عطر السنة - الندوة : 10 - الظلم 2 - ردّ الظلم .

2014-09-10

مقدمة :

المذيع:
 أعزائي المشاهدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مرحباً بكم إلى حلقة جديدة من :"عطر السنة" مع أستاذنا الكريم المبارك الدكتور محمد راتب النابلسي حفظه الله .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم .
المذيع:
 أعزائي المشاهدين نريد أن نستجلي أكثر موضوع الظلم ، هذا الذي يجعل من حياتنا كابوساً متكرراً ، أستاذنا تحدثنا عن الظلم في حلقة سابقة ، نريد أن نتحدث قليلاً عن أنواع الظلم ، هناك ظلم الزوجات ، الأولاد ، الميراث ، بالمناسبة ذكرت لي مرة قصة هذا الذي الرجل الذي ترك ولدين وعنده ثروة طائلة ثم أعطى أحد أبنائه كل المال فقط ، ولعلك تذكرها.

 

وجوب العدل بين الأولاد :

الدكتور راتب :
 والله تقترب هذه الثروة من ألف مليون ، رقم مستحيل ، كان تاجر أراضي ، والأراضي ارتفعت مئتي ضعف ، عنده أراض كثيرة فلما باعها كون هذه الثروة الطائلة ، الشيء الذي لا يصدق أن ابنه جاء إلى مسجدي يشكو لي أباه ، كل هذه الأراضي باسم أحد الولدين والثاني لم يعطه شيئاً ، سائق سيارة ، شاحنة صغيرة ، هذا أقل عمل في بلدنا ، وأبوه يملك مبلغاً فلكياً ، صعب أن يتواجد بالألف شخص ، الابن الثاني استشار العلماء فأشاروا عليه أن يعطي أخاه حقه التام ، الذي حصل أنه أعطى أخاه نصف ما أعطاه أبوه بالتمام والكمال ، هذه بطولة، فالإنسان مهما تمتع بالحياة لابد من أن يفارقها .
المذيع:
 هذا الوالد أخطأ خطأً فادحاً بظلم أحد أولاده ولكن أحسن في تربية الابن الثاني .
الدكتور راتب :
 هل تصدق لو أن أباً قبّل ابنه قبلتين والثاني قبلة واحدة يكون قد ظلم ، إلى هذه الدرجة اعدلوا بين أولادكم ، النبي صلى الله عليه وسلم ما قبِل أن يشهد على أب منح ابنه حديقة ، قال : ألك ولد آخر ؟ قال : نعم ، قال : هل نحلته مثل ما نحلت هذا ؟ قال : لا، قال: أشهد غيري فإني لا أشهد على جور .
المذيع:
 وقد تحدثنا في حلقة سابقة أن العطاء المرتبط بالحاجة هذا بعيد عن الظلم ، إنما العطاء المرتبط بالهبة والهدية .
الدكتور راتب :
 أب عنده ابن طالب جامعي وعنده طفل في الابتدائي ، الجامعي يحتاج إلى سيارة ذهاب وإياب ، وعنده أشياء ثانية . أما هذا الطفل الصغير فيكفيه مبلغ معين .
المذيع:
 الله عز وجل أمرنا بترك البخل وجعل ترك البخل باباً من أبواب الفلاح ، هل البخل ظلم ؟

 

الشّح مرض قاتل للنفس :

الدكتور راتب :
 والله أنا اسمح لي بهذا المثل ، كيف إذا كان عندنا مرض قاتل - سرطان - مرض خبيث، هذا مرض عضال ، وإن صحّ أن للنفس أمراضاً قاتلة إنها الشح ، والدليل :

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر: 9]

 أمراض الجسم تنتهي عند الموت ، ورم خبيث مات انتهى المرض ، مهما كان المرض عضالاً ينتهي عند الموت ، الذي يؤلم أشدّ الألم أن أمراض النفس تبدأ بعد الموت وتحول بينها وبين جنة الله التي خلق الإنسان لأجلها ، القضية خطيرة جداً ، أمراض النفس خطيرة جداً ، أمراض الجسد خطيرة ولكنها تنتهي بالموت ، والموت نهاية كل حيّ ، أحياناً هذا المصباح إما أن نقطع عنه الكهرباء فينقطع أو نحطمه بمطرقة ، بالحالتين انتهت الإضاءة، واحدة بقطع التيار والثانية بتكسيره ، القتل هكذا ، القتل أن تزهق روح الإنسان .
المذيع:
 إن أشدّ ظلم في الأرض الظلم المترتب على الدماء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يزال أحدكم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً " .

 

أشدّ ظلم في الأرض الظلم المترتب على الدماء :

الدكتور راتب :
 يسوق المقتول قاتله يوم القيامة يقول : يا رب سله لم قتلني ؟ فيقول الله له : لم قتلته ؟ يقول : قتلته من أجل عز فلان ، ملمح دقيق في الحديث ، لا يوجد حرب ولا جهاد ولا فتح بلاد ، من أجل عز فلان ، فالإنسان حينما يقترف معصية كالقتل من أجل إنسان تأتي الآية الكريمة :

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾

[ سورة القصص : 8]

 المجموع كل واحد له سهم في هذا العمل سيحاسب :

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾

[ سورة القصص : 8]

المذيع:
 أستاذنا الحقيقة موضوع الظلم ربما يفرض علينا نحن المسلمون مسؤولية كبرى وهي ردّ الظلم ، إن كان ظلماً ، ظلم النفس بترك توحيد الله عز وجل ، ترك معرفة حق الله ، أو ترك تأدية حق الله عز وجل ، فلا بد من رد الظلم ، وهو واقع على المجتمعات ، ردّ الظلم وظيفة الأنبياء ، بماذا توجهون ؟

 

ردّ الظلم لأن العنف لا يلد إلا العنف :

الدكتور راتب :
 والله النقطة دقيقة ، النقطة فكرية ، الظلم ينطلق من تصور ، هذا التصور إن صح لم يعد هناك ظلم ، أنا حينما أرى أن لي ما ليس لغيري أو على غيري ما ليس عليّ ، فأنا في المنطلق ظالم ، في المنطلق النظري ظالم .
المذيع:
 قبل أن نفعل شيئاً .
الدكتور راتب :
 قبل أن أفعل شيئاً أنا حينما أتوهم - لست أرى بل أتوهم - أن لي ما ليس لغيري وأن على غيري ما ليس عليّ أنا ظالم ، كنت أقول مثلاً : لو أن امرأة تكلمت كلمة عن أم زوجها أقام الدنيا عليها ، وهو في اليوم الثاني أمضى سهرة بأكملها يسخر من أم زوجته ، هذا الإنسان في المقياس الإنساني عنصري ، لأنه يرى لنفسه ما ليس لغيره ، وعلى غيره ما ليس عليه ، اصعد إلى حق الفيتو في مجلس الأمن ، عنصري ، دولة تقول : لا ، التغى القرار ، قد يكون القرار إنسانياً ، القرار إغاثياً ، القرار مهماً جداً ، فما دام هناك عنصرية في الأرض الحروب لا تقف ، لأن العنف لا يلد إلا العنف ، هناك كتاب عنوانه : "معذبو الأرض" للكاتب فرانز فانون ، تقرؤه هو في ثمانمئة صفحة ، ملخصه واحد أن العنف لا يلد إلا العنف ، وأي قوي يتوهم أنه يحل هذه القضية بالعنف هو أحمق ، لأن هذا العنف يقابله عنف مقابل .
المذيع:
 أستاذنا هناك مسألة في غاية الأهمية ، مسألة مجاملة الظالمين ، الله عز وجل يقول في كتابه :

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾

[ سورة هود: 113]

 هناك ركون كبير جداً عند جبهة المثقفين أو الجبهة العريضة ، عند عدد كبير من العلماء والمثقفين والكتاب والقادة للظالمين ، بماذا تنصحهم ؟

 

من أعان ظالماً على ظلمه سلطه الله عليه :

الدكتور راتب :
 والله أنا أقول : من أعان ظالماً على ظلمه سلطه الله عليه ، شيء مخيف أنا حينما أقف مع الظالم لا بد من أنال من هذا الظالم ، من أن أعاقب من خلال هذا الظالم ، من أعان ظالماً على ظلمه سلطه الله عليه ، هذا معنى دقيق جداً ، و من أعان ظالماً جاء مكتوباً على جبيته يوم القيامة : آيس من رحمة الله ، الإعانة أحياناً بكلمة ، وأنا أقول : والإعانة بهزة رأس ، يوقع قراراً فيه ظلم ، وعنده صديقه ، قال : معي حق ؟ ما تكلم فلما هزّ رأسه موافقاً أصبح شريكه في الإثم .
المذيع:
 الرضا عن الظلم ظلم آخر ، ولذلك اشتد تحذير النبي صلى الله عليه وسلم عن حديث أعوان الظالمين من العذاب كما تفضلتم قبل قليل .
الدكتور راتب :

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾

[ سورة القصص : 8]

المذيع:
 أستاذنا هناك من يخطئ في رفع الظلم فيوقع ظلماً آخر ، كثيراً ما يؤدي رفع الظلم أو كثيراً ما يمارس الراغبون في رفع الظلم ظلماً آخر بماذا توجهون ؟

 

أيّ معالجة لمشكلة بأخرى حلّ خاطئ :

الدكتور راتب :
 هناك ندبة على هذا الخد لو قطعنا قطعة من لحم هذا الخد ووضعناها في هذه الندبة ، أي حلّ لمشكلة ينشئ مشكلة هو حل غلط ، الحل يجب أن يرمم ، أحياناً نعالج مشكلة بمشكلة .
المذيع:
 أستاذنا يجب على المسلم أن يرضى بالظلم ؟

 

رفض الظلم و عدم قبوله :

الدكتور راتب :
 لا .
المذيع:
 يجب أن يرفض الظلم ؟
الدكتور راتب :
 حينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :

(( من قتل دون مظلمته فهو شهيد ))

[أبو داود والترمذي من حديث سعيد بن زيد]

 نفهم الشهادة في الحروب ، في الفتوحات ، في الجهاد ، أما أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( من قتل دون مظلمته فهو شهيد ))

[أبو داود والترمذي من حديث سعيد بن زيد]

 معنى ذلك أنك إن وجدت قهراً واستبداداً وتسلطاً وانحرافاً عن منهج الله وقاومت هذا القوي ، وقتلك فأنت شهيد :

(( من قتل دون مظلمته فهو شهيد ))

[أبو داود والترمذي من حديث سعيد بن زيد]

المذيع:
 أستاذنا الكريم هناك من يشهد أن المطالبة بالحق ظلم ، المرأة التي تطالب بحقها أدت هذه المطالبة إلى طلاقها فيقال لها : ظلمت أبناءك ، أو مثلاً موظف يطالب بحقه فيفصل فيقال له : ظلمت أبناءك ، أو شعب يطالب بحقه في رغيف الخبز والكرامة فيقتل فيقال : الشعب ظلم نفسه ، ما توجيهكم بدقيقة ؟

 

اختيار الخير الأكبر و لو كان معه شيء من التضحية :

الدكتور راتب :
 والله أنا عندي جواب لسيدنا عمر ، قال: " ليس بخيركم من عرف الخير ، ولا من عرف الشر ، ولكن من عرف الشرين وفرق بينهما واختار أهونهما " هذه بطولة ، يوجد شران لابد من وقوع أحدهما ، أيهما أهون ؟ الشر الأقل ، ويوجد خيران أختار الأكبر ، والشر الأقل ، هذا موقف ، لأنه عندنا شر مطلق وخير مطلق ، هذان النوعان قليلان جداً في الحياة ، أما عندنا خير معه شيء من الشر ، و عندنا شر معه شيء من الخير ، فأنا حينما أضع ملعقة عسل في طبق كبير من السّم ما قيمة هذه الملعقة في هذا الطبق ؟ أما حينما أكتشف أن هناك خيراً كبيراً معه شيء من التضحية ، شيء من السلبيات فأقبله ، نحن خياراتنا الآن ليس بين شمس ساطعة وظلام دامس ، بين جو غائم ، هناك لون رمادي سيدي ، الأبيض الخير المطلق والأسود الشر المطلق وبينهما مليون لون رمادي ، فأنا مضطر ان أختار أهون الشرين وأكثر الخيرين .
المذيع:
 ولو أدت المطالبة إلى وقوع آثار سلبية ؟
الدكتور راتب :
 لا يوجد مانع .

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 أحسن الله إليكم أستاذنا ، أشكرك على هذا العطر الفواح ، وأنتم أعزائي المشاهدين أشكركم على حسن المتابعة ، ألقاكم في حلقة قادمة ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .