الحلقة - 07 - المعرفة الربانية - المعرفة اليقينية ، خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط .

2015-06-24

مقدمة :

المذيع :
أعزائي المشاهدين ؛ السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته ، مرحباً بكم مرة أخرى إلى حديقة ربيع الإيمان ، مع فضيلة أستاذنا المربي الدكتور محمد راتب النابلسي ، أهلاً وسهلاً فضيلة الشيخ ، و مرحباً بكم .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم .
المذيع :
نشكركم جزيل الشكر على هذا الوقت المبارك .
أعزائي المشاهدين ؛ نستأنف حديثنا إن شاء الله نقطف من حديقة ربيع الإيمان أزهاراً مباركة ، نعود بكم إلى فضيلة الدكتور ليحدثنا اليوم عن المعرفة الربانية .
سيدي توقفنا في الحلقة الماضية عن الطاعة الطوعية الممزوجة بالمحبة القلبية وقلنا: إن هذه الطاعة الطوعية الممزوجة بالمحبة القلبية تحتاج إلى معرفة يقينية ، وتفضي إلى سعادة أبدية ، الآن نقف على موضوع المعرفة .

 

الإنسان هو المخلوق الأول والمكلف والمكرم :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.
أستاذ طالب جزاك الله خيراً ، الحقيقة أننا تحدثنا في الحلقات السابقة عن أن الإنسان هو المخلوق الأول لقوله تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

ولأنه قبِل حمل الأمانة كان المخلوق الأول والمكلف والمكرم ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾

[ سورة الإسراء : 70 ]

ومكلف بعبادة الله ، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

ولأن علة وجودنا في الأرض أن نعبد الله ذكرنا فيما مضى أن العبادة هي طاعة ، لكن الأقوياء يطاعون أيضاً إلا أنهم يطاعون قسراً ، لكن الله ما أراد أن تكون علاقتنا به إلا علاقة حب ، قال : هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، هنا نبدأ في هذا اللقاء الطيب بموضوع المعرفة .
الحقيقة أن الإنسان عنده حاجات عليا وحاجات دنيا ، هو في حاجاته الدنيا يتمنى أن يأكل ويشرب حفاظاً على وجوده كإنسان ، يتمنى أن يكون له زوجة ، والمرأة تتمنى أن يكون لها زوج حفاظاً دون أن نشعر على بقاء النوع ، وهناك حاجة حددها علماء النفس تأكيد الذات ، الإنسان بعد أن يأكل ويشرب ويتزوج وينجب عنده حاجة ثالثة أن يكون متفوقاً ، فالطعام والشراب حفاظاً على بقاء الإنسان ، والزواج حفاظاً على بقاء النوع ، والتفوق حفاظاً على بقاء الذكر ، فالإنسان يحب التفوق ، يحب أن يشار إليه بالبنان ، يحب أن يكون علياً في الأرض .
المذيع :
دكتور هذا لا يتنافى مع الدين ، طلب الرفعة والسيادة إذا كان ضمن منهج الله عز وجل ؟ هذا يلبي حاجة أساسية في نفس الإنسان .

 

طلب الرفعة والسيادة لا يتنافى مع الدين إذا كان ضمن منهج الله :

الدكتور راتب :
أنا أقول دائماً : ما من حاجة أودعها الله في الإنسان على الإطلاق إلا وجعل قناة نظيفة تسري خلالها ، بمعنى ليس في الإسلام حرمان ، الذي أراد أن يكون عالياً في الأرض فليطع الله عز وجل ، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماء والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله . >

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إليّ صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

مرة قرأت قصة رمزية لكنها مؤثرة جداً أن رجلاً صالحاً رأى أماً على التنور تضع الرغيف في التنور وتأخذ ولدها تشمه وتضمه ، فتعجب هذا االإنسان الصالح من هذه الرحمة ، ثم عرف أن هذه رحمة الله أودعها الله في أمه ، فلو أن هذه الرحمة نزعت من قلب الأم وبكى ابنها ألقته في التنور .
المذيع :
دكتور هذه القصة تتأكد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما كان راجعاً من أحد فرأى امرأة أمامها تنور أو قدر يغلي فيها الماء فقال : أو تظنون أن هذه المرأة ملقية ولدها في النار ؟ قالوا : لا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :

(( اللَّهُ أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا ))

[مسند البزار عن عمر بن الخطاب]

هذه الصورة متقدمة جداً من معرفة الله عز وجل .
الدكتور راتب :
هذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

[ سورة طه : 39]

المذيع :
دكتور أي على الإنسان ، وإن كان سياق الآية في الحديث عن سيدنا موسى ؟

 

من عظمة القرآن الكريم أن آياته لها معنى سياقي و سباقي و لحاقي :

الدكتور راتب :
نعم الإنسان ، من عظمة القرآن الكريم أن آياته لها معنى سياقي ولها معنى سباقي ولها معنى لحاقي ، لكن إذا نزعت الآية من سياقها لها معنى آخر ، أي ما قبلها يلقي ضوءاً عليها وما بعدها كتعليق ، يلقي ضوءاً عليها وفي السياق لها معنى ، أما إذا نزعتها مثلاً ، قال تعالى :

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾

[ سورة الطلاق : 2]

قد نتحدث عن هذه الآية بمئات الصفحات ، وهي جاءت بسياق الطلاق ، من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها ، أنا أقيس عليها من يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم ، من يتق الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلاف ماله ، هذه الآية واسعة جداً ، هذه الآية في السياق لها معنى فإذا نزعت قال تعالى :

﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 73 ]

هذه كلمة قالها اليهود في سياق الآيات ، أما لو نزعتها فلها معنى آخر ، القرآن الكريم عظمته أن آياته لها معنى سياقي ولها معنى سباقي ولها معنى لحاقي ، إذا نزعت من سياقها هذه قاعدة ومبدأ وقانون ، هو كما قيل الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، و النبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، وأنا أقول الآن : لا يمكن أن يعود الناس إلى الدين معظمين مطبقين خاشعين إلا إذا رأوا أمامهم مسلماً يمشي على قدمين ، يرون أمانته ، صدقه ، عفافه ، نسبه ، أنا لا أعتقد أن المبادئ والقيم تعيش في الكتب فقط ، لا بد من أن نراها رأي العين في حياتنا ، أي قدوة واحدة أبلغ من ألف كتاب .
المذيع :
دكتور هذا ما قلته لنا في الأمس إن ما أخذ من الحياة يعود إلى الحياة .
الدكتور راتب :
أن ما نبع من الكتب يصب في الكتب ، لكن ما نبع من حياة يصب في الحياة ، فالإسلام دين الحياة ، كيف تحيا .
المذيع :
دكتور نعود إلى أصل حلقتنا وهو المعرفة ، المعرفة اليقينية التي تقوم على اليقين .

 

المعرفة اليقينية :

الدكتور راتب :
هناك نقطة دقيقة أنه من تعريف العلم مقولة مقطوع بصحتها تطابق الواقع عليها دليل ، لو ألغينا الدليل لكانت تقليداً وليست علماً ، لو ألغينا الواقع لكانت جهلاً ، لو ألغينا القطع لكانت وهماً أو شكاً أو ظناً ، فإذا ألغينا االقطع صار هناك شك خمسين بالمئة ، وهمّ ثلاثين بالمئة ، ويقين سبعين بالمئة أو ثمانين بالمئة ، إذا ألغينا القطع كنا أمام شك أو وهم أو ظن ، الظن يغلب على قناعته أن هذا الشيء صحيح ، فإذا ألغينا القطع وقعنا في الشك ، أو في الوهم، أو في الظن ، أحياناً معنى ظن أي أيقن ، القطع أعلى درجة ، مقولة مقطوع بصحتها تطابق الواقع ، فإن لم تطابق الواقع كانت جهلاً ، عليها دليل ، إن افتقد الدليل كانت تقليداً ، فالحقيقة هي مقولة مقطوع بصحتها يؤيدها الواقع أو تطابق الواقع عليها دليل .
المذيع :
دكتور نعود إن شاء الله إلى تجلية هذه الجمل الرائعة التي تختزل فيها الحقائق بكلمات قصيرة لكن بعد الفاصل ..
نعود إلى حديثنا مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي حفظه الله ، وصلنا عند عبارة أن المعرفة مقطوع بصحتها تطابق الواقع عليها دليل .
الدكتور راتب :
إذا ألغي الدليل أصبحت تقليداً ، إذا ألغي الواقع أصبحت جهلاً ، إذا ألغي القطع بقيت شكاً أو وهماً أو ظناً .
المذيع :
دكتور في حالة الكفر بالله عز وجل ما الذي اختل في هذه المنظومة التي ذكرتها ؟ على سبيل المثال إن إبليس كان يعرف الله ولكنه مطرود من رحمته - كافر بالله - ما الذي اختل في هذه المنظومة ؟

تطابق منهج الله مع فطرة الإنسان :

الدكتور راتب :

الحقيقة الإنسان عقل وقلب ، فحينما تكون الشهوات محيطة بقلبه يؤثر شهوته على عقله ، والدليل قال تعالى :

﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

[سورة الأنعام : 23-24]

فالإنسان عنده فطرة ومعه منهج ، الشيء الدقيق جداً أن الفطرة التي فطر الإنسان عليها تتطابق مع منهج الله مئة بالمئة ، لو جئنا بخارطة نافرة حديثة أحطناها بإطار وملأناها بجبصين سائل بعد أن يجف الجبصين تطابقه مئة بالمئة على مستوى عشر الميلي ، أنا قناعتي أن منهج الله عز وجل يتطابق مع فطرة الإنسان مئة بالمئة ، الدليل أن الإنسان حينما يصطلح مع الله يشعر براحة نفسية ، يشعر وكأن جبالاً أزيحت عن صدره ، يشعر بسرور ، بسعادة .
المذيع :
معرفته بالله عز وجل تحقق له السعادة .

 

معرفة الله تشعر الإنسان بالأمن و السعادة :

الدكتور راتب :
هذه المعرفة أحد أكبر أكبر ثمارها السكينة ، والسكينة نسعد بها ولو فقدنا كل شيء ونشقى بفقدها ولو ملكنا كل شيء ، سعد بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الغار ملاحق ، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، سعد بها إبراهيم وهو في النار ، سعد بها أهل الكهف وهم في الكهف ، فالسكينة أحد أكبر عطاءات الله عز وجل ، هذه السكينة تتنزل على قلوب المؤمنين، يسعد هؤلاء المؤمنون بها ولو فقدوا كل شيء ، ويشقون بفقدها ولو ملكوا كل شيء .
المذيع :

دكتور لذلك كنت أحياناً تذكرنا بقصة هذا الطالب الذي جاءك وقال : أنا لا أخاف الله.
الدكتور راتب :
مرة أتحدث عن طاعة الله ، وعن الخوف منه في بعض دروسي ، فقام طالب وقال : أنا لا أخاف الله ، طبعاً أردت أن أعطيه درساً بليغاً ، فقلت له : أما أنت فمعك الحق ألا تخاف الله عز وجل ، قال : لم ؟ وتعجب أشد العجب ، قلت له : أحياناً الفلاح يأخذ ابنه الصغير وعمره أربع سنوات إلى الحقل أثناء الحصاد ، قد يمر إلى جانب هذا الطفل الصغير ثعبان طوله عشرة أمتار لا يخاف ، قلت له : إذا كنت لا تملك إدراكاً فلن تخاف ، الذي لا يعرف الله لا يخاف منه .
المذيع :
لذلك الطبيب يغسل حبة الفاكهة لأنه يعرف الفيروسات .
الدكتور راتب :
المعرفة أصل في الدين ، كلمة قالها سيدنا علي : أصل الدين معرفته . لأنني أقول دائماً : إنك إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر ، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر فتتفنن في التفلت من الأمر .
المذيع :
دكتور معرفة إبليس كانت معرفة سلبية لم توصل إلى عمل ، ولذلك المعرفة عبارة عن مسؤولية ، الناس أمام هذه المسؤولية أصناف ، على سبيل المثال هناك من يقتنع بهذه المعرفة ويستجيب ، وهناك من يرفض المعرفة ولا يستجيب ، وهناك من لا يبالي ، هؤلاء الأصناف ذكرهم القرآن الكريم ، كنت دكتور ذكرت خيار الإيمان خيار وقت .

القلب هو من يوجه العقل :

الدكتور راتب :
قبلها في الكومبيوتر المعلومات تسجل بالهارد بشكل ميكانيكي ، فلا تمحى ، أما الذاكرة - الرام - فالمعلومات تسحب بشكل كهربائي ، فإذا سحبت الكهرباء محيت هذه المعلومات .
المذيع :
دكتور ما شاء الله خبير بالكومبيوتر ؟
الدكتور راتب :

أقول : العقل في القلب ، فحينما يتحقق الإنسان من قضية علمية ويتأثر بها ويقطف ثمارها تنتقل إلى قلبه ، من هنا قال تعالى :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

[ سورة الحج : 179 ]

الآن يوجد دراسات حديثة جداً أن القلب يوجه العقل ، بل إن الخلايا العصبية التي في القلب طاقتها تقدر بخمسين ألف ضعف عن طاقة خلايا الدماغ ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

[ سورة الحج : 179 ]

طبعاً هذا متى عرفناه ؟ عندما أجريت عمليات تبديل قلب كامل ، فالذي أخذ قلباً آخر بدأ يشعر بأحاسيس من أخذ القلب منه ، حتى أذواقه في الطعام والشراب ، حتى أذواقه في الموسيقا عنده ، بدأ يأخذ أذواق وميول ورغبات من أخذ القلب منه ، فانتبهوا لهذه الناحية ، وجدوا أن القلب فيه خلايا عصبية وهي أقوى من خلايا الدماغ بخمسين ألف مرة بل إنها توجه خلايا الدماغ ، الآن لو تقرأ الآيات القرآنية التي فيها ذكر للقلب بعد هذه البحوث الحديثة يأخذك العجب العجاب .
المذيع :

(( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ))

 

[في الصحيحين عن النعمان بن بشير]

الدكتور راتب :
الإنسان يعقل بقلبه ، أنا أردت أن أوضحها للأخوة كالهارد الذي تحفظ فيه المعلومات ميكانيكياً لا تمحى أما المعلومات في الذاكرة فمربوطة بالكهرباء ، فالإنسان إذا انقطع عن الله عز وجل عقله يبقى معه دائماً .
المذيع :
دكتور خيار معرفة الله عز وجل هو خيار لازم حتمي والذي لا يعرف الله ليس له حجة في عدم معرفة الله عز وجل .

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

الدكتور راتب :
دائماً وأبداً أنا أمام مليار مليار خيار في حياتي الدنيا خيار قبول أو رفض ، عرض عليّ بيت حجه صغير وثمنه كبير أرفضه ، وظيفة لم يعجبني دخلها أرفضها ، لك أن ترفض مليار قضية في حياتك الدنيا ، أنت مع مليار موضوع تملك خيار القبول أو الرفض إلا مع الإيمان معك خيار وقت فقط ، فإما أن تؤمن بالوقت المناسب ، وتنتفع من إيمانك ، أو أن تؤمن بعد فوات الأوان ، والدليل أن فرعون قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النازعات: 24]

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص : 38 ]

فرعون عندما أدركه الغرق قال :

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس: 90 ]

أنا خياري مع الإيمان خيار وقت فقط ، ليس خيار قبول أو رفض ، فلا بد من أن أؤمن بعد فوات الأوان .
المذيع :
وهذه هي معرفة الله عز وجل ، معرفة إيمانية ، معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .

 

أنواع العلم :

الدكتور راتب :
العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، النقطة الدقيقة ونحن في موضوع العلم ، هناك علم في خلقه ، علم الفلك ، الجيولوجيا ، الفيزياء ، علم النفس ، الاجتماع ، كل الظواهر العلمية هذه الدراسات لهذه الظواهر أستقي منها قوانين ، نحن أمام علم بخلقه ، علم الفلك ، الطب ، الفيزياء ، الكيمياء ، الرياضيات، الجيولوجيا ، علم النفس ، الاجتماع ، علم النفس الفردي ، النفس الاجتماعي ، العلوم واسعة جداً ، كل هذه العلوم ما دامت تتحدث عن ظواهر ؛ ظاهرة فيزيائية فيزياء ، ظاهرة كيميائيّة كيمياء ، ظاهر فلكيّة فلك ، ظاهرة طبيّة طب ، ظاهرة نفسيّة علم نفس ، اجتماعيّة علم اجتماع ، هذا علم بخلقه ، وهذا العلم تفوق به الغرب إلى أعلى درجة .
لكن هناك علماً آخر علم بأمره ؛ الحلال والحرام ، الخير والشر ، لكن كمقولة أقولها كثيراً : ما كل ذكي بعاقل ، فقد يكون الإنسان بأعلى درجات الذكاء ، ومعه أعلى شاهدات في العالم ، لكن لأنه لا يعرف الله لا يعد عاقلاً ، لذلك ورد في بعض الآثار النبوية أن الصحابة الكرام رأوا مجنوناً في الطريق ، فسألهم سؤال العارف : من هذا ؟ قالوا : هذا مجنون ، قال : لا، إنه مبتلى ، المجنون من عصى الله .

ما عرف سرّ وجوده ولا غاية وجوده ، ما عرف أنه خلق لجنة عرضها السموات والأرض ، قضية دقيقة جداً الإنسان يعيش ستين ، سبعين ، ثمانين ، تسعين ، مئة ، مئة وثلاثين ، هذه السنوات بالقياس للأبد ، أنا أقول : لو وضعنا واحداً في الأرض , وأصفار إلى الشمس ، الآن من مكاني إلى مكانك يكون هناك مئة صفر ، مئتا صفر ، رقم فلكي الأصفار من الأرض إلى الشمس ، مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر أصفاراً ، ما هذا الرقم ؟ هذا الرقم إذا نسب إلى اللانهاية قيمته صفر ، الإنسان حينما يخسر الآخرة ، هذا هو الخسران المبين ، أكبر خسارة أن تخسر الآخرة .
الدنيا عرض زائل ، يأكل منه البر والفاجر ، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل .
إذاً هناك علم بخلقه ، وعلم بأمره ، الحلال والحرام ، والخير والشر ، والقرآن والسنة، والفقه التطبيقي ، والعملي ، والفقه المقارن ، وأصول الفقه ، هذه بحوث كلها متعلقة بأمر الله ، لكن العلم بخلقه والعلم بأمره يحتاجان إلى مدارسة ، يحتاج إلى مدرس ، إلى متعلم ، إلى كتاب، إلى امتحان ، إلى شهادة ، مجموع هذه الأشياء تسمى مدارسة ، هناك معلم و متعلم ، هناك زمان و مكان ، هناك شهادة وثيقة إلى آخره ، العلم بخلقه ؛ فيزياء ، فلك ، طب ، كيمياء إلى آخره ، أما العلم به فقال : العلم به يحتاج إلى مجاهدة ، جاهد تشاهد ، الثمن باهظ .
المذيع :
هذا قول الله عز وجل :

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 69]

الدكتور راتب :
نعم ، إذاً العلم به يحتاج إلى مجاهدة ، جاهد تشاهد ، أنت حينما تضبط كلامك ، تضبط دخلك ، إنفاقك ، علاقتك بالمرأة تضبطها ، أنت حينما تضبط أمورك دفعت ثمن معرفتك بالله عز وجل ، هذا العلم به ويلخص بكلمتين : جاهد تشاهد .
المذيع :
تقصد بالمشاهدة الشهود .

 

خاتمة و توديع :

الدكتور راتب :
رؤية الحقائق ، دكتور نقف عند هذا الحد ، وأعتذر لمقاطعتك ، وأشكرك جزيل الشكر على هذه الأزهار اليانعة من حديقة ربيع الإيمان .
وأشكركم أنتم أعزائي المشاهدين على حسن متابعتكم ، وأسأل الله تعالى أن تكون هذه الحلقة نافعة طيبة مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، أشكرك جزيل الشكر ، إن شاء الله ، وإلى لقاء آخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .