الدرس : 116 - صلاة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، قال تعالى - ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.....﴾.

2015-01-27

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

سنة النبي تشمل أقواله و أفعاله و صفاته :

 أيها الأخوة الكرام؛ أخ كريم تمنى علي قبل حين أن أشرح لكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قال عليه الصلاة والسلام:

(( ..صلوا كما رأيتموني أصلي...))

[متفق عليه عن أبي قلادة رضي الله عنه ]

 والحقيقة:

(( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ))

[ الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

 السؤال ما هي السنة؟ العلماء قالوا: السنة أقوال النبي الكريم، والدليل قال تعالى:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

 مشروعية السنة من هذه الآية، لذلك هناك من يسمون بالقرآنيين، يريدون أن يكتفوا بالقرآن وحده، وأنا أجيبهم وأقول: القرآن الذي تكتفون به يأمركم أن تأخذوا أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قالوا الوحي نوعان: وحي متلو ووحي غير متلو، فالوحي المتلو هو القرآن معنى ونصاً، والوحي غير المتلو هو السنة معنىً لا نصاً، النص من رسول الله والمعنى من الله، لذلك نحن نسمى أمة الوحيين الكتاب والسنة، الكتاب نص القرآن الكريم، والسنة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن القرآن قطعي الثبوت، لك مع القرآن مهمة واحدة أن تفهمه ثم أن تطبقه، لكن مع السنة لك نشاطان أن تتأكد من صحة النص، وقد يكون الحديث موضوعاً، وقد يكون لا أصل له، مثلاً كل الناس هلكى- أعوذ بالله- كل الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم. هذا حديث وضعته الزنادقة، من أجل التيئيس.
 فالقرآن الكريم ثابت قطعاً، لك حياله مهمة واحدة أن تفهمه وأن تطبقه، لكن الحديث ما كله ثابت عن رسول الله، أحد الوضاعين قال: وضعت مئة ألف حديث، حللت فيها الحرام وحرمت فيها الحلال، نشاطي مع الحديث نشاطان؛ أول نشاط التأكد من صحة الحديث، ثم العمل على تطبيقه، إذاً سنة النبي صلى الله عليه وسلم أقواله.
 الآن أفعاله؛ كان إذا صافح آخر من يسحب يده من يد مصافحه، هذه سنة وليست سنة قولية هي سنة عملية، فأقواله سنة، وأفعاله سنة، الآن شخص أمامه تكلم كلمة فإن سكت النبي صلى الله عليه وسلم فهي سنة، هذه سنة إقرارية، أحد أصحاب النبي اسمه أبو السائب، توفاه الله، وكان من عادة النبي أن يزور المتوفى قبل دفنه في بيته، سمع امرأة من وراء الستر تقول:

(( رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ فَقَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي... ))

[ البخاري عن ابن شهاب]

 إذاً هناك سنة قولية وسنة عملية، أقواله سنة، وأفعاله سنة، وإقراره سنة، قيل كلمة أمامه فسكت النبي إذاً هي صحيحة، أما أنا كمسلم بجلسة شخص تكلم بشيء أنا لم أتكلم ليس معنى هذا أن كلامه صحيح، أنا لست مشرعاً، مثلاً حينما انتقل النبي من مكة إلى بيت المقدس في الإسراء، أليس من الممكن أن ينتقل نقلة مشابهة من مكة إلى المدينة؟ لماذا سار مساحلاً عكس الاتجاه؟ ولماذا اختبأ في غار ثور ثلاثة أيام؟ ولماذا اختار خبيراً في الطريق مشركاً؟ هذا معنى كبير، أي ممكن أن تستعين بخبرة الأجانب، نأخذ ما في رؤوسهم وندع ما في نفوسهم، فهناك سنة قولية، وسنة عملية، وسنة إقرارية، وفي صفاته سنة.

(( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ))

[ الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

بيان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم :

1 ـ إسباغ الوضوء :

 الآن أخ كريم تمنى عليّ قبل حين أن أتحدث عن صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.
 هذه كلمات موجزة في بيان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله عليه الصلاة والسلام:

(( ..صلوا كما رأيتموني أصلي...))

[متفق عليه عن أبي قلادة رضي الله عنه ]

 يسبغ الوضوء، وهو أن يتوضأ كما أمره الله تعالى، عملاً بقوله سبحانه وتعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾

[سورة المائدة: 6]

 هذه الآية أصل في الوضوء، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لا تقبل صلاة بغير طهور))

[مسلم عن ابن عمر]

 الآن عندنا ناحية دقيقة، ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، الصلاة فرض والصلاة لا تتم إلا بالوضوء فالوضوء فرض، عندنا الفرائض والسنن، فإذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، معنى أسبغ الغسل ثلاثاً؛ أول مرة يأتي الماء على الوجه، المرة الثانية تدلك الوجه، الثالثة يكون الطهور التام، كإنسان قال لك: اغسل لي الكأس، معقول أن تغمسها بماء وتعطيه إياها؟؟ تحتاج إلى دلك؛ أول شي تبلها ثم تدلكها ثم تضع الماء عليها الآن أصبحت طاهرة مطهرة.

((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 أي ممكن الماء لا يصل إلى هنا، فالإسباغ هو الإتمام، ممكن أن تبل الوجه وتفركه وتبله مرة ثالثة حتى يكون الغسل كاملاً.

2 ـ التوجه إلى القبلة :

 يتوجه المصلي إلى القبلة وهي الكعبة لدينا، بجميع بدنه، لكن هناك سؤالاً: يا ترى القبلة نقطة أم جهة؟ الحقيقة هي جهة، فالقبلة هنا في عمان في الجنوب، فأي اتجاه نحو الجنوب هو اتجاه نحو القبلة، هذا المعنى فيه يسر، لو كانت نقطة تحتاج إلى منقلة تميل درجتين، دخول في متاهات، أن تكون القبلة نقطة فيها مشكلة، الدين يسر، أنت ما دمت اتجهت نحو الجنوب، فأنت متجه نحو القبلة، الأولى والأيسر والأقل خلاف أن تكون القبلة جهة لا نقطة، النقطة تحتاج إلى حسابات هندسية، مع أن الذي لا يصدق أن الكعبة تقع في الوسط الهندسي في الأرض، الأرض لو رسمناها على صفحة مستوية وأخذنا أطراف العالم القديم الطرف يعني آخر نقطة وآخر نقطة وآخر نقطة، أربع نقاط من أربع جهات، وصلنا بين كل نقطتين متقابلتين بخط، تقاطع الخطين هو الكعبة، الوسط الهندسي ببالغ الدقة، وقد حصل من توصل إلى هذا على دكتوراه من جامعة القاهرة نالها دارس في المساحة، فإذا الكعبة هي الوسط الهندسي، والذي لا يصدق أنه بعد اكتشاف العالم الجديد أمريكا لو نقلنا النقاط الأربع إلى أمريكا الشمالية آخر نقطة بألالسكا، وآخر نقطة بالأرجنتين، وآخر نقطة بآسيا، وآخر نقطة بأقيانوسيا، وصلنا بينهما بخطين يتقاطع الخطان عند الكعبة فهي الوسط الهندسي لأطراف الأرض.
 يتوجه المصلي إلى القبلة وهي الكعبة أينما كان بجميع بدنه، قاصداً بقلبه، بعض الفقهاء- وهذا شيء أنا لا أراه على صواب- يقولون: نويت أن أصلي ركعتي أداء لصلاة فرض الصبح، النية لا ينطق بها، مثلاً أنت برمضان ربطت المنبه على الساعة الثالثة وقت السحور نويت صيام غد لله تعالى لأداء صيام رمضان إيماناً واحتساباً، لماذا استيقظت؟ من أجل أن تتسحر، لماذا تتسحر؟ من أجل أن تصوم فالنية قلبية، اترك الدين بسيطاً.

 

ضرورة عقلنة الدين و تبسيطه :

 أريد أن أقول كلمة دقيقة: هذا الدين ينبغي أن تعقلنه، وأن تبسطه، وأن تطبقه، رجل فرنسي أراد أن يسلم فالتقى بعالم أزهري - كلامي دقيق- أبقاه في أحكام المياه ستة أشهر، ولو فتحت كتب الفقه يمكن أن تشرح أحكام المياه في ستة أشهر، فخرج من جلده، لم يتوضأ بعد، معنى هذا أن الوضوء يحتاج إلى ستين سنة، والصلاة تحتاج سبعين سنة، أحد العلماء - محمد عبدو - كان مصلحاً قال: الماء الذي تشربه توضأ منه، ضغطت ستة أشهر في تفاصيل لا نحتاجها الآن، أنت في المدينة وهناك ماء طاهر، فأنا أقول: التعقيد يبعد الناس عن الدين، يجب أن تعقلن الدين، وأن تبسطه، وأن تطبقه.

3 ـ عدم نطق النية باللسان :

 قال: لا ينطق لسانه بالنية، لأن النطق باللسان لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه رضي الله عنهم.

4 ـ يجعل سترة يصلي إليها ثم يستقبل القبلة :

 الآن ويجعل له سترة يصلي إليها، لو فرضنا الجامع لا يوجد به أعمدة، عندنا جوامع في الشام طبعاً مكلفة مبالغ فلكية لا يوجد بها عامود واحد، السقف عبارة عن صبات إسمنت عريضة ثم يملأ ما بينها، لا يوجد عامود يحجبك- الآن بالمناسبة جاء أخ كريم، وجلس هو على كرسي وأنا على كرسي لنصلي، لكن الكرسي لا ينبغي أن يكون في الوسط، هذا الكرسي يحجب وراءه عشرة أشخاص، يجب أن يكون الكرسي على الحائط، أو أمام العامود، أنت وراءك حجبت عدداً من الناس، الأولى أن يكون الكرسي على أحد أطراف المسجد، أو وراء عامود، أما إذا كان بالوسط، لي دروس أحياناً أثناء جولاتي أمامي يوجد كرسيان يحجبان ثلاثين شخصاً، الأولى أن يكون الإنسان لا يحجب بالكرسي من ورائه، الكرسي إما أمام عامود أو على أطراف المسجد- ويجعل له سترة يصلي إليها، أنت بجامع لا يوجد فيه أعمدة، تريد أن تصلي، تضع محفظة أمامك، هذه المحفظة سترة تصلي إليها، بذلك لن تمنع أحداً من أن يمر أمامك، هذه السترة مثل الحائط، إن كان إماماً أو منفرداً، السترة لا بد منها.
 استقبال القبلة شرط في الصلاة إلا في مسائل مستثناة معلومة، كيف مستثناة؟ قبلة الخائف جهة أمنه، يوجد عدو يتبعه من الجنوب، هو راكب دابة والآن طائرة، راكب طائرة من عمان إلى أنقرة، اتجاهها للشمال والقبلة في الجنوب، فإذا أردت أن تصلي على مقعد الطائرة لضرورة سمح الله بها فقبلتك جهة الطائرة، قبلة المسافر جهة مقصده، وقبلة الخائف جهة أمنه، وقبلة المريض جهة راحته، الأصل أن تتجه نحو الجنوب هنا في عمان، نحو مكة المكرمة، مكة ليست نقطة بل جهة، لم يعد هناك خلاف أبداً.
 أنا لي تعليق لطيف بهذا الموضوع: شخص دخل على ابنه وهو يقرأ، قال له: يا أبت كم تحب أن يكون بين الكتاب وبين طرف الطاولة؟ ما هذا السؤال؟ قال له: خمسة سنتمترات، قال له: هذا الكتاب أرتاح أن أقرأه هكذا، كم تحب أن تكون الزاوية بين صفحة الكتاب وبين الطاولة؟ ما هذا السؤال الثاني؟ هل تحب أن أقلب الصفحات بيدي من دون أن أبلها بلعابي أم لا؟ فقال له الأب: ادرس يكفيك كلاماً لا جدوى منه.
 تدخل أحياناً بمتاهات، بأرأيتيات، هذه سميت بالفقه: أرأيتيات، مثلاً قط يتابع فأرة، هذه وقعت في الزيت، يا ترى القط حينما تابعها بالت من خوفها أم لم تبول؟ تدخل في متاهات بالفقه ليست معقولة إطلاقاً، بوقت مديد الدين انتهى، ندخل في تفاصيل لا تقدم و لا تؤخر، أنا من أنصار عدم الخوض بتفاصيل لا نحتاجها، حتى أن عندي نصاً عن الصحابة سئل أحد الصحابة سؤالاً أوقع ذلك؟ قالوا: لا، قال: نفتي بها حينما تقع.
 لا تتكلم بأشياء لا تقع بالمليون حالة مرة، ومعي آلاف الشواهد، وكتب الفقه طافحة بهذه الموضوعات، فأنت حاول أن تعقلن الدين، وحاول أن تبسطه، وحاول أن تطبقه، فقبلة الخائف جهة أمنه، وقبلة المسافر جهة دابته، وقبلة المريض جهة راحته.

5 ـ يكبر تكبيرة الإحرام :

 يكبر تكبيرة الإحرام قائلاً: الله أكبر، ناظراً ببصره إلى موضع سجوده، الأدب مع الله أن تنظر إلى موضع سجودك، ويرفع يديه عند التكبير إلى حذو منكبيه أو إلى حيال أذنيه.

 

6 ـ يضع يديه على صدره و يقرأ دعاء الاستفتاح ثم الفاتحة و سورة :

 يضع يديه على صدره، كفه اليمنى على كفه اليسرى، وأن يقرأ دعاء الاستفتاح وهو: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، وإن شاء قال بدلاً من ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وإن أتى بغيرهما من الاستفتاحات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس، والأفضل أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة، لأن ذلك أكمل في اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم سراً، ثم يقرأ سورة الفاتحة، إن كان بصلاة جهرية جهراً، وإن كان بصلاة سرية سراً، الآن يا ترى أنت تقرأ مع الإمام؟ الآن الإمام يصلي ويقرأ بصوت رائع وأحكام التجويد دقيقة جداً، فأنت يا ترى ينبغي أن تقرأ الفاتحة مع الإمام؟ هناك ثلاثة اتجاهات؛ الاتجاه الأول: أن تقرأ الفاتحة بعد قراءة الإمام، لذلك الإمام الشافعي يقرأ الفاتحة ويصمت بقدر قراءة الفاتحة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))

[ البخاري عن عبادة بن الصامت]

 الشافعيون: يقرأ الإمام الفاتحة ويصمت مقدار الفاتحة، والأحناف قالوا: قراءة الإمام قراءة للمئتم حكماً، والإمام مالك وسط بينهما، إذا الصلاة جهرية تجعل قراءة الإمام قراءتك، والصلاة سرية لا معنى أن تقف هكذا، ليس لها معنى فالأكمل بالصلاة السرية الظهر والعصر أن تقرأ الفاتحة، وآية بعد الفاتحة وفي الصلاة الجهرية تكتفي بقراءة الإمام لأن قراءة الإمام قراءة للمأموم.
 أما كلمة آمين فتقولها جهراً، معنى آمين أي يا رب استجب لهذا الدعاء.
 هناك ملمح لطيف؛ أنت حينما تقول قوله تعالى:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[سورة الفاتحة: 5-7]

 أنت قلت له: إياك نعبد وإياك نستعين، ولا الضالين، الضالون نوعان، ضال عرف وانحرف، وضال لم يعرف وانحرف، المؤدى واحد، آمين جهراً.
 الآن أنت قلت لربك:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[سورة الفاتحة: 6-7]

 أنت قرأت بعدها آية:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 30]

 ألم تسأله اهدنا الصراط المستقيم؟ فالآيات التي تقرؤها بعد الفاتحة هي الصراط المستقيم.

 

7 ـ يركع و يسجد :

 إذا ركعت يا رب سمعاً وطاعاً، الركوع خضوع، فإذا سجدت السجود هو طلب العون من الله، ألا أنبئكم بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله؟ لا حول عن معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به، فأنت في السجود تستمد العون من الله على تطبيق هذه الآيات. وفي الركوع تخضع له، وفي السجود طلب العون من الله، أي إياك نعبد في الركوع، وإياك نستعين في السجود، والمنهج الذي تطبقه هو الآيات التي قرأتها بعد الفاتحة، قوله تعالى:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[سورة الفاتحة: 6-7]

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 30]

 الله أكبر سمعاً وطاعة يا رب، بالسجود اللهم أعني على غض بصري.
 سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء ماذا قال؟

﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾

[ سورة إبراهيم: 35]

 معقول، سيد الأنبياء؟ طبعاً معقول أنت ضعيف، قال تعالى:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 33]

 لا تقل: أنا أغض بصري، إرادتي قوية، قد تزل قدمك وأنت بأعلى درجة، إذا إبراهيم أبو الأنبياء قال:

﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾

[ سورة إبراهيم: 35]

 لذلك الفتنة ليست سهلة، وأول فتنة فتنة بني إسرائيل في النساء، قال تعالى:

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء: 76]

﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾

[ سورة يوسف : 28]

 كيد الشيطان أكفر كفار المخلوقات ضعيف، فلذلك لا تعتد بنفسك، أنا لا أغلط إرادتي قوية، هذا شرك، أما الأدب مع الله فاجنبني وبني أن نعبد الأصنام، يا رب أعني على طاعتك، أعني على غض البصر.

 

8 ـ يضع يديه على ركبتيه مع تفريق الأصابع و الاطمئنان في الركوع :

 ويرفع مكبراً رافعاً يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه جاعلاً رأسه حيال ظهره، واضعاً يديه على ركبتيه، مفرقاً أصابعه، ويطمئن في ركوعه ويقول: سبحان ربي العظيم، والأفضل أن يكررها ثلاثاً أو أكثر ويستحب أن يقول مع ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.

9 ـ يرفع رأسه من الركوع مع رفع اليدين إلى حذو المنكبين :

 يرفع رأسه من الركوع رافعاً يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه قائلاً: سمع الله لمن حمده ويقول حال قيامه: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أما إن كان مأموماً فإنه يقول عند الرفع: ربنا ولك الحمد إلى آخر ما تقدم، ويستحب أن يضع كل منهما أي الإمام والمأموم يديه على صدره كما فعل في قيامه قبل الركوع لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث وائل ابن حجر وسهل بن سعد رضي الله عنهما.

10 ـ يسجد مكبراً واضعاً ركبتيه قبل يديه :

 الآن يسجد مكبراً واضعاً ركبتيه قبل يديه، هناك إنسان يسجد يبدأ بيديه، الأكمل أن تضع قدميك على الأرض قبل يديك، إذا تيسر ذلك، فإن شقّ عليه قدم يديه قبل ركبتيه، مستقبلاً بأصابع رجليه ويديه القبلة، ضاماً أصابع يديه ويسجد على أعضائه السبعة: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع الرجلين. ويقول: سبحان ربي الأعلى، ويكرر ذلك ثلاثا أو أكثر، ويستحب أن يقول مع ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، ويكثر من الدعاء في السجود.

(( أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجِدٌ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

(( إذا كان ثلث الليل الأخير ...))

[أحمد عن أبي هريرة]

 عندك مشكلة قد تكون مالية، قد تكون أسرية، قد تكون اجتماعية، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلي السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له؟ حتى يطلع الفجر))

[أحمد عن أبي هريرة]

 عود نفسك أن تصلي قبل الفجر ركعتين، أن ترفع يديك إلى الله عز وجل وأن تدعوه من حوائج الدنيا والآخرة:

(( أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم))

[مسلم عن ابن عباس]

 ويسأل ربه من خير الدنيا والآخرة سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً، ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويرفع ذراعيه عن الأرض، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

((اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب))

[البخاري عن أنس]

11 ـ يرفع رأسه مع التكبير و الاطمئنان في السجود :

 يرفع رأسه مكبراً ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى، ويضع يديه علو فخذيه وركبتيه ويقول: رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني واجبرني، ويطمئن في هذا الجلوس ، و يسجد السجدة الثانية مكبراً ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى.
 ويرفع رأسه مكبراً ويجلس جلسة خفيفة كالجلسة بين السجدتين وتسمى جلسة الاستراحة، وهي مستحبة وإن تركها فلا حرج، بعد أن قام من السجود يجلس جلوساً سريعاً جداً ثم يقف، وإن شق عليه اعتمد على الأرض، ممكن أن تقوم ويديك ليست على الأرض، مع التقدم بالسن تضع يدك على الأرض.
 إذا كانت الصلاة ثنائية أي تتألف من ركعتين كصلاة الفجر والجمعة والعيد جلس بعد رفعه من السجدة الثانية ناصباً رجله اليمنى مفترشاً رجله اليسرى، والإشارة بالسبابة حسنة لثبوت الصفتين عن النبي صلى الله عليه وسلم، كلاهما جائز.

الابتعاد عن الخوض في جزئيات الدين :

 مرة اتصل بي شخص من حماة، قال لي: اختلفنا حول تعريف صلاة التهجد أو قيام الليل، وعلا صياحنا واقتربنا أن نتماسك ما تعريف قيام الليل والتهجد؟ قلت له: لن أجيبك أنت صلّ ركعتين قل يا رب أنا لا أعرف ما اسم هاتين الركعتين والله يقبلهم منك، لكن لا تصل إلى المشاكل.
 أحياناً يكون عندنا خطر داهم ونرتكب أخطاء كبيرة جداً في جزئيات الدين، مرة الشرطة في باريس دخلت إلى جامع لتفض نزاعاً أدى إلى الاقتتال في المسجد حول جزئية في الدين، وأغلق المسجد على أثرها، فنحن عندما نتخاصم ونتماسك ونقيم النكير على جزئية من الدين نحن ضحينا بالفرض وهو التحابب بين المؤمنين من أجل سنة لا جدوى في البحث فيها.
 أيها الأخوة الكرام؛

(( عن أم حبيبة رضي الله عنها أنه يزيد على السنة الراتبة ركعتين بعد الظهر...))

 إن شاء الله غداً نتابع هذا البحث بشي من التفصيل، وأرجو الله عز وجل أن نكون قد وقفنا وقفة متأنية حول صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.