الدين والمجتمع - الندوة : 1 - ضعف الإيمان في الأزمات مرض وليس ابتلاء .

2013-11-05

مقدمة :

المذيع :
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة، من برنامج:" الدين والمجتمع"، هذه الحلقة التي نخصصها وسنكون معكم في ضيافة فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، وعلى الهواء مباشرة فأهلاً وسهلاً به.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وجعل هذه الفضائية في خدمة هذا الدين.
المذيع :
 اللهم آمين، فضيلة الشيخ: لك متابعون في كل مكان، وفي العراق لك أحباب وعشاق، يتلمسون أخبارك بحرص شديد، فماذا تقول لهم بداية من خلال هذه الفضائية؟

 

الحبّ و التقدير أساس كل علاقة بين البشر :

الدكتور راتب :
 والله أنا لا أرى أن هناك محبة وتقديراً من طرف واحد وأنا أيضاً أحبهم وأقدرهم، المحبة والتقدير من الطرفين معاً.
المذيع :
 نسأل الله أن يجعل ذلك لنا ولكم في ميزان حسناتك.
الدكتور راتب :
 أساساً قال تعالى:

﴿ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

[ سورة الأحقاف : 33 ]

 حياتنا بيده، بقبضته، ما أراد أن تكون العلاقة به علاقة إكراه، قال تعالى:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة : 256 ]

 أراد أن تكون علاقة عباده به علاقة حب، قال تعالى:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة : 54 ]

 فالله جلّ جلاله أراد أن تكون المحبوبية علاقة بيننا وبينه، فهذا الكون مبني على الحب، والدين مبني على الحب، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، فإذا لبى الإنسان عقله بالعلم وقلبه بالحب تفوق.
المذيع :
 دكتور نبدأ بمحور حديثنا لهذه الحلقة: وهو ضعف الإيمان في الأزمات، نبتلى بضعف في الإيمان في وقت الأزمات كيف يمكن أن نعالج ذلك الضعف لمواجهة تلك الأزمات؟

 

معالجة ضعف الإيمان في الأزمات :

الدكتور راتب :
 الحقيقة ضعف الإيمان ليس ابتلاء بل تقصيراً، الله عز وجل يبتلي الإنسان بمصيبة، بنازلة، بمشكلة، بأزمة، هذا ابتلاء، أما ضعف الإيمان فتقصير من المؤمنين، وضعف الإيمان له آثار خطيرة جداً، كلام خالق الأكوان قانون، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، فإذا وعد الله المؤمنين، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور : 55 ]

 نحن لسنا مستخلفين، هذه الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، نحن لسنا مستخلفين، ولا ممكنين، ولا آمنين، لأن الآية الكريمة تنتهي بقوله تعالى:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور : 55 ]

 فإذا أخلّ الطرف الآخر أي نحن بما أمرنا به من عبادة فالله جل جلاله في حلٍّ من وعوده الثلاثة، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، فإذا لم تحقق وعود الله الكرة في ملعبنا، يجب أن نبحث أين الخلل، هناك خلل في الإيمان، أو خلل في الإعداد والانتصار، و هذا يحتاج إلى شيئين؛ أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، العالم الغربي أخذ بالأسباب أخذاً رائعاً، واعتمد عليها، وألهها، ونسي الله، فوقع في الشرك، والعالم الشرقي - المسلمون - لم يأخذوا بها أصلاً وقعوا في المعصية، فالبطولة مثلاً أنا أريد أن أسافر أراجع المركبة مراجعة دقيقة تامة ثم أقول: يا رب أنت الحافظ، وأنت المسلم، الإنسان حينما يأخذ بالأسباب قد يضعف التوكل على الله، وإذا توكل على الله من دون أخذ بالأسباب هذا تواكل، مرض المسلمين في العالم الآن عدم الأخذ بالأسباب، يتصورون معجزة تأتي من السماء تنصرهم على أعدائهم، قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 هناك منهج دقيق، وأكاد أقول: في القرآن الكريم قوانين حتمية، فما لم نقرأ الآيات على أنها قوانين حتمية لن نكون فقهاء في هذا الدين.
المذيع :
 إذاً كما قلنا: هو تقصير وليس ابتلاء.

 

الابتلاء علة وجود الإنسان في الدنيا :

الدكتور راتب :
 لا، الابتلاء بمصائب، يبتلى بعدو، يبتلى بمرض، نبتلى بقحط، هذا ابتلاء، أي امتحانات، بالمناسبة علة وجودنا في الدنيا الابتلاء، الدليل قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 30]

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة البقرة: 155]

 فالابتلاء علة وجودنا، بل هو ثمن الجنة، جاء الله بنا إلى الدنيا كي ندفع ثمن الجنة، فثمن الجنة امتحان، والامتحان إيجابي وسلبي، قد تبتلى بالمال هل أنفقته إنفاقاً وفق ما يرضي الله؟ هل حرمت الفقراء والمساكين منه؟ هل أنفقته في طرق باطلة؟ يبتلى بالمال، يبتلى بالزوجة، هل ضبطها؟ هل ضبط خروجها؟ ضبط حجابها؟ عرفها بربها حتى تسعد بقربها منه أم أهملها وتركها تتحرك وفق ما تشتهي؟ فالإنسان مبتلى بكل شيء، بل أنت مبتلى فيما أعطاك، ومبتلى فيما أبعد عنك، من أروع الأدعية عن النبي صلى الله عليه وسلم:

((اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ]

 فالإنسان مبتلى حينما يعطى، مبتلى حينما يأخذ، الله عز وجل يريد أن يرانا كيف نعمل، هل نرضى؟ هل نلجأ إلى الله؟ هل نراجع أنفسنا؟ هل نراجع حساباتنا؟ أم نعزو هذا إلى القدر وكأن القدر شيء ليس من الله؟ ليس هناك إلا الله يعطي ويمنع، يرفع ويخفض، يعز ويذل.
المذيع :
 بهذا المعنى هل نفهم أن الابتلاء هو محنة أو منحة؟
الدكتور راتب :
 والله الابتلاء ابتلاء، امتحان فإذا نحجنا فهو منحة، وإن لم ننجح فهو عقوبة، العبرة في النتيجة، أنت تقول: الامتحان في المدرسة هو ابتلاء؟ لا، عقاب؟ لا، عطاء؟ لا، هو امتحان.
المذيع :
 الكسول يراه عقاباً.
الدكتور راتب :
 هو امتحان الذي ينجح يكون هذا الامتحان سبب نجاحه، والذي يرسب يكون هذا الامتحان سبب رسوبه.
المذيع :
 الدماء والأحداث التي يمر بها العالم الإسلامي اليوم هل هي فعلاً بسبب وجود أنفس شريرة بيننا يريد الله عز وجل أن يطهرها لا تريد الخير للأمة أم هناك شيء آخر؟

 

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة و الخير المطلق :

الدكتور راتب :
 والله هناك مقولة بالتوحيد لا بد من أن أقولها، وهذه المقولة دقيقة جداً وحاسمة: كل شيء وقع في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة وقع بإرادة الله، أي أراد الله الذي وقع أن يقع، معنى أراد لا تعني أنه أمر، تعني أنه رضي، كيف أن الطبيب إذا تزوج ولم ينجب بعشر سنوات ثم جاءه ولد جميل جداً، تعلق به تعلقاً مذهلاً، فإذا الطبيب الأب يكتشف أن ابنه مصاب بالتهاب الزائدة، هذا الأب الذي يهيم حباً بابنه يسمح بفتح بطن ابنه، وتخديره، وإجراء عملية استئصال الزائدة، الله عز وجل إرادته غير محبته، كل شيء وقع في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة أراده الله أي سمح به فقط، لم يأمر ولم يرض لكنه سمح.
 كما أن هذا الأب الطبيب لم يتمنَّ أن يصاب ابنه بهذه الزائدة، أما وإن وقعت فلابد من فتح بطن ابنه، فكل شيء وقع أراده، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، شر مطلق في الكون لا يوجد، لأنه يتناقض مع وجود الله، هناك شر موظف للخير، الدليل قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص: 4-6]

 هذه الآية أصل أنه ما من طاغية على وجه الأرض - وما أكثرهم- من آدم إلى يوم القيامة إلا ويوظف الله طغيانه لخدمة دينه والمؤمنين من دون أن يشعر الطاغية، ومن دون أن يريد، وبلا أجر، وبلا ثواب.
المذيع :
 سبحان الله كيف نريد أن نوجه المؤمنين لكي يلتفتوا إلى هذا الخير؟

 

واجب العلماء توجيه الناس لمعرفة الخير :

الدكتور راتب :
 سيدي هذا واجب العلماء، لكن أية محنة بعدها منحة، وأية شِدة بعدها شَدَّة إلى الله، هذه المصائب موظفة للخير المطلق، فلذلك إذا فهمنا هذه الحكمة تلقيناها بالصبر، واستفدنا منها، وقد تكون المصيبة منطلقاً لمعرفتنا بالله عز وجل، الأب يتمنى أن يكون ابنه طبيباً كبيراً، إذا رآه مهملاً لدراسته قد يضربه، لكن حينما يكبر الابن ويكون طبيباً لامعاً، دخله فلكي، ويتمتع بمسكن رائع، وزوجة رائعة، ومركبة فارهة، يرى هذا الضرب الذي تلقاه من أبيه يوم كان صغيراً سبب هذا النعيم، هذا الذي يحصل، لذلك قال تعالى:

﴿ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ ﴾

[ سورة يونس : 10 ]

 هناك نقطة دقيقة جداً قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾

[ سورة القصص : 47 ]

 ما قال: مصيبة، بدل كلمة مصيبة برسول، قال تعالى:

﴿ رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص : 47]

 مثلاً إذا طفل قال لأبيه: لا أريد أن أدرس، قال له: كما تريد، وهو في الصف الخامس، استيقظ في اليوم الثاني لا يوجد مدرسة الساعة العاشرة، مرتاح، أكل، ذهب إلى السينما، أمضى وقته في السينما والطرقات واللعب، كبر لا يملك أية شهادة، ولا وظيفة، ولا تجارة، ولا زوجة، ولا ولد، ولا بيت، رفقاؤه كلهم أطباء ومهندسون، فقال لأبيه: يا أبت عندما قلت لك: لا أريد أن أدرس لمَ لم تضربني؟
المذيع :
 جعل الحق على أبيه.
الدكتور راتب :
 قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص : 47]

 الذي وقع أراده الله، والذي أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، وشر مطلق في الكون غير موجود، يتناقض مع وجود الله عز وجل، و لكن يوجد شرّ موظف للخير.
المذيع :
 بعض المسلمين ربما يتذمر من طول تمكين الله عز وجل لهؤلاء الطغاة رغم قسوتهم ضد الأطفال والنساء، وجرائمهم التي يندى لها الجبين، نقول: ندعو لماذا لا يستجاب لنا؟ كيف يمكن أن ننظر إلى ما يحدث من مصائب على المسلمين من مجرمين قسوا وأجرموا؟

 

الطغاة عصي بيد الله :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الطغاة عصي بيد الله، هؤلاء يؤدب بهم من عصوه، فإذا تابوا أدب هؤلاء الطغاة بالذين آمنوا، عملية مبادلة، يقوي هذا الطاغية، يسمح الله له أن يعبر عن ذاته بأن يأخذ أبعاده لا على حساب الناس، هناك شيء دقيق جداً الله يسمح لإنسان أن يعمل عملاً سيئاً لكن لا على حساب إنسان بريء، كأن الظالم سوط الله ينتقم به ثم يُنتقم منه، هناك حكمة بالغة: هذا الشيء على مستوى بشر صعب أن نفهمه أما خالق البشر فالطاغية عندما يطغى يطغى على قوم، الطغيان بحقهم نعمة باطنة، أقول لك كلمة من القلب إلى القلب: والله إن رأيت بلداً فيه تدين عال جداً يكون أحد أسبابه قسوة الطغاة، الطغاة حينما قسوا على العباد، العباد ضعاف ليس لهم ملجأ إلا الله، لجؤوا إلى الله وقووا إيمانهم، هذه النعمة الباطنة، قال تعالى:

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان : 20 ]

 الباطنة المصائب، نعم باطنة، كالأب الذي يضرب ابنه كي يكون متفوقاً بالدراسة فلما تفوق يرى سبب هذا التفوق هذا التأديب الذي تلقاه من الأب، لا يليق بكمال الله أن نفهم المصائب إلا هكذا، إله عظيم، لأن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، أنت ممكن تعمل عقد شراء ألف كومبيوتر من أي بي إم، يا ترى شراء بطيخة من الطريق؟! هنا يوجد أوردر، وطلب شراء، ودفع ثمن، وفواتير، ونسخة للمالية، ونسخة لك، ونسخة للمعلم، عملية راقية جداً، أما شراء بطيخة فلا تحتاج إلا أن تأخذها وتدفع ثمنها فوراً. فكمال الخلق يدل على كمال التصرف، هذا الكون فيه كمال مطلق، من خلق هذا الكمال المطلق؟ الله، أيعقل أن يكون هناك تناقض بين أفعاله وبين خلقه؟ إنسان يحمل أعلى شهادة ممكن أن يتحدث حديثاً بذيئاً؟ مستحيل، مكانته العلمية وأخلاقه الراقية لا تسمح له أن يتكلم بكلام بذيء.
 فأنا أريد أن أقول: كمال الخلق وهذا شيء بين أيدينا الشمس والقمر والنجوم والنبات والحيوان والأزهار والورد والأطيار والأسماك كمال مطلق، جمال مطلق، هذا الخالق الذي أبدع هذا الكون أفعاله يجب أن تتناغم مع خلقه، فكل مصائب الدنيا مغطاة بهذه الآية، أساساً هناك قصة دقيقة جداً ذكرها الله، هؤلاء الذين ذهبوا ليقطفوا ثمارهم وجدوها- أصحاب الجنة – محروقة، قال تعالى:

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ ﴾

[ سورة القلم : 33]

 كأن الله يقول: يا عبادي كل عذاب أسوقه لكم في الدنيا من هذا النوع أنا أدعوكم إلى طاعتي، أدعوكم إلى الجنة، أحملكم على الاستقامة:

(( عجب ربنا من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل ))

[البخاري وأبو داود عن أبي هريرة]

بطولة الإنسان أن يفهم المصائب على حقيقتها :

 البطولة أن تفهم المصيبة على حقيقتها، ولكن هناك مصائب تصيب الأنبياء، الأنبياء مستقيمون، قمة الكمال، مصائب الأنبياء مصائب كشف، مصائب كشف كيف؟ إنسان يذهب إلى الطائف مشياً على قدميه ثمانين كيلو متراً، يصل إلى هذه المدينة التي يرجو لها الهداية والتوفيق والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة، يسخرون منه، يكذبونه، يغرون أطفالهم بضربه على قدميه، يأتيه ملك الجبال، يقول له: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرداتك:

(( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه عن عائشة]

 هذه النبوة، وضع النبي في هذا الظرف الصعب ولم يرض أن ينتقم منهم، هذه النبوة، مصائب الأنبياء كشف، كمال عميق جداً لا يبدو إلا بحالة صعبة.
 مصائب المؤمنين نوعان؛ رفع ودفع، يمشي بشكل بطيء إلى الله، يأتيه شبح مصيبة يسارع الخطا إلى الله، يصلي قيام الليل، يقرأ القرآن، يغض بصره، يتصدق، هذه النقلة النوعية في سلوكه بسبب شبح المصيبة، هذه المصيبة دفع، أحياناً الإنسان يكون عنده إمكانية أن يعمل أعمالاً عظيمة جداً، اكتفى بعمل قليل، تأتي له مصيبة من أجل أن يرفع مستوى أعماله، يوجد دفع و رفع، مصائب المؤمنين دفع ورفع، قال تعالى:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾

[ سورة البقرة : 155-156]

 راجعون بها. هذه مصائب المؤمنين دفع ورفع، مصائب الكفار ردع ومحق، يعطيهم مصيبة آخر إنذار ما استفادوا يمحقهم.