قوانين القرآن الكريم - الدرس : 07 - قانون التغيير

2007-09-26

 

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدِّمة لقانون التغيير:

 أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس سنن الله في خلقه، والقانون اليوم قانون التغيير.

 

1 – القرآن مملوء بالوعود للمؤمنين بالتمكين:

 

 أيها الإخوة، بادئ ذي بد: القرآن الكريم طافح بوعود للمؤمنين، من هذه الوعود:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

( سورة النور )

2 – لكن لماذا لسنا مُمَكَّنين في الأرض ؟

 

 الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح أننا لسنا مستخلفين ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين، ما تفسير ذلك ؟ آية أخرى:

﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

 

( سورة الصافات )

آية أخرى:

 

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 

( سورة غافر الآية: 51 )

 

﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم الآية: 47 )

﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

( سورة النساء )

 هذا كلام خالق الأكوان، وزال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.

 

تفسيرات واقع المسلمين المرّ:

 

كيف نوفِّق بين واقع المسلمين المرّ ووعود رب العالمين ؟

 كيف نوفق بين واقع المسلمين الذي لا يحسدون عليه، وكأن خطهم البياني وصل إلى الحضيض، كيف نوفق بين واقع المسلمين ووعود رب العالمين ؟ وكيف نفهم قوله تعالى:

 

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا ﴾

( سورة النساء )

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ ﴾

( سورة التوبة الآية: 111 )

 لا بد من تفسير ذلك، طبعاً كل المسلمين في العالم يطمحون إلى التغيير، يطمحون إلى النصر، يطمحون إلى العزة، يطمحون إلى أن يرجعوا قادة للأمم، لأن العرب كانوا في الجاهلية رعاة للغنم، فبفضل الإسلام أصبحوا قادة لأمم، جميع المسلمين يتمنون النصر، يتمنون العزة، يتمنون أن يكونوا أحراراً، لكن الواقع ينطق بخلاف ذلك، كيف نفسر هذا الواقع ؟

التفسير الأول: عدم عبادة الله وحده:

 

 أيها الإخوة، أول تفسير:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )


 فإن لم يعبد المسلمون ربهم فالله عز وجل في حلٍّ من وعوده الثلاثة، هذا أول تفسير، الدليل:
عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، فَقَالَ:

 

 

(( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ))

 

[ متفق عليه ]
[ متفق عليه ]

هذا أول تفسير

التفسير الثاني: عدمُ اتباع الدين الصحيح الذي ارتضاه الله:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 أيّ دين وعد بتمكينه ؟ الدين الذي يرتضيه لنا، فإن لم نمكَّن فمعنى ذلك أن فهْمنا للدين، وتعاملنا معه، وتطبيقنا له لم يرضِ الله عز وجل، إذاً: لم نمكَّن، هذا التفسير الثاني.

 

التفسير الثالث: لم نغيِّر ما بأنفسنا:

التفسير الثالث هو الآية التي هي محور هذا الدرس:

 

 

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾

 

( سورة الرعد الآية: 11 )


 من الانكسار إلى النصر، من التشرذم إلى الوحدة، من الضعف إلى القوة، من الذلة إلى العزة، من أن تكون مقوداً إلى أن تكون قائداً، من أن تكون مقدرات الأمة بيد أعدائها إلى أن تكون مقدراتها بيد أصحابها.

 

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾


 مستحيل وألف ألف مستحيل أن يغيّر الله ما بنا إن لم نغيّر ما بأنفسنا، لذلك المسلمون بسذاجة وبجهل ينتظرون معجزة، هم جالسون، قابعون في بيوتهم، لا يتحركون، ينظرون، يوزعون الألقاب من دون أن يعملوا، فلذلك هذا الواقع الذي ما فيه عمل، ما فيه تغيير، ما فيه صلحٌ مع الله، ما فيه حركة، ما فيه التزام، ما فيه تعاون، ما فيه مؤاثرة، ما فيه حمل همِّ المسلمين، إن لم نفعل هذا فلن يغير الله ما بنا.

 

 

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

 

 إخواننا الكرام، بشكل دقيق جداً، المعصية مع الصبر، أي القهر، طريق إلى القبر، ما بعد المعصية والصبر أي القهر إلا القبر، أما الطاعة مع الصبر فطريق إلى النصر.

التفسير الرابع: عدمُ صبرِ المسلمين:

 هل تصدقون أن في القرآن الكريم آية بها خلاص المسلمين، آية واحدة، وفيها كلمتان فقط ، في هاتين الكلمتين خلاص المسلمين في شتى بقاع الأرض، وهذا كلام رب العالمين، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.

 

﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ﴾


الطرف الآخر.

﴿ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

 

( سورة إبراهيم )


 بربكم، هذا الجبل المتواضع الذي هو تلة جبل قاسيون، لو اجتمعت قوى الأرض دول العالم أن تنقله إلى مدينة درعا هل تستطيع ذلك ؟ أثبت الله بهذه الآية أن مكر أعداء الدين حجمه بحجم نقلِ جبلٍ من مكان إلى آخر.

 

 

﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾


تأتي الآية الأخرى، الآن دققوا:

 

﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 120 )

 صواريخهم، حاملات طائراتهم، أقمارهم الصناعية، الإعلام بيدهم، الأموال بيدهم، التحالفات بيدهم.

 

 

﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾

 والله أيها الإخوة، مستحيل وألف ألفِ ألف مستحيل أن يتقي المسلمون ربهم، وأن يصبروا دون أن يرجعوا قادة للأمم، دون أن يرجعوا أعزة منتصرين، هذا قانون إلهي ، والحديث هنا عن قوانين ربنا عز وجل.

 

 

معنى: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ

الآن ما معنى:

 

 

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾

 تصور كرة تملكها، أنت مهيمن عليها، أنت مالك لها، أمرك نافذ فيها، إن غيرت الكرة التي تملكها، وأمرك نافذ فيها، إن غيرتها نحو الأحسن كفاك الله ما لا تستطيع، إن أقمت أمر الله فيما تستطيع كفاك ما لا تستطيع.

 

 

1 – غيِّر ما علق بنفسك التي بين جنبيك:

 

 ما الذي تستطيعه أيها المؤمن ؟ نفسك بيدك، أقم الإسلام في نفسك، صحح عقيدتك، اصطلح مع الله، أدِ العبادات أداءً متقناً، قم في الليل فصلِّ، اقرأ القرآن، غض بصرك، اضبط لسانك، اضبط دخلك، اضبط إنفاقك، غيّر ما في نفسك، أقم الإسلام في نفسك .

2 – غيِّر ما علق ببيتك من المعاصي والآثام:

 

 وماذا تملك أيضاً ؟ بيتك، بيتك مملكة، أنت ملكها، فأنت في بيتك، عندك أولاد، وبنات وزوجة، هل أقمت الإسلام في بيتك ؟

3 – كن مسلما في عملك:

 

 شيء ثالث، ما الذي تملكه أيضاً ؟ عملك، من يمنعك في عملك أن تكون صادقاً ؟ من يمنعك في عملك أن تكون أميناً ؟ من يمنعك في عملك أن تكون مخلصاً ؟ من يمنعك في عملك أن تكون ناصحاً ؟ إذا أقمت أمر الله في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك هذا الذي تملكه.

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 هذا قانون، أتحبون أن أشرح لكم شرحا مبسطا جداً، أي: يا عبدي هل أنت مرتاح ؟ لا تغيّر لا أغيّر، هل أنت متعب ؟ غيِّر لأغيّر، هذا ملخّص الملخص، إن كنت متعباً، متألماً، مقهوراً، مضيقاً عليك فغيِّر حتى أغيّر، لو كنت في بحبوحة، وفي سعادة أنت لا تغيّر، فأنا لا أغيّر.

 

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

لابد من التغيير الخارجي:

 خلاص المسلمين في هذا، طبعاً ليس خلاصهم باستيراد مناهج غربية، ولا شرقية، ليس خلاصهم بالتغير من الخارج، يمكن أن تقِيم زينة في رمضان، الآن يشيع هذا الأمرُ في البلد، يمكن أن تقتني مصحفا كبيرا تقرأ منه في التراويح، يمكن أن تزور بيت الله الحرام، يمكن أن تعمل ألف عمل، لكنه عملٌ خارجي، الله عز وجل يريد التغيير من الداخل.

 

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾

 يمكن أن تعمل مليون عمل خارجي ولا يحصل التغيير، إلا إذا غيّرت ما بنفسك، إن لم يكن التغيير من ذات الإنسان، من تفكيره، من تصوراته، من عقيدته، من فهمه للقرآن، من سلوكه، من انضباطه، من وقوفه عند الحلال والحرام، من وقوفه عند ما في القرآن، من أمر ونهي فلن يغيّر الله ما بنا، هذه قاعدة مهمة.

 

 

من شروط النصر:

 

1 – وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا

 

أيها الإخوة، هناك مثَلٌ: الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾

( سورة الطلاق )

 والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الآية لكفت، أيّ إنسان يشعر بضيق، مقهور، مظلوم، الطرقُ أمامه مسدودة، والأبواب مغلقة، كلما طرق باباً أرتج عليه، يشعر أن القدر ضده، الله عز وجل لن يوفقه، غيّر وانظر كيف أن الله يغيّر.

 

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 أيها الإخوة، الله عز وجل ما كلفنا أن نعد القوة المكافئة، قد يكون هذا فوق طاقتنا لكن كرمه اقتضى أن نعد العدة المتاحة، لذلك النصر له شرطان، كل شرط هو شرط لازم غير كافي، الشرط الأول: الإيمان الذي يترجم إلى سلوك، إلى التزام، إلى وقوف عند الحلال والحرام، الإيمان الذي يحمل صاحبه على طاعة الله، هذا الشرط الأول، لكن غير كافي، شرط لازم غير كافي.

 

 

2 – وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ

الشرط الثاني: الإعداد لقوله تعالى:

 

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 الشرط الأول شرط لازم غير كافٍ، والشرط الثاني شرط لازم غير كافٍ، كيف نوضّح هذه العبارة ؟
رأس الغاز شرط لازم غير كاف، وأسطوانة الغاز وحدها شرط لازم غير كاف، أسطوانة من دون رأس لا قيمة لها، رأس من دون أسطوانة لا قيمة له، كلاهما شرط لازم غير كافٍ.
الإيمان الذي يحمل صاحبه على طاعة الله، والإعداد وفق القوة المتاحة، هذان قانونان للنصر، لذلك:

 

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

 

 

( سورة الأنفال الآية: 10 )

 

 

﴿ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾

 

( سورة محمد الآية: 7 )

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 

( سورة غافر الآية: 51 )

 

﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )

﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

( سورة النساء )

 هذا قانون التغير، غيروا حتى يغير الله ما بنا، والله ينتظرنا، والكرة في ملعبنا وسلامتنا في يدنا، وعزنا بيدنا، وانتصارنا في يدنا، فلا بد من الحركة نحو طاعة الله عز وجل، والصلح معه.
ورد في الآثار القدسية:

 

(( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع أكفكم ملوككم ))

 

[ رواه الطبراني عن أبي الدرداء ]

التغيير فرديٌّ وجماعيٌّ:

 لذلك أيها الإخوة، لو أن التغيير كان فرديا لكان الفرج فرديا، وإذا كان التغيير جماعيا يكون الفرج جماعيا، أحيان لئلا تقع في الإحباط الناس لا يغيرون، ما ذنبك أنت ؟ أنت غيّر وحدك، فالله عز وجل يغيّر ما بك، هناك نصر فردي، وفرَج فردي، وسعادة فردية، ونصر جماعي، وفرج جماعي، وسرور جماعي، هذه القضية بيدك.
عظمة هذا الدين هو دين جماعي، ودين فردي، لو أن الناس تنكروا له، ولم يطبقوا تعاليمه فطبِّق وحدك.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

( سورة المائدة الآية: 105 )

ورد في بعض الأحاديث:

(( إذَا رَأَيْتُمُ النّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفّتْ أمانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ، قالَ: فَقُمْتُ إلَيْهِ فقُلْتُ: كَيْفَ أفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي الله فِدَاكَ ؟ قالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفْ، وَدَعْ مَا تُفَكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأمْرِ خَاصّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أمْرَ الْعَامّةِ ))

[ أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 إياك أن تيئس، الأمر بيدك، إذا كانت العودة إلى الله جماعية فهناك فرّج جماعي، وإذا كانت العودة إلى الله فردية فإنه:

 

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 هناك فرج فري، هذا الدين يصلح أن يكون دينا جماعيا، ودينا فرديا، فحينما تسعى، وتسعى، وتسعى، ولا تجد إلا آذانا صماء فانكفئ على نفسك، واصطلح مع الله ، واستقم كما أمرت، وأقم الإسلام في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك.
 والله الذي لا إله إلا هو أنْ تصطلح مع الله، وأن تستقيم على أمره، وأن تقيم الإسلام في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك من سابع المستحيلات ألا ترى الفرج والنصر، والتوفيق والحفظ، والتأييد.

 

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 أيها الإخوة الكرام، المعركة بين حقين لا تكون، وبين حق وباطل لا تطول ، وبين باطلين لا تنتهي.

 

أنواع النصر:

1 – النصر التفضلّي:

 لذلك هناك نصر تفضلي، النصر التفضلي كما انتصر الروم على الفرس، قال تعالى:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ ﴾

( سورة الروم )

 هذا النصر تفضلي، وقد نسأل الله جل جلاله أن ينصرنا الله نصراً تفضلياً إن لم نستحق نصرا آخر.

 

2 – النصر الاستحقاقي:

 

 وهناك نصر آخر هو نصر استحقاقي، كما انتصر الصحابة الكرام في بدر.

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )

3 – النصر الكونيّ:

 وهناك نصر آخر، هو نصر كوني، إذا كان الفريقان شاردين عن الله، بعيدين عن الله، فالأقوى هو الذي ينتصر، الذي معه سلاح متطور أكثر هو الذي ينتصر، هذا نصر كوني، و هناك نصر استحقاقي، ونصر تفضلي.

4 – النصر المبدئي:

 ونصر مبدئي، لو أن الإنسان مات مستقيم السلوك، صحيح العقيدة، هذا منتصر، ولو قُتل في ساحة المعركة.

أنواع الجهاد:

الآن مع الجهاد:
 ما ينطق بالجهاد إلا و نتصور الجهاد القتالي، مع أن في الإسلام ثلاثة أنواع من الجهاد تسبق الجهاد القتالي.

1 – جهاد النفس والهوى:

 أول جهاد: جهاد النفس والهوى، وهذا هو الأصل، لأن المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة، الدليل:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 69 )

2 – الجهاد الدعوي:

 

الجهاد الدعوي.
 عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

[ أخرجه البخاري]

قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

( سورة الفرقان )

هذا الجهاد الثاني، والجهاد الأول متاح لكل مؤمن في أي زمان، وأي مكان
والجهاد الثاني متاح لكل إنسان ؛ أن ينقل ما تعلمه إلى الآخرين

﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))

 

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 

﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف الآية: 108 )

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

3 – الجهاد البنائي:

 

 ثالث جهاد هو الجهاد البنائي، الدليل:

 

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ﴾

 إتقان عملك جهاد، أداء واجباتك جهاد، التخفيف عن المسلمين جهاد، إذا أتقنت صنعتك فهو جهاد، إذا خدمت المواطنين فهو جهاد، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، فإذا صح جهادنا النفسي، وصح جهادنا الدعوي، وصح جهادنا البنائي كنا مستخلفين في الأرض:

 

 

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾

وما كلفنا الله أن نعد القوة المكافئة، بل كلفنا أن نعد القوة المتاحة.

 

 

الخلاصة: التوفيق في أنواع الجهاد الثلاثة هو مضمون التغيير:

 

 الآن ينتظر إذا أتقنا الجهاد الأول، والثاني، والثالث أن ننجح في الجهاد القتالي، هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً أيها الإخوة في قانون التغيير، نحن في وضع سيئ جداً، أمرنا ليس بيدنا، وليست كلمتنا هي العليا، وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل، مع أن الله عز وجل يقول:

﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

 فنحن يمكن أن نرجع إلى الله، وأن نصطلح معه، وأن نتوب إليه، وأن نغير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا، وهذا هو قانون التغيير، والآية الأساسية فيه:

 

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾


وفي آية أخرى يقول تعالى:

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الأنفال )