عطر السنة - الندوة : 06 - الرفق 2– ثقافة العنف .

2014-09-06

مقدمة :

المذيع:
أعزائي المشاهدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مرحباً بكم إلى حلقة جديدة من : "عطر السنة " نستنشق فيه عبير النبوة الفواح ، من فم أستاذنا الكريم الدكتور محمد راتب النابلسي ، مرحباً بك أستاذنا الكريم
أعزائي المشاهدين لا زلنا في موضوع الرفق ، وحتى يستقر موضوع الرفق في أذهاننا لا بد من أن نتحدث عن ثقافة الحزم وثقافة العنف التي أصبحت الآن لوناً مريراً من ألوان حياتنا الاجتماعية ، وهذا العنف المجتمعي الذي نراه في مجتمعاتنا ، في شوارعنا ومدننا ، الذي نسأل الله عز وجل أن يريحنا منه ، وأن يرد هذه الأمة إلى الرفق كما كانت أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، أستاذنا أرحب بك مرة ثانية .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم.
المذيع:

الحقيقة ثقافة العنف أصبحت ثقافة سائدة ، الآن مدخلات ما يسمونه الإعلان ، وما يسمونه الثقافة لم تعد تتحدث عن أخلاق الإنسانية الراقية ، قبل سنوات كنا نقرأ الأدب العالمي الذي يتحدث مثلاً عن رقي الإنسان ، أصبح الآن شبابنا يتعلمون كيف ينحازون إلى مبدأ القوة لا إلى مبدأ الحق ، ثم أصبحوا يقدسون ذواتهم ولا يقدسون مبادئهم ، الحقيقة ثقافة العنف تتداخل في أصول قلوبنا حتى نجد ذلك عند بعض المتدينين ، و قد أدت ثقافة العنف على ظهور العديد من الظواهر التي انتقدها العلماء بشدة ، وهي ثقافة العنف والتطرف وغيرها من المظاهر التي إن دلت على شيء تدل على غياب مفهوم الرفق في حياتنا ، كيف نتحدث ؟

 

ثقافة العنف :

الدكتور راتب :
الحقيقة أن في هذه الصفة السلبية عدوى
تصور في البيت الأب عنيف جداً على زوجته ، والزوجة تشتق منه هذا العنف ، عنيفة جداً على بناتها وعلى أولادها ، والابن الأكبر عنيف جداً على أخيه الأصغر ، والأصغر عنيف على القطة ، فما دام البيت في عنف العنف ينتشر ويتسع ويصل إلى كل المستويات ، لذلك ظاهرة العنف خطيرة جداً لأنها تنتقل من جهة إلى جهة ، قلنا : في البيت الواحد الأخ العنيف قد يسلك أخوه عنفاً مثله فينتقل هذا العنف من بيت إلى بيت ، والقوي العنيف يجعل كل من تحته من الموظفين عنيفين مثله ، فالعنف ينتقل، فلذلك حينما يأخذ الإنسان موقفاً أخلاقياً إنسانياً ، الموقف الإنساني الأخلاقي قد ينتقل إلى من هو دون الإنسان ؛ إلى أصدقائه ، إلى من حوله ، فكأن هناك شيئاً اسمه نمو ، العنف ينمو والرفق ينمو في المجتمع .
المذيع:
لذلك أستاذنا هناك أثر للنبي صلى الله عليه وسلم :

(( علموا ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف ))

[البيهقي عن أبي هريرة ]

طريق العنف طريق فاشل :

الدكتور راتب :
نعم لأن :

(( وإنما بعثت معلماً ))

[الحارث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]


أصل دعوته ، علة وجوده بين ظهراني أصحابه أنه معلم :

(( وإنما بعثت معلماً ))

[الحارث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

(( إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ حُسْنَ الأخلاقِ ))

[مالك عن بلاغ مالك ]

فأي دين يسلك طريق العنف لا ينجح .
المذيع:
الحقيقة هناك خلط بين اتجاهات ثلاثة ، الاتجاه الأول هو الرفق وهو الأصل ، والاتجاه الثاني الجد أو الحزم ، وهو اتجاه مكمل لاتجاه الرفق ، وهناك اتجاه منبوذ هو اتجاه العنف ، ولا شك أن تعريفات الناس في هذه المفاهيم تتفاوت ، فكيف نضع الحدود الفاصلة ما بين الرفق والحزم والجد ؟

الحدود الفاصلة بين الرفق والحزم :

الدكتور راتب :

الحقيقة أن الفضيلة كتعريف دقيق جداً وسط بين رذيلتين ، أي الإنفاق بتهور دون حساب رذيلة ، والبخل رذيلة ، والموقف الوسط :

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾

[ سورة الإسراء : 29]

إذاً الموقف المعتدل الوسطي :

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾

[ سورة البقرة: 143]

فكأن الفضيلة في أصلها في الأرض كلها وسط بين رذيلتين ، تطرف نحو اليمين ، تطرف نحو اليسار .
المذيع:
هل يمكن أن نفرق أستاذنا بين الحزم والعنف ؟

 

الفرق بين الحزم و العنف :

الدكتور راتب :
الحزم أن تبقى على علاقة طيبة مع من حولك ، قد تعاقبه وتبين له السبب ، الله عز وجل خالقنا وربنا وإلهنا حينما قال في بعض الآيات :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]


إله يعطي أمراً فقط ؟ أعطى الأمر مع التعليل ، فالمربي كأب ، كمدرس ، كمعلم ، كمدير ، كأي شخصية قيادية ، حينما يأمر يعطي التعليل ، وحينما ينهى يعطي التعليل ، أنت حينما تعطي التعليل في الأمر والنهي رفعت هذا المستمع إلى مستوى راق ، أشعرته بقيمته ، أقنعته بدل ان تقمعه ، أقنع ولا تقمع ، فالتعليل يشعر المخاطب بمكانته الإنسانية ، أنا أقول لأخوتنا الكرام في البيوت : الأب المربي حينما يمنع شيئاً في البيت يبين لأولاده التفسير الصحيح ، العلة التي نهى بها عن هذا الشيء ، الآثار الضارة الجسمانية والاجتماعية ، أنت حينما تعلل الأمر تأخذ بيد هذا الذي أمامك إلى مستوى راق ، بل إنك بهذه الطريقة تحترمه ، بل إنك بهذه الطريقة تؤكد إنسانيتك .
المذيع:
أستاذنا ما هي العوامل التي تساعدنا على التفريق ما بين الجد والحزم والعنف من جهة أخرى ؟

 

الحب يساعدنا على التفريق ما بين الجد والعنف :

الدكتور راتب :
والله أنا لعلي أجتهد وفق هذا السؤال أن الحب أصل في الاعتدال ، هذا الذي أمامك إن كنت لا تحبه هناك مشكلة كبيرة جداً ، فالإنسان إذا كان من حوله يحبه ، صفة المؤمن الحب
و الحب أساس علاقات المؤمن ، الله عز وجل خالقنا ومربينا ومسيرنا ، حياتنا بيده ، رزقنا بيده ، صحتنا بيده ، من حولنا بيده ، من فوقنا بيده ، من تحتنا بيده ، ومع كل ذلك ما أراد أن تكون العلاقة به علاقة إكراه ، قال تعالى :

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[سورة البقرة: 256]

أراد أن تكون علاقة حب قال تعالى :

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: 54 ]

لذلك قال بعض العلماء : إن المحبوبية أصل بالعلاقة مع الله

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

مع أنه إلهنا وخالقنا ، وكل أمورنا بيده ما أراد أن تكون علاقة إكراه ، علاقة حب ، فكأن هذا الدين أصله هو الحب .
المذيع:
أستاذنا هناك من يبرر عنفه بالطبيعة ، يقول : أنا طبيعتي كذلك ، أنا لا أستطيع أن أغير ذلك .

 

تناقض العنف مع موازين العدل :

الدكتور راتب :

والله بالحقيقة - وهذا كلام دقيق جداً - إنسان عندما يتوهم أن الله برمجه أو فطره على العنف ، هذا شيء يتناقض مع موازين العدل ، فإذا إنسان فطر على العنف ، فكان عنيفاً واستحق النار يوم القيامة ، وأودع فيها إلى أبد الآبدين ، الإنسان فطر فطرة سليمة ، الإنسان صفيحة بيضاء فأخطاؤه هو لذلك :

((.... فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[مسلم عن أبي ذر الغفاري]

البطولة أن تتهم نفسك أيها الإنسان .
المذيع:
أستاذنا حينما تفشل تجربة الرفق في علاقاتنا مع من نحب ، أو مع من هم تحتنا في المسؤوليات ، كيف نتصرف ؟

 

استخدام التخويف لا العنف في العلاقات مع من نحب :

الدكتور راتب :

بعضهم قال : ضع العصا بحيث يراها من في البيت ، استخدام العصا شيء وأن يراها الطفل شيء آخر ، أي الأب قوي ، يبدأ باللطف والمودة والإقناع والتكريم ، فإذا أراد الابن أن يشتط عن منهج الأب هناك عصا ، لذلك خوف بها ولا تستخدمها .
المذيع:
الحقيقة هناك علاقات الرفق العميقة في بعض المجتمعات التي نجحت في تأسيس منهجية الرفق ، ونحن ربما ما زلنا نتخبط ببعدنا عن ثقافتنا الإسلامية العميقة ، ما زلنا نضع الحدود والتي هي في حقيقتها إشكالات وليست حلولاً ، هناك منهجية عميقة للرفق في بعض المجتمعات التي سبقتنا في هذه الفضيلة ، هل لكم كلمة في هذا الاتجاه ؟

منهجية الرفق :

الدكتور راتب :

لو أن الإنسان في خده ندبة فذهب إلى طبيب جراح قلع من وجهه السليم قطعة وضعها هنا ، ماذا فعل ؟ خلق مشكلة ؟ نحن لا يوجد عندنا حل لمشكلة يخلق مشكلة ، هذه قاعدة مهمة ، الحل يجب ألا يخلق مشكلة ، فحينما أسلك طريق العنف لأعالج موقفاً سلبياً أنا أخلق في هذا الذي عاملته بالعنف موقفاً سلبياً آخر ، وهنا مشكلة كبيرة .

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
أسأل الله أن يرزقنا الرفق ، وأن يعطر حياتنا بعطر السنة ، جزاكم الله خير الجزاء أستاذنا الكريم ، وأنتم أعزائي المشاهدين لم يبق لنا إلا نشكركم جزيل الشكر على متابعتكم لنا، والشكر الجزيل باسمكم إلى أستاذنا محمد راتب النابلسي ، وجزاكم الله خيراً ، و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .