الدرس : 055 - الدين ضمان للسلامة .

2014-11-09

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تعليمات الدين ضمان للسلامة و ليست قيداً للحرية :

أيها الأخوة الكرام ؛ الآية الكريمة تقول :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

[ سورة الرحمن : 1 ـ 4 ]


هناك سؤال دقيق : يا رب ! أيعقل أن يُعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾

الإجابة عن هذا السؤال أن هذا الترتيب ليس ترتيباً زمنياً بل هو ترتيب رتبي ، بمعنى أنه لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه ، لو استوردت آلة غالية جداً ، ومعقدة التركيب ، الآن يوجد آلات تأخذ نقطة من دم الإنسان تضع هذه النقطة في هذه الآلة يعطيك الجواب بعد ثوان ، سبعة و عشرون تحليلاً بدقة بالغة ، هذه الآلة العظيمة غالية جداً ، باهظة التكاليف ، معقدة التركيب ، لها تعليمات الصانع ، معها نشرة إيضاحية ، افعل ولا تفعل ، مثل أي آلة ، أنا أقول : الإنسان أعقد آلة بالكون ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز ، ولهذه الآلة البالغة التعقيد صانع عظيم ، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فانطلاقاً من حرص الإنسان اللامحدود على سلامته وسعادته ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع .
أضرب لكم مثلاً : إنسان يمشي بالفلاة ، قرأ لوحة : الطريق فيه ألغام ، يرجى عدم السير ، هل ترى هذه اللوحة حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك ؟

في اللحظة التي تفهم بها أن أحكام الدين ضمان لسلامتك أنت فقيه ورب الكعبة ، هذه ليست حداً للحرية ، لكنها ضمان لسلامتك ، أنت حينما ترى أسلاكاً كهربائية عالية التوتر ، تحتها لوحة التوتر عال ابتعد ثمانية أمتار.
مرة مشيت نحو توتر عال ، سمعت ضجيج الكهرباء ، بمكان التوتر فيه عال جداً هناك ضجيج ، وهذا الضجيج له أثر على الإنسان ، الذي معه مرض قلب يجب ألا يمشي هناك إطلاقاً ، فهذه اللوحة التي كتب عليها : ابتعد عشرة أمتار هل تعد هذه اللوحة قيداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك ؟
مثل آخر : إنسان ركب مركبته واتجه إلى مكان في المملكة ، بعد أن خرج من عمان قرأ لوحة كتب عليها : الطريق إلى المدينة الفلانية مقطوعة ، بسبب تراكم الثلوج ، والمدينة تبعد مئة كيلو متر ، بعد خمسة كيلو مترات من خروجه من عمان قرأ اللوحة ، فرجع ، ما الذي حكمه ؟ النص ، ما الذي جعله يرجع ؟ النص ، النص كلمات ، لو أن دابة تمشي على هذا الطريق أين تقف ؟ تقف عند الثلج ، ما الذي حكمها ؟ الواقع ، أنت تركب سيارتك باتجاه مدينة معينة قرأت لوحة : الطريق إلى هذه المدينة مغلقة ، قد يكون هناك سبب آخر فترجع ، سيارتك ثلاثة طن وزنها ترجع ، حكمك أربع كلمات .

مثلاً : لو أن إنساناً قرأ موضوعاً عن الدخان ، وأنا أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية مكافحة التدخين ، ثلاثة آلاف مادة سامة بالدخان ، إذا قرأت هذا الموضوع يجب أن تتخذ قراراً ، فالإنسان عندما يتخذ قراراً بترك الدخان بعد السرطان هذا ما استخدم عقله أبداً ، الذي حكمه الواقع ، فأنت بين حالين ، إما أن يحكمك الواقع ، أو أن يحكمك العقل ، فالمؤمن يحكمه العقل ، الآية التي تقول :

﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة يس : 68]

تكررت ألف مرة بالقرآن .

﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾

أفلا يتفكرون .

﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾

[ سورة الصافات : 154]

فالإنسان عندما يتخذ قراراً بناء على معطيات علمية يكون قد حكّم عقله ، وإذا كان قد أخذ قرار ترك الدخان بعد السرطان ، أنا أعرف أشخاصاً كثيرين ، طبعاً بعد السرطان ترك الدخان ، الذي حكمه الواقع لا العقل ، والمؤمن يحكمه العقل لا الواقع ، يحكمه الاستنباط .

 

حرص الإنسان على سلامته و سعادته و استمراره :

فلذلك أيها الأخوة :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾


فالترتيب في الآية ترتيب رتبي لا ترتيب زمني ، بمعنى أنه لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه .
فلذلك الآلة البالغة التعقيد ، تحليل الدم بكبسة زر بنقطة دم فقط ، هذه تجلب أرباحاً مذهلة فلكية ، إذا كان هناك خمسون شخصاً كل شخص كبسة زر ، نقطة دم وضعناها ، كبسنا زراً أعطينا الجواب ، لأنها بالغة التعقيد ، وعظيمة النفع ، وغالية الثمن ، لا بد من أن تتبع تعليمات الصانع ، وانطلاقاً - وسأستخدم كلمة غريبة - انطلاقاً من أنانيتك ، من حرصك على سلامتك ، من حرصك على سعادتك ، ينبغي أن تتبع منهج ربك ، مبدئياً أنت آلة ، أنت إنسان حريص على سلامتك ، وحريص على سعادتك ، وحريص على استمرارك ، السلامة بالاستقامة ، والسعادة بالعمل الصالح ، والاستمرار بتربية أولادك .

 

التقاء العلم والأخلاق في قيمة الموضوعيّة :

الآن أيها الأخوة ؛ الآن عندنا كلمة أقولها : الموضوعية ، أنت إذا كنت موضوعياً كنت أخلاقياً ، وأنت إذا كنت موضوعياً فأنت عالم ، العلم والأخلاق يلتقيان في قيمة الموضوعية ، الذي يحكمك الموضوع لا الهوى ، يحكمك الموضوع لا المصلحة ، يحكمك الموضوع لا المكسب
قد يكون هناك مكاسب كبيرة بالانحراف ، مثلاً قتل إنسان ، وهناك طبيب شرعي ، لأن هذا الإنسان يملك أموالاً طائلة ، وبقتله هذه الأموال تؤخذ إلى جهة أخرى ، فالطبيب إذا كتب : الموت طبيعي ، لأنهم دفعوا له خمسة ملايين هو تارك مئة مليون أو أكثر ، إذا دفعوا له خمسة ملايين ليكتب أن الموت طبيعي ، انتهى عند الله عز وجل ، الإنسان عندما يغير قناعته برقم ، بمليون ، يغير قناعته بمئة مليون ، يغير قناعته بألف مليون ، انتهى .

(( ولله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله ، أو أهلك دونه ))

[ السيرة النبوية]

كلمة أعيدها مرة ثانية : عندما تغير قناعتك الثابتة الحقيقية الإيمانية مقابل ألف مليون انتهيت عند الله .

إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، ابن عمر دينك دينك ، إنه لحمك ودمك .
إنسان مقتول ، جاؤوا بطبيب شرعي فكتب : الموت طبيعي ، بجلطة ، أو بأزمة حادة قلبية ، أكثر الذين يقتلون يكتب : مات بأزمة قلبية ، وهو يكون قد مات من التعذيب ، فإذا غيّر الطبيب قناعته مقابل مبلغ ، لو كان المبلغ مئة مليار انتهى عند الله عز وجل .
إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، ابن عمر دينك دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا .
هناك حقيقة دقيقة ، قيل : تستطيع أن تخدع بعض الناس لكل الوقت ، وقد تستطيع أن تخدع الناس لبعض الوقت ، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل ، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل ، أما أن تخدع نفسك أو ربك لثانية واحدة فمستحيل .

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة : 14 ـ 15]

هناك منطقة بالشام بجنوب دمشق ، يسكن فيها إنسان يملك مئات الدونمات ، قيل له : إن تبرعت بخمسة دنمات لبناء مسجد تضطر الدولة أن تنظم هذه الأرض ، معنى أن تنظمها ، أن تجعلها محاضر سكنية ، وإذا نظمتها وجعلتها محاضر سكنية يتضاعف سعرها خمسة أضعاف ، فهذا تبرع بهذه الدونمات الخمسة لإنشاء مسجد ولا علاقة له بالدين إطلاقاً ، ولا يصلي أصلاً ، وعند الناس المحسن الكبير ، أنشأ هذا المسجد المحسن الكبير فلان ، من يعلم الحقيقة ؟ الله وحده ، لذلك:

((إِنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى . فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله فهجرته إِلى الله ورسوله . ومن كانت هجرته إِلى دنيا يُصِيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إِلى ما هاجر إِليه ))

[ البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ]

لذلك إذا كنت موضوعياً فأنت عالم ، وإذا كنت موضوعياً فأنت أخلاقي ، الموضوعية تلتقي فيها الأخلاقية والعلمية .

 

أعظم شيء بالإيمان أنك مقيد بقيد أخلاقي وقيد علمي :

الآن الجهة القوية ، الحاكم ، قد يستخدم الإعلام ليعبر عن ذاته ، وعن منطلقاته النظرية ، لكن حينما يكذب الإعلام ، يكون في مصلحة خلاف الواقع .
لذلك مرة ثانية : أنت موضوعي ، أخلاقي ، موضوعي عالم ، لست موضوعياً ابتعدت عن الأخلاق ، وابتعدت عن الواقع ، وابتعدت عن العلم ، فهناك قضية اسمها : تقدير الإنسان لذاته، هناك حالة دقيقة ، قد يكون الإنسان فقيراً ، دخله محدود ، لكن عنده إحساساً يقدر ذاته ، مستقيم ، ما أكل مالاً حراماً ، لا يغش ، لا يكذب ، الأخلاق العالية تعمل له ثقة بالنفس عالية جداً
هذه الثقة أحد أسباب سعادته ، أما عندما يرتكب خطأ ، أو يقبل مالاً مقابل تغيير قناعته ، إذا كان تخطيطه خطيراً فكتب تقريراً خلاف الواقع ، مقابل مبلغ ضخم انتهى عند الله عز وجل ، فإذا كنت موضوعياً فأنت عالم ، وإذا كنت موضوعياً فأنت أخلاقي .
لذلك سآتيكم بحكاية قصيرة : سيدنا عمر يتجول في البلاد رأى راعياً ، قال له : بعنِي هذه الشاة ، وخذ ثمنها ، فقال الراعي : ليست لي ، قال له : خذ ثمنها ، قال له : ليست لي ، قال له : قل لصحابها ماتت أو أكلها الذئب ، فقال هذا الراعي كلمة ، قال : والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟ .
أنا أقول : هذا الراعي ، لم يدرس دكتوراه ، ولا ماجستير ، ولا دبلوم ، ولا لسانس ، ولا بكالوريوس ، ولا يوجد عنده مكتبة للسقف ، قال لك : ولكن أين الله ؟ هذا الراعي الأمي وضع يده على حقيقة الدين ، هذا الدين ، تقول : أين الله ؟ ليس لها حل يأتي إنسان يبلى بمعصية ، يقول لك : ممكن أن تضيف مادة مسرطنة لمادة غذائية ليصير لونها أبيض ، ويرتفع سعرها بالمئة عشرة، تجمع ثروة طائلة لكن على حساب صحة الناس ، ولكن أين الله ؟ أي أعظم شيء بالإيمان أنك مقيد، قيد أخلاقي ، وقيد علمي .

(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ ، لا يَفْتِكُ مؤمِن))

[أبو داود عن أبي هريرة ]

على الإنسان ألا يعصي الله لأن علم الله و قدرته تطوله :

أما غير المؤمن فيفتك ، لا يرى أن الله سيحاسبه ، أنا آتي بمثل من واقعنا اليومي: راكب سيارتك ، والإشارة حمراء ، والشرطي واقف ، وهناك شرطي آخر على دراجة نارية ، و ضابط مرور بالسيارة ، أنت مواطن عادي لا تملك أية ميزة ، بل مواطن من الدرجة الخامسة وليس من الدرجة الأولى ، تتجاوز الإشارة الحمراء ؟ مستحيل ! لماذا ؟
لأن واضع قانون السير ، علمه يطولك، من الشرطي ، وقدرته تطولك ، متى تتجاوز الإشارة الحمراء ؟ إذا لم يكن هناك شيء إلكتروني ، الساعة الثالثة بالليل ، الإشارة حمراء تمشي ، لا يوجد شرطي يضبط مخالفتك ، واضع قانون السير ذراعه الاستخباراتي هو الشرطي ، الشرطي بالبيت نائم ، الإشارة حمراء ، لأن علم واضع القانون لا يطولك تتجاوزها ، وإذا كنت أكبر من وزير الداخلية تتجاوزها ، فإذا كان علمه يطولك ، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه هذه بحياتنا اليومية ، إذا كان واضع القانون علمه يطولك ، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه ، اسمع القرآن :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

[ سورة الطلاق : 12]

نقطتان ، الآن كله سيلخص :

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12]

علم الله يطولك ، وقدرته تطولك ، إذاً لا يمكن أن تعصيه ، علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، والإنسان يعصي القوي بحالتين ، إما إذا كان علم القوي لا يطوله ، أو إن كانت قدرته لا تطولك ، فالله عز وجل خلق السموات والأرض في ستة أيام .

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

إذاً لما قال له : بعنِي هذه الشاة وخذ ثمنها ؟ قال : ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت ، قال له : والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله ؟

 

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

الثانية : سيدنا عمر جاءه ملك الغساسنة جبلة بن الأيهم مسلماً ، رحبّ به أشدّ الترحيب، هذا الملك الغساني بعد أن أسلم ذهب ليطوف حول الكعبة ، وأثناء طوافه حول الكعبة بدوي من قبيلة فزارة داس طرف ردائه ، هو ملك التفت نحو هذا الأعرابي البدوي من عامة الناس ، من دهماء الناس ، من سوقة الناس ، وضربه ضربة هشمت أنفه ، جاء هذا الأعرابي إلى سيدنا عمر يشكوه في موسم الحج ، شكاه إلى عمر ، فشاعر معاصر توفي قبل أشهر ، صاغ الحوار شعراً ، قال سيدنا عمر لملك الغساسنة : أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟ فقال جبلة : لست ممن ينكر شيا ، أنا أدبت الفتى ، أدركت حقي بيديا ، فقال عمر : أرضِ الفتى ، لابد من إرضائه ، مازال ظفرك عالقاً بدمائه ، أو يهشمن الآن أنفك - لجبلة - وتنال ما فعلته كفك ، قال : كيف ذاك يا أمير ؟ هو سوقة - من عامة الناس - وأنا عرش وتاج ، كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟
قال : نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها ، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً ، فقال جبلة : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز ، أنا مرتد إذا أكرهتني ، قال : عنق المرتد بالسيف تحز ، عالم نبنيه ، كل صدع فيه يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .
هذا عصر مبادئ ، الآن المؤمن متفائل ، أثناء الهجرة ، وضعت مئة ناقة لمن يأتي بالنبي حياً أو ميتاً ، سراقة تبع النبي الكريم في طريق الهجرة إلى أن وصل إليه ، فقال له النبي الكريم كلمة : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ فكروا فيها ، إنسان مطارد ، مهدور دمه، وضعت مئة ناقة لمن يأتي به ميتاً أو حياً ، ويقول لسراقة : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ ماذا يعني هذا الكلام ؟ إنني سأصل سالماً إلى المدينة ، وسأنشئ دولة ، وسأؤسس جيشاً، وسأحارب أكبر دولة بالعالم ، وسأنتصر عليها ، وستأتيني الغنائم من بلاد الفرس إلى المدينة ، ولك يا سراقة سوار كسرى ، شيء كالخيال ، إنسان ملاحق ، مهدور دمه ، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ والحقيقة بعهد سيدنا عمر جيء بغنائم الفرس ، وضعت في المدينة ، ما استطاع أحد الصحابة ، وقد رفع رمحه إلى الأعلى والثاني رفع رمحه إلى الأعلى ما استطاع الأول أن يرى الثاني ، وقال : أين سراقة ، جيء بسراقة ، ألبسه سيدنا عمر سوار كسرى بيده ، وقال : بخ ، بخ ، أعيرابي من بني مدلج يلبس سوار كسرى ؟ هذا وعد الله عز وجل .
لذلك كيف بك يا سراقة إذا لبست سوار كسرى ؟ هذه وعود الله ، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين .