أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 027 أ - اسم الله السبوح 1

2007-08-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: ( السُّبُّوح ):

 أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم ( السَّبُّوح ).

1 ـ ورودُ اسم ( السُّبُّوح ) في السنة المطهرة:

 فقد ورد هذا الاسم في السنة المطهرة، ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ ))

[ رواه مسلم وأبو داود، والنسائي ]

2 ـ معنى ( السُّبُّوح ):

 ( السُّبُّوح ) من التسبيح، والتسبيح هو التعظيم والتنزيه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً

 ولا بد من وقفة متأنية إذ أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )

 الأمر ينصب لا على الذكر، بل على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، يقول الله عز وجل عن المنافقين:

﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

( سورة النساء )

 إذا قال الله عز وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

 فالأمر ينصب على كلمة ( كثيرًا )، قياساً على هذه القاعدة، الله عز وجل يصف الذي لا يصلي في الدنيا:

 

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة )

 تحت عظيم خط، بمعنى أن إبليس كان يؤمن بالله، الدليل:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية: 82 )

 آمن به رباً، وآمن به عزيزاً.

﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

 آمن باليوم الآخر، قال:

﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾

( سورة الأعراف )

  آمن به خالقاً، فإذا قال الله عز وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

  فإن الأمر يتجه إلى الذكر الكثير، لذلك قالوا: برئ من النفاق مَن أكثر مِن ذكر الله، وبرئ مِن الشح مَن أدى زكاة ماله، وبرئ مِن الكِبر مَن حمل حاجته بيده.
  إذاً: إذا قال الله عز وجل

 

 

﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

 

 

لابد من التسبيح الحقيقي:

 فالمطلوب هو الذكر الكثير، وإذا أمرنا أن نسبح الله فالمقصود التعظيم والتنزيه.
  معنى: ( سُبُّوح ): أي هو الذي يُسبَّح ويُقدس، و( السُّبُّوح ) على وزن فعلول، أو على وزن فعول، مبالغة مِن سبّح يسبح تسبيحاً، أي أنه مهما سبحته فلا يمكن أن تصل إلى ما ينبغي، ومهما قدسته فلا يمكن أن تصل إلى ما ينبغي، لأن ( السُبُّوح ) من صيغ المبالغة، وإذا وردت أسماء الله الحسنى بصيغة المبالغة فتعني الكم والنوع، فلو سبّحته كلُّ الخلائق فلا يكفي، لأن التسبيح كما ينبغي، ولو سبحه أعظم الخلائق، النبي عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم، وهو في سدرة المنتهى تسبيحه ليس كما يمكن أن يكون مع الله عز وجل، لأنه لا يعرف الله إلا الله.
 أيها الإخوة، إذا قال واحد منا: فلان سبح في كلامه، أي أكثر من تسبيح الله، لكن في هذه اللغة العظيمة التي اختارها الله لغة لكلامه.

﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾

( سورة الشعراء )

  بكلمة يمكن أن تعبر عن جملة، هذا اسمه النحت، فإذا قلت: سبحان الله، يقال: فلان سبحل، فإذا قلت: أدام الله عزك، يقال: فلان دمعز، فإذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله يقال: فلان حوقل، فإذا قلت: لا إله إلا الله يقال: فلان هلّل، فإذا قلت: الله أكبر يقال: فلان كبّر، هذا من دقائق اللغة العربية.
 أيها الإخوة، التسبيح، التعظيم، تعظيم الله في كل كمالاته، هو غني عن تعظيمنا، لكننا إذا عظمناه سعدنا بقربه في الدنيا والآخرة.

﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾

( سورة الزمر الآية: 7 )

 لكن إذا سبحناه فمن أجلنا، من أجل سعادتنا، من أجل سرورنا، من أجل طمأنينتنا، من أجل أن نكون موفَّقين، فلذلك:

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾

( سورة الأعلى )

 هذا أمر إلهي بالتسبيح، التسبيح كالتعظيم، فحينما تسبح الله فأنت في الأفق الأعلى، أنت في عظائم الأمور، لا في سفاسفها.
 قد يشتغل الإنسان بالسفاسف، متى يندم ؟ حينما يرى أنه ضيع حياته في سفاسف الأمور، ونسي الآخرة التي هي العطاء الكبير، فإذا فات الإنسانَ هذا العطاءُ فاته كل شيء.

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 15 )

3 ـ كل شيءٍ يقرِّبك من الله هو تسبيحٌ:

 حينما تفكر في كمال الله، في رحمته، في حلمه، في قوته، في قدرته، في لطفه، في جبروته، في انتقامه، هذه كلها كمالات الله، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )

 إن جزءَا كبيرا من عبادتك أن تسبح الله عز وجل، فلو حدثتنا عن المجرات، ولم تقل: سبحان الله، فحديثك عن المجرات تسبيح لله، إن حدثتنا عن العين، إن قرأت كتاباً في الفقه، وعظمت هذا الأمر الإلهي فأنت بهذا تسبح الله، فأيّ شيء يقربك من الله هو تسبيح، أي ذكر لله تسبيح، أيّ ذكر لآياته تسبيح، أي شرح لقرآنه تسبيح، فأنت تسبح في كمالاته، والسبح هو الفراغ.

﴿ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً ﴾

( سورة المزمل )

 معك مجال لا ينتهي، المال ينتهي، تأكل فتشبع، ترتدي ثياباً جديدة، تنام على السرير، هذا السقف، لو معك مليارات، لو تملك أموال أهل الأرض، لا يمكن أن تأكل إلا وجبة تملأ بها معدتك، ثم تنام على سرير واحد، وترتدي ثوباً واحد.
 المشكلة أيها الإخوة أن الدنيا محدودة، ولها سقف، لكنك إذا خرجت من ذلك لمعرفة الله فهناك اللانهاية، هناك تتصل بخالق السماوات والأرض.

4 ـ التسبيح تنزيه الله عن كل شيءٍ لا يليق به:

 إذاً: التسبيح هو التعظيم، تعظيم الله عز وجل في كمالاته، والتسبيح تنزيه الله عن الصاحبة والولد.

﴿ مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً ﴾

( سورة الجن )

 والتسبيح تنزيه الله عن كل ما لا ينبغي له، فقد يقول لك أحدُهم: فلان خَلَقه كافراً، وكتب عليه الكفر، وجاء إلى الدنيا، وحقق إرادة الله، فاستحق النار إلى أبد الآبدين، من قال لك ذلك ؟ هذا عكس التسبيح.

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

( سورة سبأ )

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 أن تتوهم أن الله أجبر عباده على أفعالهم، فكيف يحاسبهم وقد أجبرهم على أفعالهم ؟ لمن الحجة إذاً ؟ قال تعالى:

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 149 )

5 ـ من التسبيح تنزيه الله عن الظلمِ:

 فمن التسبيح أن تنزهه عن الظلم.

﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾

( سورة غافر الآية: 17 )

﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية: 70 )

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

( سورة النساء )

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 أيها الإخوة، التسبيح أن تنزه الله عن الصاحبة والولد، وأن تنزه الله عن كل ما لا ينبغي له، بل أن تنزهه عن الشريك والند والضد.

 

6 ـ من معاني التسبيح:

 وقال بعضهم: ( السُّبُّوح ) له أوصاف الكمال والجمال، الإنسان ماذا يحب ؟ بعضهم أجمل ما يحبه الإنسان في ثلاث كلمات، الإنسان يحب الكمال والجمال والنوال، يحب العطاء، يحب الجمال، يحب الكمال، والله سبحانه وتعالى مصدر للجمال والكمال والنوال، أفعاله كاملة، الاتصال به يسعد، منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، فأنت تحب الجمال والكمال والنوال، وهذه من عند الله، هو منبع الجمال، والكمال والنوال، إذاً: له أوصاف الكمال والجمال بلا نقص، وله الأفعال المقدسة عن الشر والسوء.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )

  لم يقل والشر، لأن الشر المطلق لا وجود ه في الكون.
 أيها الإخوة:

﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 44 )

7 ـ كلُّ شيءٍ في الكون يسبِّح اللهَ:

 ألا يستحي الإنسان أن يكون كل شيء في الكون يسبح الله عز وجل، والإنسان غافل ؟

إلى متى أنت في اللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***

﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾

 

﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾

( سورة الإسراء )

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾

( سورة الحج الآية: 18 )

 سجودها عبادة لخالقها، لكن لا نفقهها.

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾

 

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادق لأطـعته  إن المحب لمن يحب يطيـع
***

 شيء آخر أيها الإخوة:

﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 47 )

 حجر يهبط من خشية الله بنص القرآن الكريم، والإنسان قلبه كالحجر، لا يتأثر ولا يرحم، ولا يبكي، ولا يخشع.

﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 علم الله هبوطها من خشيته، أنا أطلعكم على آيات قرآنية تتحدث عن تسبيح الكون له، فإذا كان الإنسان غافلاً فما موقفه يوم القيامة ؟.

 

أيا غافلاً تبدي الإساءة والـجهلا  متى تشكر المولى على كل ما أولى
عليك أياديه الكرام وأنت لا تراه  كأنك العين عمياء أو حــــولا
لأنت كمزكوم حوى المسكَ جيبُه   ولكنه الـــمحروم ما شمه أصلا
***

 

 ألا يستحي الإنسان أن يكون كل من في الكون يسبح الله عز وجل وهو غارق في شهواته ونزواته ؟!!

8 ـ معنى سُبُحَاتُ وَجْهِهِ:

 ما معنى سُبُحات وجه الله ؟ قالوا: أنوار وجه الله، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم عنه صلى الله عليه وسلم:

(( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ))

 سُبُحات وجهه ؛ أنوار وجهه.

 

(( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ))

 

﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾

( سورة الأعراف الآية: 143 )

  دُكَّ الجبلُ.

﴿ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

 لذلك قال تعالى:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 103 )

 لكن العقول تصل إليه من خلال الكون، تعرفه، وفي الدنيا لا يستطيع كائناً من كان أن يرى الله إلا في الآخرة.

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

( سورة القيامة )

  ورد في بعض الآثار أن الإنسان أحياناً ينظر في الجنة إلى وجه الله الكريم فيغيب من نشوة النظرة خمسين عاماً، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ! ألا ترجى جنته ! ألا تخشى ناره ! بعض العارفين قال:

 

فلو شاهدت عيناك من حسنـنا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
و لو سمعت أذنك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
و لو ذقت من طعم المحبة ذرة   عذرت الذي أضحى قتيلاً بحـبنا
و لو نسمت من قربنا لك نسمة   لمت غريباً واشتياقاً لـــقربنا
و لو لاح من أنوارنا لك لائـح   تركت جمــيع الكائنات لأجلنا
فما حبنا سهل وكل من ادعـى  سهولته قلنا لــــه قد جهلتنا
***

 

9 ـ تسبيحُ الله في كلِّ وقت:

 أيها الإخوة، الصلاة تسبيح، التسبيح هو الصلاة، والصلاة هي التسبيح، دقق في هذه الآية:

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾

( سورة الروم الآية: 17 )

 ينبغي أن تسبح الله في المساء وفي المغرب والعشاء:

 

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾

 

﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾

( سورة الروم )

 الفجر.

﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً ﴾

( سورة الروم الآية: 18 )

﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾

( سورة الروم )

  الظهر، الأوقات الخمس في هذه الآية:

 

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾

 

﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الواقعة )

  هذا أمر إلهي، قالوا: سبحه بأسمائه، ونزهه عن الأسماء التي لم يسمِّ نفسه بها.

 

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

 

 وادعوه بأسمائه الحسنى.

10 ـ الطريق إلى تسبيح الله هو التفكر في الكون:

 لكن قد يسأل سائل: هل من طريق إلى تسبيحه ؟
 صدقوا أيها الإخوة، ما من طريق أقرب إلى تسبيحه من أن تتفكر في مخلوقاته، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( تفكروا في مخلقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

[ الجامع الصغير عن أبي ذر بسند فيه ضعف ]

 تفكروا في مخلوقاته، كلما ازددت تفكيراً ازددت تعظيماً لله عز وجل، لأن التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله ولأن التفكر في خلق السماوات والأرض يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله.
  من منا يصدق أن في الدماغ 140 مليار خلية لن تعرف وظيفتها حتى الآن، فوق 14 مليار خلية قشرية فيها المحاكمة، والذاكرة، الذاكرة مساحتها بحجم العدسة فيها سبعون مليار صورة، الذاكرة، والمحاكمة، والتفكر، والاستنتاج، والاستنباط، والاستقراء، والحكم، والانفعالات، والرؤية، والسمع، والبصر، كلها في هذه القشرة الدماغية، في هذه القشرة 14 مليار خلية، والدماغ مؤلف من 140 مليار خلية، فإذا قرأت هذا الموضوع ألا تعظم الله عز وجل ؟ ألا تقول: سبحان الله.
  كلّ أنسجة الجسم تتغذى عن طريق الشعريات إلا قرنية العين، من أجل أن ترى رؤية نقية صافية قرنية العين لها نظام خاص، تأخذ الخلية الأولى غذاءَها، وغذاء جارتها، وتسرب لها الغذاء عبر الغشاء الخلوي، من أجل أن ترى الأشياء بوضوح تام.

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 88 )

 في الغدة النخامية هرمون للكظر، إذا كان الرجل ماشيًا في الطريق، أو في بستان ورأى ثعبانا، هذا الثعبان تنطبع صورته على شبكية العين إحساساً، الشبكية لا تقرأ الصورة.
  لما يأتي مريض غير متعلم يعطيه الطبيب التحليل لا يفهم منه شيئاً، يأخذه إلى الطبيب ليقرأه له.
  تنتقل الصورة إلى الدماغ، هناك تقرأ، هناك ملفات الثعبان، ومفهومات الثعبان، جاءته من دراسته، ومن مشاهداته، ومن قصص سمعها، ملف الثعبان في الدماغ يقرأ الصورة، الدماغ ملك الجهاز العصبي ويدرك الخطر، يلتمس من ملكة الجهاز الهرموني الغدة النخامية أن تواجه الخطر، الغدة النخامية وزنها نصف غرام، وهي من أخطر الغدد، هي ملكة الغدد، الملكة تفرز هرمونًا إلى الكظر فوق الكلية، الكظر يعطي خمسة أوامر، أول أمر إلى القلب فيرتفع النبض إلى 180، ثاني أمر إلى الرئتين، فيزداد الوجيب، ثالث أمر إلى الكبد لإطلاق كمية سكر إضافية، فالخائف سكر دمه زائد، أمر بعده إلى الكبد ليطلق هرمون التجلط، أمر إلى الأوعية المحيطية كي تضيق لمعتها، فالدم يذهب إلى العضلات لا إلى الجلد، فالخائف يصفر لونه.
  هل من المعقول في ثانية تنتقل الصورة من العين إلى الدماغ، وتقرأ هنا، الدماغ يدرك الخطر، يلتمس من ملكة الغدد النخامية أن تواجه الخطر، والنخامية تتجه إلى الكظر تعطي أمرا لهذا الكظر أن يواجه الخطر، الكظر يعطي أمرا بتسريع القلب إلى 180 نبضة، ورفع وجيب الرئتين، وإفراز كمية سكر، وإطلاق هرمون التجلط، ثم تضييق الأوعية المحيطية، هذا صنع من ؟
 لذلك يمكن أن تسبح الله عن طريق التفكر في خلق السماوات والأرض، الله سبحانه وتعالى أتقن كل شيء.

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

( سورة الملك الآية: 3 )

 

خاتمة:

 أيها الإخوة الكرام، هذا الاسم ( السُّبُّوح ) يسعدنا جميعاً، إذا سبحناه، إذا سبحنا في كماله، إذا سبحنا في مخلوقاته، إذا تفكرنا في عظمته، لذلك أصل الدين معرفة الله:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