الدرس : 026 - الأبوة .

2014-09-25

اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

الأبوة :

أيها الأخوة الكرام
الآيات التي قرأت في الصلاة :

﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

[ سورة البلد الآية :1 ـ 4 ]

أقف عند كلمة :

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾

أي أقف عند مصطلح الأبوة ، نظام الأبوة والبنوة ، هذا من آيات الله الدالة على عظمته أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا أن هناك جهة غنية عنك ، قديرة على كل شيء ، لكن يفرحها أن تكون سعيدة .

 

التوبة :

(( لله أفرح بتوبة عبد من الضال الواجد ، والظمآن الوارد ، والعقيم الوالد ))


وحالات ثلاثة دقيقة جداً :
ظمآن على وشك الموت عطشاً ، ثم رأى النبعة ، فشرب حتى ارتوى .
أو العقيم اليائس من الإنجاب ، ثم حملت زوجته .
أو الضال شيء ثمين جداً ضيعه ثم وجده .

(( لله أفرح بتوبة عبد من الضال الواجد ، والظمآن الوارد ، والعقيم الوالد ))

إذاً حينما تصطلح مع الله ، فالله يفرح بها هو غني عنك ، لذلك :

(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

حقيقة الإنسان :

الإنسان في هذه الدنيا وجوده موقت ، ما من تعريف جامع مانع قاطع دقيق كتعريف الإنسان :
الإنسان بضعة ايام ، كلما انقضى يوم ، انقضى بضع منه .

يعني أنت زمن ، ما دام التعريف الدقيق الجامع المانع ، أنت بضع أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك ، إذاً أنت زمن ولأنك زمن ، أثمن شيء تملكه هو الزمن ، بل رأس مالك الوحيد هو الزمن ، الآن هذا الزمن الذي هو أنت أو الذي هو رأس مالك ، أو أنه هو أثمن شيء تملكه ، هذا ينفق بطريقتين ، إما أن تنفقه استهلاكاً ، وإما أن تنفقه استثماراً ، والفرق كبير جداً ، أن تنفقه استهلاكاً كما يفعل معظم أهل الأرض ، نستيقظ ، نأكل ، نتوجه إلى أعمالنا ، نعود في وقت الظهيرة ، نأكل ، ننام قيلولة ونستيقظ ، ونسهر ، ثم ننام ، وهكذا ، ثم يفاجئ الإنسان بوخزة في قلبه ، هذا اسمه بحياة الإنسان بوابة الخروج ، كيف أنك في المطار تبحث عن بوابة ، كذلك كل إنسان له بوابة خروج ، هذا يخرج بموت طبيعي ، هذا يخرج من قلبه ، هذا من ورم خبيث ، هذا من حادث سير ، بوابة خروج
فالبطولة أن تعيش هذه البوابة ، أن تعيش مفارقة الدنيا ، أن تعيش أن تنتقل من بيت ، غرف استقبال ، غرف طعام ، غرف جلوس ، زوجة بنات ، أصهار ، كل شيء فيه البيت ، مركبة ، تسهر ، تسمر ، تسافر ، تسوح في بلاد الله ، وبين أن يجعل في قبر تحت الأرض .
لي قريبة في عمان توفيت ، من واجب القرابة أن أشيع الجنازة ، القبر عميق ، تقريباً في متر وسبعين سانتي ، وضعت في أسفل القبر ، وفي جدارين قصيرين ، وضعت خمس بلاطات ثم أهيل التراب وهو بكمية كبيرة جداً ، أعرف بيتها الفخم ، ودخلها الكبير ، وحولها البنات والأصهار ، هنا النهاية .
من هو الذكي ؟ الذي يعيش النهاية ، يستطيع واحد من الأخوة الحاضرين يقول أنا لا أموت ؟ أو يستطيع واحد منا جميعاً وأنا معكم أن يستيقظ كل يوم كاليوم السابق على طول ؟ مستحيل في بوابة خروج ، في طارئ صحي ، هو بوابة الخروج ، من هو الذكي ؟ هو العاقل ، من هو الموفق ، من هو السعيد ؟ الذي يدخل هذه الحالة بحساباته ، أنا أقول لكم هذه الكلمة ، وأنا واثق من صحتها ، من هو الغبي ، الأحمق ، الجاهل ؟ الذي لا يدخل الله بحساباته تجده قوي جداً ، مهما قوي الإنسان .
فرانكو حكم الأندلس أو اسبانيا 45 عام ، مدة طويلة جداً ، 45 عام ، ثم مات .
كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنازة فاعلم أنك بعدها محمول

(( واعلوا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ))


نحن عندنا في الشام في نعوات ، تطبع على الجدران ، سألت أحد موظفي دفن الموتى قال لي : في تقريباً مئة وفاة يومياً ، بدمشق ، قال لي : خمسين بالمئة لهم نعوات ، فتمشي أنت في شوارع دمشق عميد أسرتهم ، هذا العميد الركن ، مثلاً ، هذا الطبيب ، هذا المهندس ، بلمحة واحدة إنسان حي يرزق له مكانته ، له هيمنته ، له حجمه المالي ، حجمه الإداري ، حجمه من حيث الشهرة فجأة جثة هامدة ، أين العقل ؟ أن تعد لهذه العدة .
عندنا كان أستاذ في علم نفس من أحد خمس علماء بالعالم ، بدمشق في الجامعة ، في عنا كتاب اسمه علم النفس التربوي ، أهم كتاب بالسنة كلها دبلوم في التربية ، مرة وصلنا إلى بحث دقيق ، في بحث للذكاء بالكتاب ثمانون صفحة ، فقال هذه الكلمة ، قال : أتحبون أن ألخص لكم هذا البحث كله ثمانون صفحة في كلمة واحدة ؟ تفضل ، قال : الذكاء هو التكيف .

قمة الذكاء التكيف ، أن تتكيف مع الموت ، في قبر ، عندك ستة بنات صبايا ، أربع شباب ، ضيوف ، سهرات ، ولائم ، زيارات ، سمر ، سهر ، سفر ، قبر ، وهذه القبور أمامنا كلنا ينتقل من بيت 450 متر إلى متر بسبعين ، أو مترين بسبعين فقط ، يجلس هنا .
فأنا أرى قمة الذكاء ، أن تعد لهذه الساعة التي لا بد منها ، يعني كلمة بيني وبينكم إذا واحد تجاوز الأربعين هل بقي له من عمره بقدر ما مضى ؟ أغلب الظن ، لا ، فوق الأربعين ستين ، عشرين ، نصف عمره ، ممكن خمسة وستين ، سبعين ما شاء الله سبعين ؟ ثمانين ؟ ما شاء الله ، عمر مديد ، هذا الإنسان بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، صدقوا ولا أبالغ قمة الذكاء ، والفهم ، والعقل ، والتوفيق ، والنجاح أن تعد لهذه الساعة .

الإنسان حينما يولد دققوا كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده ، أين بطولتك ؟ الموقف الآخر كل من حولك يبكي على فراقك ، فبطولتك ، وذكائك ، وتوفيقك أن تضحك وحدك ، في البداية كل من حولك يضحك إلا أنت تبكي وحدك ، في النهاية كل من حولك يبكي فالبطولة أن تضحك وحدك ، لذلك في بعض الآيات :

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي ﴾

[ سورة يس الآية :26 ]

فالإنسان إذا أدخل هذا الحدث الخطير ، لذلك معظم الناس يعيش واقعه وماضيه ، دقق أنا مقيم في عمان ، درست في الشام يقول لك ماشي ، يعيش واقعه وماضيه ، لكن ما في بالألف اواحد يعيش مستقبله ، هلق أنا 65 مثلاً ، 74 أديش بدي عيش يعني 80 ، 85 ؟ يلي بقى أقل مما مضى ، فإذا مضى الذي مضى كالملح البصر ، والذي بقى يمضي كالمح البصر ، فأنا أقول : الذكاء ، العقل ، التوفيق ، النجاح ، الفلاح يقتضي أن تدخل هذه الساعة في حساباتك مغادرة الدنيا
لا يقدر الواحد أن ينكر حدث الموت بيكون أحمق بدو مستشفى مجانين ، لكن نتفاوت لا في تصديق الموت أو عدم تصديقه ، لكن نتفاوت في الاستعداد له بالاستعداد والاستعداد ضمن طاقتك .

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[ سورة البقرة الآية :286 ]

يستعد للموت بالاستقامة ، وأنت مبرمج ، مفطور ، مجبول ، كلها معاني واحدة على طاعة الله ، لما تطيعه ترتاح ، أنت لك فطرة ، هذه الفطرة مبرمجة على الطاعة ، لما تطيعه تجد ذاتك تصطلح مع فطرتك ، أحد أسباب سعادة الإنسان حينما يتوب إلى الله اصطلح مع فطرته أنت مبرمج على طاعة الله ، فإذا أطعته ، يعني كل شيء أمرك الله فيه برمجك عليه بالأصل البرمجة ، هذا مصطلح حديث لكن دقيق جداً ، أو بتعبير قرآني :

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس الآية : 7 ]


سواك أن تخاف من الموت ، سواك أنك إذا تبت إلى الله سعدت ، أقسم لكم بالله يمر على المؤمن حينما يصطلح مع الله ساعة لا يجد أن في الأرض من هو أسعد منه .
يعني مرة أحد إخوانا الكرام ذهب إلى أداء فريضة الحج ، لما رجع زهرته مهنئاً ، قال لي : والله الذي لا إله إلا هو ليس عل وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني .
فلازم أن تقول هذا الكلام ، أنت عم تتعامل مع الخالق ، مع الإله ، مع الرب ، مع القوي ، مع الغني ، مع الرحيم ، مع الجليل ، والله في سعادة للمؤمن أتحدى أن يستطيع أي إنسان آخر غبر مؤمن أن يصل إلى واحد بالألف منها ، أنت تتحرك وتشعر أن الله معك ، الله يحبك وطاعته سهلة مو صعبة ، ما كلفك قال لك : تتزوج ، أي شهوة أودعها فيك لها قناة نظيفة .
مرة واحد من رفاق المدرسة يبدو له جاهلية بشعة جداً في علاقته مع النساء يعني ، ثم تزوج وتاب إلى الله ، قال لي : والله الساعة مع الزوجة أجمل وأمتع من مليون ساعة مع غير الزوجة ، حلال هي ، كل الناس لما يتزوجوا يوم العرس يطلقون أبواق سياراتهم ، ما بيستحوا شرع هذا لأنه ، يعني شوف لما يخطب واحد فتاة ، كل ما زار بيت عمه في عشاء ، وفي احتفال ، وفي تكريم ، هذا الحلال ، الحلال مريح ، الحلال تحلو به النفس .

فأنا أقول لكم كلمة دقيقة جداً : ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها ، تتزوج ، وعندك أولاد ، وعندك بنات ، وعندك شباب ، ولك مكانتك الاجتماعية ، تسافر وترجع ، كله مسموح وفق منهج الله ، يعني ما في حرمان الدين ، والدليل القطعي .

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص الآية : 50 ]

في عنا بالفقه أو بعلم الأصول معنى مخالف المعنى العكسي .

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

طيب ، الذي يتبع هواه ، هواه : شهوته يعني ، وفه إلى الله لا شيء عليه ، اشتهيت المال الله أودع فينا حب المال اشتغل واكساب مال حلال واشترِ أنفس الأشياء ، ما في حرمان اشتهيت المرأة تزوجها ، ما في شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها فأرجوا الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الطاعة لله عز وجل .

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 71]

كنت أضرب مثل أنه طفل عقب عيد الأضحى المبارك ، زار البيت خاله قال له : أنا معي مبلغ عظيم ، هذا الطفل الذي عمره شي سبع ثماني سنوات وقال : معه مبلغ عظيم كم تقدره ؟ يعني مئة دينار أعلى رقم هذا ، وإذا قال أحد كبار موظفي البنتاغون أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً كلفهم ثلاثة مئة مليار دولار ، كلمة عظيم من مسؤول البنتاغون يعني ثلاثة مئة مليار دولار ، وإذا قال ملك الملوك خالق الأكوان :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء الآية : 113]

واحد عرف الله عز وجل سهلة ؟ قضية سهلة يعني ؟ فرق كبير كتير ، يعني أحياناً إنسان ، الله قال :

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 21]

يعني بتلاقي إنسان يعمل بائع متجول على العرباية عنده عم يبيع خضرة ، هي كل حياته ، هذا عايش من بائع متجول يبيع خضرة أو فواكه ، لكن في تجارة في شركات تجارية له فروع في كل دول العالم ، ميتسوبيشي سمعت عنها تصنع من الإبرة إلى ناقلة النفط العملاقة ، هي شركة ، وبائع الفواكه والخضار كمان تاجر ، شوف المستوى هذا والمستوى الثاني ، فالدنيا دقيقة جداً ، فيها تفاوت كبير .

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾


يعني معلم ابتدائي دخل قليل جداً ، عنده خمسة وخمسين طالب وجهد كبير ، وست ساعات تدريس كل يوم ، يأتي واحد خبير يكون دخله مئة ألف دينار بس بوقع ، يفحص جهاز انتهى ، أدى وظيفته ، هذا دارس طبعاً واصل لمستويات عالية جداً بالخبرة ، فيشتغل شغل قليل بدخل كبير ، فالإنسان بطولته أن يحسن وأن يختار عملاً يسعد به في الدنيا والآخرة .
فلذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم , وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم , وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً ويضل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل .

 

والحمد لله رب العالمين
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، وأمناء دعوته ، وقادة ألويته وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارضَ عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم .