الدرس : 019 - العالم الآن سطح مكتب .

2014-09-18

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

العالم الآن سطح مكتب :

أيها الأخوة الكرام ؛ بعد أن كان العالم خمس قارات ، ثم صار قارة واحدة ، ثم بلداً واحداً ثم مدينةً واحدة ، ثم قرية واحدة ، ثم بيتاً واحدة ، ثم غرفةً واحدة ، ثم سطح مكتب .
الآن العالم سطح مكتب .

يعني أي شيء يقع بضغطة زر واحدة ترى هذا الشيء ، في تواصل بين أهل الأرض عجيب ، هذا التواصل ، من حكمة الله عز وجل جعل النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ، لأنه علم هذا التواصل .
كنت في بلداً في أستراليا اسمها مالبورد آخر مدينة في الأرض جنوباً ، سدني تقع في الثلث الثاني من أستراليا ، مالبورد في الجنوب ما بعدها إلا القطب الجنوبي ، ومع ذلك مساجد ودعوة ، و إذاعة إسلامية .
النبي الكريم من تنبؤاته الدالة على نبوته أنه قال :

(( يبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ))

[ أخرجه الطبراني عن تميم الداري ]

فتنبأ أن هذا الإسلام سوف يعم الأرض ، الآن بعد أن صار العالم سطح مكتب ، فأي شيء يقع في أي مكان في الأرض ، لا تسمع به بل تراه بعينك على الشاشة فوراً ، إذاً البطولة اليوم ليس أن تطلع على الحدث هذا قاسم مشترك بين كل الناس ، ولكن البطولة في فهم الحدث الاطلاع على الحدث متاح لكل البشر ، لكن البطولة أن تفهم هذا الحدث فهماً صحيحاً ، والتفاوت في الفهم يعني مثل بسيط ليؤكد هذه الحقيقة :

بلد شرق أوسطي في السبعينات وقعت فيه حرب أهلية ، الذين ماتوا في هذا الحرب يزيدون عن ثلاثمئة ألف ، هناك تفسير غربي لما حدث هذا البلد نمى اقتصادياً نمواً غريباً ، حتى نافس المراكز الاقتصادية في الغرب ، فالغرب أراد أن يسحقه ، هذا تفسير غربي ، في تفسير طائفي هناك صراع قديم بين طائفتين في هذا البلد ، ومن ثمار هذا الصراع هذه الحرب الأهلية الذي دامت تقريباً خمسة عشرة عاماً ، وانتهت بثلاثمئة ألف قتيل ، في تفسير عربي ، ساحة صراع عربية كل جهة لها مليشيا بالتعبير المعاصر ، تنافس جهة أخرى ، إذاً في تفسير غربي ، في تفسير عربي ، وسامحوني بهذه الكلمة في تفسير نسواني ، قال حكمتها عين ، وفي تفسير قرآني ، فالبطولة أن تعتمد تفسيراً قرآنياً :

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النحل الآية:112 ]

يقالبها هذه الآية :

﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْف ﴾

[ سورة قريش الآية :4 ]

الإنسان مبتلى .

أخوانا الكرام ؛ هذه الحقيقة الدقيقة ، أن الإنسان مبتلى في هذه الدنيا ، ولعل هذا الكلام يكمل ما قلته البارحة .

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية :30 ]


يعني علة وجودنا في الدنيا الابتلاء ، ولو كنت في أعلى درجات الإيمان إنك مبتلى ممتحن فيما أعطيت ، وممتحن فيما زوي عنك ، ممتحن مرتين مرة امتحاناً إيجابياً فيما أعطيت أعطيت المال أنت ممتحن في هذا المال ، أعطيت الصحة ، ممتحن في هذه الصحة أعطيت الوسامة ممتحن بهذه الوسامة ، أعطيت الذكاء ممتحن بهذا الذكاء ، أعطيت أهلاً وأولاداً ممتحن بالأهل والأولاد ، أعطيت مركزاً مرموقاً ممتحن بهذا المركز المروق ، أعتقد يقيناً أن أي شيء في حياتك ، سلبياً كان أم إيجابياً أنت ممتحن فيه ، لذلك الدعاء النبوي :

(( اللهم ما رزقتنا مما نحب ، فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب ))


ما رزقتنا مما نحب ، إنسان يحب المال ، يحب المال الحلال فرزقه الله هذا المال فالدعاء أن يكون هذا المال أداةً للقرب من الله ، ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب وما زويت عنا ما نحب ، لم تكن الزوجة كما تتمنى ، هذا امتحان أيضاً ، فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
أيها الأخوة الكرام ؛ في بعض الأحاديث النوية الشريفة ، عن سعيد بن أنس رضي الله عنه ، قال :

(( بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال له عمر ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما يا رب خذ لي مظلمتي من أخي فقال الله تبارك وتعالى: " للطالب فكيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء قال يا رب فليحمل من أوزاري قال وفاضت عينا رسول الله بالبكاء ثم قال إن ذاك اليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم ))

[ أخرجه الحاكم عن أنس بن مالك ]

يعني في بعض الأثار النبوية : أن الأم ترى ابنها يوم القيامة ، وهي في ضائقه شديدة تقول يا بني ، جعلت لك صدري وبطني وعاءاً ، وصدري سقاءاً ، فهل من حسنة يا بني ، يعود علي خيرها اليوم ؟ قال : يا أمي إني أشكو مما أنت منه تشكين .
لذلك هذا اليوم العصيب قد لا يستطيع الإنسان أن يتحمل عن الآخر أوزاه .

(( إن ذاك اليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم فقال الله تعالى للطالب أرفع بصرك فأنظر في الجنان فرفع رأسه فقال يا رب أرى مدائن من ذهب وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق هذا أو لأي شهيد هذا قال عليه الصلاة والسلام هذا لمن أعطى الثمن قال يا رب ومن يملك ذلك قال أنت تملكه قال بماذا قال بعفوك عن أخيك قال يا رب فإني قد عفوت عنه قال الله عز وجل : فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة ، لذلك فقال رسول الله عند ذلك اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله تعالى يصلح بين المسلمين ))

[ أخرجه الحاكم عن أنس بن مالك ]

لذلك :

(( اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ))


المعنى الأول : أصلح ما بينك وبين الله .
والمعنى الثاني : أصلح ما بينك وبين من حولك .
الزوجة حولك ، وأهل الزوجة حولك .
أنا كنت أقول دائماً : لك أب أنجبك ، ولك أب زوجك ، هذا عمك ، يعني في أصهار يتفننوا في الإساءة إلى عمهم ، لك أب أنجبك ، ولك أب زوجك ، ولك أب دلك على الله ، ثلاثة آباء في ، أب أنجبك ، وأب زوجك ، وأب دلك على الله .

(( قال : اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله تعالى يصلح بين المسلمين يوم القيامة ))


أيها الأخوة الكرام ؛ فالبطولة أنت لك أقارب ، لك أهل ، لك أصهار ، لك أنسباء ، لك أبناء ، لك بنات ، لك أزواج بناتك ، ولك زوجات أولادك ، هذا الكيان الأسري الواسع كن أنت عنصر فعال ، ولا تكن عنصر سلبي ، مالي علاقة ، يعني أقول لكم كلمة شوي مؤلمة : انسحاب أهل السنة من الشأن العام دفعوا ثمنه ، والثمن باهظ ، يسطفلوا ، مالنا علاقة ، ما دخلنا ، من أخذ أمي عمي ، قاللتها الأغلبية ، فإذا بها تذبح من الوريد للوريد
فانسحاب الإنسان من الشأن العام ذنب كبير ، فهذه موعظة وخبرة استقيناها من الأحداث الأليمة التي تجري في العالم العربي ، والإمام جزاه الله خيراً دعا لهؤلاء جميعاً ، في المشرق والمغرب ، ونحن في محنة كبيرة جداً وهذه المحنة طالت أقطار عديدة ، مصر ، وليبيا ، والشام ، واليمن ، والعراق ، دول تعاني ما تعاني فأرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه المنحن منح ، والذي يسعدني هذه المقولة :
كل محنة بعدها منحة من الله ، وكل شِدة بعدها شَدة إلى الله
والحمد لله رب العالمين
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .