إلى الإيمان من جديد - الندوة : 2 - ثقافة الاختلاف .

2015-12-12

مقدمة :

المذيع :
بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، وأتمّ الصلاة وخير التسليم على نبي الرحمة ، على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا الكرام ، في حلقة شبابية جديدة نتحدث فيها مع فضيلة الداعية الكبير الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، حياكم الله شيخنا وأهلاً ومرحباً بكم .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم .
المذيع:
كم من أخ أصبح صديقاً عزيزاً في الصباح وبات عدواً في المساء ، لخلاف في وجهات النظر ، وفي تحليل الأحداث السياسية المحيطة بنا ، كم من عالم ومفكر كان بالأمس يستشهد بآرائه وتنسخ أقواله واليوم أصبح منافقاً على لسان كثير ، وكم من قريب علينا نشعر أنه أقرب الناس إلينا بخلاف على بضاعة أو شيء بسيط لم يتقبل أحد منا الآخر أصبح عدواً ، الاختلاف وثقافة الاختلاف وثقافة تقبل الآخر هو محور حديثنا مع فضيلة الداعية الكبير الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، نتعلم بها ثقافة الاختلاف ، شيخنا الحبيب هل الإسلام عودنا كمسلمين أن نتقبل رأياً واحداً ونرفض أي رأي يتجاوز الصواب والخطأ بقناعاتنا أم أن الإسلام يدعونا إلى تقبل كل الآراء ؟

منح الله الإنسان عقلاً و منهجاً و شهوة و حرية :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين .

الحقيقة الدقيقة أن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان أعطاه شهوة ، أعطاه حرية ، أعطاه عقلاً ، أعطاه منهجاً ، فهناك عقل و منهج و شهوة و حرية ، فالشهوة هي القوة الدافعة ، هي المحرك في السيارة ، لولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسموات ، ولكن هذه الشهوة تتحرك على مسار محدد وهو المنهج ، شهوة النساء يمكن أن تمارس بمئة وثمانين درجة ، لكن الله سمح للإنسان أن يكون مع زوجته ومع محارمه على نوعين مختلفين ، الشهوة منضبطة بمنهج ، فحينما أخرج عن هذا المنهج أكون قد وقعت في المعصية ، لذلك هناك أوامر إلهية في القرآن ، وهناك أوامر نبوية في السنة قطعية الدلالة ، لا تحتمل الاختلاف إطلاقاً ، أي أنا إذا قلت : أعط فلاناً ألفاً وخمسمئة درهم هذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير ، ولا إلى شرح ، ولا إلى تعليق ، وليس فيه خلاف بين المستمعين ، هذا الكلام قطعي الدلالة ، وكان من الممكن أن يكون القرآن كله والسنة النبوية كلها قطعية الدلالة ، ولكن شاءت حكمة الله أن تأتي بعض النصوص القرآنية ظنية الدلالة ، وأن تأتي بعض الأحاديث الشريفة ظنية الدلالة
هذه احتمالية أي أنا إذا قلت : أعط فلاناً ألفاً وخمسمئة درهم قطعية الدلالة ، إن قلت لإنسان أمامي : أعط فلاناً ألف درهم ونصفه ، هذه الهاء على من تعود ؟ قد تعود على الألف أي أعطه ألفاً وخمسمئة ، فهذا النص اسمه احتمالي الفهم ، أو متعدد الفهم ، فهناك آيات كثيرة جداً وهناك أحاديث ظنية الدلالة ، لماذا ؟ هذا الفهم المتنوع يغطي كل الأقاليم ، وكل البيئات ، وكل النماذج البشرية ، لأن هذا الدين يسر ، فهناك موضوعات ليست خطيرة لا تتناقض مع وجود الإنسان ، فالذي هو ضروري لبقائه مؤمناً الفرائض ، كيف أن الهواء استنشاقه فرض لكن الفاكهة النادرة ليست فرضاً ، تعيش من دونها ، فالأشياء الأساسية جداً جداً جاء فيها نصوص قطعية الدلالة لا بد من التطبيق هذه متعلقة بالإنسان ، سلامته ، سلامة اتصاله بالله ، إذا كان هناك سرقة إذاً يوجد مشكلة ، هناك كذب يوجد مشكلة ، أما حينما تكون الأمور مباحة فالإنسان معه حرية الاختيار في المباحات ، النص إما أنه قطعي الدلالة ، أو ظني الدلالة ، فظني الدلالة أعطاك حرية باختيار أحد المعاني .
المذيع:
جميل هذه هي الحكمة حتى يكون كل إنسان يبحث عن الشيء الذي يعتقد أنه صواب .

 

الدكتور راتب :
نعم فكل نص ظني الدلالة يمكن أن يغطي كل النماذج البشرية ، وكل المجتمعات ، وكل الأطوار ، وكل التواريخ ، هذا الذي ينبغي أن يكون واضحاً عند الأخوة المستمعين .
المذيع:
دكتور الخلاف الفقهي بكثير من القضايا يؤكد ما تتحدث به فضيلتكم ، هل يفترض فينا كشباب أن ننظر في قضية الخلاف الفقهي أنني أرقى من فلان إذا أخذت بهذه القضية مثلاً؟

الخلاف الفقهي في كثير من القضايا :

الدكتور راتب :
أضرب مثلاً ؛ امرأة أصبحت معذورة عن أن تصلي ، واضح المعنى
هذا العذر جاءها قبل طواف الإفاضة بالحج ، وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج ، الحج لا يتم من دون طواف الإفاضة ، وجاءتها الدورة قبل طواف الإفاضة ، عند الإمام الحنفي عليها بدنة ، والبدنة ناقة ، والناقة تتجاوز الثلاثة آلاف ريال ، مبلغ فلكي ، هذا عند الإمام الحنفي وعند الإمام الشافعي تغدو أميرة الحج ينتظرها قومها سبعة أيام ، إلى أن تطهر ، إذا هي ملحقة بالفوج ، وهتاك مئة حاج، ومئة غرفة مستأجرة ، وثلاث وجبات ، معقول من أجل امرأة واحدة أن ندفع أرقاماً فلكية الفوج لا ينتظرها ، هناك رأي ثالث تغدو أميرة الحج ينتظرها ، مستحيل ، نقول لهذه المرأة التي أصبحت معذورة عن أن تصلي قبل طواف الإفاضة ، طوفي البيت ولا شيء عليك عند الإمام مالك ، فهذه المذاهب فيها تنوع ، واجتماع الأئمة حجة قاطعة ، واختلافهم رحمة واسعة .
المذيع:
جميل هل يقاس هذا الكلام حتى في الحياة العادية على اجتماع الناس على قضية وأصبح حجة ؟ كثير من الناس يختلفون في تحليل رياضي سياسي ، والآن الناس تتناحر بسبب هذا الخلاف .

 

احترام اختيار الإنسان :

الدكتور راتب :
أنا أرى - هذا اجتهاد مني – أن الحوار الراقي الحضاري ، أنا بجلسة طرح موضوع معين خلافي ، أنا أدليت برأيي وأتيت بالأدلة فقط ، والثاني أدلى برأيه والأدلة ، وانتهت الجلسة ما من داع لنتناطح ، ما من داع ليسفه بعضنا بعضاً ، هذا ممنوع ، أما أنا فأحترم اختيار الإنسان .
المذيع:
لست معنياً لا بالجدال ولا بالتسفيه ، ولا أقنع الآخرين رغماً عنهم وأنا أطرح رأيي .
الدكتور راتب :
الإنسان مخير بالأصل ، وما جعله الله مخيراً إلا لتجد في المجتمع أنواعاً منوعة من الأفكار .
المذيع:
دكتور هل تجد أن احترام الرأي الآخر أو قلة وجود هذا الاحترام بسبب فهم خاطئ بالتربية الاجتماعية أم أن الإنسان يحب أن يرى نفسه دائماً على صواب ؟

ضرورة توقف الحوار إذا تجاوز القضايا الشرعية :

الدكتور راتب :

الإجابة عن هذا السؤال صعبة ، الإنسان عندما يقول لك : ما من داع لتطبق القرآن، أنت مهما كنت موضوعياً وصاحب فكر علمي لا تستطيع أن تحترم هذا الإنسان ، حينما ألغى منهج السماء ، ألغى تعليمات الصانع ، ألغى تعليمات الخبير ، الذي خلقنا هو أدرى بما ينفعنا وما يضرنا ، أدرى بسعادتنا وشقائنا ، أنت حينما تصف منهج السماء وصفاً لا يليق بمنهج السماء أنت غير معقول ، ما من داع لتتهمه ، أما من الداخل فتراه بعيداً جداً عن أن يكون عاقلاً .
المذيع:

أحياناً لحظة من اللحظات يجب أن يتوقف الحوار إذا تجاوز مثل هذه القضايا الشرعية .
الدكتور راتب :
أنا هكذا أرى ، أي لقاء حضرته وكان فيه موضوع خلافي ومشادة أقول لهم : توقفوا، كل واحد يدلي برأيه مع الأدلة ، ويسكت ، وتنتهي الجلسة ، أنا قد أقنع بهذا الرأي وقد لا أقنع ، ما من داع لأقلب هذا اللقاء إلى عداوات .
المذيع:
لا يشترط أن يقتنع الكل برأيي ، نقف مع فاصل قصير ...
تحية حب واحترام من جديد لكم أيها الأخوة ، وأهلاً ومرحباً بكم بشيخ الشباب الشيخ النابلسي حياكم الله دكتورنا ، ما زلنا بثقافة الاختلاف ، هناك قضايا مصيرية لا نقبل أن يختلف معنا أحد بها فهل هذا الكلام صواب أم خطأ ؟

 

تعريف دقيق للشاب :

الدكتور راتب :
قبل أن أجيبك عن هذا السؤال ، أريد أن أعلق على كلمتك شيخ الشباب ، أنا أرى من هو الشاب ؟ الذي له أهداف أكبر منه ، فهو شاب في التسعين ، ومن هو الشيخ بمعنى التقدم في السن فقط ؟
الذي هو أهدافه محدودة وانتهت ، إنسان بالأربعين هدفه المال فقط ، انتهى لأن هدفه تحقق ، هدف ممل ، دائماً وأبداً في الحياة الدنيا الشيء الذي لم تصل إليه يبدو لك متألقاً ، فإذا وصلت إليه انتهى بريقه ، ما سمح الله للدنيا أن تمدنا بمتعة مستمرة بل بمتعة متناقصة ، لحكمة بالغة بالغة ، من هو الشاب ؟ الذي هدفه أكبر منه ، لذلك لأن الإنسان مخلوق لجنة عرضها السموات والأرض أو مخلوق لمعرفة الله فجعل الله نفسه لا نهائية كي تستوعب هذه الأهداف الكبيرة جداً ، فأي إنسان يختار هدفاً - بتعبيري المتواضع- نهائياً ، فإذا وصل إليه انتهى ، مثلاً طلب المال ، فإذا وصل إلى المال انتهت سعادته ، أكل أنفس الطعام ، سافر لمعظم البلاد ، أقام بالفنادق الكبيرة ، ملّ فصار في كبر ، من شدة استمتاعه بأنواع بالملذات صار عنده كبر ، لذلك الإنسان عندما يختار طريق الله هدفه لا نهائي فهو شاب بالتاسعة و التسعين وأنا أعني ما أقول ، كان في الشام شيخ ، كان في السابعة والتسعين ، كان منتصب القامة ، حاد البصر، مرهف السمع ، أسنانه في فمه ، حينما يُسأل يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ يقول : يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً .

أنا أخاطب أخوتي المشاهدين أن هذا الإنسان حينما يمضي شبابه في طاعة الله له شيخوخة راقية جداً ، والذي أمضى شبابه في معصية الله له شيخوخة مؤلمة جداً ، يخرف ، يعيد القصة ألف مرة ، يستحي أولاده به ، فهذه حالة الخرف مخيفة جداً ، الذي أمضى حياته في معرفة الله يتمتع بشيخوخة رائعة جداً ، وقالوا : إن العضو الذي يعمل لا يضمر ، هذه اليد لو وضع عليها جبس وأصابها كسر لثلاثة أشهر العضلات تذوب ، بمعنى أن هناك خاصة في الجسم العضو الذي لا يعمل ، والدماغ الذي لا يعمل يضمر ، أنت حينما تصلي الظهر أربع ركعات الأولى والثانية فيها قراءة آية والثالثة والرابعة تقرأ الفاتحة فقط ، وهناك قعود أول و قعود ثان ، أي إنسان يصلي دماغه يعمل باستمرار ، أي إنسان يصلي ، ما دام هناك حركات وسكنات وركعة أولى وثانية وقراءات وقعود أول وثان ، فهو في نشاط ذهني ، فالعضو الذي يعمل لا يضمر .
الدكتور راتب :
مرة أخرى مرحباً بشيخ الشباب أهدافكم وطموحاتكم ونحن على دربكم إن شاء الله في قضية احترام الرأي الآخر ، هناك قضايا أنا أراها قيمية ، مبادئ لا تتجزأ ، هل أقبل الرأي الآخر أو كيف أتعامل معه ؟

 

كيفية التعامل مع الرأي الآخر :

الدكتور راتب :

الموقف الكامل أنا أعتقد أن هذه القضايا أساسية في حياة الإنسان ، الإنسان أصلاً ثم المؤمن ثانياً ، إن أنكرها الطرف الآخر أنا لا أجهد في معاداته ، أجهد في إقناعه ، هنا بطولتي أن أقنع ولا أقمع ، هذا الطرف الآخر ما وصل إلى قناعاتي التي هي متوافقة مع القرآن والسنة ، فأنا أجهد أن أوضح له هذه القناعات ، هذا ينقلني من الوصية على الآخرين إلى الزميل والشريك ، بين أن تكون وصياً على الآخرين وتراهم من عل ، وتوبخهم على بعض أفكارهم ، لا ، كن صديقاً لهم وهذه البطولة .
المذيع:
دكتور متى ينتهي النقاش ؟

 

 

توقف النقاش عند إصرار الآخر على خطئه :

 

الدكتور راتب :

حينما يصر الآخر على خطئه ولا يعطيك أذناً صاغية إطلاقاً ، هذا لا تناقشه والدليل القرآني :

﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾

[ سورة الأعلى : 9 ]

التذكير مرتبط أن تعتقد أن تذكيرك ينفعه ، فإذا أصرّ الآخر على رأيه ولم يقبل الحوار الحر الهادئ اللطيف المدعم بالأدلة هذا لا يستحق أن تناقشه .
المذيع:
قالت العرب قديماً : إن اختلاف الرأي لا يفسد الود ، اليوم كثير من الشباب يجدون أن الاختلاف مع صديق لهم بموقف قد يكون على نوع سيارة أيها الأفضل أو شيء يسير تبدأ الحقيقة الخصومات .

 

الأحمق من خاصم الآخرين لأمور تافهة :

الدكتور راتب :
والله أنا أراه منتهى الحمق ، أن أختلف مع أخي والأصل أن يكون هناك ود بيني وبينه على قضايا لا تقدم ولا تؤخر ، سيارته أمريكية الثاني أوربية ، يتناقشون طوال الليل أيهما أفضل ، ما هذا الكلام ؟

(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))

[الطبراني عن حسين بن علي ]

شباب بأمة تعاني ما تعاني ، عندنا أهداف كبيرة جداً ، هناك أعداء شرسون جداً ونحن نتحاور في قضايا سخيفة أو تافهة :

(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))

[الطبراني عن حسين بن علي ]

المذيع:
دكتور لماذا الحوار والاختلاف مع من هم أصلاً ليسوا معنا في القضايا التي تعانيها الأمة من صراعات أو من تهجم على هذا الدين أو من احتلال لدول مسلمة ، أحياناً يفتح لك مع الفضاء الكتروني لتتحاور أو لترد على الذين يهاجمونك ، هل نتقبل رأيهم ؟

 

الابتعاد عن الندوات الحرة في أساسيات الدين :

الدكتور راتب :
أنا والله مبدئياً لا أوافق على أن تفتح ندوات حرة في أساسيات الدين ، هذا الطرف الآخر عنده أدلة مادية محببة للناس للجمهور ، فإذا أدلى برأيه في قضايا أساسية في الدين ، هذه القضايا الأساسية من يؤمن بها ؟ من عرف الله أولاً ، أنت حينما تعرف الآمر تتفانى في طاعته ، وإذا لم تعرف الآمر تفننت في معصيته ، فالذي لا يصلي يقول لك : خمس مرات أحتاج أن أخلع الثياب وأتوضأ ، يعطيك الجانب السلبي ، ويغيب عنه الجانب الإيجابي ، جانب الاتصال بالله ، السعادة ، القرب من الله ، فأنا حينما أرى إنساناً بدأ يشكك في أصول الدين لا أتابع معه النقاش لئلا يعطي الآخر أدلة لصالح الشهوانيين .
المذيع:

سيرد عليك البعض فيقول : إن كنت واثقاً من دينك فناقش ، فلماذا تنسحب ؟
الدكتور راتب :
أنا لا أنسحب ، الآية الكريمة واضحة جداً جداً :

﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾

[ سورة الأعلى : 9 ]

هذا الأمر مرتبط بأن تعتقد أن هذا الكلام ينفعه .
المذيع:
كما كان يقول العلماء بالمناظرات بين المسلمين وغيرهم ، كان يعتقد أنه يؤثر في هذه الجماعات ، أما إذا كان النقاش والجدال هنا فالأولى أن يبتعد الإنسان .
الدكتور راتب :
أنا مرة التقيت بمندوب شركة هولندية ، بعد أن تناولنا الطعام أردت أن أطرح أمامه القضايا الأساسية في الحياة ، قال لي : هذه الموضوعات لا تعنيني ، ولا ألتفت إليها ، ولا أهتم بها ، أنا لا يعنيني إلا امرأة جميلة ، ومنزل واسع ، وسيارة فارهة ، هذه الموضوعات الدينية لا تعنيني ولا ألقي لها بالاً ، لا يعنيني إلا امرأة جميلة ، ومنزل واسع ، وسيارة فارهة .
المذيع:
في مثل هذه الحالة لو كان هذا الإنسان يقوم بالعمل لديك في المؤسسة بسبب اختلافك معه هل تنهي العمل معه أم تفصل بين العلاقة الشخصية وعلاقة العمل ؟

 

ضرورة الفصل بين العلاقات الشخصية و علاقات العمل :

الدكتور راتب :
علاقات العمل ليس لها علاقة
أنا عندي مصطلح هناك علاقات حميمة ، العلاقة الحميمة ممكن أن تذهب معه نزهة خمسة أيام ، هناك لقاء حوالي عشرين ساعة في اليوم ، العلاقات الحميمة فيها توافق فكري ، ديني ، قيمي ، تكتيكي ، هذه التوافقات تسمح أن تقيم معه علاقة حميمة ، إنسان بعيد عنك فكراً ومنهجاً وسلوكاً بعد الأرض عن السماء هذا مستحيل أن تقيم معه علاقة حميمة ، إلا علاقات عمل وقيد ، يكون رئيسك في الدائرة ، تسلم عليه باحترام ، تؤدي واجبك تجاهه تماماً ، وتقوم بعملك بشكل صحيح ، لا يمنع أن تؤدي عملك كاملاً لمن يأمرك أن تؤديه وفق المصلحة العامة ، أما لا يعنيك شأنه الخاص .
المذيع:
أحياناً في ذات العائلة يختلف أخ مع أخيه فيصبح مقاطعة بينهما ، مما يؤدي إلى قطع صلة الرحم .

 

القدوة قبل الدعوة :

الدكتور راتب :
مع الأسر موضوع ثان ؛ أنا أقول لك كلاماً دقيقاً : إما أن تقنع وإما أن تحسن ، القدوة قبل الدعوة ، ابق صامتاً ، أنت أعط الإسلام من سلوكك ، حينما وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : " القرآن كون ناطق ، والكون قرآن صامت ، و النبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي" .

أنا أقول : ما لم تر إسلاماً يمشي أمامك لم تقنع بهذا الدين ، أما أقول : قرآن ، أقول : إسلام ، يجب أن ترى شخصاً أمامك في بيته ، في عمله ، في فرحه ، في حزنه ، في غناه ، في فقره منضبطاً ، فهذا الإنسان المنضبط هو دعوة بكاملها ، قبل أن تنطق أنا أسميها الدعوة الصامتة ، الأمين داع إلى الله دعا إلى الله بأمانته ، الأمانة دعوة ، الصدق دعوة ، الإتقان دعوة ، فيمكن أن تكون أكبر داعية وأنت صامت ، ونحن بحاجة إلى دعوة صامتة ، لأن الفكرية يرد عليها أما الصامتة فلا يرد عليها .
المذيع:
الآن مع وجود أحداث في الأمة ، وتصريحات كثيرة من المفكرين ، أو من الدعاة ، أو من المشاهير الإسلاميين بآرائهم بهذه الأحداث ، أو من العلماء ، الناس تختلف معهم ، بعض الناس هو يحب العالم الفلاني إن كان تصريحه الأخير على خطأ فقد نسفه وجعله منافقاً بسبب تصريحه الأخير الذي يراه خطأ ، وبعضهم لأنه يحبه صوبه حتى في خطئه ، كيف يفترض أن نتعامل في هذه المسألة ؟

الاتفاق مع آراء من كان على شاكلتي :

الدكتور راتب :
هذا الكلام غير موضوعي ، بمعنى أن الإنسان عندما تحبه محبة عالية جداً ثم تفاجأ بفكر مرفوض عندك كلياً ، معنى هذا أن أصل العلاقة معه غير صحيحة ، إذا كان الإنسان عنده تقلب سريع جداً من أجل مصالحه ، يوجد أشخاص موجودون دائماً يغير كل مواقفه من أجل مصلحة معينة ، فهذا الإنسان يسمى الآن وصولياً ، ينافق للقوي دائماً ، ودائماً المنافق له يحتقر المنافق ، يجب أن أختار أشخاصاً على شاكلتي .
المذيع:
دكتور قد لا يكون صديقاً ، قد تقرأ لمفكر ، أو لكاتب ، أو لداعية ، أو لشيخ .
الدكتور راتب :
أنا عندي واجب أن أصحح ، إن أمكنني أرد على هذا الإنسان بكلام مقتضب ، فإن قبله شكرني وصوب كلامي .
المذيع:
دكتور هنالك مجموعة من الناس دائماً يعادون الأمة وخطهم واضح ، ولكن هناك أناساً تلتمس فيهم خيراً ولكن في موقف وحيد أو موقفين هو خرج عن قناعتي أنه صواب ، هل أنسفه من بدايته ؟

الموضوعية موقف علمي و أخلاقي :

الدكتور راتب :
والله هذا ليس من الموضوعية في شيء ، الله عز وجل عظيم فقد يخطئ أحد عباده ولا يلغي خطأه هذا أعماله الصالحة ، وتخلقوا بأخلاق الله ، إنسان مدير مؤسسة ، أمين ، صادق ، اختار الأكفاء من الناس ، له موقف معين بموضوع ، هذا الموقف لا يجعلني ألغي كل إيجابياته ، الموقف غير موضوعي .
المذيع:

إذاً على الإنسان أن يفصّل ، أي يقول : هذا العالم أو المفكر أصاب بكثير من النقاط ، وأخطأ في أخرى .
الدكتور راتب :
ما له وما عليه ، إذا أحببت إنساناً تنسى كل ما عليه ، وإذا أبغضته تنسى كل ما له ، هذا موقف غير علمي ، الآن أقول لك : الموضوعية موقف أخلاقي ، والموضوعية موقف علمي ، فأنت عالم إذا كنت موضوعياً ، وأنت عالم إذا كنت أخلاقياً .
المذيع:
إذاً نضع النقاط على الحروف ، : ونقول فلان نحبه في كذا ، أو أصاب في مؤلفه وأخطأ في كذا .
الدكتور راتب :
وهذا المكان لم يصب به .

 

خاتمة و توديع :

 

المذيع:
ليس من أجل المحبة نقبل أخطاءه ، وليس من أجل البغض ننسفه وندخله في خانة الخطأ والنفاق .
بارك الله بكم من أجل هذا الكلام الجميل ، ونسأل الله أن تكون دائماً ثقافة الاختلاف مدعاة لمزيد من الفهم ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .
أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، والشكر لكم مشاهدينا الكرام ، إلى هنا نصل إلى نهاية حلقتنا وحديثنا عن ثقافة الاختلاف ، ملفات فكرية شبابية كثيرة لا زالت في جعبتنا ، وفي الانتظار ، تابعونا ، سبحانك اللهم وبحمدك ، نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك ، تحية طيبة لكم ، والسلام عليكم .