ومضات قرآنية - الحلقة : 09 - متى يكون الانسان مسيرا ومتى يكون مخير.

2014-07-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم.

الإنسان مخير فيما كلف به :

 أيها الأخوة الكرام؛ الآية اليوم هي قوله تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 مركز الثقل في هذه الآية،

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

 أي الإنسان مخير، قال بعض العلماء: إذا أجبر الله العباد على الطاعة بطل الثواب، وإذا أجبرهم على المعصية بطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.
 في اللحظة التي يتوهم فيها الإنسان أنه مسير في كل شيء، طبعاً هو مسير فيما لا اختيار له فيه، أي مسير في وقت ولادته، في مكان ولادته، في أمه وأبيه، في كونه ذكراً أم أنثى، مسير في قدراته العامة، هذه أشياء لصالحه، وهناك حقيقة دقيقة جداً أن الأشياء التي سير إليها الإنسان هي من مصلحته، هذا من كمال الخلق، لكن أنت مخير فيما كلفت، كلفت بالصلاة، أنت مخير تصلي أم لا تصلي، كلفت بالصدق أنت مخير تصدق أم لا تصدق، فأنت مسير في أشياء كثيرة فيما لم تكلف به، ومخير فيما كلفت به، هذا كلام دقيق.
 إذاً في اللحظة التي يتوهم فيها الإنسان أنه مسير في كل شيء عندئذ ألغيت الجنة و النار، ألغي الثواب والعقاب، ألغي التكليف، يتعطل الدين كله حينما نتوهم هذا الوهم، الإنسان مخير فيما كلف، مسير فيما لم يكلف، ولولا هذا الاختيار لما كان معنى للثواب والعقاب، لما كان من معنى للجنة والنار، لما كان من معنى للإيمان والكفر، فالإنسان مخير إذاً أعماله التكليفية إذا أخذ بها عن اختيار ارتقى عند الله، إذاً هذه الآية تبطل توهم المتوهمين، أي قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 148]

 أي تكذبون.

 

حساب الإنسان لنفسه عندما يؤمن أنه مخير حقيقة :

 أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان حينما يؤمن أنه مخير حقيقة لا بد من أن يحاسب نفسه حساباً دقيقاً، لولا التخيير لما كان هناك معنى إطلاقاً للثواب والعقاب، لذلك مرة ثانية: إنسان في عهد سيدنا عمر، ساق له عقاباً بسبب شربه للخمر، فقال لسيدنا عمر: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليَّ ذلك، فقال سيدنا عمر: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.
 أي إنسان في أي عصر، في أي زمان، يقول بجهل فاضح: الله قدر عليّ أن أفعل هذه المعصية، هذا كلام مستحيل أن يكون مقبولاً، أنت حينما تفعل المعصية تفعلها باختيارك، وهذا قرارك، وله مسؤولية كبيرة، وله ثمن كبير، فحينما يعزو الإنسان أفعاله إلى قضاء الله وقدره تطاولاً على الله عز وجل يكون قد ألغى الاختيار.

 

وجوب الاستقامة على أمر الله لأن حركة الإنسان في الحياة وفق اختياره :

 إذاً الآية الكريمة:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 هو موليها، هو الذي يوليها، ويدفع ثمنها، ويقطف ثمارها إن كانت إيجابية، ويدفع سلبياتها إن كانت سلبية، لذلك قال تعالى:

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 والعلاقة دقيقة جداً بين طرفي الآية، قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 ولأنكم مخيرون، ولأن حركتكم في الحياة وفق اختياركم، إذاً ينبغي أن تستقيموا على أمره كي تحصلوا الخيرات، قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 الإنسان قد يكون في أعلى مكان، يملك أكبر ثروة، في أجمل حياة، هذه الحياة الدنيا تنتهي بالموت، حتى قيل:

كل مخلوق يموت  ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت
***
والليل مهما طـــــــــال  فلا بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طــــــال  فلا بد من نزول القبر
***

 هذه الآية تؤكد اختيار الإنسان:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 أنت لا يمكن أن تقول لراكب في المقعد الثاني: خذ يمين الطريق، المقود ليس بيده، أما إذا قلت لإنسان خذ يمين الطريق معنى ذلك أنك تخاطب السائق، تخاطب من يملك الحرية في حركة المركبة، قال تعالى:

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 معنى ذلك تمتع بحرية الاختيار قبل فوات الأوان، أنت الآن مخير، بإمكانك أن تتوب، أن تراجع، أن تصحح، أن تدفع ما ينبغي، أن تدفعه إذا كان المال حراماً، وأنت في الحياة الدنيا، وأنت والقلب ينبض كل شيء يصحح:

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 أما إذا جاء الأجل وختم العمل انتهى كل شيء، لذلك قال تعالى:

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

[ سورة الفاتحة: 4]

 انتهى الاختيار، والأمر لله عز وجل، إذاً قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 في أي مكان، قال تعالى:

﴿ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]