أحكام التجويد - الحلقة ( 007 - 113 ) - علم التدوين - المحاضرة(4-5) : تدوين القراءة.

2008-02-15

 كنا أيها الأخوة، قد تحدثنا بأن سيدنا عثمان رضي الله عنه ألهمه الله عز وجل فأطفأ تلك الفتنة التي كادت أن تحدث، بأن أرسل إلى التجمعات البشرية التي تسمى الأمصار أمصار المسلمين، أرسل إليهم نسخاً موثقةً من المصحف الصديقي، الذي كتبه سيدنا زيد في زمن الصديق عن القطع التي كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل مع كل مصحف مقرئاً يقرئ الناس، فصار الناس ينسخون من تلك المصاحف الأمهات، وانتشرت مصاحف صحيحة الله أعلم كم، لا يحصيها أحد، لكن علماءنا أيضاً جزاهم الله خيراً، من جملة عنايتهم بالقرآن، خافوا على تلك المصاحف الأمهات من عوادي الزمن، فممكن أن يحرق بعضها أو يتلف بسبب تقدم السنين أو يسرق أو أية أمر من الأمور الأخرى، فقالوا إنما كتب في تلك المصاحف أحد أمرين، إما أمر اعتاده الناس في الإملاء العادي وإما أمر اختصت به كتابة المصحف الشريف، أما ما توافق فيه كتابة المصحف ما اعتاده الناس من الإملاء فلا حاجة لتأكيد عليه لأنه كذلك، ولكن ما خالف ما اعتاده الناس من الإملاء هنا قام علماءنا بتتبع المصاحف التي أرسلها سيدنا عثمان تتبعوا ما كتب فيها، فما خالف ما اعتاده الناس من الإملاء ضبطوه وجمعوه وبوبوه، وبدأ يظهر في العالم الإسلامي تآليف في علم ناشئ سموه علم رسم المصاحف.
 فبدأت تظهر مؤلفات ككتاب المقنع لأبي عمرو الداني رحمه الله، في رسم المصاحف، وكمنظومة عقيلة أتراب المقاصد في أسمى المقاصد للإمام الشاطبي، وكتاب مختصر التبيين لهجاء التنزيل لأبي داود سليمان بن نجاح، ومن كتب المتأخرين كتاب إرشاد القراء والكاتبين إلى معرفة رسم وضبط الكتاب المبين للشيخ أبي عيد المخللاتي، وكتاب سمير الطالبين للشيخ علي محمد الضباع شيخ عموم مقاريء مصر الأسبق، وهكذا ضبط علماءنا هذا الأمر ضبطا كاملاً وما خشي، منه علماء قد حدث، فإن عوادي الزمان قد أتت على تلك المصاحف العثمانية فاحترق بعضها وغاب بعضها، ولم يبق إلا ما دونه علماءنا من أوصاف تلك المصاحف وما نسخ منها، وهذا أمر تواتر ولم يعد هناك مجال لأن يأتي إنسان فيزيد في القرآن حرفاً أو ينقص منه حرفاً، ولو اجتمع أهل الكرة الأرضية كلهم لم يستطيعوا أن يفعلوا ذلك لما قام به علماءنا من الضبط العظيم لكتابة المصحف الشريف فالحمد لله أننا نمسك المصحف بأدينا ونحن واثقون أن هذا المكتوب بين أيدينا هو كلام الله وهو الذي دون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما طرأ عليه أدنى زيادة ولا حرف واحد ولا نقص منه حرف واحد فلله الحمد والمنة على هذه النعمة العظيمة، التي لا تكاد بل لا توجد عند أمة من الأمم ولا في كتاب سماوي ولا غير سماوي، اللهم أدم علينا نعمة القرآن الكريم إنشاء الله تعالى نتكلم في الحلقة القادمة عن تتمة المراحل.