عطر السنة - الندوة : 05 - الرفق 1 - الجمع بين الرفق و الشّدة . .

2014-09-05

مقدمة :

المذيع:
  أعزائي المشاهدين ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مرحباً بكم إلى حلقة جديدة من : "عطر السنة" نستنشق فيه عبير النبوة الفواح من فم أستاذنا الكريم الدكتور محمد راتب النابلسي ، الحقيقة هذا عطر من عطر ، ونسأل الله تعالى أن يطيب حساتنا وأخلاقنا من عطر السنة ، حلقتنا لهذا اليوم ستكون حول موضوع من أهم الموضوعات التي نحتاجها في حياتنا الشخصية والأسرية ألا وهو الرفق ، أستاذنا مرحباً بكم مرة أخرى ، أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثقافة الرفق ، وأسس على ثقافة الرفق ، ودعا الناس والمسلمين إلى أن يترفقوا في حياتهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))

[ مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

 نريد أن نتحدث تحت مظلة هذا الحديث الكريم ، ونستفيد مما فيه من خيرات .

 

الرفق وسيلة راقية إيمانيّة و إنسانيّة :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، الحقيقة الإنسان متحرك في أثناء حركته قد يتصل بأناس لسبب ما ، وقد يستخدم أداة رفيقة لطيفة ميسرة ، وقد يستخدم أداة قاسية، الآن الحديث عن الوسيلة ، فالرفق وسيلة راقية ، وسيلة إيمانية ، وسيلة إنسانية ، وسيلة ترفع الإنسان إلى مستوى الكمال ، وفي وسيلة العنف ، العنف لا يلد إلا العنف ، أحد كبار الكتّاب الف كتاباً سماه معذبو الأرض ، الكتاب كله يؤكد أن العنف لا يلد إلا العنف ، فأي إنسان قوي توهم أن العنف وسيلة فعالة لتحقيق أهدافه فهو جاهل ومخطئ ، العنف لا يلد إلا العنف ، لذلك يرافق العنف الرفق ، فهذا الرفق أدائي ، تؤدي الحركة أو الهدف بطريقة إنسانية راقية ، بطريقة لا تؤذي مشاعر الآخر ، بطريقة لا تحجمه ، بطريقة لا تسفهه ، بطريقة لا تقصيه .

(( ... لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ... ))

[ مسلم عَنْ عَائِشَةَ]

المذيع:
 من أسماء الله الحسنى كما جاء في بعض الأحاديث :

(( إن اللَّه رفيق يُحبُّ الرَّفْق في الأمر كلَّه ))

[متفق عليه عن عائشة]

 الرفق وصف لمجموعة هامة من وسائل حياتنا ؛ المهارات ، الملكات ، أدوات التواصل الاجتماعي ، التعبير عن الذات ، التعبير عن النفس ، التعبير عن الأسرة ، عن المنشأ أو الأصل ، التعبير عن المجتمع ، الحقيقة أن الرفق يتداخل في كافة أفعال وردود أفعال الإنسان ، الحقيقة السؤال : كيف يستطيع المسلم أن ينسجم مع هذا الخلق النبوي ؟

 

كيفية انسجام المسلم مع الرفق :

الدكتور راتب :
 والله هناك إجابات كثيرة ، أحد هذه الإجابات أنت حينما تقرأ النص الذي فيه أمر وتنفذ هذا الأمر هذه استجابة معينة ، وحينما يتصل الإنسان بربه اتصالاً عميقاً لأمد طويل تسمو نفسه بهذا الاتصال ، عندئذ يكون رفيقاً من دون تعمد ، من دون عمل إرادي ، بنيته أصبحت كاملة لذلك قيل :

(( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه))

[ كنز العمال عن عمر]

 ارتقت نفسه من مستوى الالتزام بالأمر والنهي إلى مستوى الكمال ، أنا لا أصدق أن الإنسان كل حياته جهاد ، في مرحلة مديدة بحياته وصل إلى مستوى جيد مع الله ، يفعل الأعمال الطيبة بشفافية ، بلا تكلف ، بلا قصد ، بلا إرادة صلبة .
المذيع:
 هناك من يفهم أن الرفق شكل من أشكال الضعف ؟

 

الجمع بين الشّدة و اللين في كل المواقف :

الدكتور راتب :
 الحقيقة البطولة البطولة البطولة أن يكون الآخر محباً لك وخائفاً منك في وقت واحد ، دائماً يمكن أن تمسك العصا من أحد أطرافها ، القضية سهلة جداً ، لكن البطولة والذكاء أن تمسكها من الوسط بحيث هذا الذي أمامك قد يكون ابنك ، قد يكون طالباً في المدرسة ، قد يكون موظفاً عندك ، أن يحتار في أمره يحبك بقدر ما يخافك ، فإذا خافك فقط من دون حب الوضع كان سيئاً جداً في العلاقة ، وإذا أحبك وتساهل في تنفيذ أوامرك انتهى العمل ، فلا بد من أن يخافك بقدر ما يحبك ، وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى :

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن : 78]

 بقدر من تجلّه تحبه ، تجلّه لجلاله وعظمته ، وتحبه لإكرامه ، فالأب ، والأم ، والمعلم ، والمرشد ، ورئيس الدائرة ، وأي منصب قيادي في الأرض ، البطولة في هذا المنصب أن يجمع بين الشدة واللين ، رغباً ورهباً ، وصف الله الأنبياء أن دعوتهم أساسها الرغب والرهب، يخاف ويحب ، حب فقط لا يصلح ، خوف فقط لا يصلح .
المذيع:
 أستاذنا هناك الكثير الكثير من المسلمين من يجعل الرفق باباً مفتوحاً للتهرب من الالتزامات والقوانين وحقوق الآخرين ، ويطالب الآخرين أن يرفقوا به وهو يقصر في حقوقه ، يتأخر عن دوامه مثلاً ، يتأخر عن أداء واجباته ، وإذا بلغ أو حوسب يقول : ارفقوا بي ، الرفق خلق الأنبياء ، هناك كثير من الناس من يعتقد أن الرفق في الإدارة ضعف ، الحزم هو المطلوب ، هل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق أم بالحزم ؟ لا شك أن خلقاً واحداً لا يكفي لإدارة الحياة ، فلا بد من تكامل الأخلاق لتؤدي دورها بفعالية .

 

تكامل الأخلاق لتؤدي دورها بفعالية :

الدكتور راتب :
 الحقيقة دقيقة جداً الحياة منوعة ، فلا بد من أن تأخذ موقفاً موحداً معيناً لقضية معينة ، أما التعميم فغلط ، أنا مرة سمعت من أستاذ جامعي كبير أثناء مناقشة دكتواره حضرتها قال له : التعميم من العمى . أنا لا أعمم التعميم جهل ، التعميم عمى ، هناك موقف يحتاج قوة، موقف يحتاج إلى لين ، هناك إنسان مفتاحه اللين ، إنسان مفتاحه العنف ، هناك إنسان لا يهتم لكل ما يقال لكن عمله سيء ولا يرتدع إلا عندما يرى قوة تخيفه ، فالبطولة أن تأخذ الموقف المناسب في الوقت المناسب .
المذيع:
 لا بد أن يكون الرفق هو الغالب لأن الله عز وجل قال عن النبي صلى الله عليه وسلم :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

قانون الالتفاف و الانفضاض :

الدكتور راتب :
 والله هذه الآية يا سيدي لها عندي مكانة كبيرة ، أنا أفسرها كما يلي : بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم ، فلما كنت ليناً لهم ، فلما كنت رفيقاً بهم ، رحيماً بهم ، انعكست رحمتك ليناً ، فالتف الناس حولك ، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة ، ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة ، إذاً ينفض من حولك ، هذا قانون أنا أسميه : قانون الالتفاف و الانفضاض ، يحتاجه الأب والأم والمعلم والمدرس والأستاذ وأي رئيس دائرة وأي إنسان يحتل منصباً قيادياً مهما علا ، يجب أن يجمع بين الشدة و الرفق في وقت واحد ، هذه تحتاج إلى مهارة ، ويعبر عنها أحياناً أن تمسك العصا من الوسط ، يجب أن يحتار :

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

[ سورة الرحمن : 78]

 تجلّه لعظمته ، وتحبه لإكرامه .

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
 لم يبق من وقت هذه الحلقة إلا أن نشكرك على هذا الكلام اللطيف الجميل ، وأنتم أعزائي المشاهدين كذلك أشكركم على حسن المتابعة ، ألقاكم في حلقة قادمة ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .