ومضات قرآنية - الحلقة : 02 - العبادة هو أمر عام لكافة البشر .

2014-06-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.

العبادة تقتضي التطبيق والتمثيل والانصياع لمنهج الله مع المحبة :

 أيها الاخوة المشاهدون؛ مع حلقة جديدة من حلقات:" ومضات قرآنية "، والآية اليوم هي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 أيها الأخوة الكرام؛ كل آية في القرآن فيها أمر، هذا الأمر يقتضي التطبيق، أوامر الله كلها من عند الخالق، من عند الرحيم، من عند الحكيم، من عند العليم، من عند الغني، فأية آية قرآنية تخاطب الناس عامةً أو المؤمنين خاصةً تقتضي التطبيق، فيا أيها الناس اعبدوا ربكم، والعبادة في أدق أدق تعاريفها هي طاعة، أو هي خالص الطاعة مع خالص الحب، أي من عبد الله أو من أطاعه ولم يحبه ما عبده، ومن أحبه ولم يطعه ما عبده، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 العبادة تقتضي التطبيق والتمثيل والانصياع لمنهج الله مع المحبة، لأن الأقوياء يطاعون ولا يحبهم بعض الناس، الأقوياء يطاعون قسراً.

 

الله تعالى أراد علاقتنا به علاقة حبّ لا إكراه :

 لكن الله عز وجل الذي خلقنا، والذي نحن في قبضته، كن فيكون، زل فيزول، مع أنه خالقنا وربنا ومسيرنا ما أراد أن تكون العلاقة به علاقة قهر، ولا علاقة إكراه، قال:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[سورة البقرة :256]

 بل أراد أن تكون علاقتنا به علاقة حب، قال:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54 ]

 فالفرق بين طاعة القوي وبين طاعة اله عز وجل فرق كبير، هنا يوجد معرفة ومحبة وانصياع وتعلق:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 وكأن هذه الآية تشير إلا أن علة وجودنا في الدنيا أن نعبده.
 والعبادة كما قلت قبل قليل: هي طاعة لكنها طوعية لأن الله ما أرادها أن تكون قسرية، قال:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[سورة البقرة :256]

 ما أراد أن تكون علاقتنا به إلا علاقة حب قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾

[ سورة البقرة : 21]

الحبّ أصل في الدين :

 طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، لذلك ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، وبالمقابل ما عبد الله من أحبه ولم يطعه، إذاً طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، فالحب أصل في هذا الدين، بل إن الحب لمن منحنا نعمة الإيجاد، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان:1 ]

 الحب لمن منحنا نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 21]

الله عز وجل هو الجهة التي تستحق العبادة :

 قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

 من هي الجهة التي تستحق ان تعبدها لأنها عليمة؟ لأنها حكيمة؟ لأنها قديرة؟ لأنها جميلة؟ الله عز وجل، كل صفات الكمال في ذاته العلية، قال تعالى:

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن:78]

 بقدر ما تحبه تعظمه، وبقدر ما تعظمه تحبه، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 طاعةٌ طوعية ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادةٍ أبدية.

 

حرص الإنسان على سلامة و كمال و استمرار وجوده :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ على وجه الأرض الآن سبعة مليارات إنسان، ما منهم واحد على الإطلاق إلا وهو حريص على سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، سلامة وجود الإنسان وكمال وجوده واستمرار وجوده منوط بطاعة الله عز وجل، فلذلك قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب:71 ]

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 من هو الخبير بكم؟ من هو الخبير بأسباب سعادتكم؟ من هو الخبير بمصيركم؟ من هو الخبير بسرّ وجودكم؟ لماذا خلقنا؟ خلقنا ليسعدنا ربنا عز وجل، والدليل:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود:119]

 خلقهم ليرحمهم، هذه آية واضحة وضح الشمس، خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، خلقنا ليعطينا، خلقنا لجنة عرضها السموات والأرض، وما الحياة الدنيا إلا ممر لهذه الجنة، إنها تمهيد لهذه الجنة، إنها مكان وزمان ندفع فيه ثمن الجنة، ما الحياة الدنيا إلا من أجل أن تعرف الله أولاً، وأن تطيعه ثانياً، ثم أن تتقرب إليه بالعمل الصالح ثالثاً، عندئذ نحقق سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

 أي جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة، الإنسان إذا عرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، جاءت حركته في الدنيا مطابقةً لمصلحته.

 

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاث :

 الإنسان كائن متحرك ما الذي يحركه؟ حاجته إلى الطعام والشراب حفاظاً على بقائه كفرد، وحاجته إلى الزواج حفاظاً على بقاء النوع، وحاجته إلى تأكيد الذات حفاظاً على بقاء الذكر، هذه الحاجات الثلاث تحركه، فإذا جاءت حركته وفق منهج الله أي وقف عند الحدود أعطى، بنى حياته على العطاء، اتقى صدق بالحسنى، إن جاءت حياته وفق منهج الله سلم وسعد في الدنيا والآخرة، والسلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان على وجه الأرض، فلذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 أي أن تتقون غضبه برضاه، أن تتقون عذابه بسعادة ملء السموات والأرض، لذلك أتمنى على المؤمن إذا قرأ القرآن أن يقف عند هذه الآية وقفةً متأنية، قال تعالى:

﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 21]

 معنى ذلك لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، الذي ينبغي أن تطيعه وحده هو الصانع، لأن الآلة أنت أعقد آلة في الكون، ولهذه الآية صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، وحينما تطيع الله عز وجل تحقق السلامة والسعادة.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الحقائق في متناول أيديكم وسبب سعادتكم إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.