الحلقة - 14 - العفة وهي الشهوة بعد تركها - لولا الشهوات ما ارتقينا الى رب الارض والسموات .

2015-07-01

مقدمة :

المذيع :
أعزائي المشاهدين ؛ مرحباً بكم إلى حديقة ربيع الإيمان ، مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، في حلقة جديدة ، أهلاً وسهلاً فضيلة الشيخ .
أعزائي المشاهدين ؛ حديثنا اليوم عن شجرة جديدة في ربيع الإيمان تزهر ثماراً يانعة نافعة مباركة بإذن الله ، هذه الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، سنتحدث اليوم عن شجرة العفة إن شاء الله مع فضيلة الدكتور ، مرحباً بك .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم .
المذيع :
دكتور الحديث عن العفة جميل جداً جداً ، وما أحرانا في زماننا هذا أن نسترد أنفاس الإيمان وعافية التقوى أن نكون أهل عفة كما أراد الله عز وجل ، ما هي العفة ؟

 

تعريف العفة :

الدكتور راتب :
بادئ ذي بدء ، بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين .
كلمة عفة تنطوي على معنى ظني ، أن هناك شهوة ، حتى أن بعضهم قالوا : كلمة كفر تعني أن هناك إيماناً ، كلمة عفة أن هناك شهوة تحركت لكن صاحبها منعها ، لماذا تحركت ولماذا منعها ؟ أنا أقول بادئ ذي بدء : هذا الذي يقول لولا أن هذه الشهوات التي أودعت فينا لكنا أتقياء ، كلام غير صحيح ، أنا أقول بالعكس لولا الشهوات التي أودعها الله فينا ما ارتقينا إلى رب الأرض والسموات ، أي كيف تتقرب إلى الله إن لم تكن تحب المال ؟ أودع فيك حبّ المال ، فإذا أنفقته في طاعة الله أو ركلت بقدمك مبلغاً كبيراً فيه شبهة ارتقيت عند الله، بل أقول : ارتقيت عند الله مرتين ، مرة إذا أخذت هذه الشهوة وفق منهج الله ، إنسان شعر أنه بحاجة إلى امرأة تزوج ، شعر أنه بحاجة إلى المال عمل عملاً شريفاً مشروعاً فكسب المال ، فترقى بالشهوة مرتين ؛ مرة إذا تحركت وفق هذه الشهوة وفق منهج الله ، ومرة إذا تركتها بخلاف منهج الله ، فكأن الله أراد أن يرقى بنا من خلال الشهوات ، لهذا أنا جمعت هذا المعنى بهذه العبارة ، لولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسموات .
المذيع :

ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" .
الدكتور راتب :
وهناك دعاء آخر يؤكد هذا المعنى :

(( اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ ، وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ]

أحبّ شيئاً لا يرضي الله فتعفف عنه ، أتيحت له فرصة ليكسب مالاً وفيراً لكن فيه شبهة فتعفف عنه ، فالعفة أساسها شهوة ، هي شهوة مع ترك ، اشتهى شيئاً وتركه ، اشتهى شيئاً لأن الله أودع هذه الشهوة فيه وتركه خوفاً من الله .
أنا أقول : زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً لله ولا تعوض عنه أضعافاً مضاعفة . والدليل هذا الحديث :

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

الآن في دينه ، ما معنى في دينه ؟ تعفف عنه بقي موصولاً بالله ، ودنياه كافأه الله بتعويض أكبر .
المذيع :
دكتور ذكرت قبل مدة عن ذلك الرجل والعياذ بالله كثير الزنا ، فلما تاب تاب الله عليه ، بالعفة عن الحرام .

 

زوال الكون أهون على الله من أن يضيع مؤمناً ترك شيئاً خوفاً من الله :

الدكتور راتب :
عندي الآن مقولة دقيقة ، هناك قانون بكل مجتمع ، بكل بلد مستقى من حركة الحياة، البلد له قواعد ، له أنظمة ، له قوانين ، له عادات و تقاليد و تراث ، هذا البلد أي بلد فيه مجموعة قواعد ، مجموعة قوانين ، بالمعنى اللغوي مجموعة مبادئ ، هذه مستنبطة من حركة الحياة ، أحياناً هذه المبادئ والقوانين و المعطيات تتناقض مع منهج الله ، فيأتي المؤمن يخاف من الله فيركل بقدمه مصلحته من خلال هذه القوانين ، يخاف من الله يرجو رحمته ، يركل بقدمه مبلغاً ضخماً ، بحسب مبادئ هذه البلد وتلك القوانين بالمعنى اللغوي عنده مبلغ كبير .
المذيع :
دكتور مثل فوائد الربا .
الدكتور راتب :

نعم فركله بقدمه ، أنا أقول : هناك قانون آخر اسمه العناية الإلهية ، فالإنسان عندما يركل بقدمه شيئاً ينفعه لكنه يغضب الله ، يخضعه الله لقانون آخر اسمه قانون العناية الإلهية ، هذا الحديث :

(( ما ترك عبد شيئاً لله ... ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

خوفاً من الله ، طمعاً برضوانه :

(( إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

المذيع :
دكتور هذا قانون رباني أن جزاء الترك أن يتولاه الله عز وجل .
الدكتور راتب :
والله زوال الكون أهون على الله من أن يضيع مؤمناً ترك شيئاً خوفاً من الله ، فهذا الحديث :

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

أي المتعفف على المدى غير القريب رابح كبير ، ترك تجارة فيها شبهة ، فيها مواد محرمة ، فيها تعامل محرم ، ترك لله ، الآن بعد حين قد يكون ليس مباشرة لأن هناك نقطة دقيقة مهمة جداً لو أن إنساناً عمل عملاً صالحاً مباشرة جاء الثواب لرأيت صفوفاً لا تنتهي من فاعلي الخير ، لكن لحكمة بالغة يمكن أن تفعل كل خير ولا تجد شيئاً ليمتحن الله صدقك .
المذيع :
دكتور كلمة جميلة في توزيع الحظوظ .

 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء :

الدكتور راتب :
المال حظ ، الوسامة حظ ، الذكاء حظ ، نيل شهادة عليا حظ ، زواج ناجح حظ ، أولاد نجباء حظ ، كلها حظوظ ، نصيب ، هذه الحظوظ موزعة في الدنيا لكن توزيع ابتلاء ، أنت ممتحن في كل ما أعطاك الله ، أعطاك المال ، أعطاك زوجة ، أعطاك أولاداً ، وممتحن في كل ما زوى عنك ، ممتحن امتحان إيجابي فيما أعطاك ، وامتحان سلبي فيما زوى عنك ، والنبي علمنا :

(( اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ ، وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ]

الآن أعطاني ثم امتحنني ، فالمتعفف هو الذي يدع شهوة لا ترضي الله ، عفّ عن الحرام ، عفّ عن علاقة بامرأة بطريق حرام ، وعفّ عن مال حرام ، عفّ عن لقاء محرم ، عفّ عن سفرة فيها شبهات ، وفيها شهوات ، فالتعفف ترك .
المذيع :
دكتور يوجد قصة بديعة جداً في التعفف ؛ قصة الشاب الذي كان يشتغل سائقاً عند شركة أجنبية وأرادوا ..

 

طاعة الله و التعفف عن الحرام :

الدكتور راتب :
شركة يابانية عندها سائق ، كان أصحاب هذه الشركة يكلفونه أن يأخذ زوجاتهم إلى الأسواق ليشتروا حاجاتهم ، فزوجات هؤلاء اشتروا الخمر ، فلما رأى الخمر في سيارته خاف من الله ، وقدم اعتذاره عن متابعة العمل ، هم لما رأوه يعتذر عن هذ العمل انتبهوا إلى ذلك فأوكلوه بعمل دخله ثلاثة أضعاف ، هم حينما يعودون إلى بلادهم تركوا له بيوتهم ومركباتهم ليرعاها ودفعوا له راتباً من مجموع هؤلاء ، قال لي : والله ثلاثة أضعاف .
أنا أحياناً لما أرى الحديث تحقق بواقعة أشعر بسعادة لا توصف ، هذا مما يؤكد عظمة الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾

[ سورة يونس : 39 ]

ما معنى هذه الآية ؟ الله عز وجل نهى عن السرقة ، تأويل هذه الآية بالعمق لما ترى سارقاً دمره الله عز وجل ، الله عز وجل أمر بالطاعة لله ، حينما ترى شاباً طائعاً والله أكرمه بشهادة عليا وبزواج ناجح ، فلذلك أنا أقول : الإنسان حينما تتحقق مضامين دعائه لله هذا يزيد إيمانه بالله ، بل يزيد عقيدته عمقاً .
المذيع :
أعزائي المشاهدين ؛ فاصل ثم نعود ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مرحباً بكم مرة أخرى نعود ونبدأ من مشهد رائع من مشاهد الصحابة ، دكتور مشهد كنوز كسرى تأتي إلى سيدنا عمر ، فيقول له علي رضي الله : يا أمير المؤمنين أعجبت من أمانتهم ؟ لقد عففت فعفوا ، ولو رتعت لرتعوا . ما هو تعليقك في ظلال هذا المشهد ؟

 

الإنسان يتعلم بعينه لا بأذنه :

الدكتور راتب :
أنا قرأت عن هذه القصة أنه حينما جاءت كنوز كسرى إلى المدينة ، وقف صحابيان في طرفي هذه الكنوز ورفع كل واحد منهما رمحه إلى الأعلى ، ولم ير الأول رمح الثاني ، فسيدنا عمر حينما رأى هذا الموقف شيء غير معقول ، كنوز كلها ذهب وألماس بالمليارات ، جاء الصحابة بكنوز كسرى إلى المدينة وضعوها أمام سيدنا عمر ، وقف صحابيان في طرفي هذه الكنوز ورفع كل واحد منهما رمحه إلى الأعلى ولم ير الأول رمح الثاني . ما وسع هذا الخليفة العظيم سيدنا عمر إلا أن قال : إن الذي أدى هذا لأمين ، فقال له سيدنا علي: يا أمير المؤمنين أعجبت من أمانتهم ؟ لقد عففت فعفوا ، ولو رتعت لرتعوا .
هذا يدلنا أن بكل مجموعة من الأشخاص بدائرة ، بمؤسسة ، بشركة ، إذا كان رأس هذه الشركة مستقيماً الاستقامة سرت في كل أعضائه ، الأب إذا كان صادقاً في البيت يستحيل أن يكذب أولاده ، الأم إذا كانت عفيفة ، لو أنك ألقيت على طفل خمسين محاضرة بالصدق ثم رأى أباه يكذب كأن هذه المحاضرات لا قيمة لها ، لذلك قالوا : الإنسان يتعلم بعينه لا بأذنه ، بينهما أربعة أصابع ، يتعلم الناس بعيونهم لا بآذانهم .
المذيع :
دكتور ذكرت هذا الطفل الذي تربى في بيت صدق ثم ذهب إلى دار جدته ليزوها ، فقالت له في الصباح اسكت وفي المساء سنخرج ، في المساء جهز نفسه فلم يخرج فقالت له جدته لن نخرج ، فقال لها : أنت كاذبة .
يقول أحد أمراء بني أمية : والله ما كنت أظن أن رجلاً ينزل على رجل ، ما كان يظن الفاحشة ممكن أن تكون - وهذا من عفتهم - إلا لما قرأت القرآن الكريم وحدثنا عن قوم لوط ، هذه عفة جميلة صنعها الإسلام بتربيته الربانية .

انتشار الإسلام بالأعمال لا بالأقوال :

الدكتور راتب :
هل تصدق أن تابعياً انتقل من المدينة إلى البصرة ليأخذ حديثاً عن إنسان في البصرة، فلما وصل إليه رآه يرفع ثوبه ليغري فرسه بالمجيء ، فلما اقترب منه لم يجد في هذا الثوب شيئاً، أوهم الفرس أن عنده علفاً من أجل أن تأتي ، فلم يطلب منه الحديث ، وعاد إلى المدينة لأنه كذب على فرسه جرحت عدالته ، هكذا كان العلماء ، لذلك لما امرأة قالت لطفل صغير : تعال هاك ، قال : ماذا أردت أن تعطيه ؟ قالت : تمرة ، قال : أما إنك لو لم تفعلي لعدت عليك كذبة .
فإذا حاسبنا أنفسنا على هذا المستوى أين نكون ؟ هذا الإسلام لم ينتشر بكلام ، لم ينتشر بمصطلحات ، لم ينتشر بثقافات ، هذا انتشر بالأعمال ، ولا سبيل أن نقنع الناس بهذا الدين إلا إذا رأوا بأعينهم مسلماً يمشي على قدمين ، صادق أمين ، لي رأي آخر أنا أرى أن الدعوة الصامتة لا تقل عن الدعوة الناطقة ، فأنت إذا كنت أميناً ، أمانتك دعوة إلى الله ، إذا كنت صادقاً ، صدقك دعوة إلى الله ، قد تجد إنساناً بدائرة ليس له دعوة لكنه منضبط صادق ، يخدم الناس ، هذا الإنسان لو لم ينطق بكلمة هو نفسه دعوة إلى الله ، فما كل دعوة ناطقة ، هناك دعوة صامتة لذلك زوال الكون أهون على اله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين .
المذيع :
دكتور في حديثنا عن العفة يحضرني مشهد جميل لرجل ربما تعرفه أنا أعرفه جيداً وزرته في بيته وهو من أئمة هذا البلد الطيب الراحل الدكتور نوح القضاة رحمه الله مفتي .
الدكتور راتب :
التقيت به .
المذيع :
هذا الرجل استلم دائرة الإفتاء وخصص لدائرة الإفتاء مخصصات مالية بعد سنة تقريباً أو شيء من هذا القبيل ردّ إلى الخزينة نصف مليون دينار ، فتعجب الناس وكتب هذا في الصحافة ، لأن الدكتور نوح لم يجد لها طريقاً صحيحاً للإنفاق فرجعت للخزينة ، وربما هذا كان من المشاهد المؤثرة جداً ، وقليلة الحدوث ، لأنه مثل ما تفضلت الإسلام انتشر بالأعمال ولم ينتشر بالأقوال ، وهذه عفة عالم في زماننا المعاصر .
الدكتور راتب :
أحد أخوتي الكرام ذهب إلى ألمانيا ليقيم دورة تدريبية على بعض المحركات ، هو أستاذ في الثانوية الصناعية ، يقول : إن رئيس الدائرة أعطاه مبلغاً لينفقه لأنه كلفه بالسفر إلى فرع آخر للعمل ، فلما رجع أعاد له نصف المبلغ ، أقسم بالله كان هذا المبلغ الذي أعاده أحد أسباب إسلامه ، هناك إنسان يعطى مبلغ لينفقه على حريته فيرجع نصفه ؟ هذا الإيمان .
المذيع :
دكتور العفة عند الماديين في الغرب ليست موجودة .

 

انضباط الشهوة يرفع من قدر الإنسان عند ربه :

الدكتور راتب :
العفة أساساً فيها شهوة ، وفيها امتناع ، هذه بطولة ، عفواً البهائم يتحركون وفق شهواتهم من دون مبادئ ، والإنسان عنده شهوات ، لكن فضل الإنسان على بقية المخلوقات أنه هو عنده شهوة تحركه لكنها منضبطة بحدود ، مرتبطة بمبادئ ، بقيم ، هذا الذي يرفع من قدر الإنسان عند الله عز وجل ، رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة ، وركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركِّب الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، هذه هي العفة، عنده شهوة لكن منع إخراجها إلا وفق منهج الله ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان . الدليل قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة : 7 ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾

[ سورة البينة: 6 ]

المذيع :
دكتور القرآن الكريم ركز على العفاف وأمر المؤمنين بالعفاف ، و النبي صلى الله عليه وسلم : "من يستعفف يعفه الله" . الآن دكتور تحدثت عن عفة الأغنياء وعفة الفقراء ماهي عفة الأغنياء وعفة الفقراء ؟

 

عفة الأغنياء و الفقراء :

الدكتور راتب :
أنا حينما أرى أن الغني لو سافر إلى بلد غربي أمامه خيارات مفتوحة ، في أن يسهر في ملهى ليلي ، لكن حينما يتعفف عن كل هذه المتاحات له أجر عند الله كبير ، لأن خياراته واسعة كانت ، أما إذا لم يكن هناك خيارات فيقل الأجر ، أنا لا أقول : الفقير أقل مقاماً عند الله من الغني لكن أحياناً الغني عندما يكون بيده مال وفير عنده فرص لأعمال لا ترضي الله ويتعفف عنها جميعاً فهذا مقامه عند الله عز وجل كبير .
المذيع :
دكتور هذه عفة مع شهوة وقدرة ، وعفة الفقير عفة عن شهوة فقط بلا قدرة ، يمكن الفقير يرزقه الله عفة القلب ، قال تعالى :

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة طه : 131 ]

ابتلاء الغني بماله و الفقير بفقره :

الدكتور راتب :
الشهوات كما قلت قبل قليل وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء ، فالغني مبتلى بماله والفقير مبتلى بفقره ، والقوي مبتلى بقوته ، وأنا أقول كلاماً آخر : إذا كان طريق القوة ، أعني بالقوة قوة المال ، المنصب ، بجرة قلم تحق حقاً وتبطل باطلاً ، بتوقيع ، أعني بالقوة قوة العلم ، فالغني حينما ينضبط وفق منهج الله لا بد من أن يكون له عطاء كبير ، أقول : إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، أما إذا كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك فالضعف وسام شرف لك .
المذيع :

دكتور في سورة العفة قال تعالى :

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ﴾

[سورة يوسف : 33]

وهذه عفة جميلة لنبي من أنبياء الله عز وجل .
الدكتور راتب :
الإمام الشافعي سُئل : "أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء ؟ فتبسم وقال : لن تمكن قبل أن تبتلى" . قال تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 142]

والفتنة لا تعني أنه شر ، امتحان فقط ، فقد ينحج الإنسان ، قال تعالى :

﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ﴾

[ سورة طه : 40]

طبق المنهج .
المذيع :
دكتور هل يمكن أن يكون الإنسان في الدنيا ويتعلم العفة ؟ هل يمكن أن يطور هذه المشاعر ؟

الفطرة و الصبغة :

الدكتور راتب :
الحديث الشريف :

(( إنما العلم بالتعلم ... ))

[الطبراني عن أبي الدرداء ]

أنا ماذا أفعل هذا الطريق ؟ أنا حينما أتصنع الحلم :

((... وإنما الحلم بالتحلم .. ))

[ الطبراني عن أبي الدرداء ]

التحلم اصطناع الحلم ، الإنسان ليس حليماً لكن بعد أن تاب إلى الله تصنع الحلم ، ضبط نفسه .

(( إنما العلم بالتعلم ، وإنما الحلم بالتحلم ، وإنما الكرم بالتكرم ))

[الطبراني عن أبي الدرداء ]

أنت في البدايات تتصنع الكرم ، لكن بعد حين ترتقي النفس ، كان الكرم فطرة والفطرة أن تحب الشيء دون أن يكون فيك هذا الشيء ، الإنسان يحب العدل لكن هو غير عادل في حياته اليومية ، يحب العفة لكن هو غير عفيف ، فأن تحب العفة هذه فطرة ، أن تحب الكرم هذه فطرة ، أن تحب العطاء هذه فطرة ، أن تحب العدل هذه فطرة ، أما الصبغة فأن تكون عادلاً ، أن تكون محسناً .
المذيع :
دكتور هذا ما جرى لحكيم بن حزام رضي الله عنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه ، ثم سأله فأعطاه ، ثم سأله فأعطاه ، ثم سأله فأعطاه ، ثم سأله النبي صلى الله عليه وسلم : يا حكيم إن هذا المال حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيه ، فمن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، ومن أخذه بعفة نفس بورك له فيه ، فلذلك حكيم رضي الله عنه وأرضاه لم يطلب من الناس قال للنبي : والذي بعثك بالحق لا أطلب من الناس شيئاً ، فكان عمر رضي الله عنه يلاحقه بالعطاء ويأبى هو أن يأخذه .

 

تناقض الفطرة مع المادة و توافق الصبغة مع المبادئ

:

 

الدكتور راتب :
لذلك الفطرة قد تتناقض مع المادة ، وقد تتوافق الصبغة مع المبادئ ، إنسان استيقظ بعد الشمس على صلاة الفجر استراح أخذ من النوم ما يحتاج ، لكن شعر بانقباض نفس ، وخجل من الله عز وجل كيف فاته هذا الفرض ، الفطرة الآن تتناقض مع منهج الله ، الله أمرك أن تكون صادقاً ، أحياناً الكذب مريح ، أمرك أن تغض البصر ، أحياناً أن تملأ العينين من محاسن النساء شيء يتوافق مع الغريزة ، الله أمر بالصدق أحياناً الكذب أريح ، دائماً المنهج يتناقض مع الجسم ، أما الإنسان حينما يصطبغ بصبغة الله فتتوافق هذه مع الكمال ، قال تعالى:

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾

[ سورة البقرة : 138]

خاتمة و توديع :

المذيع :
كما هي العادة يداهمنا الوقت ، ونسأل الله عز وجل أن يبارك لكم بعلمكم .
أعزائي المشاهدين ؛ لا يسعني إلا أن أشكركم ، وأشكر فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي على هذه النفحات العطرات ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .