عين على القدس - الندوة : 2 - القدس أرض القداسة وأهميتها الدينية والتاريخية .

2014-05-08

مقدمة :

المذيع :
  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 الأخوة المشاهدون؛ الأخوات المشاهدات؛ أهلاً بكم في برنامجكم:"عين على القدس"، القدس في العيون نفنى ولا تهون، القدس أرض الإسراء كلنا لها فداء، القدس أرض القداسة، القدس أرض الأنبياء، أرض الصحابة، أرض الصالحين، أرض المخلصين، وبإذن الله ستعود القدس عزيزة كريمة وفية لمن يستحقها، ونود في هذه الحلقة أن نرحب باسمكم بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أهلاً بكم، وحياكم الله.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وجعل هذا اللقاء الطيب في صحيفتكم.
المذيع :
 جزاكم الله كل خير أستاذنا الفاضل، بدون مقدمات كثيرة نريد أن ندخل في الموضوع نريد أن نتكلم عن المكانة الدينية للقدس.

المكانة الدينية للقدس :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.
 أيها الأخوة الكرام؛ انطلاقاً من المكانة السامية لمدينة القدس فهي في ضمير المؤمنين بعامة والمسلمين بخاصة، هي موطن أبينا إبراهيم، ومتعبد الأنبياء السابقين، ومسرى خاتم النبيين، وفيها المسجد الأقصى الذي نوه الله به في الآيات المفصلة، وتليت فيه الكتب المنزلة، أُولَى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالثُ الحرمين الشريفين، قال النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 بارك الله حوله ببركات الدين والدنيا، والذي أضحى بالإسراء إليه وبالمعراج منه رمزاً للشخصية المعنوية للمسلمين، والتعريف بأهمية القدس الدينية والتاريخية والحضارية، وكشف مخططات التهويد، وتغيير طابع المدينة العربي والإسلامي، واجب ديني وقومي ووطني.
 نحن الأمة الإسلامية نرجع في معتقداتنا وتصوراتنا، وفي مبادئنا وقيمنا إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من وحي متلو وهو القرآن الكريم، ومن وحي غير متلو وهي السنة المطهرة، والتي هي بيان وتفصيل لمضمون القرآن الكريم والتنزيل، ونرجع إلى سيرته التي تعد تجسيداً عملياً لفهم النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن وحي السماء إلى الأرض، من هذه المبادئ الخالدة، وتلك القيم السامية انطلق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينشرون هذه الرسالة السماوية في الآفاق، محددين من خلالها أهدافهم النبيلة، ومتخذين لهذه الأهداف النبيلة وسائل نبيلة من جنسها.
 بالمناسبة لا يمكن أن يتخذ لهدف نبيل وسائل غير نبيلة.
المذيع :
 الغاية لا تبرر الوسيلة.
الدكتور راتب :
 الوسائل في الأصل من جنس الهدف، ما دام الهدف نبيلاً فالوسائل نبيلة، حتى الفتوحات الإسلامية قال بعض الفلاسفة الكبار: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب.
المذيع :
 فلذلك سياسة مكيدلي الغاية تبرر الوسيلة مرفوضة عندنا تماماً.

 

النبي وحده معصوم من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وصفاته وإقراره :

الدكتور راتب :
 طبعاً مقولة فيها خطأ كبير، نحن دائماً وأبداً معنا الكتاب والسنة، وما سوى الوحيين كلام بشر، كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب القبة الخضراء النبي صلى الله عليه وسلم، الحقيقة نحن في اعتقادنا الراسخ لا نعلم أحداً من البشر معصوماً إلا النبي صلى الله عليه وسلم، هو وحده معصوم بمفرده من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وصفاته وإقراره، أقواله سنة، وأفعاله سنة، وسكوته سنة – إقرار- وصفاته سنة، وما سواه يؤخذ منه ويرد عليه، فكل إنسان مهما كان مرتبة علية يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب القبة الخضراء فالقرآن الكريم هو وحي السماء، و فهم النبي لهذا القرآن هو الحديث، أفعال النبي تؤكد فهمه للقرآن، إقراره يؤكد ذلك، وصفاته تؤكد ذلك، لذلك قالوا: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق- الشاهد - والنبي قرآن يمشي، وأنا أرى ما لم يجد الطرف الآخر غير المسلم، أو غير الملتزم، ما لم يجد مسلماً إنساناً يمشي، منهجاً يمشي، نصوصاً صحيحة تمشي، مبادئ خلقية تمشي، لن تقوم للإسلام قائمة لأن الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، والأصول قبل الفروع، لو أن الصحابة الكرام وجدوا مسافة ولو أنها قصيرة بين أقوال النبي وأفعاله الإسلام ما خرج من مكة ولا المدينة، فالذي جعل الإسلام يصل إلى أطراف الصين وأطراف الأندلس هو أن الذين فتحت بلادهم ما رأوا في المسلمين مسافة بين أقوالهم وأفعالهم، والحقيقة فتوحات كثيرة تمت لكن لم تستمر، أما الدعوة الإسلامية فاستمرت لأن الناس رأوا بشراً من نوع آخر، رأوا بشراً رحماء، منصفين.
المذيع :
 دور الصحابة في القدس وفي بيت المقدس.

 

دور الصحابة في القدس :

الدكتور راتب :
 سيدنا الصديق خليفة المسلمين، قال في وصيته لأسامة بن زيد قائد الجيش الإسلامي، قال له: " لا تخونوا ، ولا تغدروا ، ولا تغلوا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلاً ، ولا شيخاً كبيراً ، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلاً ، ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاةً ، ولا بقرة ، ولا بعيراً ، وسوف تمرون بأقوام قد فرَّغوا أنفسهم في الصوامع ، فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له اندفعوا بسم الله ." هذه وصية الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 الحقيقة الفتوح تحتاج إلى قيم ومبادئ، وأنا أقول دائماً كتعليق دقيق جداً: سيدنا عمر رضي الله عنه عملاق الإسلام وثيقة الأمان الذي أعطاها لأهل القدس في حفاظه على كنائس أهل الكتاب أكبر دليل على مدى التسامح الديني الذي يتميز به الإسلام، والذي أكده ذلك الخليفة الراشد، لأن المؤمن الصادق يمثل هذا الدين، يؤكد هذا المعنى: " أنت على ثغرة من ثغر هذا الدين فلا يؤتين من قبلك".
 أنا سافرت إلى معظم البلاد، وكلما سافرت إلى بلد غربي أو شرقي وفيه جالية إسلامية كنت أقول أخاطب الجالية: هذا الألماني أو الأمريكي أو الأسترالي، لم يقرأ القرآن، ولم يقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقرأ كتب الفقه، الإسلام عنده هو أنت، أنت الذي أمامه هو الإسلام، فإذا كذبت عليه سقط الإسلام، فلذلك المشكلة الآية دقيقة جداً جداً، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة الممتحنة : 5 ]

 الطرف الآخر حينما يرى المسلم يقصر في أداء واجبه، يقدم تصريحاً غير صحيح، يقول: أنا على حق، من الذي أقنعه بكفره أنه على حق؟ المسلم المقصر، فالإنسان في بلاد المسلمين إذا أخطأ يشار إليه باسمه، يقولون: فلان أخطأ، أما إذا كان في بلاد أخرى إذا أخطأ يشار إلى الدين الإسلامي، فالإنسان حينما يسافر معه رسالة، ينقل رسالة الإسلام إلى الطرف الآخر، وإذا أتى من بلاد الغرب إلى بلاده معه رسالة أخرى، البطولة أن تنقل إيجابيات كل جهة لا أن تجمع بين سلبيات الأطراف جميعهم.
 زار سيدنا عمر رضي الله عنه كنيسة القيامة، ولمَّا حان وقت الصلاة، قال له البطرك: مكانك صلِّ، فأبى عمر رضي الله عنه وخرج يصلي خارج الكنيسة، وبعد أن أتمها قال: إنني لو أقمت الصلاة في كنيسة القيامة لوضع المسلمون عليها أيديهم في حجة إقامتي الصلاة فيها، وإني لآبى أن أمهد السبيل لحرمانكم منها وأنتم بها أحق وأولى.
 فلذلك سيدي حينما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة مهاجراً لا بد من ذكر بعض التفاصيل، فيها أوس، وخزرج وثنيون، وفيها أوس وخزرج مسلمون، وفيها يهود، وفيها نصارى، وفيها عرب، فقال في أول خطاب له - هذا الكلام تاريخي-: " أهل يثرب أمة واحدة، سلمهم واحدة وحربهم واحدة ". و هذا أرقى مفهوم مواطنة في التاريخ الإسلامي. "أهل يثرب أمة واحدة سلمهم واحدة وحربهم واحدة لليهود دينهم ولنا ديننا"، والآن أنا أرى الحياة لا تصلح في العالم كله إلا بهذا المفهوم مفهوم المواطنة، أما إذا أراد طرف أن يقضي على طرف، فالعنف في الأصل لا يلد إلا العنف، ومن توهم أنه بعنفه ينهي العنف فهو واهم جداً، العنف لا يلد إلا العنف.

 

معاملة صلاح الدين الأيوبي للفرنجة عند فتح القدس :

 الآن وبعد فتح القدس من قبل السلطان صلاح الدين، سمح للفرنجة بمغادرتها، لا يوجد انتقام هم قتلوا في أيام معدودة سبعين ألفاً، ذبحوهم في الطرقات، فلما فتحها سيدنا صلاح الدين الأيوبي شيء لا يصدق، وسوف يرد بعد قليل نتائج هذا الفتح، امتازت معاملة صلاح الدين بالإنسانية، فأعفى كثيرين من دفع الجزية، وسمح للمسيحيين الشرقيين بالبقاء في المدينة، يقول الإمام الحافظ ابن كثير موضحاً لنا عفو السلطان ورحمته بالمسيحيين بعد فتح المدينة المقدسة: وأطلق السلطان خلقاً كثيرين منهم بنات الملوك بمن معهم من النساء والصبيان والرجال، وشفع في أناس كثيرين فعفا عنهم، وفرق السلطان جميع ما قبض منهم من أموال على فقرائهم.
المذيع :
 رجع الأموال لهم وليس على فقراء المسلمين؟
الدكتور راتب :
 فقراء المسحيين، ولم يأخذ منها شيئاً مما يُقنى ويُدَّخر، وكان رحِمه الله حليماً، مقداماً، شجاعاً، رحيماً.
 لقد اشتهر المسلمون الظافرون في الواقع بالاستقامة، والإنسانية فبينما كان الفرنجة منذ سنوات يخوضون في دماء ضحاياهم المسلمين، يقتلون كل من يصادفونهم من الرجال والنساء والأطفال، سواء في بيوتهم، أو في مساجدهم، ولم يسلم منهم أحد، حتى من لجأ إلى المسجد الأقصى، وامتلأت الشوارع بجثث القتلى، وسالت أنهار الدم فيها .
المذيع :
 رواياتهم تقول سبعين ألفاً لكن روايات المسلمين تقول مئة وخمسين ألفاً أو أكثر.
الدكتور راتب :
 بينما الفرنجة يفعلون تلك الأعمال الوحشية، لم تتعرض أي دار من دور بيت المقدس للنهب من قبل جنود المسلمين، ولم يحلَّ بأحد من الأشخاص مكروه، بل صار رجال الشرطة من المسلمين يطوفون بالشوارع والأبواب، تنفيذاً لأوامر السلطان صلاح الدين، لمنع كل اعتداء يحتمل وقوعه على أهل القدس، وقد تأثر الملك العادل لمنظر بؤس الأسرى فطلب إلى أخيه صلاح الدين إطلاق سراح ألف أسير، فوهبهم له فأطلق الملك العادل سراحهم على الفور، ثم أعلن صلاح الدين الأيوبي أنه سوف يطلق سراح كل شيخ، وكل امرأة عجوز .
 هذا هو الدين، هذا هو الإسلام، هذا هو منهج الله، وأقبل نساء الفرنج، وقد امتلأت عيونهن بالدموع، فسألن صلاح الدين أين يكون مصيرهن بعد أن وقع أزواجهم وآباؤهم في الأسر؟ فأجاب صلاح الدين بأن وعد بإطلاق سراح كل من في الأسر من أزواجهن، وبذَلَ للأرامل واليتامى من خزانته العطايا كل بحسب حالته، فكانت رحمته وعطفه على نقيض أفعال الغزاة الفرنج .
 هناك فرق نوعي يا سيدي، نحن بالمناسبة عندنا فرق بالدرجة وفرق بالطبيعة، ممكن أن يكون عندك ذهب عيار أربعة وعشرين، أو عشرين، أو ثمانية عشر، أو ستة عشر، أو أحد عشر، نقول: الفرق بالدرجة، وهناك معدن نفيس كالذهب ومعدن خسيس، الفرق بالطبيعة، فالفرق بين المسلم وبين غير المسلم بالطبيعة، لقد شهد المؤرخون المعاصرون وغير المعاصرين بكرم أخلاق صلاح الدين، وسماحته، وأن صلاح الدين عامل النساء الفرنجيات أحسن معاملة، يؤلمني كثيراً أنه بعد فتح القدس قال سيدنا صلاح الدين: لن يرجعوا غداً، فلما جاء غورو إلى الشام وقف أمام قبر صلاح الدين وقال: ها قد رجعنا..
المذيع :
 الصليبية في نفوسهم.

التدين الصحيح يجعل من الإنسان كائناً يفيض مودة و رحمة :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الدقيقة زوجة الملك جاي لوس الأسير موجودة في بيت المقدس فطلبت من صلاح الدين السماح لها بمصاحبة زوجها في الأسر في نابلس فأذن لها .كذلك طلبت الأميرة أرملة أرناط، كان وحشاً .
المذيع :
 كان أرناط ينقض العهود، وكان في الكرك، وكان يقطع طريق الحجاج.
الدكتور راتب :
 قال أرناط: قولوا لمحمدكم تحدى النبي صلى الله عليه وسلم.
 كذلك طلبت الأميرة أرملة أرناط من صلاح الدين الخروج، كما طلبت إطلاق سراح ابنها من زوجها الأول، فأكرمها السلطان، وسمح لها بالسفر، ثم أطلق سراح ابنها. أما اليتامى والشيوخ والأرامل من الفرنجة، فإن صلاح الدين لم يكتف بإطلاق سراحهم دون فداء، بل منحهم أيضاً مساعدات مالية من بيت المال، وهكذا بدأ الفارق عظيماً بين صلاح الدين عندما فتح بيت المقدس وبين ما فعله الفرنجة بالمدينة وأهلها المسلمون عندما سقطت في أيديهم، فذبحوا من صادفوه فيها.
 وهكذا نجد أن التدين الصحيح يجعل من الإنسان كائناً يفيض مودة، و رحمة، وإنصافاً، ومروءة، وما أحوج العالم اليوم إلى قيم إنسانية تكون سياجاً يرشد القوة المدمرة التي أبدعها عقل الإنسان .
المذيع :
 نحن الآن نسمع قيماً من أمريكا ومن أوربا نسمع القيم ولكن لا نشاهد تطبيقاً على الواقع، هم أم الحضارة وأم الديمقراطية ولكن لا، الواقع غير ذلك.

 

الابتلاء علة وجودنا في الدنيا :

الدكتور راتب :
 أنا أعتقد أنه قد يستطيع الإنسان أن يخدع معظم الناس لبعض الوقت، أو قد يستطيع أن يخدع بعض الناس لكل الوقت، أما أن يخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل، أما أن يستطيع أن يخدع ربه أو نفسه ولا ثانية، فلذلك الله متكفل أن يحجم أي إنسان يتحدث عن نفسه، قل ما شئت، امدح نفسك كما تريد، لكن الله متكفل أن يحجمه عن طريق الابتلاء، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 30]

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 2]

 البطولة سيدي عندما سئل الإمام الشافعي أندعو الله بالتمكين؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى! يجب أن نعتقد جميعاً وأنا أخاطب الأخوة المشاهدين لا يمكن لإنسان أن يشم رائحة الجنة إلا بعد الابتلاء، والابتلاء بالحقيقة منهج إلهي، والابتلاء علة وجودنا في الدنيا، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

 فلذلك الإنسان بطولته لا في ألا يصاب بابتلاء بل أن ينجح في الابتلاء، قال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 2]

 هذه الحقائق التي ذكرتها تؤكد الطابع الإسلامي للقدس الشريف، وما تمتعت به المدينة المقدسة من أمن وسلام في ظل الحكم العربي الإسلامي عبر العصور، وتدعو هذه الحقائق المسلمين إلى تضافر الجهود كافة للمحافظة على التراث الثقافي والحضاري لمدينة القدس الشريف.
المذيع :
 والآن هناك تهويد لكل مكان من الشوارع، للبيوت، لحائط البراق، هناك تغيير للمدينة المقدسة.

الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر :

الدكتور راتب :
 إلا أن كتعقيب قال تعالى:

﴿ َقَدْ مَكَرُوا مَكْرُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 خالق السموات والأرض يصف مكر هؤلاء بأنه تزول منه الجبال، أي جبل تراه عينك لو اجتمعت قوى الأرض من آدم إلى يوم القيامة هل تستطيع نقله إلى مكان آخر؟ جبل قاسيون في دمشق هل ينقل إلى درعا؟ إله يقول:

﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 أما الآية الشفاء، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

[ سورة آل عمران : 120 ٍ]

 أنا ماذا أقول؟ الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر، وأما المعصية مع الصبر فطريق إلى القبر، الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر.
 هناك شيء آخر ملمح آخر يناسب ان أقوله الآن: يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 ملمح لطيف، هذا الضعيف فقير أطعمته، مشرد آويته، جاهل علمته، مريض عالجته، هذا الضعيف هو ضعيف لا يملك قوة إطلاقاً وأنت قوي أنت أكرمته، أطعمته، آويته، عالجته، علمته، وهو ضعيف، يتفضل الله عليك بأن يكافئك من جنس عملك، ينصرك على من هو أقوى منك، أنا إيماني أن الأعداء كثر، أعداؤنا أقوياء وأغنياء وأذكياء، الطريق إلى الانتصار عليهم لا يكون إلا باتباع منهج الله عز وجل، فنحن إذا انتبهنا إلى ضعفائنا من أمتنا، إلى فقرائنا، إلى مشردينا، إلى جهالنا، إلى مرضانا، هؤلاء الضعفاء ليس لهم نصير، فنحن حينما نهتم بهم، نطعم جائعهم، نكسو عاريهم، نعلم جاهلهم، يتفضل الله علينا بمكافأة من جنس عملنا فينصرنا على من هو أقوى منا، وكأن الله عز وجل يبين لنا أن المكافأة من جنس العمل.

 

مطالبة الجميع بالمحافظة على الطابع الإسلامي للقدس الشريف :

 شيء آخر، الحقيقة أن الحقائق التي ذكرتها تؤكد الطابع الإسلامي للقدس الشريف، وما تمتعت به المدينة المقدسة من أمن وسلام في ظل الحكم العربي الإسلامي عبر العصور، وتدعو هذه الحقائق المسلمين إلى تضافر الجهود كافة للمحافظة على التراث الثقافي والحضاري لمدينة القدس الشريف، وتعد هذه الندوة أن المحافظة مسؤولية جماعية، وواجب إنساني، يتحمله المجتمع الدولي بعامة، والمؤمنون الشرائع السماوية الثلاث بخاصة و المسلمون على وجه أخص.
 تدعو هذه الحقائق الحكومات والمنظمات والهيئات الدولية للقيام بتحرك فاعل ومؤثِّرٍ لإيقاف المحاولات الجارية لطمس المعالم التاريخية والحضارية لمدينة القدس، ولمحو الهوية الثقافية والحضارية للمدينة المقدسة، ولوضع حدّ عاجل لسياسة تهويد القدس الشريف، وباقي مدن فلسطين المحتلة .
 مؤامرة كبيرة لكن الحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، مثلاً ارسم خطاً مسقيماً بين نقطتين، يأتي الثاني فوق الأول، لو رسمت مليون خط فوق بعضهم بين نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد، الحق لا يتعدد، بين حقين لا تكون، والحرب بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق، والحرب بين باطلين لا تنتهي.
 وتؤكد الندوة على التوصيات والقرارات السابقة التي اتخذتها المؤتمرات الإسلامية والعربية بشأن تقديم جميع أنواع الدعم المعنوي والمادي للمؤسسات التربوية والثقافية في القدس الشريف بخاصة والأراضي الفلسطينية المحتلة بعامة، وكذلك للمؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية .
 وتؤكد هذه الحقائق على أن القدس هي عاصمة الدولة الفلسطينية، وعلى أنها مدينة مقدسة مفتوحة أمام أصحاب الشرائع السماوية الثلاث.
المذيع :
 مدينة مقدسة تحت حكم المسلمين.
الدكتور راتب :
 ولكنها مفتوحة لأصحاب الشرائع الثلاث في إطار التعايش الإنساني من دون مساس بحق من حقوق مسلمين ومسيحيين على حد سواء، وتشيد الندوة بمواقف صمود الشعب الفلسطيني في القدس الشريف، وتناشد المجتمع الدولي تقديم الدعم المادي والأدبي لأبناء القدس لمواصلة محافظتهم على المآثر التاريخية والحضارية، وعلى دعم المؤسسات التربوية والعلمية، وعلى حماية المساجد ودور العبادة بمدينتهم المقدسة لجعلها من معالم التراث الثقافي في القدس الشريف.
المذيع :
 هنا ملاحظة سريعة: البعض يعتقد أنه لا يوجد في القدس إلا المسجد الأقصى، في القدس معالم كثيرة أكثر من خمسة وستين مسجداً، هم يقولون: القدس الشرقية والغربية، نحن لا نعترف إلا بقدس واحدة وهي لجميع المسلمين، أما القدس الشرقية والأقصى وما يقسمونه فهذا لا نعترف به، القدس كاملة للعرب والمسلمين.
الدكتور راتب :
 و تؤكد الندوة على ضرورة دراسة الوضع الراهن للأوقاف الإسلامية، وممتلكات الكنائس المختلفة في القدس الشريف، وما آلت إليه تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، وتندد الندوة بالقرار الصادر عن محكمة العدل العليا الإسرائيلية الذي يعد موقع الحرم القدسي الشريف خاضعاً للسيادة الإسرائيلية، مما يترتب عليه تفويض جماعة ما يُسمى أبناء الهيكل السيطرة على هذا الموقع المقدس، وتوصي الندوة بدراسة التراث الحضاري في القدس الشريف والوقوف على متطلبات صيانته والمحافظة عليه، وذلك من خلال لجنة فنية تؤلف لهذه الغاية، وتكون تابعة لوحدة القدس بالمنظمة الإسلامية، وتكلف بالعمل على توثيقه وصيانته وترميمه، و ندعو إلى التنسيق والحوار الإسلامي المسيحي المستمر من أجل حماية المآثر الثقافية والحضارية والتعليمية والمحافظة على الأماكن المقدسة في مدينة القدس .

تفسير علْوي لما يجري في العالم العربي :

 لو بحثنا في النصوص الدينية الصحيحة عن تفسير علوي لما يجري في العالم العربي فقد ورد في الحديث الشريف:

((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ ))

[ ابن ماجه عن ابن عمر]

 حينما يأخذ المنحرف والشاذ بطاقة يفتخر بها تأتي أمراض لم تكن في الأسلاف:

((وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ ... ))

[ ابن ماجه عن ابن عمر]

 أنا أقول: كلما قلّ ماء الحياء قلّ ماء السماء، وكلما رخص لحم النساء ارتفع لحم الضأن، وكلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة:

((وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ))

[ ابن ماجه عن ابن عمر]

المذيع :
 ولكن لا يستأصل بيضتهم لا يمكن، إنما تأديب.
الدكتور راتب :

((..وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

[ ابن ماجه عن ابن عمر]

 الشيء المؤلم الذي يفتت القلب أن الأعداء يتعاونون، وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة، والمسلمين يتقاتلون يذبح بعضهم بعضاً، وبينهم تسعون بالمئة قواسم مشتركة، هذه وصمة عار، هذه الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.

 

خطبة محي الدين القرشي قاضي دمشق عند فتح مدينة القدس من قبل المسلمين :

 الآن لو عدنا إلى يوم الجمعة، الواقع في السابع والعشرين من شهر رجب عام خمسمئة وثلاثة وثمانين للهجرة، الموافق للثاني من تشرين الأول عام ألف ومئة وسبعة و ثمانين للميلاد، ففي هذا اليوم تمّ فتح مدينة القدس من قبل المسلمين، وبقيادة صلاح الدين، وتمّ تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين، وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح، والوجوه قد عمها البشر، ونسمع الألسنة وقد لهجت بالشكر، لقد علت الرايات، وعلقت القناديل، ورفع الأذان، وتلي القرآن، وَصَفَتِ العبادات، وأقيمت الصلوات، وأُديمت الدعوات، و تجلت البركات، وانجلت الكربات، وزال العُبُوس، وطابت النفوس، وفرح المؤمنون بنصر الله، وها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى، فإذا المسلمون، وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض، لا تتفاوت مقاعدهم، ولا يمتاز أميرهم عن واحد منهم، قد خشعت جوارحهم، وسكنت حركاتهم، هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة استحالوا رهباناً خُشَّعَاً، كأن على رؤوسهم الطير في حرم المسجد.
 ها هو ذا خطيب المسجد محي الدين القرشي قاضي دمشق يصعد المنبر، ويلقي خطبةً لو ألقيت على رمال البيد لتحركت وانقلبت فرساناً، ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة، وها نحن أولاء نستمع معكم إلى فقرات من خطبته، لقد افتتحها بقوله تعالى :

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 45]

 يقول هذا الخطيب: أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردِها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مئة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع، ويذكر فيه اسمه من رجس الشرك و العدوان، ثم قال محذراً: إياكم عباد الله أن يستزلكم الشيطان، فيخيل لكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد، لا والله، ما النصر إلا من عند الله، فاحذروا عباد الله بعد أن شرفكم الله بهذا الفتح الجليل أن تقترفوا كبيرةً من مناهيه، انصروا الله ينصركم، خذوا في حسم الداء، وقطع شأفة الأعداء، وها نحن أولاء نخرج من المسجد، ونلتقي بأحد الفرنجة الذين شهدوا فتح القدس، وها هو ذا يحدثنا فيقول: إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا مسالماً، أو معاهداً، وأن من شاء منا خرج، وحمل معه ما شاء، و أننا بعناهم ما فضل من أمتعتنا فاشتروها منا بأثمانها.
المذيع :
 أي بيع شراء ما أخذوها غنائم.
الدكتور راتب :
 أبداً ..وأننا نغدو ونروح آمنين مطمئنين، لم نر منهم إلا الخير والمروءة، فهم أهل حضارة و تمدن، وصَدَقَ من قال: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم، وليته قال أيضاً: إن المسلمين لم يهدموا بيتاً، ولم يصادروا أرضاً، ولم ينشئوا مستوطنة، ولم يكسروا عظماً.
 الحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، والمعركة بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق، وأن الحرب بين باطلين لا تنتهي.
المذيع :
 هذه الكلمات تكتب بماء الذهب حقيقة، جزاك الله خيراً، وبارك بك كلام طيب، وكأننا نعيش التاريخ، وإن شاء الله الفتح الثالث سيكون، الأمل بالله كبير بإذن الله، واشتداد الأزمة سيفجرها بإذن الله تعالى.
 تكلمنا عن المكانة الدينية للقدس والصحابة الكرام، وسيدنا عمر والقدس، وصلاح الدين الأيوبي والقدس، والفرنجة والقدس، موقف المسلمين بعد الفتح، صور رائعة مبادئ الدين الإسلامي وعلاقته بالفتوح، عندنا خمس دقائق نريد أن نلخص الطريق إلى القدس، الآن نسمع كلاماً ومؤتمرات الطريق إلى القدس في نظركم كداعية مجرب طفت العالم، خبرت كيف يكون الطريق إلى القدس؟

