ندوة : نسمات إيمانية في إعجاز القرآن الكريم .

2014-09-24

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، عدنا والعود أحمد إن شاء الله أعزاءنا المشاهدين في لقاء خاص ، وفي وقت خاص ، عدنا مع برنامج فتاوى ، ولكن كان لقاؤنا اليوم مع ضيف عزيز وضيف مبجل هو أول مرة يأتي إلى تونس الخضراء ، ونحن نريد أن ننهل من علمه ، ونريد أن نشكره لأنه من المطار لم يبق إلا دقائق وساعات معدودات وجاء إلى البرنامج فكان لقاؤنا به، أول لقاءاته في تونس و نحن نشكره وجزاه الله عنا كل خير فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ونفع بكم .
المذيع :
 حفظكم الله يا شيخنا .

آيات دالة على عظمة الله :

الدكتور راتب :
 من ذرات الهواء ، هذه الذرات تعكسها إلى مكان آخر ، نحن في النهار في مكان توجد أشعة الشمس ومكان آخر فيه ضوء الشمس ، البيت في النهار فيه ضوء الشمس لا يوجد أشعة إلا إذا كان باتجاه القبلة حسب ترتيبات البيت ، عندنا أشعة وضوء ، رواد الفضاء في الأرض ، يوجد هواء في الأرض ، طبقة الهواء تبلغ خمسة وستين ألف كيلو متر ، فلما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء انعدم التناثر ، لم يبق تناثراً للضوء دخلوا في ظلام دامس ، فقال رائد الفضاء : لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً ، اسمع القرآن الكريم :

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 14-15]

 شيء عرف منذ عشرين عاماً فقط ، اكتشف العلم أن هناك مكاناً بالفضاء ظلام دامس ، هذه الحقيقة اكتشفناها بعد إرسال مركبة إلى القمر ، أما أن يأتي في القرآن الكريم آية تؤكد هذا المعنى ، قال تعالى :

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 14-15]

 علم الأجنة تطور تطوراً مذهلاً خلال مئة عام ، بالنهاية اكتشفوا أن جنس المولود لا تحدده البويضة بل الحيوان المنوي ، تفتح القرآن الكريم :

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى*مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾

[سورة النجم : 45-46]

 بعد اكتشاف أشعة الليزر ، هذه تقيس المسافات بدقة بالغة ، ترسل إلى القمر وترجع إلى الأرض تقيس بالمليمتر ، مع كل المهندسين جهاز ليزر ، يقول لك : ثلاثة أمتار وثمانية وثمانون سنتمتراً ، بكبسة زر ، غور فلسطين تمت في هذا الغور معركة الفرس مع الروم ، قال تعالى :

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾

[ سورة الروم : 2-3]

 فالمعركة تمت تاريخياً بغور فلسطين ، وغور فلسطين أخفض نقطة في الأرض على الإطلاق ، القرآن الكريم أشار إلى هذا .
 مثلاً أنت تنتقل في الأرض من مكان إلى مكان ، قال تعالى :

﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾

[ سورة الحج : 27]

 يأتين من كل فج المعنى بعيد ، لكن الله عز وجل قال :

﴿ عَمِيقٍ ﴾

[ سورة الحج : 27]

 الخط إذا مددته على سطح الأرض يصبح عميقاً ، ليس بعيداً ، لفتة ، قال تعالى :

﴿ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾

[ سورة الحج : 27]

 ما دام هناك خط يسير على سطح كرة يأخذ عمقاً لا يأخذ بعداً .
المذيع :
 أنا أترك لك ...

 

التفكر في خلق السموات والأرض أقصر طريق إلى الله :

الدكتور راتب :
 ألف وثلاثمئة آية قرآنية فيها إشارات علمية في الكون وفي الإنسان ، والكتاب الذي ألفته في الإعجاز العلمي موسوعة ، أول جزء في الآفاق ، والجزء الثاني بالإنسان ، والآية تقول:

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾

[ سورة فصلت : 53 ]

 فأنت أمام آيات دالة على عظمة الله ، والحقيقة التفكر في خلق السموات والأرض أقصر طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله ، والأصل في هذا الموضوع قوله تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران : 190-191 ]

 أخي الكريم الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ، و بين الشمس والأرض مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، أي جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، الله عز وجل يقول في القرآن الكريم :

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج : 1 ]

 البروج جمع برج ، الأرض في دورتها حول الشمس تمر باثني عشر برجاً من أبراج السماء ، أحد هذه الأبراج برج العقرب ، وفي هذا البرج نجم اسمه قلب العقرب ، وهذا النجم يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما . قلب العقرب أحد نجوم برج العقرب أحمر اللون وصغير ، هذا النجم يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما . هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تجتنب ناره ؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقــاً لأطـعته  إن المحب لـمن يحب يطيع
* * *

لذلك أحد العارفين بالله قال :

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــا  فإنا منحنا بالرضـــــــا مـــن أحبنــــــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنـــابنـــــــــــا لنحميك مما فيه أشـــــــــــــرار خلقنـــــــا
* * *
فـلو شاهدت عيناك من حسننــا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـــــــــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب و جئتنــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــــا
***

المذيع :
 الله يفتح عليك فتح العارفين ، بارك الله فيك دكتورنا .
 نحن كنا قد توقفنا عند الأبيات التي لو تعيدها ...

 

ضرورة طاعة الله عز وجل و اجتناب نواهيه :

الدكتور راتب :

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـــــــــا  فإنا منحنا بالرضا مـــن أحبنـــــــــــــــا
ولذ بحمــــــــــــــــانا واحتمِ بجنـــابنـا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــــــــــل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنــــــــــا
وسلِّم إلينا الأمر في كلِّ ما يكن  فما القرب والإبعاد إلا بأمرنــــــــــــــــــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لي أيا عبدنـــــــــــا ما قــــــــرأت كتابنــــــــــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـــــــا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظر ما بــــــــــــــه جـاء وعدنــــــــــــا
فأحبابنا اختاروا المحبـــة مذهبـاً  وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
فـلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـــــــــــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمــة  لمــــت غريباً واشتياقــــــــــاً لقربنـــــــا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائـــــــــح  تــــركت جميع الكائنـــــــــــات لأجلنــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــــى  سهولته قلنـــــــا له : قــــد جهلتنــــــا
فأيسر ما في الحب للصب قـتله  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنــا
* * *

المذيع :
 بارك الله بكم دكتورنا ، نحن تحدثنا في مواضيع عدة ، وتحدثنا في صفات المسلم الفاعل ، بقي لي سؤال مهم سأطرحه عليك كل هذا يتحقق بالتوكل على الله ، فأنا أريد أن أسأل كيف نتوكل على الله ؟ ما حقيقة التوكل ؟

 

حقيقة التّوكل على الله :

الدكتور راتب :
 الحقيقة هناك تعريف جامع مانع دقيق جداً ، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء هذا التوكل ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
 العالم الغربي أخذ بها ، واعتمد عليها ، وألّهها ، فوقع في وادي الشرك ، والعالم الإسلامي لم يأخذ بها أصلاً فوقع في وادي المعصية ، الذي يأخذ بالأسباب ويعتمد عليها ويؤلهها وينسى الله وقع في الشرك ، والذي لم يأخذ بها أصلاً وقع في المعصية ، أما الجواب الجامع المانع الدقيق الأصولي فأن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
 عندي سفرة بسيارتي ؛ أراجع العجلات ، الأشرطة ، المحرك ، الزيت ، الماء ، أراجع كل شيء ، بعد ذلك أؤمن إيماناً قطعياً أن المُسلِّم هو الله ، وأتوكل على الله ، فحينما نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ننجح ، لماذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم قبل موقعة بدر دعاء حتى سقط رداؤه من على كتفه ؟ أيعقل أن يكون سيدنا الصديق أشدّ إيماناً بالنصر منه ؟ مستحيل ، بعض علماء السيرة فهموا الأمر على الشكل التالي ، خاف أن يكون هناك تقصير في الأخذ بالأسباب ، نحن كمؤمنين يجب أن نأخذ بالأسباب ، أما أنت تقول : أنا مؤمن ، هذا سماه العلماء غباء الأكثرية وذكاء الأقلية ، الأقلية عندها قلق مستمر ، يأخذون بالأسباب ، الأكثرية عندها طمأنينة ساذجة ، فالبطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .

(( عليكَ بالكَيْس ...))

[ أبو داود عن عوف بن مالك ]

 خطط ، أعد لكل شيء عدة ، خطط ، إن لم تخطط يخطط لك ، إن لم تكن رقماً صعباً في خطة عدوك تكن رقماً ساذجاً في هذه الخطة ، لا بد من التخطيط .

(( ولكن عليكَ بالكَيْس ، فإِذا غَلَبَك أَمر ... ))

[ أبو داود عن عوف بن مالك ]

 أنت أخذت بالأسباب كلها ، الآن عندئذ تقول : توكلت على الله :

(( ولكن عليكَ بالكَيْس ، فإِذا غَلَبَك أَمر فقل : حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))

[ أبو داود عن عوف بن مالك ]

 مثلاً طالب لم يدرس فلم ينجح ، يقول : هكذا أراد الله ، الله كتب لي هذا ، هذا كلام فيه دجل ، هذا الكلام حقير ، الله يريد لك النجاح لكنك لم تأخذ بالأسباب ، فينبغي أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء . هذه بطولة .
 فأنا أرى أن السلف الصالح نجاحاتهم كلها كان وراءها أخذ بالأسباب ، ونحن نطمئن طمأنينة ساذجة ، لا نأخذ بها ، ونظن أن النصر معنا ، لا ، قد لا ننتصر ، لا ننتصر إلا إذا أخذنا بالأسباب .

 

ضرورة إعداد شبابنا و أطفالنا إعداداً صحيحاً لننتصر :

 قال تعالى :

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 هناك كلمة دقيقة :

﴿ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 ما تعني كلمة من ؟ أنا أقول مثلاً : أسأل أحدهم معك مال كي ننشئ مسجداً ؟ يقول : ما معي مال ، ماذا يقصد ؟ ما معي مال يكافئ هذا العمل ، إذا قال لك : ما معي من مال ، وضع من ، هذه من لاستغراق أفراد النوع ، ما معي ولا درهم ، ولا قرش ، ولا دينار .
المذيع :
 ليست من هنا للتبعيضية ؟
الدكتور راتب :
 هذه لاستغراق أفراد النوع ، مثلاً أستاذ قال للطلاب في الصف : لكل طالب في هذا الصف هدية ، هناك ثلاثة طلاب لم يحضروا اليوم هو ما قصد الغائبين ، لو قال : ما من طالب في هذا الصف إلا وله هدية ، شمل الغائبين أيضاً ، من لاستغراق أفراد النوع ، قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 إعداد عسكري ، إعداد نفسي ، إعداد تربوي ، إعداد جماعي ، إعداد اجتماعي ، طاقات ، توفير ، من قوة ، ما معنى قوة ؟ قال : رباط الخيل ، أعطاك مثلاً قديماً ، الآن سلاح الطيران ، استخبارات عالية جداً ، أقمار صناعية تكشف حركة الجيوش كلها ، قال تعالى :

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

 ترهبون به ، هناك دول نووية لم تستخدم هذا السلام أبداً لكنها مرهوبة الجانب ، فلذلك كنت أقول دائماً : كيف نواجه القنبلة الذرية ؟ أنا أقول : نواجه القنبلة الذِّرية بقنبلة الذُّرية، حينما نعد أطفالنا وشبابنا إعداداً صحيحاً ، إعداداً إيمانياً ، إعداداً أخلاقياً ، إعداداً علمياً ، ننتصر .
المذيع :
 أول سؤال أريد أن أسأله عن ماهية أو مفهوم العمل الصالح .

 

مفهوم العمل الصالح :

الدكتور راتب :
 أولاً : إنسان أرسل ابنه إلى باريس لينال الدكتوراه ، هذه المدينة العملاقة الكبيرة الواسعة فيها دور سينما ، فيها مسابح ، فيها ملاه ، فيها جامعات ، فيها تجارات ، فيها كل شيء ، نقول : هذا الطالب الذي أرسله أبوه لنيل الدكتوراه من السوربون ، علة وجوده في هذه المدينة العملاقة شيء واحد هو الدراسة ، هل تصدق أن علة وجودنا في الدنيا نحن كبني البشر العمل الصالح لأنه ثمن الجنة ، لأن الله خلقنا للجنة ، قال تعالى :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 1-4]

 يوجد سبعة مليارات ومئتا مليون كل واحد في باله شيء ، لكن نحن جميعاً مخلوقون للجنة ، قال تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5-6]

 صدَّق أنه مخلوق للجنة ، من لوازم هذا التصديق اتقى أن يعصي الله ، ومن لوازم هذا التصديق بنى حياته على العطاء ، أما الطرف الثاني فقد قال تعالى :

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 8-9]

 كذب بالجنة ، آمن بالدنيا ، من لوازم التكذيب بالجنة أنه استغنى عن طاعة الله، بنى حياته على الأخذ ، أنا أقول كلمة : الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، والناس جميعاً تبعٌ لقوي أو نبي ، فقل لي ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أتباع الأنبياء ، وإذا كان الذي يسعدك أن تأخذ فأنت من أتباع الأقوياء، والقوة تنتهي عند الموت .
المذيع :
 بارك الله بكم دكتور في الختام أريد أن توجه كلمة للشباب ، باعتباري أنا شاب والحمد لله ، طالما الشعر الأبيض لم يظهر ، وأنتم شباب أيضاً مع الشعر الأبيض .

 

الشاب هو من كان هدفه الله عز وجل دائماً :

الدكتور راتب :
 إذا أردت التعريف الدقيق : الشاب الذي له أهداف أكبر من عمره يكون بالتاسعة والتسعين سنة شاباً ، من هو الشيخ بالمعنى الزمني فقط ؟ الذي أهدافه ضمن إمكاناته فقط ، لا يريد إلا أن يأكل ويشرب فقط ، أنت نفسك لا نهائية فإذا اخترت هدفاً نهائياً فأنت شيخ كبير بالمعنى الساذج ، من هو الشاب ؟ له هدف كبير ، الله عز وجل خلقك بنفس لا نهائية فإذا اخترت هدفاً نهائياً صغيراً تكون متقدماً بالسن بلا فائدة ، أما حينما يكون هدفك أكبر بكثير فأنت شاب دائماً ، فالشباب بالمعنى الدقيق الإسلامي ليس له معنى بالسن أبداً ، له علاقة بالأهداف، الذي هدفه الله عز وجل شاب دائماً ، أنا أعرف عالماً جليلاً في الشام ، عمره ثمانية و تسعون عاماً ، كان حاد البصر ، مرهف السمع ، أسنانه في فمه ، كان يرى الشاب في الطريق يقول له: يا بني أنت كنت تلميذي ، وكان أبوك تلميذي ، وكان جدك تلميذي ، علم من الثامنة عشرة إلى التسعين سنة ، علم ثمانين سنة ، هذا الشيخ يتمتع بصحة مذهلة ، سئل مرة : يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ يقول : يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً .
 أنا أقول : الشباب متشابهون في نشاطهم في مطلع حياتهم ، لكن أين المفارقة المخيفة ؟ في مستقبل أيامهم ، لذلك حينما تكون لهم بداية محرقة في معرفة الله وطاعته تكون لهم نهاية مشرقة .
المذيع :
 بارك الله بك أترك لك كلمة ختامية نختم بها حلقتنا .

الفوز العظيم يتجلى دائماً بطاعة الله و رسوله :

الدكتور راتب :
 والله يا أخي أنا أقول : أطيعوا الله ورسوله ، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح ، و مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر ، فلذلك قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 71]

 يقول لك طفل : أنا معي مبلغ عظيم ، ماذا تقدره أنت ؟ بمئة دينار فرضاً ، إذا قال مسؤول كبير بالبنتاغون : أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً ، نقدره بمئتي مليار دولار ، يقول لك خالق الأكوان :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113]

 الطفل له رقم ، مسؤول البنتاغون له رقم ، خالق الأكوان له رقم ، قال تعالى :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113]

 قال تعالى :

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

[ سورة الكهف:46]

 سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر ، أي أن تسبحه ، وأن توحده ، وأن تكبره ، وأن تسبح بحمده ، أنت عرفت الله ، قال تعالى :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113]

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .