتم النجاحات الأربعة، من ضمنها علاقتك بصحتك، الإنسان لا يتحكم بصحته فهناك أمراض كالسرطان، لا دخل لبني آدم فيها، فهل هذا لا يكون نجاحاً في الصحة أم يكون ابتلاء من الله عز وجل؟

 

العناية بالصحة من الدين :

الدكتور راتب :
أنا أقصد الأمراض التي نحن سببها، طبعاً هناك أمراض نحن لا نكون سبباً فيها، فما قصدت جميع الأمراض، وهناك أمراض نحن سببها، إذا طبيب طلب منك أن تتوقف عن أكل المواد الدسمة، فما توقفت عنها، آثرت لذة الطعام على لذة الصحة، فأصبت بشيء أنا أقصد هذه الأمراض.
بالمناسبة أتوهم أن الطبيب عندما يطلب منك أن تتوقف عن الملح مثلاً هذا ضمن منهج الله عزّ وجل، الله عز وجل له قوانين، الملح يكثر الماء بالأوعية، يمكن أن يصيب الأوعية فتنفجر في الدماغ، فعندما أنا آخذ رأي الطبيب المسلم الحاذق الورع، بالتوجيهات أنا أرى أنه من عبادة الله اتباع هذه التوجيهات.
كيف قال لك المفتي: ممنوع الربا، الطبيب منعك أن تأكل ملحاً زيادة لأن عندك نسبة ملح عالية جداً والضغط مرتفع، بصراحة العناية بالصحة من الدين، صحتك قوام حياتك، فالعناية بالصحة من الدين.
الأستاذة دينا أسعد :
بسم الله الرحمن الرحيم، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد، أمدّ الله بعمر شيخ هذه الاثنينية، والشيخ الضيف أمدّ الله بعمره، وفتح الله على بصيرته، ما هي حياة البرزخ؟ وشكراً.

 

تعريف حياة البرزخ :

الدكتور راتب :
حياة البرزخ بين الموت ويوم القيامة، طبعاً شاهدها الوحيد قال تعالى:

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

[ سورة غافر: 46 ]

هذا الشاهد القرآني، و هناك أحاديث كثيرة أن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، الفترة بين الموت وبين يوم القيامة هذا البرزخ، وكل إنسان له برزخ بحسب عمره، إذا مات بوقت مبكر يكون برزخه أطول.
س:
شيخنا الفاضل بارك الله بك، سؤالي آية في سورة الطلاق، قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

هل المثليات هنا هي مثليات كُنه أم مثليات عدد؟

 

المثليات في القرآن لا تعني العدد بل تعني التكثير :

الدكتور راتب:
حسب ما أعلم المطلق في القرآن على إطلاقه، لكن لي ملاحظة أن العدد سبعة، أحياناً في اللغة العربية لا يعني الكم بل يعني التكثير، أحياناً نقول بالعامية: قلت لك ستين مرة، هو لم يقل ستين قال مرة واحدة، فكلمة ستين في العامية للتكرار، في الفصحى سبعة، وهو هنا لا يعني العدد يعني التكثير.
الأخت ريهام الحمامي من صناع الحياة متطوعة في الندوة العالمية للشباب الإسلامي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نريد أن نسأل سؤالاً بالنسبة للعمل التطوعي في الغرب، هذا العمل منتشر بكثرة في الغرب، مع أن عالمنا الإسلامي بقلب كل إنسان مسلم يوجد بذرة خير، بذرة طيبة، ما سبب قلته في العالم العربي و كثرته في العالم الغربي؟ هل بمساعدتك، وبمساعدة المجموعة الطيبة الذين أنت تتعاون معهم هل ممكن أن تساعدوا وتشجعوا عبر شاشات التلفاز على العمل التطوعي في العالم العربي؟

 

العمل التطوعي في العالم العربي :

الدكتور راتب :
العبد الفقير أنا من سوريا كما تعرفين، كان عندنا ثلاثمئة وخمسون جمعية خيرية، الآن أصبحت ثلاثة آلاف وخمسمئة جمعية خيرية، فبدأ العمل الخيري والتطوعي، وأوضح شيء الجمعيات، وهي منضبطة بقوانين وحسابات دقيقة، نحن قفزة واحدة من ثلاثمئة وخمسين جمعية خيرية إلى ثلاثة آلاف وخمسمئة جمعية خيرية، لكن في البلاد الغربية يوجد ثلاثمئة وخمسون ألف جمعية خيرية، العمل الخيري الآن له إطار على شكل جمعيات، وكلما كثرت هذه الجمعيات فهذا مقياس حضاري، ونسأل الله أن يلهم الجميع هذا العمل، لدينا في الشام جمعيات لطيفة جداً، أي طالب متفوق لم يتح له الدخول إلى الجامعة، هناك جمعية خيرية تمول له دراسته، لأن الأمة بعلمائها، أصبح لكل مرض عضال عندنا جمعية خاصة، فمرضى السكري لهم جمعية، أي أصبح هناك أنواع من الجمعيات لا يصدقها العقل، هذا خلال عشر سنوات، من ثلاثمئة وخمسين جمعية خيرية إلى ثلاثة آلاف وخمسمئة جمعية خيرية. وأنا رئيس جمعيتين عندنا، وإن شاء الله يبقى العمل الجماعي في نمو.

 

الموضوعيّة قيمة خلقيّة وقيمة علميّة :

بصراحة أيها الأخوان؛ في كل جلسة يمكن للمرء أن يأخذ السلبيات، أنا أحبّ الإنصاف، هناك إيجابيات لم تكن، في هذا العصر هناك إيجابيات لم تكن من قبل وهذه نعمة، فأنت ذكرت السلبيات اذكر معها الإيجابيات حتى نتوازن.
هناك أشخاص فقط للنقائص، أين الخطأ فقط يكبره، هؤلاء قناصون، إذا كان هناك إيجابيات في أي بلد اذكرها، والله في المؤتمرات الإسلامية مودة لا يعلمها إلا الله، بكل البلاد فكر واحد، منهج واحد، توصيات رائعة، أنا عندي إيجابيات لكن هناك شخصاً سبحان الله لا يرى إلا الخطأ في حياته، وهذا اسمه سوداوي المزاج، وله اسم ثان: عدو قناص.
مثلاً أثناء استعراض الأسرى، النبي صلى الله عليه وسلم واقف، مرّ صهره زوج ابنته جاء ليحاربه، مشرك، فقال عليه الصلاة والسلام:" والله ما ذممناه صهراً "، هناك إيجابية عنده، كان زوجاً جيداً، زوج زينب.
الإنصاف رائع جداً، أنا أرى أن الإنصاف علامة الإيمان بكل شيء، إذا عالم غلط انتهى عندك، لا لم ينته، غلط غلطة فقط، الموقف المتطرف خطير في حياتنا، والموقف لدينا إما أبيض أو أسود، مع أن هناك اللون الرمادي بينهما، حياتنا السابقة إما أننا نرفع الإنسان فوق الناس أو ننهيه، لا، يجب أن تكون أحكامنا معتدلة وموضوعية وواقعية، أنا أرى الموضوعية قيمة تلتقي عندها الأخلاق والعلم، هي قيمة خلقية وقيمة علمية، كن موضوعياً، ما له وما عليه، لكن ما له دائماً أو ما عليه دائماً هذا خطأ.
الأستاذ عجلان أحمد الشهري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شكراً فرصة طيبة، قال عليه الصلاة والسلام: " ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ واحدة ". من خلال استعراضنا البسيط لتاريخ الفرق الإسلامية من خلال التاريخ وجدنا أنها قد تجاوزت هذا العدد، أو هذا التصنيف، إن صح التعبير، وفي عصرنا الحاضر كل من هذه الفرق يدّعي أنه هو الفرقة الناجية، ما هي خصائص الفرقة الناجية من جانب؟ وما هي تلك الفرق التي عناها رسول الله صلوات الله عليه وسلامه، وإن أردنا أن نطبق على أرض الواقع فما هو اسم تلك الفرقة الناجية بالاسم لو سمحتم؟

الفرقة الناجية هي الفرقة التي تتبع كتاب الله و سنة رسوله :

الدكتور راتب :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الفرقة الناجية ما أنا عليه وأصحابي، والسلبيات لا مصلحة لنا فيها، والإيجابيات، ما أنا عليه وأصحابي، دائماً عندما يريد الإنسان أن يتحدث يأخذ الإيجابيات، فنحن ندعو إلى اتباع الكتاب والسنة، ونبتعد عن الخرافة، وعن البدعة، وهذا شيء واضح بالدعوة، لذلك الدعوة إلى الله ينبغي أن تنطلق من الكتاب والسنة، الكتاب والسنة منهج، قال عنه النبي عليه أفضل الصلاة والسلام:

(( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما؛ كتاب الله وسنتي.. ))

[ الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ]

فنحن الدعوة إلى الكتاب والسنة، والقضايا الخلافية نجمدها حفاظاً على وحدتنا ومحبتنا.
الأستاذة المدرّسة للقرآن الكريم فتوح غسان:
لماذا نرى خللاً كبيراً وفرقاً شاسعاً بين الآباء والأبناء بالمعاملات اليومية علماً بأن الآباء على خلق ودين وتحصيل علمي وتجارب كثيرة، ما هو العلاج برأيكم؟

 

قضية الأولاد أخطر قضية في حياة الآباء :

الدكتور راتب :
أقسم لكم بالله - وأنا مضطر أن أقسم - أنك لو جمعت أكبر ثروة في الأرض، وبلغت أعلى منصب فيها، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس، قضية الأولاد أخطر قضية في حياة الآباء، هذا ابنك جزء منك، تسعد بسعادته، وتشقى بشقائه، أكثر الناس يتزوجون ولا ينتبهون لأولادهم، يكبر أولاده يتفاجأ لمرة واحدة أنه خسر ابنه، لا يقبض دينه، ولا بيته، ولا تمسكه بالدين، لأنك أنت ما اعتنيت به، زارنا عالم كبير في دمشق أكّد لنا حقيقة قد تغيب عنكم جميعاً وقد غابت عني، أن كل شيء تتمناه في ابنك من أفكار، من أخلاق، من عادات، لا تركز في شخصيته إلا من سنة إلى سبع سنوات وقال: بعد ذلك العوض في سلامتكم، أخطر سن، فسألناه إن هذا الطفل ولد اليوم، ماذا سنربي فيه؟ قال: بكى أطعمته فسكت، ثم بكى من جديد نظفته، ثم سكت، الآن بكى وليس به شيء، إن حملته يهلكك.
من سنة إلى سبع يمكن أن تغرس في ابنك كل الفضائل والعادات والتقاليد الأساسية، بعد سبع سنوات التأثير ضعيف جداً، والمشكلة أن معظم الناس يهملون أبناءهم في هذه السنوات، يجده في سن الخامسة عشرة مراهقاً، لا يريد والده، لا يريد بيته، لا يريد هذا المنهج الإسلامي، أنا الذي أقوله: والله الذي لا إله إلا هو لن نسعد إلا إذا كان أولادنا كما نتمنى، فجزء كبير من مسؤولية الأب تربية الأولاد، وأن تهتم به، فالولد يتطلب الوقت، تناقشه وتجلس معه، فالطعام والشراب لا يكفي.
الأستاذ مشعل الحارثي الصحفي من مجلة اليمامة:
السلام عليكم؛ بارك الله في علمكم شيخنا الفاضل، حبذا لو عرفنا موقف فضيلتكم من البنوك والمصارف الإسلامية، وقد انتشر الكثير من البنوك في العالم الغربي كالبنوك الإسلامية، ترى على من تقع مسؤولية هذه البنوك حتى لا يقع المسلمون في حبائلها وشراكها وشكراً؟

البنك الإسلامي شيء أساسي إن قام على منهج الله :

الدكتور راتب :
أنا لست على اطلاع كافٍ على جميع البنوك الإسلامية، لكنني أعرف بعض البنوك، وهي بالاسم إسلامية أما الحقيقة فإنها ربوية، هذه مشكلة، أنا أتمنى أن تنشأ دراسة موضوعية.
مرة جاءنا عالم من السعودية إلى دمشق حدثنا عن البنوك الإسلامية، والله لا يوجد ولا مأخذ إن طبق ما قال، لا أظن أن منهج الله تعالى يفتقر إلى شيء أساسي في حياتنا، البنك شيء أساسي، لكن يمكن أن يكون البنك إسلامياً مئة بالمئة، لكن معلوماتي المتواضعة أن هناك بنوكاً تتملق المسلمين بأسماء ليس غير، ليست جميعاً وإنما بعضها يتملق المسلمين بأسماء براقة، وهي ليست كذلك، والأمر بحاجة إلى متابعة وبحث.
الأخت سعاد الصابوني:
بسم الله الرحمن الرحيم، لماذا لا نجد أثر القرآن في أنفسنا؟ ولماذا لا يؤثر القرآن على سلوكنا؟ ولماذا نجد انفصاماً بين سلوك المسلم وبين اعتقاده؟ فما سبب ذلك يا ترى؟

الابتعاد عن الشاشة التي تطرح أشياء مخالفة للدين :

الدكتور راتب :
لي رأي لا أعرف مدى قبوله، هذه الشاشة صارت هي مصدر ثقافتنا، لا أقول أنا بالذات أقول بشكل عام، مصدر للثقافة، وعندما تتابع البنت فيلماً، تشاهد هذه الزوجة التي علمت أن زوجها يخونها تنتقم منه بكبرياء، فتخونه مع صديقه، أي هذا طرح خطير جداً، الأفلام تطرح أشياء خلافاً للدين، خلافاً للمبادئ، وخلافاً القيم، وخلافاً العقيدة، دائماً بعلم القصة، أيها الأخوة الكرام، أنت لا يمكن أن تقبل شيئاً لا تؤمن به، لكن يمكن بالقصة أن يأتيك تسرباً، من خلال خطوط دفاعك، هذا أخطر شيء في القصة، لو سألتك: ما رأيك بالسرقة؟ تقول لي: معاذ الله، لكن ممكن أن أريك قصة أجعل لك من السارق شخصية رائعة، يتمتع بالذكاء، وسعيد بحياته وبيته، هذه قصة هدامة، أقول لكم: لا شيء أخطر على المسلمين من التمثيل والشاشة والمسرحيات والقصص، تطرح فكراً معيناً، تطرح قيمة معينة تتناقض مع الدين، أنا أقول لطلابي: إذا أنت أحببت أن تجعل من الشاشة مصدر ثقافة ابنك، أي أن تسلمه لمدرسين اثنين أحدهما ملحد، والثاني إباحي، أنا لا أبالغ أبداً، لأن الطرح في كل الأعمال الفنية هو طرح فيه تغييب لوجود الله عز وجل، والطرح بكل الأعمال الفنية لا يوجد به منهج، مادامت هذه الشاشة هي ثقافة أبنائنا، سوف نتوقع شيئاً كثيراً، لأن الشاشة طرحها غير إسلامي، حتى الأفلام، حتى كل عمل تمثيلي إلا ما رحم الله في بعض القنوات الإسلامية، وهذه قضية خطيرة تحتاج إلى دراسة دقيقة جداً، لكن أنا سمعت مرة من الدكتور طارق سويدان الآن يوجد مئة قناة إسلامية لا يوجد فيها ولا امرأة، ولا يوجد بها موسيقا، ممكن أن تقتصر على الإسلاميات.
الدكتور صالح الساداتي رئيس المركز الإسلامي في اليابان:
السلام عليكم ورحمة الله، فضيلة الشيخ رسالة الأمة الأساسية الدعوة، والصحابة فهموا هذا الشيء، لو جلسوا في الجزيرة ما اهتدى العراق ولا الشام ولا الدنيا كلها، ما هي مسؤوليتنا الآن كمسلمين لإيصال صوت الإسلام للبلدان التي ما تشرفت بنور الإسلام؟ هل عملنا تطوعي أم فردي؟ كثير من الناس يقول: لماذا تذهب إلى اليابان وكوريا وإلى أمريكا؟ لماذا المسلمون ضعفاء؟ هذا أولاً.
ثانياً: الأمة الوثنية هي الغالبة في الدنيا، اليابان، كوريا، الصين، الهند، والتوحيد هو أساس ديننا، وحضرتك ركزت على أسماء الله الحسنى، اليابانيون والكوريون لهم عادة من المطر والرزق والصحة، الله عز وجل هو الرزاق، لا بد أن نشرح لهم أسماء الله الحسنى بأسلوب يفهمونه، ترجمنا لهم الأسماء فقط لكن ما شرحناها، نحن نتمسك بأوربا فقط وإنكلترا وفرنسا، والبقية في الأرض أليس واجبنا أن نشرح لهم؟ فضيلة الشيخ نريد من حضرتك ترجمة هذا الكتاب إلى اللغات الأخرى الوثنية حتى يفهموا التوحيد، قالوا: والله يوجد ألفا إله، كيف إله واحد؟ يجب أن نعلم الناس.

 

الانترنيت أكبر أداة نشر في العالم فعلى الإنسان استغلالها بنشر الإسلام :

الدكتور راتب :
ألّف كتاب في البنان مضمون الكتاب أن إله محمد قمعي، ما قبل معه إله ثان، لا إله إلا الله، أما آلهة قريش فديمقراطيون، كل واحد منهم قبِل الآخر، قال: عش رجباً ترى عجباً.
أيها الأخوة الكرام؛ الآن مضطر أن أتكلم والله الذي لا إله إلا هو لا أقصد إطلاقاً شيئاً آخر، لي موقع في الانترنيت يزوره في اليوم الواحد مليون زائر، يسحب منه في اليوم - بإحصاء إليكسن ليس من عندي الإحصاء- مئتان وخمسة وثمانون ألف ملف إلى ثلاثمئة وخمسين ألف ملف يومياً، هذا الموقع في الخمس قارات، و هناك فرنسي وإنكليزي، والآن سوف ندخل الإسباني، أنا مقتنع بكلامك، أنا مسؤول أمام الله عز وجل عن بقية العالم، لا يوجد غير الانترنيت الآن، أنا مثلاً أخطب يوم الجمعة أجد عندي ثلاثة آلاف شخص، الناس فوق بعضها، نصف ساعة على الانترنيت مليون شخص كل يوم، الآن يوجد أدوات نشر، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾

[ سورة إبراهيم : 4]

بعضهم فهم لسان قومه: وسائل النشر في حياته، الآن الانترنيت أكبر أداة نشر في العالم، فإذا كل عالم صنع موقعاً وانتشر، طبعاً عندي الآن بنفس الأجهزة الإحصائية من يطالع هذا الموقع في أمريكا، في البرازيل، أنا سافرت والله إلى البرازيل كأني في الشام، سافرت إلى كندا كأني في الشام، سافرت إلى السويد كأني في الشام، سافرت إلى ألمانيا، إلى إيطاليا، أي انتشار الانترنيت والفضائيات هذه إيجابية كبيرة جداً، لكن بعض الفضائيات أنا أشبهها، بعض الفضائيات غير الإسلامية مثل الخمر فيه إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما، برامج كلها متفلتة، ساعة دين في اليوم لابأس.
الأستاذة زينب محمد عوض:
السلام عليكم يا شيخ أنت رجل علم ودين هل أولادك مثلك؟
الدكتور راتب :
إن شاء الله، أنا لدي ثلاث فتيات مؤمنات مدرسات في التعليم الشرعي ومحجبات، وعندي ولدان واحد يعينني في الدعوة كثيراً والثاني ملتزم، هذا الذي عندي.

 

خاتمة و توديع :

مذيع الحفل :
الحقيقة من أفضل الأمسيات التي نختتمها بهذه الضحكات الجميلة بارك الله بك فضيلة الشيخ وبعلمك وجزيت خيراً.
الدكتور راتب :
أنا أشكركم جميعاً، أشكر الأخ الكريم جزاه الله خيراً على هذه الدعوة الكريمة التي أتاحت لي أن ألتقي بكم، أشكر لكم حضوركم، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم، والسلام عليكم.
مذيع الحفل :
الآن يتفضل مؤسس الاثنينية الشيخ عبد المقصود محمد سعيد خوجه بتقديم لوحة الاثنينية هدية تذكارية لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، وتلتقط الصور بهذه المناسبة، وأيضاً يقدم للدكتور راتب نسخة من المصحف الشريف بالقراءات السبع.