خواطر - الأردن : 1 - فقه الأزمات .

2013-01-25

ماذا نفعل في هذا الوقت العصيب الذي يمر به بلدنا ؟

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد
يسأل الكثيرون من الناس ماذا نفعل في هذا الوقت العصيب الذي يمر به بلدنا ؟

إن للأزمات فقهاً خاصاً بها ينبغي اطلاع كل مسلم عليه في هذه المرحلة فهو الآن مما ينبغي أن يعلم من الدين بالضرورة فما دامت الأزْمة سنة من سنن الله في كونه فلا شك أن لها فقهاً في الكتاب والسنة ينبغي تتبعه والعمل به

 

أولاً علينا أن نتماسك ونقوي عزيمتنا وإرادتنا

يقول الله تعالى:

{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ}

فالطريق الوحيدة التي تجعلك متماسكاً عند الأزمات لا تنهار أمامها ولا تبيع دينك للنجاة منها أن تكون من المصلين بالمعنى الواسع للصلاة أي أن تكون على صلة دائمة بالله تعالى الذي يطمئنك ويمنحك السكينة والسعادة.
من هنا جاء في الحديث الشريف:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ثُمَّ يَدْعُو

أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يزيد من صلته بربه الحليم الكريم العظيم في الأزمات.
وفي الحديث أيضاً:

كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا حَزَبَهُ أمْز صلَى

وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

«شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع».

فمن أدب المسلم عامة، لا سيما عند الأزمات عدم الهلع، بل الصبر والهدوء وسكون القلب واطمئنانه إلى قضاء الله وقدره. لا سيما وأن النبي صلى الله عليه وسلم يطمئنك بأن الرزق والأجل معلومان مكتوبان لا يزيدان ولا ينقصان

«إنَّ رُوح القُدسِ نَفَثَ في رُوعي أنه لن تَمُوتَ نفس حتى تستكمل رِزْقها وأجَلَها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن الله لا يُدرَك ما عنده إلا بطاعته»

وإن المؤمن ليذكر قول الله سبحانه:

{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}

ثانياً نتحلى بالأمانة

يقول الله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}

ويقول سبحانه في وصف المؤمنين:

{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ألا إنه لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له»

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»

وحين هاجر سيدنا محمد r من مكة إلى المدينة، كان في أشد الأزمات ومع ذلك خلّف وراءه سيدنا علياً t وأمره أن يؤدي أمانات قريش التي عادته ونكلت به وبأصحابه أمره أن يردها إلى أصحابها، ثم يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا كانت الأمانة محمودة مطلوبة دائماً، فإن حاجة الناس لها في الأزمات أشدّ وأكبر، فليس من خلق المسلم أن يعدو على مال أخيه، ولا أن يعتدي على مال عام أو خاص، ولا أن يضر بممتلكات عامة أو خاصة، ولا أن يأكل أموال الناس ظلما

ثالثاً التراحم والتعاون:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«الرَّاحِمُونَ يرحمهم الرحمن، ارحَمُوا مَن في الأرض، يرحمْكم من في السماء»

[الترمذي]

وفي زمن الأزمات والفتن يظهر خلق الرحمة جلياً عند الراحمين وفي الحديث الشريف : إن أبعد الناس من الله القلب القاسي
وقد أمر الإسلام بالتراحم العام وجعله من دلائل الإيمان الكامل فالمسلم يلقى الناس قاطبة وفي قلبه لهم عطف مذخور وبر مكنون فهو يوسع لهم ويخفف عنهم جهد ما يستطيع :
عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لن تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على ما تحابوا عليه قالوا بلى يا رسول الله قال افشوا السلام بينكم تحابوا والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا قالوا يا رسول الله كلنا رحيم قال إنه ليس برحمة أحدكم ولكن رحمة العامة رحمة العامة
(مَن لا يَرحمِ الناسَ لا يَرحمْهُ اللهُ )

وفي الأزمات تتجلى رحمتك للناس بأمور عديدة

- فعدم رفعك للأسعار في الأزمات تراحم وتعاون.
- وعدم احتكارك للسلع في الأزمات تراحم وتعاون.
- تخفيض الأسعار في الأزمات تراحم وتعاون.
- مد يد العون للمحتاجين في الأزمات تراحم وتعاون.
- معاونة الضعفاء تراحم وتعاون.
- تقديم الخدمات وقضاء حاجات الناس تراحم وتعاون.

ولن تؤمنوا حتى تراحموا، ومن لا يَرحم لا يُرحم، ولا تُنزع الرحمة إلا من شقي.

رابعاً الإكثار من الصدقات

على عكس ما يفعله بعض الناس حيث يتوقفون عن دفع الصدقات متذرعين بالأزمات مع أن الصدقة تغدو أهم وأعظم أجراً عند الله حين تدفع في زمن الأزمات وذلك من وجهين
أولاً : شدة حاجة الناس لها
ثانياً : أنها ترفع البلاء ففي الحديث الشريف صدقة السر تطفئ غضب الرب

خامساً الــتكافل:

والمراد به التساند والتعاضد والتآزر بين أبناء البناء الواحد، والحي الواحد، والقرية الواحدة، والمدينة الواحدة، والبلد الواحد، يُعِين الغني الفقير، ويساعد القوي الضعيف، ويتكافل الجار مع جاره، ويتساند الصديق مع صديقه، ويتعاون الأخ مع أخيه.
والتكافل الاجتماعي مطلوب دائماً في الإسلام، لكنه في الأزمات أشدّ طلباً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((منْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ))

قال الراوي:

(ذَكَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصْنَافِ المالِ مَا ذكر حَتَّى رَأيْنَا أنَّهُ لا حَقَّ لأحَدٍ مِنَّا في فَضْلٍ)

[مسلم]

إذا ضاقت عليك سُبل الاقتصاد فلا تقُم بتسريح عمّالك؛ إذ الإنسان إذا عدم سبيل الحياة الكريمة ضاقت عليه الدنيا واستوى عنده الموت والحياة، وقد يدفعه ذلك إلى فعل ما لا تُحمد عقباه، وابحث عن حلول بديلة لعملك وتجارتك، فربما أخلصت النية ففتح الله عليك بذلك باب رزقٍ لم يكن لك بالحسبان.
فصاحب العمل إما أن ينفق من رأس ماله على رواتب عماله في الأزمات وهذا من أعظم الصدقات ، وإما أن يتقاسم معهم الأرباح القليلة مع تخفيض مدة العمل وهذا خير من تركهم بلا عمل.
واسمعوا الآن إلى هذا الحديث التكافلي الرائع:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((إنَّ الأشعريِّينَ إذا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، وقَلَّ طَعَامُ عِيالهم بالمدينة: جَمَعُوا ما كان عندهم في ثَوْب واحد، ثم اقْتَسَمُوا بينهم في إناء واحد بالسَّويَّةِ، فهم مِنِّي وأنا مِنْهُم))

[البخاري ومسلم]

ألا يقشعر جلدكم حين تقرؤون أو تسمعون قوله صلى الله عليه وسلم: فهم مني وانا منهم ألا تحب أن تكون من هؤلاء، ثمن ذلك هو التكافل والتعاون
ومن التكافل في هذه الأيام أن يتعرف المرء على جيرانه وأهل حيه بشكلٍ أكبر، ليتعاون معهم ويساعد محتاجهم ويرتب طريقة التواصل فيما بينهم.
ومن التكافل في الأزمات: أن يبتعد المرء عن مظاهر الفرح والابتهاج مراعاة لحالة أناسٍ من إخوانه وبني قومه فُجعوا بإخوانهم أو أبنائهم أو أقربائهم؛ إذ التكافل المعنوي مهمٌّ جداً في الأزمات، فتعامَل مع ما يصيب الناس وكأنه يصيبك أنت، فهذا يُشعرهم بالتعاضد والتكاتف والمؤازرة.

 

ومن فقه الأزمات الثقة بالله والتفاؤل:

فبعد كل مِحْنةٍ مِنْحة، وبعد كلِّ شِدَةٍ شَدَّة، وبعد كلِّ ضيقٍ فرَج، وبعد كل بليَّةٍ عطيَّة، وإن مع العُسر يُسراً.
والشدة -أيها الإخوة- إذا تتابعت انفرجت وإذا توالت تَولّت، وإن الله مع المحسنين،

{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}

[الطلاق : 7]

ولَرُبَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى

ذرعاً وعند الله منها المخرجُ

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

فُرجَت وكنتُ أظنها لا تُفرجُ

ومن فقه الأزمات: حفظ الكلمة.

إن حفظ الكلمة من الدين، وكم من كلمة أودت بصاحبها وكم من كلمة رفعت قائلها وكم من كلمة هوت بمتكلمها لذلك ينبغي أن نصمت ونصمت ثم نتكلم لا أن نتكلم ثم نصمت مفكرين بعواقب كلماتنا بعد فوات الأوان فالعاقل يعد كلامه من عمله فينجو
فأنتم تعلمون أن المرء يوم القيامة يحاسَب على أقواله كما يحاسب على أعماله وأفعاله، وتعلمون أن الله عز وجل يقول:

{ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}

[ق : 18]

ولعله لا تغيب عنكم الآية الكريمة:

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}

[إبراهيم:24-26]

وتريكم الأيام أن رجالاً رفعهم كلامهم الرفيع، وأن أناساً وضعهم حديثهم الوضيع، والإسلام والعقل يدعوان المرء إلى حفظ الكلمة في الأوقات كلها، وهما يدعوانك إلى حفظها في الأزمات بشكل خاص.
لأن المرء ممتحَن مختبَر في الحياة وفي الأزمات، من جملة الاختبارات التي ترفعه عند الله أو تضعه: اختبار الكلمة.
ولأهمية حفظ الكلمة في الأزمات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما يرويه ابن ماجه في السنن:

(( إياكم والفتن، فإن وقع اللسان فيها مثل وقع السيف))

فالمسلم والعاقل مطلوب إليه إذا قال أن يقول الحق لا الباطل، ومطلوب منه أن يُظهر هذا الحق ويعليه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسِّن الحَسَن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهّيه.
وأما إن عجز عن ذلك لظرف أو لآخر فيأتيه حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم

مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ

حدث مرة أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه: اتق الله يا أمير المؤمنين. فردّ عليه آخر: تقول لأمير المؤمنين اتق الله؟! فقال عمر: دعْه فليَقلها، فإنه لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها منكم.
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((ما من صدقة أحب إلى الله تعالى من قول الحق))

ذكروا أن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- قال لعمرو بن مهاجر: (إذا رأيتني قد مِلت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم هزني، ثم قل: يا عمر، ما تصنع؟!).
إن قول الحق من أمانة الكلمة وحفظها في الحياة عامة، وفي الأزمات خاصة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((إن الرجل ليتكلّم بالكلمة من الخير يكتب الله لها عليه رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه))

[مالك]

وأخيراً نلتزم الدعاء فهو سلاح من أمضى الأسلحة ونقنت في كل صلاة ندعو على الطغاة والظالمين ونسأل الله الفرج والنصر والتمكين
اللهم ارحم شهداءنا واشف جرحانا وفك أسر معتقلينا وأهلك الظالمين

 

‏السلام عليكم ورحمة الله وبركاته