الدرس : 2 - سورة مريم - تفسير الآيات 04 - 15‏ ، الدعاء مخ العبادة+ العناية بالأولاد + الولد الصالح هبة الله.

1995-03-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام :
 لا زلنا في قصة سيدنا زكريا، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ودائماً أقول لكم إن قصص القرآن الكريم ليس القصد منها أن نقف على أخبار السابقين من الأنبياء والمرسلين، أن نستنبط من هذه القصص قواعد نسعد بها في حياتنا الدنيا، سيدنا زكريا يقول:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (4)﴾

 هذه الآية تكفي، " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، يعني يا ربي أنا لا أشقى أبداً إذا دعوتك، مادمت أدعوك فلا أشقى، " ولم أكن بدعائك رب شقيا ".
 صورة منتزعة من الواقع، أيام الإنسان يحمل بيده أشياء ثقيلة وفي أيام الشتاء الباردة، ويرتدي ثياب غليظة، فلو سأله طفل صغير كم الساعة، يضطر أن يضع الحاجة على الأرض، وأن يرفع بيده اليمنة كمه الأيسر، ويقول له الساعة السابعة يا بني، ألا يستحي رجل وقور من طفل صغير أن لا يرد عليه ؟
الله عز وجل يقول:

 

﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾

 

(سورة غافر: 60).

 ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، لذلك: " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، لا يمكن أن يشقى مؤمن دعا الله عز وجل، والدعاء أيها الأخوة مخ العبادة، جوهر العبادة، قمة العبادة، ولا سيما إذا كنت محتاجاً، الدعاء عند الحاجة رقة، فهذه أول نقطة، " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، ويجب أن يقول هذا الكلام كل مؤمن، يا ربي أنا لا أشقى بدعائك، في نقطة مهمة، يعني شوفي مصيبة كبيرة تفوق حد الخيال، إنسان يجد نفسه فجأةً في بطن حوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، سيدنا يونس.

 

﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾

 

(سورة الأنبياء: 87 ـ 88 )

 ثلاث ظلمات، " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم "، والقصة انتهت واسمعوا التعقيب: " وكذلك ننجي المؤمنين "، هذا الكلام يعنينا نحن الأحياء، هل عندك مصيبة من أن تجد نفسك في بطن الحوت ؟ في الليل ؟ وفي بطن الحوت ؟ وفي ظلمة البحر ؟ ومع ذلك " فاستجبنا له " وليست له وحده، والدليل: " وكذلك ننجي المؤمنين " لذلك: " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، اقرؤوا كتاب الأذكار للنووي، في دعاء إذا دخلت البيت، دعاء إذا خرجت من البيت، دعاء إذا أصيب الإنسان بمرض دعاء إذا خاف الإنسان، ما من حالة من حالات الإنسان، إلا وهناك دعاء نبوي، إذا دعوت الله بهذا الدعاء كشف الله عنك ما أنت فيه، فهذه الآية: " ولم أكن بدعائك رب شقيا " لا يشقى إنسان يدعو الله، لا يشقى إنسان يدعو الله أبداً.

 

النقطة الثانية:

﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5)﴾

 الملك تكون زوجته عاقر، لا يدع طبيب بالعالم، ما في أمل، هناك ملوك يحبون زوجاتهم، وزوجته عاقر، علم البشر كله ليس فيه حل لهذه القضية، فما طلب شيء سهل، قال:

 

﴿ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً (8)﴾

 

 الإنسان أيها الأخوة من رحمة الله بالبشر أن المرأة في عندها بيوض محدودة، كذا ألف بيضة، كذا مائة ألف بيضة، هذه تنتهي في سن اليأس، في 40 ـ 45 ـ 48 ـ 52 ـ نقول دخلت المرأة سن اليأس، لم يعد في إنجاب، لو كانت هي منجبة، في عندها سن اليأس، السبب أن البيوض محدودة، تصور امرأة عمرها 90 سنة وحاملة، غير معقول ؟ أما الرجل ينجب بالتسعين، أو في الثمانين، انظر إلى حكمة ربنا عز وجل، أن الرجل قدرته على الإنجاب مستمرة حتى الموت، بينما المرأة قدرتها على الحمل محدودة، إلى سن اليأس، هذا من رحمة الله بالإنسان، هو كان كبيراً في السن، وامرأته عاقر.

﴿ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9)﴾

 " قال كذلك " فالإنسان لا تستعظم شيء على الله عز وجل، أشخاص كثيرون معهم أورام خبيثة والله أعرف صديقاً نمى عنده ورم خبيث في الرئة، أعرفه معرفة جيدة، والأطباء الذين عالجوه، واتفقوا على أنه ورم خبيث من الدرجة الخامسة أعرفهم واحداً، واحداً، وزرته مرتين أو ثلاثة في البيت، وفي مرة والله بكيت، ثم انحصر هذا المرض، والله بلا علاج وبلا عملية، وبلا، والآن حي يرزق، والقصة من 12 سنة، أنا عندي عشرات القصص، مهما كان شيء مستعصي، مرض خبيث، مرض في القلب، في الكليتين، الله على كل شيء قدير، " قال كذلك قال ربك هو علي هين "، إذا اعتقدت أن قدرة الله تتعلق بكل ممكن، أي شيء الله عليه قادر أولاً: " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، ثانياً:

 

﴿ الله على كل شيء ﴾

 

( سورة الطارق: 12 ).

 في إنسان عنده زوجة سيئة، الله يصلحها له، عنده أولاد الله يصلحهم له، عنده مرض الله يشفيه منه، عنده فقر متقع الله يغنيه، العبرة أن تتصل بالله، وأن تسأله.

﴿ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً (12) وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً (13) وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً (15)﴾

 وهذا الكلام لكل مؤمن، طبق أمر الله بقوة، ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، " خذ الكتاب بقوة "، لا تتقيد الرخص هذه مسموح فيها، وهذه الله يسامحنا، وهذه عبيد إحسان مالنا عبيد امتحان، وهذه بلوى عامة، ما عاد في شيء من الدين، " خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا، وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا "، من حنان الله بنا، وحرصه على هدايتنا، وعلى تزكيتنا، كنا كما نحن عليه، كل واحد منا له عناية مشددة، بقلك دخل عناية مشددة، كل مؤمن بالعناية المشددة، الله يتابعه، يحاسبه، يخوفه، يطمئنه، يرزقه يحجب عنه يضيع له ماله، تصيبه أوهام، أمراض، مخاوف، هذه هي العناية المشددة، لولا رحمة الله بنا، ولولا حرصه على تزكيتنا، وهدايتنا، وإسعادنا، لما كنا كذلك.

أيام يبعثوا واحد يدرس باختصاص نادر بقلك هذا مكلف الدولة ثلاثمائة مليون، وكل واحد من المؤمنين مكلف آلاف، ملايين الإجراءات التي تسوقه إلى باب الله عز وجل، كل أفعال الله هدفها أن تسوق المؤمن إلى باب الله، " وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا "، لولا حرصنا على هدايته، وتزكيتنا له لما كان تقيا، إذا الإنسان غلط وبقي غلطان، والله ما نبهه، ولا خوفه، ولا حذره، إلى أن ينتهي أجله فدخل النار، هذا ليس واقع، " وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا " يعني إذا الله وهب الإنسان ولد صالح، يحب أن يسجد لله عز وجل، ويشكره على هذه النعمة، الابن الصالح قرة عين، " وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا "، الابن الجبار، العصي، الشقي، هذا يشقي والديه.

 لذلك أخوانا الكرام: لو تفوقتم في الدنيا، لو تفوقتم في كسب المال، في نيل الشهادات العليا، ولم تهتموا بأولادكم، الإنسان يشقى بشقاء أولاده، يعني أحد أكبر مهماتنا بالحياة تربية أولادنا التربية الصالحة، وشعور الأب حينما يرى ابنه في طاعة الله، ليس جباراً ولا عصياً، هذا الشعور لا يقدر بثمن، لا يعرفه إلا الأب الذي رأى أبناءه كذلك، فهذه القصة نستفيد منها، في ضرورة العناية بأولادنا، نستفيد منها في خطورة الدعاء في حياتنا، " ولم أكن بدعائك رب شقيا " ومهما كان الأمر فيما يبدو لك مستحيلاً هو على الله هين، ومهما بدا لك الأمر مستحيلاً لأنه يخالف ما ألفه الناس، احفظ، " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، إذا كان طلبك كبير كثير، الجواب هو: " هو علي هين "

الشيء الثالث: ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط
 الشيء الأخير: لولا رحمة الله بنا، وحنانه علينا، وحرصه على هدايتنا، لما كنا كذلك، لكن كل واحد مكلف آلاف آلف ملايين الأفعال الإلهية التي ساقته إلى بابه، قصص كثيرة جداً، يغلط الإنسان غلطة الله يعاقبه عليها، ما من عثرة ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر، فإذا الإنسان، الله عز وجل ساق له الشدة لذنب ارتكبه، الآن في أب يضرب ابنه ضرباً مبرحاً دون أن يعلمه السبب ؟ لا يكون مربي، هذا أب جبار يكون، إذا آلمه من ابنه شيء وبطش به ولم يعلمه السبب إطلاقاً، ينشئ عند الابن حقد، ويحتار لماذا ضربني والدي، أما الأب الرحيم المربي يقول له هذه من أجل كذا معنى ذلك أن كل مصيبة يسوقها الله عز وجل.

﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء علي﴾

(سورة التغابن: 11).

 ربنا عز وجل إذا أرسل مصيبة يلقي في روعك أن هذه من أجل كذا، هذا إلهام، وفي طريق ثاني، توافق المصيبة مع الذنب يشعر أنها من أجل ذلك، إما توافق، أو، واحد لم يدفع زكاة ماله، الله اتلف له مال بقدر الزكاة، هذا إعلام له، إنسان نظر إلى الحرام دخل إلى بيته فشقي بزوجته دخل الشيطان إلى البيت، من كلمة لكلمة أذهبها إلى بيت أهلها، أهلها علموا بها، وبعدين طلقها، بعدين ندم عنده أولاد، من أين بدأت المشكلة ؟ من إطلاق البصر للحرام، أحياناً يكون العقاب من جنس الذنب، هذا إعلام من الله، وأحياناً الله يلقي في روعك أن هذه من أجل كذا هذا معنى: " وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا، وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا "، إذا واحد عنده ابن صالح لا يقول أنا ربيته، أنا اعتنيت فيه، الله قال:

﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾

( سورة العنكبوت: 27)

 وهبنا، هبا، ممكن تكون أكبر علماء العالم ويأتيك ابن شقي سيدنا نوح أليس نبي ؟ ما كان ابنه كافراً ؟ كان كافر، لا أحد يعزي ابنه الصالح لتربيته، وأنا مهتم فيه من صغره، أنا حريص عليه، هو جيد عملك، لكن قول هذا من فضل الله عليّ، يلي عنده ولد يصلي، صالح لا يسبب له متاعب، قرة عين له، يجب أن تشكر الله ليلً نهاراً على أنه وهب لك هذا الابن الصالح.