الحلقة - 18 - الانصاف في حياة المسلم - الموضوعية قيمة علمية واخلاقية والتعميم من العمى - قانون الالتفاف والانفضاض .

2015-07-05

مقدمة :

المذيع :
  أعزائي المشاهدين ؛ مرحباً بكم إلى حلقة جديدة من ربيع الإيمان ، نرحب باسمكم بفضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، أهلاً وسهلاً فضيلة الشيخ .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم .
المذيع :س
 جزاكم الله خيراً على هذه الأوقات التي تعطينا .
 أعزائي المشاهدين ؛ سنتحدث في هذه الحلقة المباركة بإذن الله تعالى عن موضوع مهم جداً في ربيع الإيمان حيث تبدو الألوان على حقيقتها ، نتحدث اليوم عن الإنصاف في حياة المسلم ، دكتور الإنصاف قيمة مهمة للغاية لماذا هي مهمة وما معناها ؟

 

الموضوعيّة قيمة أخلاقيّة و علميّة :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أستاذ طالب جزاك الله خيراً ، بادئ ذي بدء الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم والمكلف ، لكن من خلال علاقته بالآخرين قد يجد إيجابيات وسلبيات ، وقد يتحدث عنهم خيراً أو شراً ، وقد يمدحهم أو يذمهم ، البطولة في الحديث عن الناس ، أو عن الأشياء ، أو عن القضايا ، أو عن المواقف ، يجب أن يكون الإنسان موضوعياً ، الحقيقة هذا حجمها لا نكبرها ولا نصغرها ، ألِف الناس إذا أحبوا جهة تعاموا عن سلبياتها ، وإذا كرهوا جهة بالغوا في سلبياتها، الحقيقة أن تقف موقفاً موضوعياً ، أن يكون الكلام موافقاً للواقع دون زيادة أو نقصان، هذا خلق من أرقى أنواع الأخلاق ، لذلك اصطلح على تسمية هذا الخلق بالموضوعية ، فالموضوعية قيمة لكنني أراها قيمة علمية وقيمة أخلاقية معاً ، وإذا صحّ أن يلتقي العلم بالأخلاق يلتقيان بالموضوعية ، فأنت حينما تعطي الشيء حجمه الحقيقي دون زيادة أو نقصان، وحينما تعطي المشكلة حجمها الحقيقي ، والقضية حجمها الحقيقي ، فأنت منصف ، لكن الإنسان حينما يتفاعل مع الآخرين ، ويرى إيجابياتهم وسلبياتهم ، هذه الرؤية تجعله يبالغ في السلبيات أو في الإيجابيات وهذه مشكلة كبيرة جداً ، فلذلك الذي يعاني منه الناس أنهم يبالغون في مديح من يحبون ، ويبالغون في ذم من يبغضون ، لذلك :

((أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا ، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً مَّا ، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْنا مَا عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 أنا أذكر أني كنت أحضر مناقشة دكتوراه في جامعة لها قيمتها ، فذكر الطالب الذي تناقش أطروحته عبارة فيها تعميم ، فقال له الأستاذ المشرف : التعميم من العمى . هذه الكلمة لا أنساها التعميم من العمى ، فلذلك قبل أن تطلق حكماً عاماً على أهل بلدة ، أو على مجتمع معين ، أو على أبناء حرفة معينة ، أو على فئة معينة ، أو على طبقة معينة ، قبل أن تطلق حكماً عاماً تذكر قول الله عز وجل :

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

[ سورة آل عمران: 199 ]

 من للتبعيض ، بعضهم وليسوا جميعاً ، فأنت عود نفسك أن تكون موضوعياً ، الموضوعية قيمة أخلاقية ، والموضوعية قيمة علمية ، فأنت إذا كنت موضوعياً أي منصفاً ، فأنت جمعت بين العلم والأخلاق معاً .
المذيع :
 لذلك يقول الله عز وجل في سورة آل عمران :

﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾

[ سورة آل عمران: 75 ]

 الإنصاف جميل جداً .

 

مخالفة الإنصاف سلبية تشتت الجمع و تضعف التفوق :

الدكتور راتب :
 شيء مريح ، والإنصاف له آثار مذهلة في المجتمع ، أحياناً زوج وزوجته ، تعمل ليلاً نهاراً ، تربي أولادها ، تخدم زوجها ، ولأتفه غلطة يقيم عليها الدنيا ولا يقعدها ، هذا ليس إنصافاً ، يتحدث عن أمها بسخرية ما بعدها سخرية ، فإن تكلمت عن أمه كلمة واحدة أقام عليها الدنيا ، أنا لذلك أقول : في الحياة صفتان أساسيتان ، إنساني وعنصري ، إما أن تكون إنسانياً أو تكون عنصرياً ، الإنساني يعطي الشيء حجمه الحقيقي ، أما العنصري فيكبر إمكاناته ، يضخم ذاته شخصيته ويزدري شخصية الآخرين ، هذا عنصري ، أنا أقول : العنصرية تبدأ بين الزوجين وتنتهي بحق الفيتو في مجلس الأمن ، لماذا هذه الدول الخمس إذا قالت : لا ، يلغى القرار ؟ لماذا وقد يكون عادلاً ومنصفاً ؟ هذا عنصرية ، أنت حينما تأخذ ما ليس لك فأنت عنصري ، ، حينما تعطي الآخر أقل من حقه فأنت عنصري ، أنا أقول : ما من سلبية في حياتنا مؤلمة ، تشتت جمعنا ، تفرقنا ، تضعف التفوق والتألق كمخالفة الإنصاف .
المذيع :
 من الصفات الكبرى التي تجمع الكثير من الصفات .

من لم يستطع أن ينصف نفسه لن ينصف غيره :

الدكتور راتب :
 بلغني أن كتاباً طبع منه خمسة ملايين نسخة ، كيف تؤثر في الناس ؟ ديل كارنيجي ، أحد العلماء في مصر ألّف كتاباً على شاكلته لكنه جاء بالقضايا بنصوص إسلامية ، فمثلاً أنت مدير مؤسسة ، وعندك موظف يتأخر ، فجئت وعنفته تعنيفاً غير معقول ، يقول لك هذا الكتاب : ابدأ بالحديث عن إيجابياته ثم ذكره بأخطائه صار هناك توازن و إنصاف ، لذلك مرة دخل إلى المسجد النبوي صحابي جليل خاف أن تفوته الركعة الأولى فأسرع في مشيه وأحدث جلبة وضجيجاً ، فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم قال له كلمة رائعة :

(( زادك الله حرصاً ولا تعُدْ ))

[البخاري عن أبي بكرة ]

 الزوج أحياناً يتألم من زوجته في موضوع ، لا تنسى أن هذه إنسانة مخلصة لك وتتعب كثيراً ، وتربي وتعمل وتقدم ، فذكرها بفضلها ، ذكرها بإيجابياتها ، هذا شيء مهم جداً في الحياة ، يحتاجه الزوج ، يحتاجه المعلم مع طلابه ، يحتاجه رئيس الدائرة ، يحتاجه أي إنسان بمنصب قيادي ، فأنت حينما تعامل من حولك ومن دونك معاملة موضوعية تعرف إيجابياتهم وسلبياتهم ، فأنت منصف لهم .
المذيع :
 دكتور في القرآن الكريم حتى في حق الله عز وجل ، يأذن لمن أراد الاعتراض عليه يوم القيامة ، يسأله الله عز وجل ويقرره وهو أعلم بحاله .
الدكتور راتب :
 لذلك قالوا : ما لم تنصف نفسك لن تستطيع أن تنصف غيرك ، أن تعرف حجمك الحقيقي لا أن تبالغ وتبالغ وتقلل من شأن الآخرين ، هذا مرض نفسي ، يبالغ بقدراته ، يتعامى عن أخطائه ، يبالغ بأخطاء الآخرين ، يتعامى عن إيجابياتهم ، هذا موقف غير أخلاقي .
المذيع :
 دكتور ينسى أنه ابن والذي أمامه أب وله حق الأبوة والطاعة والبر ، وينسى أنه زوج والتي أمامه زوجته وتحتاج إلى مودة ورحمة .

 

ترك الإنصاف يفتت المجتمع و يضعفه :

الدكتور راتب :
vلذلك ترك الإنصاف يفتت المجتمع ، ترك الإنصاف يجعل المجتمع مخترقاً ، والإنصاف بين الزوجين ، بين الأولاد ، بين البنات ، بين الأصهار ، بين الموظفين ، بين العمال ، أي إنسان بمنصب قيادي بدءاً من الأب وانتهاء بملك الملوك ، يحتاج إلى إنصاف في معاملة من حوله ، أنا أقول دائماً ، قال تعالى :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك كنت ليناً معهم ، فلما كنت ليناً معهم التفوا حولك ، إذاً الرحمة التي في قلب القائد ، مدير المجمع ، مدير المعمل ، مدير المؤسسة ، مدير الثانوية ، صاحب المحل التجاري ، بيد الملك ، هذه الرحمة تجعله ليناً ومنصفاً ، قال تعالى :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 لو كنت منقطعاً عنا يمتلئ القلب قسوة ، ومع القسوة تحابي من يمدحك ، وتبعد من لا يمدحك .
المذيع :
 دكتور كنت تسمي هذا بقانون الالتفاف والانفضاض ، سنعود بعد فاصل ..
 أعزائي المشاهدين ؛ مرحباً بكم نعود إلى فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، قانون الالتفاف والانفضاض .

 

الإنصاف يجعل الإنسان مؤمناً و أخلاقياً :

الدكتور راتب :
 الحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم كما تعلمنا أن أقواله تشريع ، وأن أفعاله تشريع ، وأن إقراره تشريع ، فمرة عقب موقعة بدر ، استعرض الأسرىس فإذا في الأسرى أحد أصهاره أبو الربيع ، طبعاً هو مشرك ، وجاء ليقاتل النبي صلى الله عليه وسلم وقع أسيراً ، النبي ما نسي إيجابياته قال : "والله ما ذممناه صهراً" . كان صهراً رائعاً ، هذه الكلمة أنا فيما أتصور سبب إسلامه ، أنت مدير دائرة ، مدير مدرسة ، مدير جامعة ، مدير مؤسسة ، عندما العامل أو الموظف يشعر أن إمكانياته وإيجابياته عندك معلومة ومقدرة هذا شيء رائع جداً ، الذي يجعل الإنسان ينتمي إليك ويلتف حولك إنصافك له ، فإذا لم يكن هناك إنصاف ، أنا لا أقول هذا الكلام من فراغ أنا أشعر أن هناك أسراً فيها جحود لبعض الأولاد ، بنت لها زوج غني ، زوجها هو المحترم ، ويدعى إلى الولائم ، وإذا أصابه شيء بسيط جداً الكل يزوره ، وزوج البنت الثانية فقير يكاد يموت ولا أحد يزوره ، هذا الشيء مؤلم جداً ، أنت حينما تنصف تؤكد إيمانك ، حينما تنصف تؤكد أنك عالم ، موضوعي ، حينما تنصف تؤكد أنك أخلاقي ، أنت بالإنصاف أخلاقي، وبالإنصاف مؤمن ، وبالإنصاف عالم .
المذيع :
 دكتور الذي لا ينصف الناس من نفسه يكون متكبراً ، وكما قلت قبل مدة رقصت الفضيلة ..
الدكتور راتب :

تاهت الفضيلة تيهاً بفضلها  فانكشفت عورتها
***

المذيع :
 دكتور جميلة ، اللهم استر عوراتنا .

 

أنواع الإنصاف :

الدكتور راتب :
 الإنصاف أنواع ، أول أنواع الإنصاف أن تنصف ربك ، أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى ، أن تعرف ألوهيته ، ربوبيته ، أن تعرف كماله ، أن تعرف قيوميته ، هذا كله من إنصاف الله عز وجل ، فمعرفة الله إنصاف له ، الآن أن تنصف الأنبياء والمرسلين ، هؤلاء معصومون ، لا تقبل قصة تقدح في كمالهم ، لا تقبل رواية إسرائيلية تشدك إلى بعض الكذب عليهم ، فينبغي أن تنصف ربك بتوحيده ، وعبادته ، ومعرفة كمالاته ، وأن تنصف أنبياءه بكمالاتهم ، قال تعالى :

﴿ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 26-27 ]

 وأن تنصف من حولك ، أنا أقول : لو بدأنا بالأسرة ، هذه الزوجة تحتاج إلى زوج ينصفها ، وأحياناً هي متفرغة ، بيتها جيد ، طعامها جيد ، والزوج يعمل ليلاً نهاراً ، أيضاً الزوج يحتاج إلى امرأة تنصفه ، تعرف قدره ، تعرف جهده ، تعرف حرصه ، تعرف بعده عن أي طريق مغلوط ، نحن بحاجة إلى الإنصاف بكل مراحل الحياة ، يحتاج الزوجان إلى الإنصاف ، وأي دائرة حكومية ، وأي مؤسسة ، وأي شركة ، أنت حينما تعطي الإنسان حجمه الحقيقي أرى أنه ينبغي ألا نعجب من قول بعض العلماء : إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة المنصفة على الأمة المسلمة الظالمة . لأن الدنيا تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم ، لذلك الإنسان لو شرد عن الله إذا أنصف من حوله يكسب الدنيا .
المذيع :
 دكتور ربما ينطبق هذا حتى على الأسرة ، ربما أن تنصلح بالعدل حتى لو كان الإنسان بعيداً ، بعض الآباء يعطي أبناءه ولا يعطي بناته ، يعطي بعض الأبناء ولا يعطي الآخرين .

 

العدل قوام الحياة :

الدكتور راتب :
 والله يدمر أولاده بهذه الطريقة ، ويحملهم على العداوة والبغضاء ، أنا أرى أن العدل فيه قوامة الحياة كلها ، فالعالم الغربي بذكائه وتجاربه المؤلمة المتراكمة ، مال إلى الإنصاف، فالإنسان يأخذ حقه ، بهذه الطريقة كان قوياً ، وبهذه الطريقة امتلك العالم كله ، وكأن هذه الدنيا لكل من أحسن إدارتها ، مؤمناً كان أو كافراً ، انتقلنا إلى موضوع آخر ، إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة .
المذيع :
 دكتور ما قاله سيدنا عمر وهذا من أعظم الإنصاف ، لما رأى رجلاً من أهل الكتاب شيخاً كبيراً ويحتاج إلى مال ويسأل الناس ، فقال : ما أنصفناك ، أخذنا منك الجزية وأنت قوي ، ونتركك وأنت شيخ كبير ، فأمر له بالنفقة .

ضرورة العدل مع جميع الناس :

الدكتور راتب :
 يروى أن سيدنا عمر وهو يمشي في الطريق رأى رجلاً قال له : والله لا أحبك ، يبدو أنه كان منحرفاً ، فسأله سؤالاً قال له : وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي ؟ قال: لا والله ، فكان غير مؤدب ، قال له : إذاً إنما يأسف على الحب النساء . ما دام حقي أناله منك شتان عندي بين أن تحبني وبين ألا تحبني ، هذا الإيمان .
المذيع :
 دكتور الله عز وجل يقول في هذا الموضوع :

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة : 8]

الدكتور راتب :
 المؤمن من يشنأ ؟ الكافر ، الكافر ينبغي أن تكون عادلاً معه ، أنا هذا الذي أراه ، العدل والإحسان ليس له علاقة بهوية الإنسان ، ينبغي أن تكون منصفاً وعادلاً مع كل من حولك.
المذيع :
 دكتور لذلك ذكرت قصة هذا الشاب الذي تدين من جديد ، فقام أحد الأخوة الكبار يريد أن يصافحه بعد الصلاة ، فقال له : هذه لم ترد من السنة ، فقال له : هل قلة الحياء من السنة ؟

 

اشتقاق الإنسان المكارم الأخلاقية من خلال الاتصال بالله عز وجل :

الدكتور راتب :
 أنا أقول هذا اجتهاد شخصي : أنت إذا اتصلت بالله لا بد من أن تشتق منه الكمال، فهذا الكمال الذي كان من الصلاة يجعلك في التعامل مع الآخرين كاملاً ، الله عز وجل قال :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45 ]

 قال العلماء : ذكر الله أكبر ما فيها .
 قال ابن عباس : ذكر الله لك أيها المصلي وأنت تصلي أكبر من ذكرك له ، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية ، لكنه إن ذكرك منحك الكمال . أريد أن أبين أن هناك علاقة وشيجة بين مكارم الأخلاق وبين الاتصال بالله عز وجل ، ورد في الأثر : "إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً ".
 أي أن الإنسان من خلال اتصاله بالله يشتق منه الكمال ، أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تتصل بالرحيم ثم لا تكون رحيماً ، أن تتصل بالعدل ثم لا تكون منصفاً ، أن تتصل باللطيف ثم لا تكون لطيفاً ، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً ، ولعل مناسبة الاتصال هي الصلاة ، فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أن الله عز وجل حينما قال :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45 ]

 قال بعض العلماء : " ذكر الله أكبر ما فيها" . لكن ابن عباس لفتنا إلى معنى آخر قال : " ذكر الله لك أيها المصلي وأنت تصلي أكبر من ذكرك له ، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية ، لكنه إذا ذكرك جعلك منصفاً ، جعلك حليماً ، جعلك رحيماً ، جعلك لطيفاً ، جعلك وقافاً عند حدوده " فهذا الفضل الأخلاقي يشتق من الله ، وعندما غفلنا عن عظمة الصلاة ، ورد في بعض الآثار :

(( ليس كل مصلٍّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكف شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلماً ، والظلمة نوراً ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، يقسم عليّ فأبره ، أكلؤه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها ))

[الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 أنت حينما تتصل بالله عز وجل تشتق منه الإنصاف والرحمة والأدب والحلم واللطف هذه مكارم الأخلاق ، النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء والمرسلين أوتي الوحي ، أوتي القرآن الكريم ، أوتي المعجزات ، أوتي حدث ولا حرج لكن الله أراد أن يمدحه قال له :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4 ]

 فمعنى ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله يقول : " الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان" .

(( وإنما بعثت معلماً ))

[الحارث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 النبي صلى الله عليه وسلم ضغط بعثته بكلمات :

(( وإنما بعثت معلماً ))

[الحارث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

(( إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ حُسْنَ الأخلاقِ ))

[ مالك عن بلاغ مالك ]

 أنا لا أتصور أن هناك مؤمناً غير أخلاقي ، المؤمن لا يكذب ، لا يحقد ، لا يحتال، لا يستعلي ، لا يتكبر ، أكاد أقول : المؤمن لا يكون مؤمناً إلا إذا عشقته من كماله ، من تواضعه ، من إنصافه ، من محبته ، من عدله ، فهذا الدين حينما افتقد هذه الأخلاق الناتجة عن اتصال محكم بالله ، ما الذي يحصل ؟ الإنسان إذا قصر في استقامته دون أن يشعر حجب عن ربه ، فإذا حجب عن ربه أصبحت صلاته شكليةً ، وعباداته غير مجدية ، لذلك مرة ثانية :

(( ليس كل مصلٍّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ... ))

[ الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 أي تفكر في خلق السموات والأرض كما تحدثنا في لقاءات سابقة .

(( ...إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكف شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيتي ... ))

 تاب من حين لآخر ، الآن العمل الصالح :

(( ... وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس ...))

[ الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 فالإنسان هذه المكارم الأخلاقية تشتق من الله عز وجل من خلال اتصال محكم بالله، وقبل الصلاة هناك استقامة .

 

خاتمة و توديع :

المذيع :
 دكتور ما أنصفناك ، وما أنصفنا أعزاءنا المشاهدين بانتهاء وقت الحلقة ، لكن قدر الله عز وجل .
 أعزائي المشاهدين ؛ ما أجمل أن نكون في ربيع الإيمان مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، الذي يجعل هذا الربيع ربيعاً دافئاً خلاباً ، أشكركم شكراً جزيلاً على هذه الحلقة المميزة ، وأنتم أعزائي المشاهدين أشكركم على حسن متابعتكم ، وأسأل الله أن ألقاكم في حلقة مقبلة في ربيع الإيمان إن شاء الله ، وإلى لقاء آخر ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .