الدرس : 094 - الجهاد الأساسي جهاد النفس والهوى.

2014-12-28

من لا يملك إرادة تحمله على طاعة الله لا أمل فيه إطلاقاً :

 أيها الأخوة الكرام؛ ما إن ننطق بكلمة الجهاد إلا يتبادر إلى أذهاننا الجهاد القتالي، لكن هذه الكلمة واسعة جداً، ولها معان دقيقة جداً، وأنواع متنوعة، فلا بد من توضيح هذا المصطلح في الإسلام.
 الحقيقة الدقيقة أن الجهاد أنواع، أحد أنواعه جهاد النفس والهوى، لذلك قالوا: المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة. فأنت إما أن تنتصر على نفسك وإما أن تنهزم أمام مصالحك وشهواتك.
 المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة، والحقيقة أن الإنسان الذي لا يملك إرادة تحمله على طاعة الله لا أمل فيه إطلاقاً، الحق واضح والباطل واضح، فأنت حينما تقول: لا أستطيع أن أستقيم أنت تكذب القرآن الكريم، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 بل إن علماء النفس يقولون: إن الشيء الذي تتوهم أنك لا تستطيع أن تفعله هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله.
 لذلك الإنسان إذا اتخذ قراراً في موضوع ما فالله يعينه على بلوغه، مرة ألفت كتاباً جعلت مع كل مقالة كلمات مضيئة، ففي أول مقالة الحياة هدف وإرادة، قلت: القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام، إذا كان صادراً حقاً عن إرادة و إيمان.
 أذكر مرة أن شاباً في إحدى قرى حلب النائية لا يملك من الدنيا شيئاً، تعلق بالشاحنات حتى وصل إلى حلب، لا يملك أجرة نقل من قريته إلى حلب، وصل إلى حلب اشتغل بمطعم بوجبة طعام واحدة، ثم أضيف لهذا المعاش العيني مبلغ يسير جداً، فانتقل بهذا المبلغ بعد أن جمعه لأمد طويل إلى الشام، وبالشام اشتغل بمطعم بوجبة طعام واحدة، لكنه ما مات إلا رئيس جامعة دمشق، قرار اتخذه، أفقر الفقراء بعيد لا مال ولا صحة ولا شيء، أنا أقول هذه الكلمة: إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة و إيمان.
 أحد علماء الشام الكبار توفي رحمه الله منذ أمد طويل، مرة كنت في زيارته، وحدثني بهذه القصة: إنسان من أقاصي جنوب مصر من الصعيد، بينه وبين القاهرة ألف كيلو متر، أرسل ابنه إلى الأزهر، وعاد بعد سبع سنوات يحمل الشهادة، وخطب في القرية، هذا الأب بكى بكاء مراً، كل الناس فهموا من بكائه أنه فرح بابنه الذي أصبح خطيباً، لكن الحقيقة على خلاف ذلك، بكى أسفاً على أنه كان جاهلاً، في اليوم التالي ركب دابته، واتجه نحو الشمال، لما وصل إلى القاهرة، قال: أين الأزعر؟ من شدة جهله ظن أن الأزهر أزعر، والأزعر باللغة العربية الدابة مقطوعة الذنب، قالوا له: ما الأزعر؟ قال: مكان التعلم، قال: اسمه الأزهر، النتيجة أوصلوه إلى الأزهر، وفي الخامسة والخمسين بدأ في تعلم القراءة والكتابة، لكن المفاجأة التي لا تصدق أنه ما مات إلا شيخ الأزهر، أعلى منصب ديني في العالم الإسلامي اسمه زكريا الأنصاري، إنسان يتعلم الكتابة والقراءة في الخامسة والخمسين، وتنتهي حياته أنه شيخ الأزهر، وهو أعلى منصب ديني في العالم الإسلامي، إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام، إذا كان صادراً حقاً عن إرادة و إيمان.
 أنا أذكر كنت مرة في إسبابنا في قرطبة ألقي محاضرة، والمحاضرة مترجمة ترجمة فورية، بعد أن انتهيت وقفت بنت تقول لي: أنتم ظلمتونا نحن كمسلمين، وسوف نحاسب يوم القيامة وسوف تحاسبون عنا، هي امرأة إسبانية قالت: أنا لا أعرف اللغة العربية كيف أتعرف على الإسلام؟ صدق ولا أبالغ بعد أسبوع عدت إلى الشام وأدخلنا في الموقع اللغة الإسبانية، الموقع الذي أكرمني الله به فيه لغة عربية، لغة إنكليزية، لغة فرنسية، لغة إسبانية، لغة صينية، لغة روسية، إن شاء الله في الطريق إلى اللغة التركية، أي هناك مسؤولية قالت لي: أنتم تحاسبون عنا، أنا لا أفهم ما تقول إلا مترجماً.
 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ شخص دخل إلى الجامعة ولم ينجح فترك الدراسة، رأى نملة تصعد على الجدار قطعت متراً ونصف وقعت، أعادت المحاولة، عدّ محاولاتها فإذا هي ثلاث وأربعون مرة، إلى أن وصلت فاستحيا من النملة وتابع الدراسة، الشيء الذي تتوهم أنك لا تستطيع أن تفعله هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله، أما الإنسان إذا أصرّ على شيء كأن الله عز وجل أعطانا عهداً على ذاته العلية أن نبلغه، إذا أصرّ الإنسان على شيء وكان صادقاً في طلبه أعطانا الله عهداً على ذاته الآية :

﴿ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾

[سورة إبراهيم:34]

الله عز وجل لا يتعامل بالتمنيات :

 إلا أن الله عز وجل لا يتعامل بالتمنيات، قال تعالى:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾

[سورة النساء: 123]

 أي طلب تطلبه من الله بصدق لا بد من أن تصل إليه، هذا العهد الذي قطعه الله على ذاته العلية، قال تعالى:

﴿ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾

[سورة إبراهيم:34]

 إلا أن الله عز وجل يقول:

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

[سورة النساء: 123]

 آية دقيقة جداً ولها أبعاد كبيرة جداً، قال تعالى:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾

[ سورة الأنعام : 115]

 كأن الله عز وجل يقول: يا عبادي بيني وبينكم كلمتان؛ منكم الصدق ومني العدل، أي تتفاوتون عندي بالصدق وأنا أعدل بينكم.

 

القرآن الكريم لا يزيد عن أمر و خبر :

 هناك تفسير آخر لهذه الآية:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾

[ سورة الأنعام : 115]

 هذا الكتاب- القرآن الكريم - بين دفتيه ستمئة صفحة، كل هذا الكتاب لا يزيد عن أمر وعن خبر، أخبرنا وأمرنا، وقبل أن أتابع عند علماء البلاغة الكلام العربي خبر وإنشاء، تقول: سافر أخي، خبر، اشتريت مركبة، خبر، سافرت إلى هذا البلد، خبر، تقول لفلان: ما اسمك؟ هذا إنشاء، السؤال والأمر والنهي والتمني والترجي والحض، هذه كلها كلام إنشائي أي لم يقع بعد، وكل شيء تخبر به كلام خبري، فقبل كل شيء أي نص بين يديك لا بد من أن يكون خبراً أو إنشاء، إلا أن الله عز وجل في قرآنه العظيم أسلوب بلاغي متميز، هناك خبر بمعنى الإنشاء، قال تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾

[ سورة البقرة: 233]

 معنى الآية أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين، هذا خبر لكن أريد به الإنشاء، أحياناً أب يقول لابنه: أنا لا عندي ابن يأتي بعد الساعة العاشرة، يخبره، ما معنى هذا الخبر؟ إياك أن تأتي بعد الساعة العاشرة لأنك لن تدخل البيت، قال تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾

[ سورة البقرة: 233]

 لكن هناك ملمحاً دقيقاً جداً حينما قال الله عز وجل يتكلم عن بيت الله الحرام، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 عام ألف وأربعمئة ما كان آمناً، قتل بداخله خمسمئة إنسان، قديماً كان هناك مشكلة، شخص ادّعى أنه مهدي و رفعت الأسلحة، قتل بداخل الحرم خمسمئة إنسان، والآية تقول:

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 فأجاب علماء البلاغة: هذا خبر أريد منه الإنشاء، أي اجعلوه أمناً، الله كلفنا أن نوفر الأمن لهذا البيت، اجعلوه أمناً، ولما قال تعالى:

﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾

[سورة النور: 26]

 والله هناك آلاف القصص عن إنسان سيئ جداً معه زوجة طيبة والعكس، وهناك أزواج طيبون وعندهم زوجات لسن طيبات، أي اجعلوا، احرصوا أن يكون الطيبون للطيبات، والطيبات للطيبون، هذا خبر أريد منه الإنشاء، لذلك هناك ملمح ثالث دقيق جداً، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾

[سورة المؤمنون:117]

 وإذا معه برهان الله لا يحاسبه؟ قال: هذا ليس استثناءً احترازياً هذا استثناء وصفي، أي لا يمكن لإنسان يدعو مع الله إلهاً آخر معه دليل، مستحيل، استثناء وصفي، لذلك:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾

[ سورة الأنعام : 115]

 أي يا عبادي تتفاوتون عندي بالصدق وأنا أعدل بينكم، أو هذا الكتاب بين دفتيه ستمئة صفحة كل هذا الكتاب لا يزيد عن أمر وعن خبر، فالأمر عادل والخبر صادق.

 

جهاد النفس و الهوى :

 نعود إلى منطلق هذا اللقاء الطيب، كلمة جهاد من معانيها الأساسية أن تجاهد نفسك وهواك، وهذا جهاد النفس والهوى، فالبطولة أن تحمل نفسك على طاعة الله، أن تبعد عنها الحرام، أن يكون بيتك إسلامياً، وعملك إسلامياً، وأن تقيم الإسلام في نفسك أولاً، هذا الجهاد الأول جهاد النفس والهوى، تسميه جهاداً أساسياً، الجهاد الأول، لأن الإنسان إن لم يملك إرادة تحمله على طاعة الله لا فائدة منه، أنا ممكن أن أجيب عن ألف سؤال، إلا إذا قال لي: أنا لا أستطيع أن أستقيم، فلا علاقة لي معك، قال: يا رسول الله عظني، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: قل آمنت بالله ثم استقم، قال له: أريد أخف من ذلك؟ قال : إذاً فاستعد للبلاء.
 عندما تقول: لا أستطيع أي أنت لا تملك إرادة، وعندئذ فقدت أحد أكبر شروط الهدى، لا تملك إرادة، لا تستطيع ألا تجلس بسهرة مختلطة، لا تستطيع أن تعتذر، لا تستطيع إلا أن تضع مالك في مصرف بفائدة ربوية، لا تستطيع، إذا قال لك شخص: لا أقدر أي لا يريد أن يستقيم.
هذا الجهاد الأول جهاد النفس والهوى.

الجهاد البنائي :

 هناك جهاد ثاني، طبعاً له أسماء كثيرة أنا سميته: الجهاد البنائي، من يصدق أن بلداً عربياً لن أسميه من أبنائه يوجد خمسة آلاف مقيم بولاية واحدة في أمريكا كلهم أطباء معهم بورد، وبلد هؤلاء الأطباء في أمس الحاجة إلى علمهم، كنت إذا سافرت إليهم أقول لهم: لحم كتفكم من خيرات بلدكم، أي أنت درست ابتدائي وإعدادي وثانوي وجامعي وأخذت ليسانس وسافرت إلى أمريكا، الحياة راقت لك هناك نسيت وطنك، ونسيت أهلك، وأقمت هناك إقامة دائمة، أقول لكم كلمة دقيقة: في ولاية ميتشغن خمسة آلاف طبيب من بلد إسلامي، خمسة آلاف طبيب يحملون البورد، راقت لهم الحياة هناك، ونسوا أوطانهم، هذه مشكلة كبيرة جداً، وهناك عدد قليل عاد إلى بلده، طبعاً في المعنى هذه هجرة، أنت حينما تكون في بلد كل وسائل الراحة مؤمنة فيها، والله الآن شيء لا يصدق من كثرة الرفاه هناك، مرة زرت بيتاً بميتشغن، الرفاه غير معقول إطلاقاً، شيء يفوق حدّ الخيال.
 لذلك أيها الأخوة الكرام؛ إذا معك رسالة، أنت إنسان عظيم، لا تملك رسالة لا وزن لك عند الله، فالجهاد البنائي أن تبتغي من عملك خدمة المسلمين، والله أعرف أناساً رجعوا إلى بلادهم، أحدهم طبيب أنشأ عيادة متنوعة، اتفق مع أربعة أو خمسة من أخوانه، عملوا عيادة على النمط الحديث جداً، طبيب قلب وطبيب هضمي وطبيب عصبي، إلى آخره، المريض بأي حالة يشكو منها هناك طبيب، لكنه توفي بعد فترة، مات على هدف نبيل، وهناك إنسان عاش في الغرب وتوفاه الله بحادث، ومات و لم يكن ناوياً أن يرجع، لذلك:

(( إنما الأعمال بالنيات ))

[ البخاري عن عمر ]

 هناك شارب خمر مدمن ذهب إلى الحج وتاب إلى الله، رجع بقي مع أصدقائه القدماء فحملوه على شرب الخمر، امتنع، قال له أحدهم: كم كلفتك الحجة؟ فأجابه: كلفتني خمسين ألفاً، فقال له: هذه خمسون ألفاً و اشرب، فشرب، وبعد اثني عشر يوماً توفاه الله، لذلك الصاحب ساحب، لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي.

 

الجهاد الدعوي :

 إذاً الجهاد الأول جهاد النفس والهوى، الجهاد الثاني الجهاد البنائي، وقد لا تصدقون أن الجهاد الأكبر هو الجهاد الدعوي، الدليل قال تعالى:

﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

[سورة الفرقان: 52]

 لماذا الحروب؟ لماذا الجهاد القتالي بالأساس؟ من أجل نشر هذا الدين، الآن متاح لك أن تنشره في أي مكان، لذلك الأصل هو الجهاد الدعوي، قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

[سورة الفرقان: 52]

 بالقرآن ما وصف الجهاد أنه كبير إلا الدعوي، والنبي الكريم يقول:

(( خيرُكمْ من تعلّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ ))

[البخاري وأبو داود والترمذي عن عثمان بن عفان ]

 هذا الجهاد الدعوي.

 

الجهاد القتالي :

 الآن الجهاد الرابع، أول جهاد: جهاد النفس والهوى، الثاني: الجهاد البنائي، أحياناً نأتي بخبير يأخذ عشرين ضعفاً عن أجر المواطن العادي، فإذا أنت أخذت اختصاصاً جيداً وخدمت به أمتك، أريد أن أقول لكم كلمة دقيقة: العمل الذي تعمله، الحرفة التي تحترفها، الاختصاص الذي تملكه، حرفة الإنسان أو مهنة الإنسان إن كانت مشروعة في الأصل، وسلكت بها الطرق المشروعة، ولم تشغلك عن عبادة، ولا عن طاعة، ولا عن عمل صالح، وابتغيت منها خدمة بلدك وأمتك وخدمة المسلمين، قال: انقلبت إلى عبادة، وأنت في مكتبك في عبادة، وأنت في مزرعتك في عبادة، وأنت بوظيفتك في عبادة.
مرة ثانية: حرفتك التي تحترفها، أو مهنتك التي تمتهنها، أو عملك الذي تؤديه، إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، ولم يشغلك عن أداء فريضة، ولا واجب، ولا طاعة، وابتغيت منه كفاية نفسك وأهلك وخدمة المسلمين، هذا العمل الحرفي المهني انقلب إلى عبادة.
 أنا أسمع من بعض المتقدمين في السن، كان التاجر في دمشق حينما يفتح محله التجاري يقول: نويت خدمة المسلمين، ما قولك أن يكون عملك عبادة؟ وأنت بوظيفتك، بمكتبك، بعيادتك، بمكتبك الهندسي، بمكتبك التجاري، بدكانك، وأنت بعملك اليومي أنت في عبادة، لذلك قالوا: عادات المؤمن عبادات و عبادات المنافق سيئات، المنافق وهو يصلي يصلي ليوهم الناس أنه إنسان صالح، عباده سيئة، والمؤمن إذا أخذ أهله نزهة، عبادة، متن علاقته بأولاده، إذا وضع لقمة في فم زوجته، تعد له كجبل أحد، أي الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، لذلك قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 إذا إنسان بالضفة الغربية والحاكم يهودي، يطيع أولي الأمر أيضاً يكون منكم، من للتبعيض، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 أما لا تعني هذه الآية أطيعوا أولي الأمر فيكم، الموجود هذا فينا، شخص مقيم من عام ثمانية وأربعين والحاكم إسرائيلي، هذا أولي الأمر لا يطاع في معصية مهما كلف الأمر، قال تعالى:

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 الآن قال تعالى:

﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 أي اختلفتم في شيء، من هم أولو الأمر؟ عند الإمام الشافعي هم العلماء والأمراء، العلماء يعلمون الأمر، والأمراء ينفذون الأمر، العالم يعلم، والحاكم ينفذ، أولو الأمر هم العلماء والأمراء معاً، ، العلماء يعلمون الأمر والأمراء ينفذون، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 اختلفتم مع علمائكم أو مع أمرائكم قال تعالى:

﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 معنى ذلك أن الله أحالك إلى الكتاب والسنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما؛ كتاب الله وسنتي...))

[ الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ]

 مستحيل أن يحيلنا الله عز وجل إلى الكتاب والسنة ولا نجد فيهما ما نريد، مرة بلد عربي أرسل إلى أمريكا ستين ضابطاً ليأخذوا أعلى شهادة في العسكرية أركان حرب، عادوا بطائرة واحدة، جاء صاروخ أسقطها، الآية تقول:

﴿ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾

[ سورة يوسف : 67]

 غلطة كبيرة، ستون ضابطاً أو سبعون يحملون أعلى شهادة، أركان حرب، يعودون كلهم بطائرة واحدة طبعاً أسقطت، جاء صاروخ أسقطها، هناك تسجيل للطائرة قال: توكلت على الله وهي تسقط، القرآن الكريم فيه كل شيء لكن يحتاج إلى دراسة وإلى تمحيص، لذلك آخر شيء هذا الجهاد القتالي، يحتاج إلى أولي الأمر منكم، هذا الجهاد أعلى أنواع الجهاد.
 صار عندنا الأول: جهاد النفس والهوى، الثاني: جهاد بنائي تسهم في بناء بلدك، جهاد دعوي، جهاد قتالي.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.