 

الطريق إلى القدس يكون بعودة المسلمين إلى دينهم الصحيح :

الدكتور راتب :
 قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 وعد إلهي و زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، قال تعالى:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أي دين وعد بتمكينه؟ الدين الذي يرتضيه الله لنا، لا الذي اخترعناه نحن، قال تعالى:

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 كلمة واحدة بعدها، قال تعالى:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور الآية : 55 ]

 فإذا قصرنا في عبادتنا لربنا، الله عز وجل في حلّ من وعوده الثلاثة، أما الوعود الإلهية فزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، قال تعالى:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

[ سورة الأنفال: 10 ]

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران:160 ]

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

 كل هذه الآيات والأحاديث تؤكد، قال تعالى:

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة غافر: 51 ]

 ست آيات زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، الكرة في ملعبنا أنا والله أؤمن، قضية النصر قضية خطيرة جداً، قال تعالى:

﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 14]

 المعنى المخالف نحن مرضى الآن، الأزمات إذا تتالت، والنكسات إذا تتالت، والإحباطات إذا تتالت ينشأ مرض نفسي هذا المرض النفسي الله عز وجل أعطانا جرعات منعشة، أعطانا بعض الأخوة في فلسطين انتصروا على رابع جيش في العالم، أول جيش في المنطقة خلال عشرين يوماً لم يستطع هذا الجيش تحقيق أي نصر، انهيار النظام الربوي العالمي في العالم الغربي جرعة ثانية، أخوتنا الفسطينيون أرسلوا صاروخاً إلى تل أبيب دخل في عمارة عالية جداً، هناك ملامح وتباشير إلهية، تركيا كدولة إسلامية الآن، كانت دولة علمانية تعادي الدين، هذه كلها جرعات منعشة للمسلمين كأن الله يقول لنا: لا تقلقوا يا عبادي أنا موجود، لا تقلقوا ولا تحزنوا، المشكلة في الصلح مع الله، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.

 

خاتمة و توديع :

المذيع :
 جزاك الله كل خير أمتعتنا والحديث شيق، ولا يسعنا أيها الأخوة المشاهدون الأخوات المشاهدات إلا أن أتوجه باسمكم بالشكر الجزيل إلى فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذنا وأستاذ الأجيال إن شاء الله والذي أتحفنا بهذا الموضوع القيم، القدس أرض القداسة، القدس ستكون هدية من الله عز وجل لمن يستحقها، إذا كنا أهلاً للقدس سيمنحنا الله هذه الهدية، وإذا لم نكن أهلاً فالأمر يحتاج إلى إعادة تأهيل، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 38]

 القدس تجمعنا، القدس في قلوبنا، القدس عقيدة، أسأل الله عز وجل أن يثبت أهلنا في القدس، وفي فلسطين، وفي سائل بلاد المسلمين، وأن يحقن دماء المسلمين في سوريا، وفي العراق، وفي مصر، وفي كل مكان، فوق كل أرض وتحت كل سماء، أن يحقن دماءهم، يجمع كلمتهم، يوحد صفوفهم، يجعل بلدانهم بلداً واحداً، ويجعل أئمتهم إماماً واحداً، ويجعل راياتهم راية واحدة، وأسأل الله أن يشفي صدورنا صدور المؤمنين بالنصر بإذن الله تعالى، بتحرير مقدساتنا، شكراً لكم لمتابعتكم ومشاهدتكم، ودائماً على الخير نلتقي، وإن شاء الله يكون لقاؤنا القادم في القدس، بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.