الإسلام الغائب - الندوة : 1 - مفهوم العبادة والعابد في الإسلام والفرق بين المخلوقات .

2012-07-19

مقدمة :

 بسم الله خالق الأكوان، وخالق القرآن قبل الإنسان، بسم الله والصلاة على رسول الله، الذي كان هداه هو البيان، نحن اليوم في برنامج جديد يتطلع إلى أن يصحح الكثير من المفاهيم الخاطئة عن هذا الإسلام العظيم، هذا الإسلام الغائب، ولقد أكرمنا الله عز وجل بضيوف مشهود لهم بالكفاءة العلمية، والبصيرة النافذة في هذا الدين، وتحقيق مقاصده وأوامره، نبقى مع ريبورتاج صغير نتحدث فيه عن مفهوم العبادة وسألنا الجماهير عن ماذا يعني لك إنسان عابد؟
 الإنسان العابد هو بشكل عام إما هو معتزل في المسجد يتفرغ للعبادة، يعمل بعبادة الله وبنفس الوقت يعيش حياته العادية.
 بكل بساطة إطاعة أوامر الله واجتناب نواهيه.
 الإنسان العابد برأيي هو الذي ذكره الله عز وجل في سورة الفرقان:" وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" وتتمة الآية.
 العابد ليس الإنسان الذي يجلس في الجامع ويتعبد هذه عبادة، ولكن هناك عبادة أخرى نحن نغفل عنها مثل العمل، الدراسة، العلم، هذه كلها من العبادة مادامت في مرضاة الله.
 الإنسان العابد هو الذي يقدم الخير للناس والمجتمع، الذي يعمل عملاً فيه مصلحة لنفسه هو عبادة.
 العابد معروف هو الذي يكون له فعل يقربه من الله عز وجل، وجيد مع الناس، ولا يؤذي أحداً، ويعمل خيراً دائماً هكذا..
المذيع:
 مرحباً بكم مرة أخرى، معنا للحديث عن هذا الموضوع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامية المعروف، وأستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، السلام عليكم فضيلة الدكتور.
الدكتور راتب:
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المذيع:
 فضيلة الدكتور كما استمعت من الناس، صار واضحاً من خلال ما تُعلّمون ومن خلال هذه الصحوة الدينية صار واضحاً أن العبادة لم تعد مقصورة على المسجد، وأن العبادة في مجموعها العام هي كل ما يفعله الناس في ابتغاء مرضاة الله عز وجل، ولكن السؤال وأنت المتخصص في الرد على الشبهات، هناك تساؤل في الأعماق يدور في رأس أكثر من مليار مسلم إذا كان الله عز وجل غنياً عن عبادتنا فلماذا أمرنا بالعبادة؟

الإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاث :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.
 أستاذ عبد الفتاح جزاك الله خيراً، هذه الطاولة التي أمامي كائن جامد، لها وزن، ولها أبعادٌ ثلاثة، وتشغل حيزاً في الفراغ، أما النبات فكائن مادي له وزن، وله أبعادٌ ثلاثة، ويشغل حيزاً في الفراغ كالجماد لكنه ينمو، بينما الحيوان كائن مادي يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعادٌ ثلاثة، وله وزن وينمو كالنبات، لكنه يتحرك، أما الإنسان فكائنٌ مادي يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعادٌ ثلاثة، وله وزن، وينمو كالنبات، ويتحرك كبقية المخلوقات، لكنه يفكر، أودع الله في الإنسان قوةٌ إدراكية، بهذه القوة الإدراكية فضّل الإنسان على بقية المخلوقات، بل إن الآية الكريمة التي تفضلت بها في التقديم، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1-4]

 هناك تساؤل كبير: أيعقل أن يُعلّم الإنسان القرآن قبل أن يخلق؟ الترتيب: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان، قال علماء التفسير: هذا الترتيب ليس ترتيباً زمنياً ولكنه ترتيب رتبي بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه، لذلك الإنسان كائن متحرك ما الذي يحركه؟ يحرك الإنسان حاجات ثلاث، حاجته إلى الطعام والشراب حفاظاً على بقائه كفرد، ولولا الحاجة إلى الطعام والشراب لما رأيت على وجه الأرض شيئاً، لا جامعات، ولا مدارس، ولا معامل، ولا جسور، ولا حقول، ولا مؤسسات، لولا الحاجة إلى الطعام والشراب، إذاً لا بد من عمل لكسب ثمن الطعام والشراب، من خلال هذا العمل تبنى الحضارات، فالإنسان كائن متحرك تحركه حاجات ثلاث أولها: الحاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على بقاء الإنسان كفرد، لكن هناك حاجة ثانية حاجة الإنسان إلى الطرف الآخر أي حاجة الرجل إلى المرأة، والمرأة إلى الرجل، الحاجة إلى الزواج، الحاجة إلى الزواج حفاظاً على بقاء النوع، لولا هذه الشهوة التي أودعها الله في الذكر والأنثى معاً لما استمرت البشرية، لانقرضت، فالحاجة إلى الطرف الآخر، الحاجة إلى زوجة، أو الحاجة إلى زوج، هذا سبب بقاء النوع.
المذيع:
 الأول بقاء الفرد، الثاني بقاء النوع.
الدكتور راتب:
 الآن بعد أن تأكل وتشرب وتتزوج وتنجب، عندك حاجة ثالثة إلى أن تضع بصمة في الأرض، إلى تأكيد الذات، إلى التفوق، هذه الحاجة من أجل بقاء الذكر، فأنت بحاجة إلى الطعام والشراب من أجل بقاء الفرد، وبحاجة إلى الزواج من أجل بقاء النوع، وبحاجة إلى التفوق من أجل بقاء الذكر، وهذه الحاجات الثلاث واضحة جداً في القرآن الكريم، فقد سمح الله لك أن تأكل ما تشاء، وأن تشرب ما تشاء، عدا لحم الخنزير والخمر، سمح لك أن تقترن بالأنثى وفق منهج إلهي مشروع، بالمناسبة ما من شهوة أودعها الله بالإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، بمعنى أنه ليس في الإسلام حرمان، لكن فيه ترشيداً، لذلك الإنسان حينما يتحرك وفق منهج الله يحقق ذاته، ويستمتع بالحياة الدنيا استمتاعاً متميزاً، لذلك الآية الكريمة:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص : 50 ]

 عند علماء الأصول هناك المعنى المخالف، من يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه، إذاً ليس في الإسلام حرمان، ما من شهوة أودعها الله بالإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها.
المذيع:
 إذاً مجموع هذه الأوامر التي أمر الله عز وجل بها هي لصالح الإنسان، هناك من يسأل مادامت هذه القضايا للناس لماذا الله عز وجل يريدنا اتباع هذا المنهج؟ ما هي الغاية وهو الغني عنا؟

الله عز وجل غني عن الإنسان لكنه يحب سلامته و سعادته :

الدكتور راتب:
 الحقيقة، الإنسان حينما يقرأ القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

[ سورة البلد: 1-3]

 نظام الأبوة والبنوة أحد أكبر آيات الله الدالة على عظمته.
المذيع:
 في قوله: ووالد وما ولد؟
الدكتور راتب:
 نظام الأبوة والبنوة، قد يكون الأب غنياً وقوياً ولا يحتاج ابنه إطلاقاً، لماذا هو حريص حرصاً لا حدود له على نجاح ابنه وعلى سعادته؟ أعطاك مثلاً من جنس البشر الأب والأم لا يحتاجان الابن إطلاقاً لكنهما حريصان حرصاً لا حدود له على سعادته.
المذيع:
 أرجو من السادة المشاهدين التدقيق بهذا المثل والدكتور راتب مشهود له بروعة المثل في محله، اليوم حينما يسأل أولادك: الله عز وجل غني عنا، ذكره أنك أنت أيها ألأب أنت غني عن ابنك وابنتك، وأنت غنية عن ابنتك، أنت لا تحتاجينها لكنك تريدين الخير لها.
الدكتور راتب:
 كنت مرة في أمريكا وألقيت محاضرة قلت لهم – كان الرئيس في ذلك الوقت كلينتون - لو بلغت منصباً ككلينتون، وثروة كأوناسيس، وعلماً كأنشتاين مثلاً ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس، لأن الله سبحانه وتعالى أودع في قلوب الآباء والأمهات حرصاً على أولادهم، فإذا كان الإنسان وهو مخلوق عنده هذا الحرص فكيف بخالق السموات والأرض؟

(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا... ))

[ مسلم عن أبي ذر]

 إذاً الله عز وجل غني عنا لكن كماله المطلق يعني أنه يحب سلامتنا وسعادتنا.
المذيع:
 دكتور سؤال؛ مادام الله عز وجل وهو كذلك بهذا الحب لخلقه وعبيده، الآن بعض الناس يقول لك: أنا لا أصل لمرحلة أن أعذب ولدي إذا أساء لدرجة أنني أعذبه بالنار أو غير ذلك، الله بهذا الحب بهذا العطاء بهذا الغنى عن عبيده مهما أساء هذا الإنسان لماذا يصل لمرحلة أن يخلد في النار؟ مادامت هناك ليست والدية ولكن هذه الربوبية العالية من الله عز وجل كيف نقرب هذا المعنى؟

 

العلم نوعان؛ استنباطي و استخباري :

الدكتور راتب:
 أولاً: أدخر سرّ القضاء والقدر إلى يوم القيامة بادئ ذي بدء لأن الإنسان ضعيف ضعيف ضعيف لا يستطيع أن يثبت عدل الله بعقله إلا بحالة مستحيلة أن يكون له علم كعلم الله.
المذيع:
 أرجوك دكتور مرة ثانية، هذا السؤال يعتلج دائماً في الصدر.
الدكتور راتب:
 بادئ ذي بدء، يوجد نوعان من العلم؛ علم استنباطي يدرك بالعقل، أنا أرى دخاناً وراء الجدار بعقلي أستنبط أن هناك ناراً وأقول: لا دخان بلا نار، هذا علم استنباطي استقرائي من مهمات العقل، لكن لو دخلت إلى بيتي وهناك خزانة مغلقة وأنت بكل ذكائك لا تستطيع أن تعلم ما بداخلها وأنا عندك صادق، قلت لك: فيها كتب محاسبة، هذا اسمه علم إخباري، العلم الاستنباطي شيء والاستخباري شيء، فكل شيء يستطيع عقلنا إدراكَهُ هذا علم استنباطي، لذلك معرفة الله من خلال الكون، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

 الكون كله آيات دالة على عظمة الله، والقرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي.
المذيع:
 هذا في العلم الاستنباطي.
الدكتور راتب:
 الآن كل شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، هذا العلم الإخباري.
المذيع:
 هذا لا نبحث عن أدلته..
الدكتور راتب:
 لا تستطيع أن يكون العلم الإخباري عندك يقيناً إلا إذا آمنت بالله عن طريق الاستنباط، هذا الكون يشف عن وجود الله، ويشف عن كماله، ويشف عن وحدانيته، أنا ضغطت الأمر، وجود الله وكماله ووحدانيته، هذا الكون تجسيد لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، هذا الكون يشف عن وجود الله وكماله ووحدانيته، الآن كل شيء عجز عقلك عن إدراكه مثلاً الماضي السحيق، البشرية كيف بدأت، أخبرك الله به، المستقبل البعيد، ماذا بعد الموت، أخبرك الله به، حقيقة النار أخبرك الله بها، حقيقة الجنة أخبرك الله بها.
 نحن بادئ ذي بدء هناك علوم استنباطية استقرائية ومنها الإيمان بالله، لأن كل هذا الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، لكن الحقائق الذي أنت في أمس الحاجة إليها كالإيمان باليوم الآخر لا يوجد أي دليل مادي، هذا موضوع إخباري.
المذيع:
 هذا ملمح خطير جداً، دعني أتوقف عند فاصل قصير وسنعود لمفصل هام جداً هناك علوم إخبارية ليس للعقل دور بها، وهناك علوم شهودية سنتحدث عنها بعد الفاصل بشكل مفصل تابعونا..
 بسم الله الرحمن الرحيم، توقفنا عند مفصل هام وهو أن علوم الآخرة لا يمكن إدراكها بالمحسوسات، لا يستطيع إنسان أن يقول لك: هناك يوم آخر وهذا هو الدليل، نعود إلى فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي وهو يتحدث لنا عن البعدين الكبيرين في المعرفة الإنسانية وهي علوم عن طريق الخبر، وعلوم عن طريق النظر، دكتور ماذا عن الإيمان باليوم الآخر ونحن نتحدث عن مفهوم العبادة في الإسلام؟

 

في الإيمان جانبان؛ جانب إخباري وجانب استدلالي :

الدكتور راتب:
 هناك في الإيمان جانب إخباري وجانب استدلالي؛ فأنت مكلف بالجانب الاستدلالي أولاً كي تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وأن تؤمن بالقرآن من خلال إعجازه، وأن تؤمن بالنبي من خلال القرآن الكريم، فعندك الإيمان بالله والإيمان بالقرآن والإيمان بالنبي عن طريق العقل لأن فيه أدلة قطعية جامعة مانعة، لكن الله عز وجل أخبرك بشيء لا يستطيع عقلك أن يدركه ابتداء أخبرك باليوم الآخر، أخبرك بأهل النار وأهل الجنة، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةً* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾

[ سورة الحاقة: 19-29]

 إذاً الله عز وجل أخبرك بشيء لا يدركه عقلك، وأنا بالمناسبة أنصح أخوتي الدعاة الناشئين ألا يتحاوروا مع إنسان أنكر وجود الله بالإخباريات.
المذيع:
 مرة ثانية، أنا لا أتحدث عن أمور الآخرة بقضايا مادية، أبحث عن وجود الله أولاً.
الدكتور راتب:
 من اهتز الإيمان بالله عنده الداعية ينبغي ألا يحدثه أبداً عن الإخباريات لأنه لا دليل عقلي لها، لها دليل إخباري.
المذيع:
 والله مشكلة دكتور، بعض الناس يقول لك: ننكر القبر، ننكر الحساب، كيف تكون جهنم، من الخطأ أن نتحدث فيها من خلال القضايا المادية.
الدكتور راتب:
 بعد أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، و أن أسماءه حسنى وصفاته فضلى من خلال الكون، وبعد أن تؤمن بالقرآن الكريم من خلال ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون من حيث الإعجاز، وبعد أن نؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال قرآنه، الآن القضايا التي لا يستطيع عقلنا إدراكها أخبرنا الله بها.
المذيع:
 إذاً لا سبيل إلى إدراك عدل الله كما تفضلت.

 

على الإنسان أن يتلقى إخبار الله له وكأنه يراه :

الدكتور راتب:
 لذلك، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾

[ سورة الفيل: 1]

 أستاذ عبد الفتاح بربك هل رأيت أنت هذه الحادثة؟
المذيع:
 طبعاً لا.
الدكتور راتب:
 الله يقول: ألم تر؟
المذيع:
 دكتور أنت ورطتنا بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لم ير؟
الدكتور راتب:
 قال علماء التفسير: ينبغي أن تتلقى خبر الله وكأنك رأيته. لشدة عظمة الله ومصداقيته، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾

[ سورة النساء: 87]

 ينبغي أن تتلقى إخبار الله لك وكأنك تراه.
المذيع:
 دكتور الآن ونحن نتحدث عن العبادة، الآية التي ترد في الأذهان:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 إلا ليعبدون هل هذا حصر؟ أي ليس هناك من غاية للوجود إلا العبادة، ونحن نعلم الله جعل أول فعل في القرآن إياك نعبد، الآن حينما نجد في القرآن الكريم أن الله عز وجل طلب منا عمارة الأرض واستعمركم فيها، طلب منا أن نكون مستخلفين في الأرض، طلب منا أن نتمتع:" قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق: هل هذه الغايات من الوجود ليبلوكم عشرات الغايات كيف نقول للناس الغاية الوحيدة هي العبادة؟ ثم نقول أن هناك غايات وكأن هناك شيئاً من الغلط؟

 

العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية :

الدكتور راتب:
 لأن الناس يتوهمون أن العبادة التي وردت في القرآن الكريم المقصود بها العبادة الشعائرية، كالصلاة والصيام والحج والزكاة، والحقيقة أن العبادة لها معنى واسع جداً، العبادة أن تخضع لمنهج الله الذي يقترب من خمسمئة ألف بند، يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، فلذلك العبادة بهذا المفهوم الواسع شمل كل شيء، أنت كائن متحرك، كسب مالك، إنفاق مالك، زواجك، تربية أولادك، قضاء وقت فراغك، كل نشاطاتك ضمن العبادة، لكن نفهم العبادة صلاة فقط وصوم وحج وزكاة، هذه العبادة الشعائرية فقط، العبادة التعاملية ما دليلها في السنة؟ النبي صلى الله عليه وسلم حينما ضيق الكفار عليه وعلى أصحابه أمر بهجرة بعضهم إلى الحبشة، ملك الحبشة استدعى سيدنا جعفر قال له: حدثني عن الإسلام، قال له:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[ ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 هذه العبادة التعاملية، والعبادة الشعائرية لا تقطف ثمارها إطلاقاً إلا إذا صحت العبادة التعاملية، وإليك الدليل، النبي صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه من المفلس؟

(( قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوماً: أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار ))

[ مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 هذه الصلاة، الصوم:

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[ البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 الحج:

(( من حج بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك ، قال الله له: لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

 الزكاة:

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة: 53]

 معنى ذلك أن العبادات الشعائرية كالصلاة والصيام والحج والزكاة لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية، فلذلك المشكلة الأولى في العالم الإسلامي أن المسلمين في الأعم الأغلب يؤدون العبادات الشعائرية لكنهم لما قصروا في العبادة التعاملية فقدوا أسباب النصر.
المذيع:
 دكتور بعض الناس الآن يسأل أن الغرب يعمل في ثمرات الإيمان من صدق وطاعة وعدم شهادة الزور وأكل المال الحلال، لكنه لا يقوم بالعبادات الشعائرية كيف يمكن أن نجعل هذا المزيج في قارورة واحدة وفي مكان واحد؟

 

من يستقيم في التعامل مع الآخر يربح الدنيا :

 

الدكتور راتب:
 كل إيجابيات الغرب إسلامية لا لأنهم يعبدون الله إطلاقاً، لأنهم أدركوا بعقولهم وذكائهم أنهم إذا استقاموا في التعامل مع الآخر يربحون الدنيا وقد ربحوها، لكن المؤمن يقوم بأداء العبادات وتطبيق التعليمات طاعة لله فيربح الدنيا والآخرة، الفرق كبير جداً، الغرب قوي سبب قوته أعطى الإنسان حقه في بلاده طبعاً، هم يتناقضون مع أنفسهم، لا يوجد أرحم منهم مع شعوبهم، ولا أوحش منهم مع غير شعوبهم، هؤلاء بذكائهم وصلوا إلى أن الإنسان إذا أعطيته حقه أعطاك روحه، فهناك وسائل حضارية أدركوها بعقولهم، والدليل قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

المذيع:
 بعد النسيان تمّ الفتح.
الدكتور راتب:
 لذلك قال بعض العلماء: إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة، على الأمة المسلمة الظالمة. وله قول آخر: الدنيا تصلح بالكفر والعدل، ولا تصلح بالظلم والإيمان. الدنيا لها نظام آخر، الدنيا من الذي يحسن إدارتها يتسلمها، من الذي يحسن، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 105]

 الصالحون هنا لا تعني صلاح الدين إطلاقاً، الصلاح بإدارتها، البلد الذي فيه تأمين صحي أي إنسان مريض يعالج مجاناً هذا بلد قوي، بلد فيه تكافل اجتماعي، كلما أحسنت إدارة الأرض تسلمت زمامها، الدنيا لها نظام والآخرة لها نظام.
المذيع:
 أعتقد أن هناك خلطاً في بعض المفاهيم عند المسلمين، اليوم يفتخرون بكثرة المساجد، بكثرة دور العبادة، بكثرة قراءة القرآن، ويتناسون أن هذا الجانب الأكبر من إصلاح الأرض بالشكل الذي تتفضل به، لماذا تعتقد أن بعض الدعاة لا يركز على هذا المعنى الذي تفضلت به؟

 

ضرورة تقديم إنجازات حضارية ليقتنع الناس بالدين :

الدكتور راتب:
 الخطاب الديني إذا نجح قبله الطرف الآخر، قبله أعداء الدين، وإن لم ينجح رفضه المسلمون، علاقة الأمة بالدين هي بالخطاب الديني، فإن نجح قبله الطرف الآخر، قبله أعداء الدين، وهناك تجارب متواضعة أن بلاداً قدمت إنجازاً حضارياً أعداء الدين قبلوها، قبلوا هذا التقديم، أما إذا لم تطبق أحكام الدين وتحدثت بالدين يرفض هذا الخطاب الديني.
المذيع:
 الناس تحتاج إلى ثمرة.
الدكتور راتب:
 أنا أقول: يجب أن نقدم إنجازاً حضارياً حتى نقنع الناس بهذا الدين، لأن الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم.
المذيع:
 أرجوك دكتور هذه الكلمة رائعة جداً..
الدكتور راتب:
 يجب أن نقدم إنجازاً حضارياً حتى نقنع الناس بهذا الدين، أما هم ملوا كلامنا، الكلام لا يقدم ولا يؤخر، بل إنهم يعملون في الظلام ونحن نائمون في ضوء الشمس، والذي يعمل في الظلام يسبق النائم في ضوء الشمس.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 دعني أختم هذه الحلقة بهذه العبارة الرائعة: هم يعملون في الظلام ونحن نائمون في ضوء الشمس، ما أحرانا أن نعيد النظر، هذه الحلقات أيها أعزائي المشاهدون لتجديد الخطاب بنحو عملي كما أسلف الدكتور، نحن بحاجة إلى إنجاز حضاري، إذا كان هناك من رسالة من خلال هذه الحلقة علينا أن نقدم إنجازاً حضارياً ثم بعد لنا أن نتكلم أو حتى نصمت، لكن دعوا أعمالنا تتحدث عنا، كل الشكر لك فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، نأمل أن نلقاك في حلقات قادمة من برنامج: الإسلام الغائب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.