برنامج ويتفكرون - الحلقة : 02 - أصل الدين معرفة الله2 - القنوات السالكة لمعرفته ثلاثة آيات كونية وآيات تكوينية وآيات قرآنية

2016-06-07

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

آيات الله تعالى قنوات سالكة لمعرفته :

 أيها الأخوة المشاهدون ؛ أصل الدين معرفة الله ، ويعرف الله عز وجل من خلال آياته ، قال تعالى :

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية:6 ]

 والحقيقة آيات الله تعالى التي هي القنوات السالكة لمعرفته أنواع ثلاثة ، آيات كونية، وآيات تكوينية ، وآيات قرآنية ، فالآيات الكونية تقتضي التفكر ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

 هذه الكونية ، أما التكوينية فهي النظر ، قال تعالى :

﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 11 ]

 جاءت ثم ، انظروا بعد حين ، وهناك آية أخرى ، قال تعالى :

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة النحل : 36]

 جاءت الفاء ، والفاء على التعقيب ، لذلك قد يأتي عقاب الله آجلاً ، وقد يأتي عاجلاً ، لكن لا بد من العقاب ، قال تعالى :

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾

[ سورة المؤمنون : 115-116]

 أي تعالى أن يخلق الخلق عبثاً .

 

أفعال الله عز وجل :

 الآن ومضة تطبيقية ، أعرف إنساناً تمّ الحكم عليه بالإعدام ، وفي أثناء تنفيذ الحكم قبل أن توضع الحبلة في رقبته قال : أنا الآن أشنق لأنني متهم بقتل فلان ، فلان والله ما قتلته لكنني قتلت آخر قبل ثلاثين عاماً . هذه تنطبق على قوله تعالى :

﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ ﴾

[ سورة الأنعام: 11 ]

 للترتيب على التراخي .
 أما القصة الثانية الدقيقة فقد حدثني إياها قاض كريم ، قال : هناك مشكلة حول ملكية بيت ، مات صاحب البيت ، فأبرز إنسان وثيقة بشرائه قبل عشر سنوات ، أي إنسان اشترى بيتاً من عشر سنوات لمَ لم يطلب تسليم البيت ؟ فدعاه القاضي لحلف اليمين ، هذا كلام القاضي ، وضع هذا المتهم يده على المصحف الشريف وأقسم بالله العظيم أن الحقيقة كما قال ، ورفع يده وأبقاها مرتفعة فغضب القاضي ، قال له : أنزل يدك ، كان قد توفاه الله ، بقي واقفاً بسبب يده اليسرى ، لذلك الآية تقول :

﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ ﴾

[ سورة الأنعام: 11 ]

 للترتيب على التراخي ، وآية أخرى تقول :

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا ﴾

[ سورة النحل : 36]

 على التعقيب ، هذه أفعال الله عز وجل ، فنحن أمام خلقه نتفكر ، ومع أفعاله ننظر، ومع قرآنه نتدبر .

 

في العبادة جوانب ثلاثة ؛ سلوكية و معرفية و جمالية :

 هناك آيات كريمة جداً في القرآن الكريم ، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 والعبادة في أدق تعاريفها هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
 لو وقفنا وقفة متأنية عند هذا التعريف ، هناك جانب سلوكي هو الأصل في الدين ، وهناك جانب معرفي هو السبب ، وهناك جانب جمالي هو النتيجة ، فأنت إذا سلكت وفق منهج الله تماماً ، هذا الجانب السلوكي ، والدين سلوك ، الدين التزام ، هذا السلوك الملتزم سببه معرفة يقينية هي العقيدة الصحيحة ، يثمر هذا حالة من السعادة كبيرة جداً ، فهو طاعة طوعية ، سلوك ، ممزوجة بمحبة قلبية ، ما عبد الله من أحبه ولم يطعه ، وما عبد الله من أطاعه ولم يحبه .

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته  إن المحب لـمن يحب يطيع
* * *

 هؤلاء أهل النار ما علة وجودهم في النار ؟ الآية تقول :

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك : 10]

 إذاً هي أزمة علم ، من هنا قيل : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً .

 

أنواع العلم :

 لذلك العلماء قالوا : هناك علم بخلقه ، اختصاص الجامعات في الأرض ؛ فيزياء وكيمياء ورياضيات ، وفلك وطب وهندسة ، وجيولوجيا وما إلى ذلك ، وتاريخ وجغرافيا وفلسفة ، هذا علم بخلقه ، وهناك علم بأمره كليات الشريعة في العالم الإسلامي ، لكن العلم الحقيقي هو العلم به ، لذلك قالوا : جاهد تشاهد . أنت حينما تحمل نفسك على طاعة الله ، وتجاهد نفسك وهواك ، عندها تشاهد الحقيقة .
 علم يحتاج إلى مدارسة كالعلم بخلقه ، وعلم يحتاج إلى مدارسة أيضاً كالعلم بأمره، أما العلم به فيحتاج إلى مجاهدة ، لذلك الإنسان كائن أودع الله فيه قدرة إدراكية ، هذه القوة الإدراكية تحتاج إلى طلب العلم ، والإنسان ما لم يطلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به .

أوصاف من نسي طلب العلم :

 ما هي أوصاف هذا الإنسان الذي نسي طلب العلم ؟ قال تعالى :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل: 21 ]

 قال تعالى :

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

 قال تعالى :

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون: 4 ]

 قال تعالى :

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة: 5 ]

 صفات مخيفة لمن عزف عن طلب العلم ، ولمن ألغى وجوده الإنساني ، وبقي على وجوده المادي .
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون الحلقات القادمة عن آيات الله في الأكوان ، وعن آيات الله في الإنسان تنفيذاً لقوله تعالى :

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت: 53 ]

 وإلى حلقات قادمة إن شاء الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .