درر 1 - الحلقة : 01 - الإنصاف .

2015-06-18

مقدمة :

ارْضَ لِلنَّاسِ جَمِيعاً مِثْلَ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكْ
إِنَّمَا النَّاسُ جَمِيعًا كُلُّهُـــــــــمْ أَبْنَاءُ جِنْسِكْ
فلهم نفس كنفسك ولهـــــــــم حس كحسك
***

الإنصاف درة من درر الشريعة السمحاء ، نلتقطها من بحر الشريعة الزاخر ، ونفهم معانيها في ضوء كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وسيرة السلف الصالح ، الإنصاف أن تتمنى لغيرك من الخير مثلما تتمناه لنفسك ، ويكون الإنصاف في الأقوال والأفعال ، وفي الرضا وفي الغضب ، مع من نحب ومع من لا نحب :

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة: 8]

فهلموا بنا إلى بستان الإنصاف ....
بسم الله ، الرحمن علم القرآن ، خلق الإنسان علمه البيان ، والصلاة والسلام على النبي العدنان وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ، أخوتي المشاهدين أينما كنتم أسعد الله أوقاتكم بالخير واليمن والبركات والطاعات ، برنامجكم درر هذا هو عنوانه ، لأنه يلتقط في كل حلقة من حلقاته درة من درر الشريعة ، ومن أخلاق الإسلام الراقية ، ليتناولها بالبحث من خلال كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وسيرة السلف الصالح .
الأستاذ بلال :
اسمحوا لي في بداية هذا البرنامج أن أرحب بضيفنا الدائم فيه فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم ونفع بكم .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم قبل أن نبدأ بدرة اليوم وهي الإنصاف نريد مقدمة عن موقع الأخلاق في الإسلام ، لأن البرنامج يدور حول الأخلاق .

موقع الأخلاق في الإسلام :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، الحقيقة أن هذا الدين العظيم هو عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق ، كتلته الكبرى عقيدة ، تصور ، أيديولوجيا ، منطلقات نظرية ؛ عقيدة ، عبادات ؛ صلاة ، وصيام ، وحج ، وزكاة ، معاملات ؛ صدق ، وأمانة ، وعفة ، وحصانة ، أخلاق ، فنحن في هذا البرنامج إن شاء الله سوف نقف وقفة متأنية عند الأخلاق الإسلامية ، أخلاق هذا الدين العظيم ، لأنه يقول أحد أكبر علماء المسلمين ابن القيم الجوزية : " الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ".
والنبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم هو المخلوق الأول عند الله ، النبي الكريم ، هذا النبي الكريم له خصائص كثيرة ، متعلقة بدعوته ، أكرمه الله بها ، إلا أن الله عز وجل حينما مدحه مدحه بخلقه العظيم قال تعالى :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

فالخصائص التي يتمتع بها النبي الكريم من أجل دعوته هي من الله عز وجل ، أما الذي منه ، الذي يمكن أن يقيّم من خلاله فخلقه العظيم ، فقال تعالى :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]


فلذلك الأصل في هذا الدين الأخلاق ، والحقيقة الذي ينتفع منه الناس من المؤمن ممن طبق منهج الله ، ممن انضوى تحت لواء الإسلام أخلاقه الطيبة ، الذي ينتفع منه الناس الأخلاق ، إذاً كما يقال : الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ، هذا المنطلق الأول لاختيار حلقات هذا البرنامج ، موضوع ومضات ودرر حول أخلاق الإسلام، وهذه الأخلاق منبعها في الأصل من آيات القرآن الكريم ، ومن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا النبي الكريم وصف بخلق عظيم ، وفي آية أخرى كأن الله عز وجل يقول له : أنت أنت يا محمد على علو قدرك ، وعلى رسالتك ، وعلى نبوتك ، وعلى كل الخصائص أنت أنت :

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[سورة آل عمران:159]


إذاً الأصل في هذا الدين الخلق ، والإنسان لا يتأثر بهذا الدين إلا بالخلق ، والناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم ، فأنا حينما أرى مسلماً يمشي في الأصل قيل : القرآن كون ناطق ، والكون قرآن صامت ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، والعبد الفقير يقول : ما لم ير الناس في هذا العصر إسلاماً يمشي أمامهم فلن يهتدوا ، هذا المسلم إن حدثك فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف ، هذه صفات المؤمن ، فلذلك الذي ننتفع به، وننفع به عامة الناس من هذا الدين الخلق ، لذلك هذا البرنامج إن شاء الله سوف يعالج نقاط دقيقة وسميناها نحن درراً ، درر أخلاقية مأخوذة من كتاب الله ومن سنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم .
الأستاذ بلال :
بارك الله بك أستاذنا الكريم ؛ لو بدأنا بدرة اليوم وهي الإنصاف ، والإمام مالك وهو من أبناء القرن السادس الهجري كان يقول : " ليس هناك شيء أقل من الإنصاف في زماننا ". والإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء كان عندما يترجم كثيراً ما يكرر عبارة : " ولكن الإنصاف عزيز " . وكأن الإنصاف درة تستحق أن نبدأ بها هذا اللقاء أو هذا البرنامج .

 

الفرق بين الإنسان الأخلاقي و العنصري :

الدكتور راتب :
الحقيقة أن الإنسان له خصائص ، فحينما يقبل من الآخر ما يفعله هو ، أو حينما يقيس نفسه بمقياس عام لا يتعدد ولا يتبدل ، إذاً لا يوجد به ازدواجية ، أنت حينما ترى أن لأخيك ما لك ، وأن عليك ما على أخيك أنت إنسان أخلاقي ، بتعبير آخر : أنت إنسان إنساني حينما ترى أن لأخيك ما لك وأن عليك ما على أخيك ، أما أن تقول : هذا لي وليس لغيري وعلى غيري ما ليس عليّ فأنت عنصري
فمبدئياً يمكن أن نقسم بني البشر في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة وفق هذا المقياس ، فحينما يتصور الإنسان أن له ما ليس لغيره ، وأن على غيره ما ليس عليه فهو عنصري ، مثلاً لو أن إنساناً أمضى سهرة بأكملها في السخرية من أم زوجته ، وهي صامتة ، وفي اليوم التالي تكلمت كلمة عن أمه فلم يقبل فهذا الزوج عنصري ، لم يقبل كلمة عن أمه وأمضى سهرة بأكملها عن أم زوجته هذا عنصري ، ولأن دولة واحدة من خمس دول إذا قالت : لا ، ألغي القرار الإنساني في مجلس الأمن ، ألغي القرار كلياً لاعتراض دولة واحدة ، فهذا أيضاً موقف عنصري
ولي رأي شخصي أنه ما دامت العنصرية قائمة في حياة الناس فالحروب لن تقف ، ما دام هناك عنصرية ، هناك إنسان يستأثر بكل شيء ، إنسان يملك مليون ، ومليون لا يملكون واحداً ، العنف لن يقف ، والعنف لا يمكن إلا أن يرد بعنف مثله .
الأستاذ بلال :
بارك الله بكم أستاذنا الكريم ، لو انتقلنا إلى محور ثان لنؤصل شرعياً بقضية الإنصاف والله تعالى يقول :

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة: 8]

وفي تاريخنا صور للعدالة حتى مع الأعداء ، وفي الإنصاف حتى مع الخصم ، كيف نفسر ذلك ؟

 

من يملك مقياساً واحداً له و لغيره فهو إنساني و طريقه صحيح :

 

الدكتور راتب :
أولاً : ما دام هناك مقياس واحد نقيس به أنفسنا وغيرنا معاً ، ما دام هناك واجبات على غيرنا وعلينا أيضاً ، ما دامت هناك حقوق لنا ولغيرنا ، ما دام هناك تداخل بين ما لنا وبين ما علينا ، وبين ما على الآخرين وبين ما لهم ، ما دام هناك تداخل فنحن في بحبوحة ونحن في طريق صحيح ونحن مع القيم الإنسانية ، أما حينما يتوهم الإنسان أن له حقاً ليس لغيره ، وحينما يتوهم أن على غيره ما ليس عليه ، دخلنا بالعنصرية ، وأنا أقول كلمة : ما دام هناك عنصرية في الأرض النزاعات لن تقف بل والحروب لن تقف .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم هنا نذكر قصة عبد الله بن رواحة يوم أرسله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر .

 

العدل مع الطرف الآخر يقربه من الله :

الدكتور راتب :
النبي صلى الله عليه وسلم من خلال اتفاق بينه وبين قريش أرسله لتقييم تمر خيبر ، فقال لليهود : " جئتكم من عند أحبّ الخلق إلي ، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم ، فقالت اليهود : بهذا قامت السموات والأرض ، وبهذا غلبتمونا ". لذلك الآية تقول :

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾

أي لا يحملنكم :

﴿ شَنَآَنُ قَوْمٍ ﴾


أي بغض قوم :

﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة: 8]

قال بعض علماء التفسير :

﴿ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

أن هذا الطرف الآخر إذا كنت عادلاً معه قربته من الله ، وقربته إليك ، فلذلك هذا الدين ما دامت أهدافه نبيلة ، فلا تصلح للأهداف النبيلة إلا الوسائل النبيلة ، والوسيلة من جنس الهدف .
الأستاذ بلال :
سيدي المحور الأخير من هذا اللقاء أريد أن أعرض لأمر وهو أن كثيراً من الناس يعرفون منك أشياء كثيرة محمودة وجيدة ، فإذا أخطأت خطأً بحقهم أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لحاطب : إنه شهد بدراً ، كيف نوجه هؤلاء إلى وجوب الإنصاف في الغضب و في الرضا ؟

 

الموضوعية قيمة أخلاقيّة و علميّة :

 

الدكتور راتب :
أنا أؤمن أن مصطلح الموضوعية أن تعطي الشيء حجمه الحقيقي ، دون مبالغة ودون نقصان ، الموضوعية هي قيمة أخلاقية ، والموضوعية قيمة علمية ، فإذا كنت موضوعياً فأنت أخلاقي ، وإذا كنت موضوعياً فأنت عالم ، وما لم نعتمد الموضوعية في حياتنا فنحن بعيدون بعد الأرض عن السماء عن التطور والنهوض .
الأستاذ بلال :
سيدي الفاضل الإنصاف يكون في كل مكان بدءاً من البيت ، كيف يكون الرجل منصفاً في بيته مع أولاده ؟

 

إنصاف الأب في بيته مع أولاده :

الدكتور راتب :
لو فرضنا هذا الزوج أخطأ ، والإنسان ليس معصوماً ، فإذا لم يجرؤ أحد أن يواجهه بخطئه ، وأصر على أنه على صواب ، هذا زوج غير موضوعي ، لذلك ما دام هناك بعد عن الموضوعية تتراكم الآلام وإذا تراكمت انفجرت في وقت ما
أما حينما يكون الزوج موضوعياً فإذا خاطب زوجته وذكرته بخطأ ارتكبه وقال : معك حق وإن شاء الله هذا لن يعاد ، فهذا موقف أخلاقي ، موقف فيه تواضع ، فلذلك ممكن أن تنتهي أكبر مشكلة ضمن البيت بالموضوعية ، إذا أنت فعلاً أخطأت فقلت : أنا أخطأت ، تنعدم المشاكل ، أما هذا الإصرار على الخطأ ، وعدم السماح بالمعارضة ، أنا أقول رأيي الشخصي : الذي يسمح للمعارضة أن تنال منه هو الذكي والعاقل ، والذي يكتم أفواه المعارضة في أي مستوى ، من أقل مستوى في بيت وأعلى مستوى في البلاد الذي يلغي المعارضة يلغى هو قبلها ، والذي يقبلها يرقى .
أولادي لهم فضل عليّ ومنة ، فالذي يبحث عن أخطائك هذا يخدمك ، والذي يمدحك بمناسبة وبغير مناسبة هذا يضحك عليك .
الأستاذ بلال :
والإنصاف في البيت مع الأولاد ، هل هناك إنصاف مع الأولاد ؟

الدكتور راتب :
سيدي هذا الأصل ، يا رسول الله ! اشهد أني نحلت ابني هذا شيئاً – حديقة- قال: ألك ولد آخر ؟ قال : نعم ، قال : هل نحلته مثل ما نحلت هذا ؟ قال : لا ، قال : أشهد غيري فإني لا أشهد على جور .
أنا أرى أن الإنسان يحاسب في معاملته لأولاده حتى على مستوى القبلة ، تقبّل أحدهم وتهمل الآخر كنت ظالماً ، فما لم نقم بالعدل أقول التام ، المطلق صعب ، المطلق يشمل ميل القلب ، الله طالبنا بالعدل التام لا بالعدل المطلق ، فما لم أعامل أولادي بالتساوي بالهدايا ، بالمكافآت ، بالألبسة ، بكل شيء ، ما لم أعامل الذي عنده أكثر من زوجة بالعدل التام هناك مشكلة كبيرة ، لذلك كراهية الزوجة الثانية أتت من عدم العدل .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم أختم بكلمة عن الإنصاف تدعون فيها الأخوة المشاهدين إلى الالتزام بالإنصاف في كل تعاملاتهم .

الالتزام بالإنصاف في كل التعاملات :

الدكتور راتب :
والله أنت بالإنصاف ملك ، بالإنصاف القرار بيدك ، بالإنصاف محمود ، بالإنصاف محترم ، بالإنصاف متألق ، بالإنصاف عادل ، بالإنصاف كلمتك نافذة ، إذا انعدم الإنصاف هناك مشكلة ، وقد تبدأ صغيرة وتتفاقم .

خاتمة و توديع :

الأستاذ بلال :
بارك الله بكم ، وشكر الله لكم ، ونفعنا بما سمعنا ، وألهمنا تطبيق الإنصاف في حياتنا ، وجزاكم الله خيراً ، وأنتم أخوتي المشاهدين لم يبق لي في ختام هذه الحلقة الطيبة المباركة من برنامجكم درر إلا أن أشكر لكم حسن متابعتكم ، راجي الله لكم دوام الصحة والعافية ، وحتى نلتقيكم في لقاء آخر أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتم أعمالكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .