الدرس : 033 - قال تعالى (( اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده .......... )) .

2014-10-02

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وأمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

تفسير قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ..........

أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله جل جلاله في كتابه العزيز :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[ سورة لقمان الآية :33 ]

أولاً : ما معنى كلمة الحق ؟

الحق ترد على ألسنة الناس في اليوم الواحد مئات المرات ، أنت ليست على حق ، أنا على حق ، الحق هو الله ، والحق الشيء الثابت والهادف ، ثابت وهادف ، والباطل شيء الزائل والعابث ، يعني للتقريب :

أنت حينما تبني جامعة ، هذه الجامعة بنيت لتبقى ، أنا معي شهادة من جامعة بإيرلندا عمرها خمسمئة عام بنيت لتبقى ، والسرك ينشأ لأسبوعين فقط ، إذاً قماش ، السرك قماش ، خيمة كبيرة وفيها ألعاب بلهوانية وما شاكل ذلك ، وبعض الحيوانات النادرة .
فالحق شيء الثابت والهادف ، ثابت يعني وجد ليبقى ، والهادف في طياته أهدافه نبيلة أنا ببلد معين أسس جامعة من أجل أن أنشئ في هذه الجامعة قيادات للبلد ، اختصاص علوم علماء مثلاً : فيزياء ، كيمياء ، رياضيات ، طب ، هندسة ، فلك ، مخططون ، إدارة إعمال ، لغات أجنبية ، الجامعة أنشأت لتبقى إذاً حق ، شيء هادف وثابت ، أما ممكن تلاقي في سرك في كم حيوان ، فيل مثلاً ، زرافة وفي ألعاب بلهوانية ، أسبوعين ، ثلاثة شهر ، فالباطل شيء الزائل والعابث ، زائل وعابث ، والحق الشيء ثابت والهادف .

ثانياً : ما معنى تغرنكم ؟

الآن :

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

ما معنى لا تغرنكم ؟ لا تتصوروها أكبر من حجمها .
أنا أذكر أنسان توفي رحمه الله ، كان يعمل موظف بسيط في أحد المحلات التجارية في سوق الحميدية ، عنده كان دعابة ، ينظف المحل يجمع القمامة ، يضعها في علبة أنيقة ، يغلف هذه العلبة بورق هدايا ، يقيم شريط ملون ، شيء مغري جداً ، يضعها على الرصيف أمام المحل يمر إنسان يطلع لعله مطيف ألماس ، لعلها قطعة ثمينة جداً يحملها ويسرع ، يلحقه ، بعد عشرين ثلاثين متر يفك الشريط الأنيق ، بعد ثلاثين متر ثانية يفتح الورق ، بعد ثلاثين متر ثالث ، يفتح العلبة فإذا فيها قمامة المحل ، يزمجر ويطلع من فمه سباب كبير .

صدق ولا أبالغ الدنيا هكذا عند الموت ، قد تراها كبيرة جداً في مقتبل العمر شيء كبير جداً ، في منتصف العمر شيء لكن ليس كل شيء ، على فراش الموت ليست بشيء ، هذه الرؤية لابد من أن تكون لكل إنسان ، لكن من هو البطل ؟ الذي يعرف هذه الحقيقة في وقت مبكر .
يعني مثلاً : أنا بقول أنت معك خيار الرفض بمليون موضوع بمليون ، تريد الزواج عرضوا عليك فتاة ، لم تعجبك سيرتها فرفضها تملك خيار الرفض ، عرض عليك أخٌ كريم شراكة في عمل تجاري وجدت المبلغ كبير والربح قليل رفضته ، تملك أنت خيار الرفض في مليون موضوع مليون ، إلا مع الإيمان ، دقق ، تملك خيار الوقت ، لا خيار الرفض ، كيف ؟ من هو أكفر كفار الأرض ؟ فرعون ، لماذا هو كافر ؟ لأنه قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

[ سور النازعات الآية : 24]

وفي قول آخر :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سور القصص الآية : 38]

فأكفر كفار الأرض حينما أدركه الغرق قال :

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سور يونس الآية : 90]

آمن ، لكن متى آمن ؟ بعد فوات الأوان ، فنحن نملك خيار الرفض بمليون موضوع إلا مع الإيمان نملك خيار وقت ، إما أن تؤمن بالوقت المناسب ، وإما أنه تؤمن بعد فوات الأوان .

كالطالب الذي لم يدرس دخل الامتحان ما تكلم ولا كلمة ، أخذ علامة صفر فلما خرج من قاعة الامتحان ، وذهب إلى البيت وفتح الكتاب المقرر ، وقرأ البحث فهمه ، لكن متى فهمه ؟ بعد فوات الأوان ، يعني كل الحقائق التي جاء بها الأنبياء ، سوف نؤمن بها جميعاً لكن بعد فوات الأوان ، فرعون :

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

فلذلك :

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

الغرور أن ترى الشيء بحجم أكبر من حجمه ، يعني معظمكم متزوجين ، الشاب قبل الزواج يتوهم أن الزواج شيء كبير كثير ، بعد الزواج بشهر شيء عادي جداً ، وقد يكون أقل من عادي ، هكذا الدنيا ، ما سمح الله للدنيا أن تمدك بسعادة مستمرة ، بل متناقصة ، لذلك فرق العلماء بين اللذة والسعادة ، اللذة شعور مريح ، لكن هذه اللذة تحتاج إلى شروط ثلاثة ، تحتاج إلى صحة وإلى وقت ، وإلى مال ، ولحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة دائماً ينقصك أحد هذه الشروط ، في البداية شاب في ريعان الشباب ، لكن اللذة تحتاج إلى مال ، ما في مال معك ، ووقت ، وصحة ، الصحة موجودة والوقت موجود ، لكن ما في مال ، أسست عمل وأنت في منصف الحياة ، في صحة لكن ما في وقت .
حدثني أخ كريم في الشام عنه معمل قماش لوجود الكنبات ، قال لي : والله من خمسة وثلاثين سنة ما تطلعت مشوار ، فوق عمله صالح هو ، ما تمتع إطلاقاً .

فتحتاج اللذة إلى وقت ، وإلى مال وإلى صحة ، بالبداية في صحة ، وفي وقت ، لكن ما في مال ، بمنتصف الحياة في مال وفي صحة لكن ما في وقت ، كبر ، سلم المعمل لأولاده وفي مال ، لكن ما في صحة ، أسيد أوريك ، على شحوم ثلاثية ، هذه ممنوعة ، معه دسك بظهره ومعه التهاب مفاصل ، هذه هي الحياة ، لا تستقيم لإنسان ، أما المؤمن في البدايات تعرف إلى الله وأقبل عليه ، هو في سعادة مستمرة .
وبالمناسبة : لأنك مخلوق لمعرفة الله ، كلامي دقيق جداً ، فأنت مصمم لا نهائي فأي هدف نهائي محدود تختاره تشقى به بعد بلوغه ، وكلامي دقيق جداً ، اجلس مع واحد غني كبير تجده بالتعبير عامي بيقرف ويقرف ، ليش ؟ أكل ، شرب ، سافر ، ما خلا شيء عليه ، هذه الأشياء كلها لا تعني عنده شيئاً .
هذا جسر الأول باسطنبول ، من جسرين ، الجسر الأول من تصميم مصمم مهندس ياباني والثاني من تصميم مهندس تركي ، الأول عند افتتاح هذا الجسر ، رئيس الجمهور ، وقص الشريط الحريري ، المهندس الياباني الذي صمم الجسر ألقى بنفسه من البسفور ، ونزل ميتاً ، فلما ذهبوا إلى غرفته بالشيراتون وجدوا ورقة كتب عليها : ذقت كل شيء بالحياة فلم أجد له طعماً أردت أن أذوق طعم الموت .

أقسم لكم لله الحياة من دون إيمان مملة ، لو معك مئة مليون ، ما هي المئة مليون ؟ فيك تلبس ثلاث بدلات فوق بعضهم ؟ بدلة واحدة ، تنام على سرير واحد ، تأكل وجبة واحدة ، الدنيا لها والسقف منخفض جداً .

(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه ، مُعافى في جَسَدِهِ ، عندهُ قوتُ يومِه ، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))

[أخرجه الترمذي عن: عبيد الله بن محصن]

هذا سقف الدنيا ، الآخرة ما لها سقف ، قد تصل إلى أعلى عليين ، فلذلك :

 

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

إياك أن تنظر إليها بحجم أكبر من حجمها ، لذلك قالوا : الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر ومرة ثانية : الدنيا بالبدايات شيء كبير جداً ، في وسط العمر الدنيا شيء ، لكنها ليست بشيء ، في نهاية العمر الدنيا ليست بشيء .
هذا روتشد ، أحد أكبر أكبر أثرياء العالم ، كان يقرض الدولة ، طبعاً عنده مستودعات للأموال كبيرة جداً ، دخل مرة لأحد غرف مستودعه ، أغلق الباب خطأ ، صرخ ، رفع صوته ، ما في أمل ، ما أحد سمعه ، فمات جوعاً، جرح يده وكتب : أغنى أغنياء العالم يموت جوعاً .
فأنت لك هدف محدد ، البطولة ، والذكاء ، والتوفيق ، والنجاح أن تكتشف هذا الهدف وهو أن تعبد الله .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56 ]

والذي يعبد الله متوازن ، في عنده حالة رضا ، لأنه هو دخل بموضوع الآخرة .
مرة كنت بجلسة فيها أربعين شخص ، فقال لي واحد ، يبدو صاحب البيت عزم صديقه وهذا الصديق علماني ، وقد يكون ملحد ، هكذا حب يدلي بدلوه بالجلسة ، قال تقول أنه الإنسان المؤمن سعيد ، لا ليس سعيد ، قلت له : كيف ؟ قال : إذا في موجة غلاء يتحملها مثل الآخرين وغذا في موجة حر شديد ، يتحملها مثل الآخرين ، أين سعادته ؟ قلت له ، الله ألهمني مثل من تركيبي ، قلت له : واحد فقير جداً ، عنده ثمانية أولاد ، بيته بالأجرة ، عليه دعوى إخلاء ، دخله خمسة آلاف لا يكفوه ثمن خبز ، قال لي : وضع صعب جداً ، قلت له : هذا الشخص له عم يملك مئة مليون ، وما عنده أولاد ، ومات بحادث ، قلت له : خلال ثانية واحد انتقلت هذه الأموال لهذا الفقير لكن هذا الفقير في اجراءات ، وفي روتين بالتعبير المعاصر ، وفي براءات ذمة ، لحتى قبض أول مبلغ سنة ، لماذا في هذا العام أسعد إنسان ؟ ما أكل لقمة زائدة ، ما تمكن يشتري ثوب جديد لكن دخل بالوعد ، اسمع القرآن .

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سور القصص الآية : 61]


ما الذي يسعد المؤمن ؟ الله وعده بالجنة ، وهذا الوعد من إله ، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، الله وعدك بالجنة ، هذا الوعد الإلهي بالجنة يمتص كل متاعب الحياة ، لذلك الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر ، والدنيا جيفة ، وطلابها كلابها ، والدنيا دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له .
كطرفة ، عنا بالشام حي فقير جداً ، أفقر أحياء دمشق ، اسمه الحجر الأسود ، فسألو واحد وين ساكن ؟ قال لهم ، بلاك ستون كأنه أحد أحياء نيونيورك ، بلاك ستون ، يعني بدأ بحجم أكبر من حجمه ، في أشخاص عندهم هذه القدرة ، أن يبدو بحجم أكبر من حجمهم ، أو يتحدث عن رحلاته ، وعن سفرياته ، وعن دخله الكبير ، ينتزع إعجاب الآخرين ، وإذا في واحد بالجلسة فقير يتألم ألم شديد .
فلذلك الدنية جيفة طلابها كلابها ، والدنيا دار من لا دار ، ولها يسعى من لا عقل له والغرور كما ذكرت قبل قليل ، أن ترى الشيء أكبر من حجمه ، ولكن الحقيقة تنكشف عند الموت :

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

[ سور ق الآية : 22]


فرعون الذي قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

حينما أدركه الغرق ، قال :

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

هذا الإيمان الذي حصل بعد فوات الأوان ، والآية تقول :

﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴾

[ سور الأنعام الآية : 158]

فالبطولة ونحن أحياء ، والبطولة والقلب ينبض .

يعني بصراحة كنت مرة بجدة رأيت بناء على البحر اثنا عشر طابق له قصة ، جدة توسعت ، توسعت باتجاه الشمال الجنوب فقطر جده تسعين كيلو متر ، قطر جده الطولي شمال جنوب تسعين كيلو متر ، يبدو لما توسعت اقتربت من أرض يملكها ، أعرابي بدوي ، فلما اقتربت جده من أرضه ، ازدادت سعرها كثيراً ، فباع هذه الأرض الى مكتب عقاري خبيث جداً ، المكتب اشتراها بربع القيمة ، ضحكوا عليه ، فهذا المكتب عمر بناية اثنا عشر طابق رأيتها بأم عيني أصحاب هذا البناء ثلاث شركاء ، أول شريك وقع من أعلى الطابق الى الأرض فنزل ميتاً ، والثاني دعس ، قام انتبه الثالث فهم القصة ، أنسان بسيط أشتروا منه الأرض بربع قيمتها وعمروا بناية فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر حتى عثر عليه ، أعطاه ثلاثة أمثال حصته ، هو شريك له الثلث ، أعطاه ثلاث أمثال ، قال له هذا البدوي : ترى أنت لحقت حالك .
ويا أخوانا ؛ ما دام القلب ينبض بتلحق حالك ، ومادام عم يشتغل القلب بتلحق حالك بس يقف انتهى كل شيء ، يعني كل طموحاتك ، وكل مكانتك ، وكل هيمنتك ، وكل وكل وكل منوطة بضربات القلب ، سكتة قلبية انتهى كل شيء ، الأموال كلها ليست لك انتقلت إلى غيرك فالبطولة أن نؤمن قبل فوات الأوان .