الحلقة - 09 - الأمانة ١ - المخلوق الوحيد الذي قبل الأمانة الإنسان ، لذلك سخر له كل شيْ ، وللأمانة أنواع كثيرة . .

2015-06-26

مقدمة :

المذيع :
أعزائي المشاهدين ؛ مرحباً بكم إلى حديقة ربيع الإيمان ، مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، في حلقة جديدة ، أهلاً وسهلاً فضيلة الشيخ .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم .
المذيع :
سررت كثيراً بصحبتك في هذا البرنامج ، وأسال الله عز وجل أن يجمعنا وإياكم والمشاهدين أجمعين في دار الكرامة في مستقر رحمته .
الدكتور راتب :
لكن ليس هناك سرور من طرف واحد .
المذيع :
أكرمك الله ، هذا من لطفك .
أعزائي المشاهدين ، سنتحدث في هذه الحلقة إن شاء الله عن زهرة يانعة بل عن شجرة مباركة ثمارها طيبة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء ألا وهي شجرة الأمانة ، مرحباً بك فضيلة الدكتور سنتكلم اليوم إن شاء الله عن موضوع الأمانة وهو موضوع خطير ، يدخل في كل تفاصيل الحياة ، ما هي الأمانة ؟

 

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة لأنه رضي حمل الأمانة :

الدكتور راتب :
بادئ ذي بدء ؛ بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين .

أستاذ طالب جزاك الله خيراً ؛ بادئ ذي بدء الإنسان هو المخلوق الأول ، لماذا ؟ لأن الله عز وجل في عالم الأزل كما في القرآن قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

والسموات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون ، والكون ما سوى الله ، قال تعالى :

﴿ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

ممكن أن نلقيها بشكل استفهامي ، إنه كان ظلوماً جهولاً حينما قبِل حملها ؟ أب عنده عشرة أولاد ، أعطى كل ولد دخلاً يكفيه مع أولاده وزوجته ، ثم قال : من يأتي بدكتوراه من أمريكا أعطيه نصف المعمل ، فرق كبير بين دخل محدود يكفيه و بين دخل غير محدود لمن يأتي بدكتوراه في اختصاص المعمل من أمريكا ، الذي حصل أن الله عز وجل خلق السموات والأرض ، أي خلق الخلائق في عالم الذر ، وعرض عليهم الأمانة فأشفقوا منها ، الإنسان تطلع إليها وقبل وحمل الأمانة وقال : أنا أهل لها يا رب .
المذيع :
دكتور هذا معنى تكريمي للإنسان ؟
الدكتور راتب :
أعلى تكريم ، لأنه قبِل حمل الأمانة سخر الله عز وجل له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه .
أنا مرة كنت أطلع على بعض الأخبار هذه سباق الهجن عليها طفل قد يموت أحياناً ، فالإنسان هو الأصل ، الآن وضعوا شيئاً غير بشري ، أما إنسان يموت من أجل سباق هجن فمستحيل .

 

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة ، لأنه رضي حمل الأمانة سخر الله عز وجل له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ، تسخير تعريف وتكريم ، كل شيء في الكون مسخر للإنسان تسخيرين ، تسخير تعريف وتكريم ، تعريف حينما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهلال فقال :

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

[أبو داود عن قتادة ]

هلال خير نستضيء بضوئه و يرشدنا إلى الله عز وجل .

أنا أقول كلمة دقيقة جداً : أي شيء تقع عينك عليه من الجبال والسهول والبحيرات والبحار والأشجار ، والأسماك والأطيار ، أي شيء خلقه الله مسخر لك ، حتى المجرات البعيدة سخرت لك من أجل أن تعرف الله ، إذا كان بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنواتٍ ضوئية ، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية ، وابنك الصغير في دقائق مع آلة حاسبة يحسب لك كم يبعد هذا النجم عن الأرض ، كم يقطع في الدقيقة ؟ ثلاثمئة ألف ضرب ستين ، كم يقطع في الساعة ؟ ثلاثمئة ألف ضرب ستين ضرب ستين ، كم يقطع في اليوم ؟ ضرب أربع وعشرين ، كم يقطع في العام ؟ ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ، كم يقطع في أربع سنوات ؟ ضرب أربع ، لو أردنا أن نصل إلى هذا النجم الذي هو أقرب نجم ملتهب على الإطلاق للأرض عدا الشمس بمركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام ، من أجل أن نصل إلى هذا النجم الذي هو أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية ، وهناك طريق لهذا النجم، ومعنا مركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام .
متى نصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية ؟ متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية ؟ بل متى نصل إلى نجمٍ اكتشف حديثاً يبعد عنا أربعة و عشرين ألف مليون سنة ضوئية ؟ قال تعالى :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76 ]

بالمسافات بين النجوم ، هذا الإله العظيم يعصى ؟ أهذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟

 

البعد عن الله والغفلة عنه شيء مدمر :

لذلك البعد عن الله والغفلة عنه شيء مدمر ، لذلك الله عز وجل قال :

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾

[ سورة البقرة : 175 ]

إله يتعجب من صبرهم على النار ، من بعدهم عن الله ، وانغماسهم في الشهوات ، وعدوانهم على الآخرين ، قال تعالى :

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾

[ سورة البقرة : 175 ]

والآية الدقيقة :

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم : 42]

الإنسان إذا عرف الله خضع له ، واستقام على أمره .
المذيع :
دكتور هذه أمانة المعرفة .

 

أمانة التكليف :

الدكتور راتب :
الله عز وجل أولاً حينما خلقنا للجنة ، قال تعالى :

﴿ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

هذه أمانة التكليف ، كلفك أن تعرفه ، وأن تستقيم على أمره ، وأن تتقرب إليه من أجل أن تسعد سعادة أبدية ، هذه أول أمانة أمانة التكليف ، أي إنسان لأن هذا المخلوق من بني البشر الأمانة عرضت عليه في عالم الأزل ، وقبِل حملها ، فلما قبِل حملها سخر الله عز وجل له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه .
المذيع :
دكتور هذه الأمانة التي استقرت في قلب أو في جذر قلوب الرجال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، ليست مرتبطة بالآخرين ، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ". كأن المسلم له تصرف متفرد عن الآخرين مرتبط بربه سبحانه وتعالى .

عظمة هذا الدين أنه دين فردي وجماعي في آن واحد :

الدكتور راتب :

قبل ذلك لي تعليق على هذا ؛ عظمة هذا الدين أنه دين فردي وجماعي في آن واحد، لو أن الناس أعرضوا عن الله ، وشردوا عنه ، وانغمسوا في المعاصي والآثام ، المؤمن لو طبقه وحده لقطف كل ثماره ، الدين جماعي وفردي في آن واحد . لو طبقته الأمة انتصرت ، إن طبقه الفرد قطف ثماره .
المذيع :
ولذلك كان الحديث عن أمانة الرسل والأنبياء حديثاً واضحاً في القرآن الكريم ، في سورة الشعراء بعد الحديث عن كل نبي من الأنبياء يقول تعالى :

﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾

[ سورة الشعراء : 107 ]

و النبي صلى الله عليه وسلم كان يوصف بالأمانة ، لماذا التركيز الشديد على الأمانة عند الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟

 

 

 

أمانة التبليغ :

 

 

الدكتور راتب :
بادئ ذي بدء أول أمانة أمانة التكليف تحدثنا عنها قبل قليل ، أنا مكلف أن أعرف الله ، أن أستقيم على أمره ، أن أعمل صالحاً تقرباً إليه ، كي أسلم وأسعد في الدنيا والآخرة ، الأنبياء كلفهم الله عز وجل أن يبلغوا ، الأمانة الأولى التبليغ ، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لا يعقل أنه ترك التبيين عن وقته لأن الله عز وجل أمرنا أن نطيعه ، قال تعالى :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

لأن الله عصمه من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره ، وأمرنا بطاعته ، فأصبحت طاعة رسول الله من طاعة الله ، الشيء الدقيق أن الله عز وجل أمرنا أن نطيعه أولاً ، أن نطيع رسوله ثانياً ، أن نطيع أولي الأمر منا ، من هم أولو الأمر عند الإمام الشافعي ؟ العلماء والأمراء ، العلماء يعلمون الأمر والأمراء ينفذون الأمر ، فالطاعة هي طاعة طوعية . أمانة التكليف أول واحدة ، أمانة الأنبياء .
المذيع :
أمانة الأنبياء هل تختلف هذه الأمانة عن بقية الأمانات مثلاً أمانة العلماء ، أمانة القضاة ، أمانة .. هل هناك أنواع أخرى تتصف هذه الأنواع بها مرتبطة بطبيعة المسؤوليات ؟
الدكتور راتب :
الحقيقة أن الأنبياء قمم البشر ، و الأنبياء معصومون ، والأنبياء أقوالهم تشريع وأفعالهم تشريع وإقرارهم تشريع ، مرة كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أحد أصحابه الذين توفاهم الله ، اسمه أبو السائب ، سمع امرأة تقول من وراء الستار : هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله ، لأنه نبي مكلف بالتبليغ فلو سكت على كلامها لكان سكوته على كلامها إقراراً ، حكماً شرعياً :

(( ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما يدريك أن الله أكرمه ؟ فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله فمن يكرمه الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هو فقد جاءه اليقين فوالله إني لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي ، قالت : فوالله ما أزكي بعده أحداً أبدا ))

[ الحاكم عن أم العلاء الأنصارية ]

معنى ذلك ليس من شأن العبد أن يحكم حكماً قاطعاً على المستقبل ، نرجو الله ، نرجو رحمته ونخشى عذابه ، أما الحكم على المستقبل بشكل يقيني فليس من شأن العبد ، من شأن خالق الأكوان ، هذه أمانة التبليغ أمانة الأنبياء . الأمانة الأولى التكليف ، الله كلفنا أن نعرفه .
المذيع :
الأمانة الثانية أمانة الأنبياء أمانة التبليغ ، وأمانة العلماء ؟

 

خير الناس من آمن بالله وعمل صالحاً :

الدكتور راتب :
قبل ، رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة ، وركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركِّب الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة : 7 ]


وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان ، الإنسان دون أحقر حيوان ، لأن الحيوان أحياناً يفترس ليشبع أما هناك أناس يوغلون في المعصية والكفر والبعد عن الله عز وجل.
المذيع :
دكتور الذي قال عنهم القرآن الكريم :

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

الدكتور راتب :
الأنعام غير مكلفة ، هذا الابن الذي قبل أن يذهب إلى أمريكا ليأتي بالدكتوراه باختصاص معمل والده ، فإذا جاء بالدكتوراه أصبح أفضل من كل أخوته ، أما إن لم يدرس هناك عاد إلى بلده فقيراً معدماً .
المذيع :
دكتور لم نشبع بعد بالحديث عن الأمانة ونحب حقيقة أن نتكلم عن أنواعها لكن بعد الفاصل ..
أعزائي المشاهدين مرحباً بكم مرة أخرى ، نعود للحديث عن الأمانة ، ومن الأمانة أن نكون واضحين صادقين عند حديثنا عن الأمانة ، مرحباً بكم فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، حديثنا عن الأمانة شيق جداً ومهم جداً في نفس الوقت ولا سيما في هذا الزمان في زمان الربيع العربي ، وحديثنا عن ربيع الإيمان ، دكتور تحدثنا عن أمانة التكليف وعن أمانة التبليغ ، ولا شك كان للعلماء دور هام ولا سيما في زماننا هذا الدور اسمه أمانة التبيين .

 

أمانة العلماء أمانة التبيين :

الدكتور راتب :
قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

هناك تعليق لطيف جداً : نحن عندنا صفة متطابقة مع الموضوف تطابق وجود ، فإذا انفصلت عنه ألغي الموضوف كلياً ، مثلاً الطائرة تطير ، لو ألغي طيران الطائرة لم تعد طائرة ، الصفة متلازمة مع الموصوف تلازم وجوب ، الله عز وجل قال :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]


هؤلاء لهم صفة واحدة ، طبعاً درس حديثاً ، فقهاً ، تفسيراً ، التحق بمعهد شرعي ، أصبح له زي إسلامي ، ، صعد المنبر ، كله شيء طبيعي ، كل هذا أغفله الله أبقى على صفة واحدة ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

دقق الآن فلو أن هذا الذي ألقى العلم على الناس خشي غير الله خوفاً أو طمعاً فسكت عن الحق خوفاً وتكلم بالباطل طمعاً . ماذا بقي من دعوته ؟
المذيع :
كما هو دور بعض العلماء للأسف .
الدكتور راتب :
انتهت دعوته ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

ما تحدث عن أخلاقهم ، ولا عن علمهم ، ولا عن ثقافتهم ، ولا عن ذكائهم ، ولا عن كياستهم .
المذيع :
أي وصفهم بألزم صفاتهم .
الدكتور راتب :
هي الصفة الجامعة المانعة ، مترابطة مع الموصوف ترابطاً وجودياً ، فإذا ألغيت هذه الصفة ألغي الوجود كله ، فالذي يخشى من الدعاة غير الله فينطق بالباطل تقرباً ويسكت عن الحق خوفاً ، انتهت دعوته ، لا قيمة له إطلاقاً ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

أنا فيما أذكر في العهود القديمة ، ملك أراد أن يضيق على العلماء فجمعهم في ساحة عامة - ملك من ملوك التتار - وأمرهم أن يأكلوا لحم الخنزير ، الذي لا يأكل يضرب عنقه ، الكل أكلوا إلا واحداً من أكابر العلماء ، طبعاً الأكل له حكم شرعي آخر ، له مناسبة أخرى ، عندنا شيء اسمه : اضطرار ، أما الآن فنتحدث عن هذا العالم ، فيبدو من شدة مكانة هذا العالم بعض خدم الملك قدموا له لحم ضأن ، قيل له : يا سيدي هذا لحم ضأن ، قال : هو عند الناس لحم خنزير وضحى بحياته من أجل مكانة العلم ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

أي بمجرد هذا الداعية أن يخشى غير الله فيسكت عن الحق خوفاً وينطق بالباطل تملقاً انتهى عند الله ، ولا شأن له عند الله .
المذيع :
لذلك لما أحد الصحابة رضي الله عنه امتدح النبي صلى الله عليه وسلم وقال : لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من كتاب الله لكتم قول الله عز وجل : وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه: .
الحقيقة هذه أمانة عجيبة يضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع المثل فيها لكن الأمانة متنوعة ؟
الدكتور راتب :
قصة سمعتها في بلد إفريقي ، لا أذكر اسم البلد ، يرغب الحاكم في هذا البلد أن يلغي الصيام ، فجاء بعالم كبير وأمره أن يفتي بإلغاء الصيام في ظروف قاهرة ، قال له : أنا جاهز ، المفاجأة قال : أنا جاهز ، فلما صعد المنبر على الإذاعة والتلفزيون قال : الصيام فريضة وإنكارها كفر ، طبعاً قتل ، خاف أن يعتذر فيأتي من يفتي ، هناك علماء كبار .
المذيع :
دكتور هذه فطنة العلماء حقيقة من أروع ما نقرأ ونسمع ونشاهد ونحن بحاجة ماسة في عالمنا العربي لمثل هذه الفطنة الربانية بالفعل ، قال تعالى :

﴿ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

الدكتور راتب :
لذلك أنا أحياناً في كل دروسي إذا ذكرت كلمة علماء أقول : العلماء الربانيون ، هؤلاء الذين يخشون الله وحده ، ولا يخشون أحداً سواه ، هؤلاء الله يدعمهم ، ويوفقهم ، ويحفظهم .
المذيع :
دكتور حقيقة ونحن نتحدث عن الأمانة هناك تضييع كثير للأمانة في زماننا اليوم لاسيما من أصحاب الولايات العامة والخاصة ، والأزواج ، وكنت حقيقة أحبّ أن أشير إلى أمانة الأعراض ، وكيف أن الزوج مستأمن على عرض زوجته ، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم لما عبر عن صفات المنافقين فقال :

((...إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ...))

[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو]

فإذا اؤتمن على عرض زوجته وهي كذلك إذا أؤتمنت على ساعات العشرة فصرحت بسبب الخصومة بها أصبحت خائنة أليس كذلك ؟

 

الأمانة الزوجية :

الدكتور راتب :
طبعاً هذه الأمانة الزوجية ، الله ائتمنه عليها وائتمنها عليه ، فينبغي أن يكون بينهما سراً .
المذيع :
وستراً كما عبر القرآن الكريم .

أمانة العدل :

الدكتور راتب :
أنا أذكر كلمة أن الفرس في بعض الأحاديث ، هي أجر وستر ووزر ، من يستخدم مركبته في العمل الصالح هي أجر ، فإذا أخذ أهله نزهة كانت ستراً ، فإذا استخدمها في معصية الله كانت وزراً ، سيدنا عمر استقبل ملك الغساسنة ، جبلة بن الأيهم ، طبعاً شيء طبيعي جداً أن يرحب به وبإسلامه ، في أثناء طوافه حول الكعبة داس بدويٌّ من فزارة طرف ردائه ، فانخلع رداؤه عن كتفه ، فالتفت الملك إلى هذا الأعرابي و ضربه ضربة هشمت أنفه ، فاشتكاه إلى عمر، سيدنا عمر جاء بهذا الملك جبلة ، وهذه القصة رواها شاعر في سوريا شعراً .
قال له عمر: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟ فقال جبلة : لست ممن ينكر شياً ، أنا أدبت الفتى ، أدركت حقي بيدي . فقال عمر : أرضِ الفتى ، لابد من إرضائه ، مازال ظفرك عالقاً بدمائه ، أو يهشمن الآن أنفك ـو تنال ما فعلته كفك . قال : كيف ذلك يا أمير ؟ هو سوقة من عامة الناس ، وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟ قال عمر : نزوات الجاهلية ، ورياح العنجهية قد دفناها ، أقمنا فوقها صرحاً جديداً ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً . فقال جبلة : كان وهماً ما جرى خلدي أنني عندك أقوى و أعز ، أنا مرتد إذا أكرهتني . فقال عمر : عالم نبنيه ، كل صدع فيه يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
أقسم لكم بالله وأرجو ألا أكون حانثاً أن الصحابة الكرام هم قمم البشر ، لو فهموا الإسلام كما نفهمه نحن ما خرج من مكة ، أما أن يصل إلى الصين إلى مشارف باريس بالعدل!!
المذيع :
دكتور هذه أمانة العدل التي ضاعت في ربيع عالمنا العربي .
الدكتور راتب :
لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ليقيّم تمر خيبر ، وفق اتفاقية بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، فأغروه بحلي نسائهم كرشوة ، فقال كلمة رائعة : والله جئتكم من عند أحبّ الخلق إليّ ، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم ، فقالت اليهود : بهذا قامت السموات والأرض وبهذا غلبتمونا .
لذلك هذا الإسلام العظيم لو لم يكن فيه قيم رائعة جداً ومبادئ لن ينتشر في الأرض إطلاقاً ، انتشر بالاستقامة والتطبيق ، أما أن يبقى مظهراً فلكلورياً ، عنده خلفية إسلامية ، أرضية إسلامية ، نزعة إسلامية ، اهتمامات إسلامية ، مشاعر إسلامية ، رغبة إسلامية ، الإسلام شيء آخر ، ما لم نعرف الله معرفة صحيحة وننصاع لأمره ونتقرب إليه لن نقطف ثمار هذا الدين .
المذيع :
ولذلك قال الصديق رضي الله عنه : أصدق الصدق الأمانة وأكذب الكذب الخيانة .

ضياع الأمانة :

الدكتور راتب :

حدثني طبيب يحضر عندي في الشام ، جاءتني امرأة معها ورم خبيث لكنه منتشر، قال لي : أنا آلمني هذا الموقف ، الورم الخبيث في الجلد هناك أمل بالشفاء في بدايته ، يبدو أن المرض مضى عليه سنتان أو ثلاث ، واستفحل ، فأخذها زوجها إلى طبيب فقال له الطبيب : لماذا تأخرت في مجيئها إليّ ؟ الآن المرض صار مستفحلاً ، والأمل بالشفاء ضعيف ، فقال : نحن كنا عند طبيب آخر ما قال هذا ، قال : معها التهاب عادي ، وكنا عنده مدة سنتين وهو يكذب علينا !! يقول : هذا الزوج فقد أعصابه وقع على الأرض مغشياً عليه ، فلما صحا قال : يا رب إن كنت موجوداً فانتقم ، القصة رواها لي طبيب مختص بالسرطان ، أقسم بالله العظيم بعد تسعة أشهر جاءه شاب أنيق جداً ، قال له : أنا زميلك معه المرض نفسه ، هو الذي أبقاها عنده سنتين ويعلم أنه مرض خبيث ولم يذكر ذلك وبقيت عنده يعطيها مسكنات وأدوية .
المذيع :
هذا جزاء وفاقاً لمن ضيّع الأمانة .
الدكتور راتب :
هذا عدد نادر جداً من الأطباء ، قال أحدهم : إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هم لم يكرما ، الطبيب رمز إنساني ، والطبيب أعماله صالحة ، لكن لا يخلو في حالات نادرة من إنسان خان الأمانة .

خاتمة و توديع :

المذيع :
دكتور ما زال الحديث عن الأمانة واسعاً ، وأرجو أن تتكرم علينا بالحديث عن الأمانة في حلقة أخرى لأهمية الموضوع .
وأنتم أعزائي المشاهدين قد وصلنا إلى نهاية حلقتنا مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي الذي أشكره جزيل الشكر على هذه المعاني الطيبة الراقية ، وأشكركم كذلك في نهاية الحلقة ، وإلى أن ألقاكم في حلقة مقبلة في حديقة ربيع الإيمان ولنتكملم عن الأمانة التي ضيعت في زماننا هذا ، وإلى لقاء آخر ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .