المنتدى العلمي للوسطية - المحاضرة : 4 - الدعوة الصامتة - بناء المجتمع وتقويته بالعلم والعمل.

2012-07-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يارب العالمين.

الإسلام خلاص العالم :

أيها الأخوة الكرام؛ أهل العلم وأهل الفضل وأهل البيان وأهل القرار.
 أيها الأخوة الحضور؛ بادئ ذي بدء، التجربة التركية الإسلامية في الدعوة والحكم تجربة رائعة جداً يحتاجها العالم الإسلامي في كل أقطاره، هذه التجربة أردت أن أسميها بالدعوة الصامتة، لإنها أوقفت الكلام عن الدين، وقدمت إنجازاً حضارياً رائعاً، اقتنع به الطرف الآخر أي أعداء الدين.
 أيها الأخوة الكرام؛ الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، المسلمون نائمون في ضوء الشمس، وأقصد بضوء الشمس بالوحيين الكتاب والسنة، المسلمون نائمون في ضوء الشمس وأعداؤهم يعملون ليلاً نهاراً في الظلام، والذي يعمل في الظلام يسبق النائم في ضوء الشمس، هذه الحقيقة المرة، لذلك أيها الأخوة قبل خمسين عاماً تقريباً إن صح أن هناك ساعة عليها المبادئ والقيم في الأرض، المبادئ الكبرى والقيم الكبرى، كان هناك الشرق الذي آمن بالمجموع، وكان هناك الغرب الذي آمن بالفرد، والإسلام كتلة كبيرة في هذه الدنيا، ما الذي حصل؟
 الشرق تداعى من الداخل ولم يبق على الساحة إلا كتلتان الغرب والإسلام، والحقيقة المرة أن الغرب قوي جداً، وغني جداً، وذكي جداً، وطرح قيماً فيما مضى رائعة رائعة جداً، طرح قيمة الحرية، وقيمة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، ولكن ما الذي حصل بعد الحادي عشر من أيلول؟
 الغرب كان حضارة رائعة فأصبح قوة غاشمة، ولم يبق على ساحة المبادئ والقيم إلا الإسلام، الآن الإسلام في عصره الذهبي الدعوي، لذلك قال بعض العلماء وهو من أمريكا وقد هداه الله الى الإسلام، وزار الجالية الإسلامية في بريطانيا، قال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما، ولكني مؤمن أشدّ الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء ولكن لأن خلاص العالم بالإسلام.

الجرعات المنعشة للمسلمين خلصتهم من ثقافة اليأس و الإحباط :

 أيها الأخوة؛ من الحقائق المرة أن سلسلة النكبات التي ألمت بالعالم الإسلامي أورثتهم ثقافة أنا أسميها الآن ثقافة اليأس، ثقافة الإحباط، ثقافة الطريق المسدود، ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا جرعات منعشة، من هذه الجرعات التجربة التركية في الدعوة والحكم، أعطانا جرعة انتصار أخوتنا في غزة، أعطانا جرعة انهيار النظام العالمي، هذه كلها جرعات وكأن الله يقول لنا: يا عبادي أنا موجود، عليكم أن تصطلحوا معي حتى أنصركم.
 أيها الأخوة؛ هذا الذي قال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، ولكنّي مؤمن أشدّ الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين لا لأنهم أقوياء ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام بشرط- أنا سألته هذا الشرط، ولكن أنا أعده ورقة العمل للمسلمين- بشرط أن يحسنوا فهم دينهم، وأن يحسنوا تطبيقه، وأن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر.

عظمة هذا الدين أنه دين فردي وجماعي :

 أيها الأخوة؛ عظمة هذا الدين أنه دين فردي ودين جماعي، فإذا طبقه الفرد قطف كل ثماره، وإذا طبقته الأمة جعلها الله قائدة للأمم.
 أيها الأخوة؛ الحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة أن النصر الذي يطمح إليه كل مسلم له شرطان، الأول: إيمان يحمل على طاعة الله، إيمان بالله يحمل على طاعته وإيمان باليوم الآخر يمنع أن تؤذي الآخر، بعد ذلك أن نعد لهم، قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[سورة الأنفال:59]

 الإرهاب في الآية يعني إلغاء الإرهاب، ترهبون به عدو الله وعدوكم.

 

لكلّ أمة أجل :

 أيها الأخوة؛ الباطل قديم قدم الإنسان، ولكن البطولة ألا ينفرد الباطل بالساحة، ينبغي أن تكون هناك بقعة منيرة تتسع.
 شيء آخر، لو أن جهة قوية أرادت بسبب قوتها أن تمحو ثقافة الآخرين، أن تلغي ثقافة الشعوب والأمم- دققوا فيما أقول- أن تنجح خططها على المدى البعيد، هذا يتناقض مع وجود الله، مستحيل وألف ألف مستحيل أن يسيطر الباطل الى أبد الأبدين، ولكل أمة أجل، كما أن أي جهة قوية أرادت أن تفسد على الله هدايته لخلقه لا تستطيع، قال الله تعالى:

﴿ وإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾

[سورة الأنفال:36]

تعلق الحكمة المطلقة بالخير المطلق :

 أيها الأخوة الكرام؛ هناك حقيقة في علم التوحيد رائعة جداً، كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وكل شيء وقع لو لم يقع لكان نقصاً في الحكمة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، قال الله تعالى:

﴿وقُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[سورة آل عمران:26]

 فنحن حينما نؤمن الإيمان الصحيح نعلم أن الذي وقع أراده الله لحكمة بالغة بالغة.

 

أنواع الجهاد :

 أخوتنا الكرام؛ سلبيات التاريخ المعاصر نراها على الشاشة، لكن الإيجابيات لا يعلمها إلا الله، قال تعالى:

﴿ وإِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾

[سورة القصص:4-6]

 والله هناك إنجازات كبيرة في العالم الإسلامي يجب أن نعطيها حقها، الحقيقة كما ذكر أحد أخوتنا الكرام الذين سبقوني، إذا قلت كلمة جهاد لا يقفز الى الذهن إلا الجهاد القتالي، مع أن هناك جهاداً نفسياً، رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى، هناك جهاد دعوي، قال الله تعالى:

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾

[سورة الفرقان:52]

 وهناك جهاد بنائي:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[سورة الأنفال:59]

 إذا نجحنا في الجهاد النفسي، ثم نجحنا في الجهاد الدعوي، ثم نجحنا في الجهاد البنائي، ينتظر أن ننجح في الجهاد الجهادي.
 أيها الأخوة الكرام؛ مع الأسف الشديد كان الغرب يجبرنا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريد، لكنه الآن يجبرنا بالقوة الناعمة على أن نريد ما يريد.
 أخوتنا الكرام؛ أستميحكم عذراً أنا بلغت بأنني سألقي كلمة مع دخولي الى هذه القاعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.