مقاصد الشريعة - الدرس : 18 - ليلة القدر

2007-10-08

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة لليلة القدر:

أيها الإخوة الكرام،مع درس جديد من دروس مقاصد الشريعة الإسلامية، والموضوع اليوم ليلة القدر.

1 – العلمُ بخَلق الله والعلمُ بأمر الله والعلمُ بالله:


أيها الإخوة، هناك علم بخلقه وهناك علم بأمره وهناك علم به، العلم بخلقه موضوعات الجامعات في العالم ؛ قسم العلوم، الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، الفلك، الإنسانيات، علم التربية، علم النفس، علم الاجتماع، الحضارات، التاريخ، الجغرافيا.
في الحياة ظواهر، الظاهرة الفلكية موضوع علم الفلك، والظاهرة الفيزيائية موضوع علم الفيزياء، والظاهرة النفسية موضوع علم النفس، هذا علم بخلقه، اختصاص الجامعات في الأرض، والعلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا، هذه العلوم فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، أما إذا لم يقم بها أحد أثم الجميع.
وهناك علم بأمره، اختصاص كليات الشريعة في العالم الإسلامي، الحلال، الحرام، أحكام الزواج أحكام الطلاق، أحكام البيوع، الكفالة، الحوالة، القرض، إلى آخره، وأيّ كتاب فقه بأبوابه التقليدية هذا موضوع العلم بأمره، لكن العلم به موضوع ليلة القدر.

2 – العلم بالخَلق وبالأمر يحتاج إلى مدارسة:


أيها الإخوة الكرام، العلم بخلقه والعلم بأمره يحتاجان إلى مدارسة، ومعنى مدارسة أيْ: لا بد من مدرّس، ومن كتاب، ومن منهج، ومن إلقاء درس، ومن حفظ، ومن مراجعة، ومن أداء امتحان، ومن نيل شهادة، مجموع هذه النشاطات اسمها المدارسة، هذه المدارسة تنتهي بمعلومات في الدماغ، المدارسة في العلم بخلقه، والعلم بأمره تنتهي بمعلومات محشوة في الدماغ، ولا علاقة لها إطلاقاً بسمو النفس، أو طهرها، أو سقوطها، أو انحطاطها، فقد تجد طبيبا يحمل أعلى شهادة في العالم ولا يصلي، بل ويشرب الخمر، وقد يزني، اختصاصه شيء، وسلوكه شيء آخر، وأنت أيها الإنسان لا يعنيك من هؤلاء العلماء في الدنيا سلوكهم إطلاقاً، يعنيك علمهم فقط، فقد تؤثر طبيب متفوق في اختصاصه ليس ملتزماً ولا مستقيماً على طبيب معلوماته محدودة، لكنه تقي، يهمك علمه، لكن أي إنسان على وجه الأرض لا يمكن أن يصغي إلى رجل دين إن لم يكن سلوكه متناسباً مع علمه، وهذا شيء يُدرَك بالفطرة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن مصداقية الإنسان تتطابق بين أفكاره وأفعاله.

3 – العلم بالله يحتاج إلى مجاهَدة:

على كلٍّ ؛ العلم به شيء آخر، العلم به ليس طريقه المدارسة، بل طريقه المجاهدة، والفرق كبير بين المدارسة والمجاهدة، فأي إنسان أوتي عقلاً وذاكرة قوية وفهماً وإدراكاً عاماً يسمع الدرس فيحفظه، ويعيده، فالمدارسة لا علاقة لها بالسلوك، لها علاقة بالمعلومات، وإيداعها في الدماغ، أما المجاهدة فاستقامة وغض بصر وضبط اللسان، وضبط الدخل، وتحري الحلال، وضبط الإنفاق، وضبط البيت، وضبط أولاده، جاهد نفسه وهواه، وفي مئات المواقف ينتصر لله ورسوله، ويضع حظوظه تحت قدمه، هذه العملية اسمها المجاهدة.

4 – الجهاد أنواع:


يا أيها الإخوة الكرام، مشكلتنا أنه ما أن نذكر كلمة جهاد إلا ويقفز إلى الذهن الجهاد القتالي، مع أنه بنص القرآن الكريم هناك أنواع ثلاثة من الجهاد لا علاقة للقتال فيها.
أول جهاد، جهاد النفس والهوى، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

( سورة العنكبوت)

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (11) ﴾

( سورة الرعد)

هناك استقامة وإقبال على الله، وتوكل وثقة بالله في محبة، واندفاع لعمل صالح، وبطولة ومؤاثرة، وتزكية وبكاء، وخشوع وراحة نفسية، وشعور بالأمن وسعادة، هذه المشاعر الرائعة التي تجعل الإنسان بطلاً، تجعله كالمرجل، تجعله طاقة كبيرة جداً، تجعل الواحد كألف، هذا الاتصال بالله هو موضوع المجاهدة، لذلك قيل: جاهد تشاهد، والفرق الكبير بين المجاهدة والمدارسة كما بين السماء والأرض.

 

5 – حلاوة الإيمان:

ورد في بعض الأحاديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ... ))

[ متفق عليه ]


حلاوة الإيمان شيء لا يوصف، بينما حقائق الإيمان شيء عادي جداً.
أنت مثلاً لا تملك كوخا، لكن عندك خارطة لقصر، الغرف ثمانية أمتار على ستة، كل غرفة لها إطلالة وحدائق، هذا ورق، والذي يملك هذا الورق ليس عنده كوخ يسكنه، حقائق الإيمان معلومات، أما حلاوة الإيمان فأن تملك هذا القصر وتسكنه، كم هي المسافة بين من يملك ورق عليه خارطة القصر ومن يملك القصر نفسه، وحلاوة الإيمان تصل بها إلى الله، وإذا وصلت إليه وصلت إلى كل شيء،

(( يا ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))

[ ورد في الأثر ]

هذا الذي جاء إلى سيدنا خالد كمدد، سيدنا خالد طلب خمسين ألف جندي مددا ليواجه عدوا من ثلاثمئة ألف، معه ثلاثون ألفا، طلب من سيدنا الصديق خمسين ألفا مددا، أرسل له رجلا واحدا، اسمه القعقاع بن عمرو، قال له: أين المدد يا قعقاع ؟ قال له: أنا المدد، قال له: أنت ؟ قال له: أنا، معه كتاب، قرأ الكتاب، يقول سيدنا أبو بكر: فو الذي بعث محمد بالحق، إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم، الواحد كمليون، والواحد كألف، لأنه ذاق حلاوة الإيمان، لأنه عرف الله، لأنه يملك علماً به.
العلمُ بخَلقه شيء، والعلمُ بأمره شيء آخر، فلأنه يملك علماً به، والعلم به لا يأتي من المدارسة، يأتي من المجاهدة، فبقدر استقامتك، بقدر انضباطك، بقدر تحرِّيكَ الحلال، بقدر غض بصرك، بقدر ضبط لسانك، بقدر مجاهدة نفسك وهواك تصل إلى الله.

ليلةُ القدر:

1 – وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ

لذلك:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) ﴾

( سورة الزمر)

2 – لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

لذلك ليلة القدر كما قال الله عز وجل:

﴿ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

لأن هناك تاريخا هجريا وميلاديا، ليلة القدر يمكن أن تكون في أي ليلة من السنة على مدى الأعوام، لأن رمضان ينزلق من شهر إلى شهر، ليلة القدر يمكن أن تكون في أي ليلة في الأرض على مدى التاريخ، هي حالة مع الله، إلى أن تكون حالة مع الله أقرب إلى أن تكون ليلة معينة، لكن هي في رمضان، ورمضان شهر القرآن:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) ﴾

( سورة القدر)

إن أردت أن تتعمق قليلاً فمتى كان النبي عليه الصلاة والسلام مؤهلاً لنزول القرآن عليه ؟ حين قدر ربه حق قدره، قال تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) ﴾

( سورة الزمر)

3 – لَيْلَةُ القَدْرِ: أن تقدِّر الله حقَّّ قدْره:

إذاً: ليلة القدر الليلة التي تقدر الله حق قدره، تعرف عظمته، تعرف كماله، تعرف أسماءه الحسنى، تعرف صفاته الفضلى، تعرف حلمه، تعرف رحمته، تعرف حكمته تعرف كماله، تعرف ماذا أعد للمؤمن من نعيم مقيم.
حينما يكون الموضوع عن الله عز وجل هو موضوع ليلة القدر:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) ﴾

( سورة القدر)

هذا للنبي عليه الصلاة والسلام وكل إنسان مؤمن بقدر إيمانه، بقدر مجاهدته لنفسه، يتلقى من الله المدد، يتلقى من الله التوفيق، يتلقى من الله النجاح، يتلقى من الله القرب، يتلقى من الله السداد، يتلقى من الله الأمن.

 

4 – لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

قال تعالى:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) ﴾

( سورة القدر)

الألف شهر تقريباً ثمانون سنة، وهذا العمر أقصى عمر يعيشه الإنسان تقريباً، وهناك حالات نادرة من التسعين إلى المئة، وحالات مألوفة من الستين إلى السبعين، فلو أنك أمضيت عمرك بأكمله تؤدي العبادات أداءً تاماً من دون أن تقدر الله عز وجل، فهذه الليلة تفوق عمراً مديداً يقضيه الإنسان في عبادات ليس فيها تقديراً لله عز وجل.

 

5 – الفرق بين العالِم والعابد

لذلك هذا الفرق بين العالِم والعابد، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( فَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ ))

[ الترمذي ]

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ))

[ الترمذي ]

(( وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ))

[ الترمذي عن أبي الدرداء]

على الشبكية فقط على سائر الكواكب.
لذلك أيها الإخوة، حينما تقرأ كتاب فقه تبحث في أمرِ الله، وحينما تقرأ كتاب فلك تبحث في خَلقه، لكن إذا تفكرت في خلق السماوات والأرض من أجل أن تعرفه.

ليس الخبرُ كالمشاهَدة:


أضرب مثلا للتوضيح:
ركب أحدُهم طائرة من بغداد إلى بيروت، وحلقت الطائرة فوق دمشق، وأطلَّ من النافذة، فقيل له: هذه دمشق، فإذا عاد إلى بلده، وسئل: هل رأيت دمشق ؟ يقول: نعم، كنت راكباً بالطائرة، وأطللت من النافذة، فرأيت المدينة، هذه معرفة، وهناك إنسان نزل في مطار دمشق، وأقام ساعة في قسم الانتظار، هل وصلت إلى دمشق ؟ نعم، وهناك إنسان نام ليلة في فندق المطار، هذا أعلى، شاهد الأخبار، سمع بعض التفاصيل، وهناك إنسان أتيح أن يبقى يوماً في المدينة، فتجول فيها، وزار الجامع الأموي، وزار جبل قاسيون، وزار ضريح صلاح الدين، هل رأيت دمشق ؟ وغيرهم كان بمهمة رسمية، أقام فيها أسبوعا، أخذوه إلى أماكن أخرى، إلى الزبداني، إلى بعض الأماكن الجميلة، وزار بعض الشوارع والأسواق هذا أعلى، ورجل آخر درس في جامعة دمشق أربع سنوات، وسكن في ببيت، وصار له احتكاك مع الناس، وشاهد عادات البلد وتقاليدها، هذا رأى دمشق، وإنسان وُلِد في دمشق، وهو يعرف كل شيء عنها، إن سألت هؤلاء جميعاً: هل تعرفون دمشق ؟ الجواب: نعم، كم هي المسافة بين الذي رآها من الطائرة و الذي وُلِد فيها ؟ المعرفة متفاوتة عند كل من يقول: أنا أعرف الله، لكن معرفتك بالله بقدر تفكرك في خلق السماوات والأرض، كلما تفكرت في خلق السماوات والأرض ازددت معرفة بالله عز وجل، هذه المعرفة هي أثمن رأسَ مالٍ تملكه، هذه المعرفة وراء استقامتك سبب إقبالك، سبب اتصالك، سبب خضوعك، سبب خشوعك، سبب تضحيتك، سبب التزامك، سبب أنك في حالات معينة، وقفت مع النص لا مع مصالحك، الحديث الشهير عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

 

[ متفق عليه ]

يجب أن يكون الله في قرآنه والرسول في سنته عند التعارض مع مصالحك تقف مع النص ومع الحكم، وتضع مصلحتك المتوهمة تحت قدمك:

(( أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

6 – التفكر في خلق السماوات والأرض طريق لمعرفة الله:

حينما يفكر الإنسان في خلق السماوات والأرض، ويكاد يكون التفكر الطريق الوحيد لمعرفة الله، والدليل:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) ﴾

( سورة الأعراف)

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) ﴾

( سورة المؤمنون)

فلذلك هذه العبادة التي بقي بها الصحابة الكرام في مكة سنوات طويلة، الآيات المكية في معظمها تدور حول هذا، قال تعالى:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ﴾

( سورة الشمس )

﴿ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) ﴾

( سورة الفجر )

﴿ وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) ﴾

( سورة الضحى )

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) ﴾

( سورة الليل )

السور المكية في معظمها تتحدث عن الكون لماذا ؟

موقف المسلم من آيات القرآني:

1 – موقف المسلم من آيات الأمر والنهي:

أيها الإخوة الكرام، حينما تقرأ آية فيها أمر فلك موقف من هذه الآية، ماذا يقتضي موقفك منها ؟ أن تأتمر بما أمر، وحينما تقرأ آية فيها نهي ما موقفك منها ؟ أن تنتهي عما عنه نهى وزجر، وإذا قرأت آية فيها وصف للجنة ما يقتضي موقفك منها ؟ أن تسعى إلى الجنة، وإن قرأت آية فيها وصف لأهل النار ماذا يقتضي منك أن تكون مع هذه الآية ؟ أن تفر من النار، أن تتقي النار ولو بشق تمرة، وإذا قرأت قصة أمة أهلكها الله فيما مضى ماذا يقتضي منك بهذه الآية ؟ أن تتعظ بمن أهلكهم الله بمعاصيهم.

2 – موقف المسلم من آيات التفكر في الكون:

ماذا تفعل بألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون ؟ ما موقفك منها ؟ التفكر كأن الآيات الكونية التي ذكرها الله في القرآن الكريم هي منهج للتفكر، فإذا قال الله عز وجل وهو يتحدث عن الماء:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾

( سورة الحجر )

لو أردت أن تخزن ماء عاما لاحتجت إلى مستودع يساوي مساحة بيتك تماماً، فإذا كانت مساحة بيتك مئة متر ضرب ثلاثة ونصف، فأنت تحتاج ماءا في العام بقدر مساحة بيتك، الله عز وجل جعله في جبل، وكل يوم يتدفق بضعة أمتار من هذا الماء العذب الزلال في المواسم الشديدة أربعة وثلاثين مترا مكعبا، وفي وقت الصيف ووقت الجفاف أربعة أمتار مكعبة، من خزن لك هذا الماء ؟ فكل آية في القرآن الكريم تقتضي التفكر، لذلك من أجل أن نقدر الله حق قدره، من أجل أن نعيش ليلة القدر يجب التفكر في خلق السماوات والأرض، التفكر في خلق السماوات والأرض.

آيةٌ أصلٌ في التفكر:


والآية الأصل في هذا الموضوع، والتي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام : الويل لمن لم يتفكر في هذه الآية.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾

[ سورة آل عمران ]

هذه الآية أصل في التفكر، والتفكر أرقى أنواع العبادات، التفكر يضعك أمام عظمة الله، التفكر أوسع باب ندخل منه إلى الله، وأقصر طريق إلى الله.
تذكر مَثَل الذي رأى دمشق، هناك إنسان يقول: الله خلق السماوات والأرض، وإنسان عنده مخزون من آيات الله الدالة على عظمته لا ينتهي الحديث عنه بمئات الساعات، طعامه آية، شرابه آية، ابنه آية، الولادة آية، الزواج آية، الطير آية، السمك آية، الشمس آية، القمر آية، الليل آية النهار آية ز

 

دوران الأرض آية:

للتقريب: هذه الأرض تدور، لو أنها دارت بمحور عامودي على مستوي دورانها لم تكن الفصول، خط الاستواء صيف أبدي، والأطراف العالية والمتدنية شتاء أبدي، من جعل هذا المحور هكذا، هذا الميل سبب الفصول، الأرض هنا والشمس هنا، في الفصل الشمالي لما أصبحت الأرض هكذا، بعد ستة أشهر صار الصيف هنا، والشتاء هنا، والآن اذهب إلى أسترالية نحن نكون في الصيف في خمسة وأربعين درجة حرارة، أنا سافرت إليها في هذا الوقت، وصلت إليها في درجة خمس تحت الصفر، وصفر وثلاث، لولا ميل المحور لما كانت الفصول، فلو كان المحور موازيا لمستوى دورانها لانتهت الحياة، والقسم المواجه للشمس حرارته ثلاثمئة وخمسين درجة فوق الصفر، والقسم الذي في الطرف الآخر حرارته مئتان وسبعون تحت الصفر، وميل المحور من آيات الله الدالة على عظمته، دورانها على محور ليس موازياً لمستوي دورانها شكل الليل والنهار، أما لو كانت تدور هكذا، والشمس هنا نهار أبدي، وليل أبدي، لم يكن هناك اختلاف الليل والنهار، ولا نهار يعقب الليل.
فكلما تفكرت في آية من آيات الله الدالة على عظمته اكتشفت الحقائق.
نضرب مثلاً من واقع الحياة: جندي غر التحق بالخدمة الإلزامية، قال له عريف: ازحف، لا يزحف، وقد يعترض، وقد يقول له كلمة قاسية، لكن إذا قال له قائد اللواء الأمر نفسه، قال له: ازحف، عند حرف الزاي صار في الأرض، الأمر أمر من جندي، ومن لواء، فكلما عظم الآمر عظم الأمر، لذلك إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر، ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، وهذا حال المسلمين، وما مِن معصية في الناس لا يجدون لها فتوى، وهذا شيء غير معقول، كان الرجل المسلم كمكعب حديدي واضح المعالم، ثم أصبح كرة حديدية بأربع نتوءات تلاشت، ثم أصبح كرة مطاطية مرنة، ثم أصبح غازا لا شكل ولا حجم محدد، كل شيء اسمه إسلامي، حفلة مختلطة إسلامية، مولد بمَسبح مختلط إسلامي، تلقى الكلمات فيه، أخذ الإسلام وضعا غير معقول إطلاقاً، لذلك يقول بعض الزعماء الآسيويين: أنا أفتح نوافذ غرفتي لأجدد الهواء فيها، ولكنني لن أسمح للرياح العاتية أن تقتلعني من جذوري.
الإنسان ينفتح على العالم ليعاشر الآخرين، يطلع على الثقافات، أما أن يضيع دينه فهنا الطامة الكبرى.

ليلة القدر أفضل ليلة في الحياة:

يا أيها الإخوة الكرام، ليلة القدر ليلة هي أفضل ليلة على الإطلاق في حياتك، لذلك إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض: أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.
أفضل ليلة على الإطلاق ليلة القدر، وأفضل يوم على الإطلاق في حياتك يوم العاشر من ذي الحجة، هذا اليوم أفضل يوم، وهذه الليلة أفضل ليلة على الإطلاق.

خاتمة:


لذلك أيها الإخوة الكرام، الإنسان يبدأ بالتعرف إلى الله بالتفكر في خلق السماوات والأرض، أمامه كأس ماء، لو أن هذا الماء ملح أجاج، بل كلفةُ لترٍ البنزين في بعض بلاد النفط واحد من عشرة من كلفة تحلية لتر ماء، الماء العذب الفرات شيء ثمين جداً، قال تعالى:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30) ﴾

( سورة الملك )

التفكر في خلق السماوات والأرض يعرفك بالله، كلمة الله للمتفكر كلمة كبيرة جداً، وكلمة الله لغير المتفكر لا تعني شيئاً، لذلك أنا لا أصدق أن إنسانا يسب الذات الإلهية إلا ويكون إيمانه صفرا، أما إذا عرفه فيصبح إنساناً آخر، وكل إنسان تعرف إلى الله كأنه أدرك ليلة القدر، قال تعالى:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ (5) ﴾

( سورة القدر )

تصبح حياتك في سلام إلى أن تظهر الحقائق حتى طلوع الفجر، قال تعالى:

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ﴾

( سورة ق )