أحكام التجويد - الحلقة ( 006 - 113 ) - علم التدوين - المحاضرة(3-5) : تدوين القراءة.

2008-02-08

 اللهم صلي وبارك على سيدنا محمد ومن والاه وآله وصحبه الكرام.
 أخواننا الأكارم، وقفنا في المرة الماضية عند وصول المصحف الصديقي الذي كتب في عهد أبي بكر الصديق وكتبه زيد بن ثابت رضي الله عنه، وصل هذا المصحف إلى زمان عثمان رضي الله عنه، في زمان عثمان رضي الله اتسعت رقعة الفتوحات الإسلامية ووصل المسلمون إلى أرمينيا وأذربيجان، تعتبر الآن من المناطق السوفيتية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي، فهناك في تلك المنطقة التقى جيشان عظيمان من جيوش المسلمين، جيش قادم من العراق وجيش قادم من الشام، وفيه التابعون وفيه عدد من الصحابة وفيه من التابعين الذين تلقوا القرآن عن الصحابة، وهؤلاء لم يكونوا على درجة واحدة من الإتقان، فلما اجتمع هذان الجيشان سمع بعضهم من تلاوة بعض، فمن جملة ذلك قرأ بعضهم: (وأتموا الحج والعمرة للبيت )فقال الثاني: بل يقول الله: (وأتموا الحج والعمرة لله )، فقال الأول لا للبيت، والثاني يرد عليه، هذا يقول قراءتي أصح من قراءتك وذاك يقول بل قراءتي أصح من قراءتك واتسع الأمر، فكان من جملة الموجودين في تلك المنطقة صحابي جليل هو سيدنا حذيفةبن اليمان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك الصحابي الجليل الذي امتاز ببعد النظر فقد كان يقول عن نفسه:

(( كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ أقع فيه ))

[ متفق عليه عن حذيفة رضي الله عنه]

 فكان دائماً عنده حس مستقبلي رضي الله عنه، فلما سمع ذلك سيدنا حذيفة هاله الأمر، وترك المنطقة وعاد إلى المدينة وقال لأمير المؤمنين عثمان أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا، اختلاف اليهود والنصارى فدعا عثمان سيدنا زيد بن ثابت وكان ما زال حياً، وأرسل إلى حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها أم المؤمنين، وكانت الصحف الصديقية عندها،لأنها ابنة عمر والصحف كانت عند عمر رضي الله عنه في زمن خلافته، فقال لها: أرسلي إلينا الصحف فأرسلتها إليه، وطلب من سيدنا زيد بعد أن شكل له لجنة تقوم بمساعدته في الكتابة وكلهم قرشيون، إلا سيدنا زيد فهو من الأنصار، فقال له: انسخ لنا من هذا المصحف الموثق عدة مصاحف حتى نرسلها إلى الأمصار وتكون هذه المصاحف أئمة للناس يقتدون بها في قراءتهم.
 وهذا الذي حصل فقام زيد بنسخ عدة مصاحف من ذلك المصحف الصديقي الذي كان هو نفسه قد نسخه في زمن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه من الصحف التي كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذاً مراحل كلها مبينة بعضها على بعض ليس فيها اختراع، ليس فيها ابتكار ليس فيها من عند أنفسهم شيئاً، لذلك نجد في كتابة المصحف، أمور نتوقف فيها ونقول الله أعلم بمراده، فكتب سيدنا زيد وتلك اللجنة التي شكلها له سيدنا عثمان عدة نسخ وراجعوها ودققوها وضبطوها غاية الضبط، وهم أحرص الناس على كلام الله عز وجل، ثم قام سيدنا عثمان رضي الله عنه بإرسال مصحف من تلك المصاحف إلى كل مصر كبير من أمصار المسلمين، إلى كل تجمع سكاني كبير، وأرسل مع ذلك المصحف قارئاً متقناً يقرئ الناس بما في ذلك المصحف، فأرسل نسخة إلى الكوفة ونسخة إلى البصرة ونسخة إلى الشام ونسخة إلى مكة ونسخة إلى اليمن وقيل أيضاً أرسل إلى البحرين، وأبقى في المدينة مصحفين مصحفاً لعامة المسلمين ومجموعهم، ومصحفاً خاصاً عنده، إذ هو أمير المؤمنين فعليه أن يحتفظ بنسخة موثقة.
 وطلب من الناس أن يعرضوا ما عندهم من قرآن مكتوب، الله أعلم بحاله لأنه غير مراقب، على هذه النسخة المراقبة، المتقنة المعروفة الأصل التي هي مكتوبة من الصحف الصديقية، والصحف الصديقية مكتوبة من القطع التي كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا فعل ولم يكن هناك وسيلة أخرى غير تلك الوسيلة التي ألهم الله سبحانه وتعالى عثمان على فعلها، ليتصور كل واحد منا أنه مكان سيدنا عثمان، هل هناك طريقة أفضل من هذا؟ الناس يملئون الأرض وفي أيديهم مصاحف الله أعلم بها، قطع، وأجزاء من المصاحف مشكوك فيها كيف نضبط الأمر؟ ليس هناك سبيل إلا أن نعيدهم إلى النسخة الموثقة.
 لذلك كان سيدنا علي رضي الله عنه يقول لو وليت من المصاحف ما ولي عثمان لصنعت ما صنع، فانعقد إجماع الصحابة على صنيع عثمان وأقروه جميعاً على ذلك، فصارت هذه المصاحف كل منها إماماً يقتدى به، لذلك كل مصحف منها اسمه المصحف الإمام، لأن الإمام هو الذي يقتضى به في الصلاة، فكل مصحف من تلك المصاحف اقتدى الناس فيه فعرضوا ما بين أيديهم عليه فما وافق أبقوه وما خالف أتلفوه وأحرقوه حتى يبقى المصحف نقياً واضحاً بعيداً عن أي تغيير و أي لبس، وانتشر من تلك المصاحف العثمانية مصاحف كثيرة جداً لا يحصيها إلا الله عز وجل.
 شكراً دكتور ايمن ولعل هذا أخوتي نجده، دائماً في المصاحف من عناية الأمة بضبطها منذ عهد عثمان إلى اليوم، تجدون في الآخر أسماء علماء موثوقين، لجان تشكل وليس شخص واحد، يقوموا بمراجعة المصحف الشريف، الآن معنا في مصحف المدينة تذهبون إلى آخر المصحف، مكتوب أسماء اللجنة التي أشرفت على هذا المصحف، المصاحف المطبوعة في مصر تجدون كذلك أسماء العلماء ولجنة من كبار العلماء، والمصاحف المطبوعة في الشام بنفس الطريقة ومن يومها، هذا المصحف الشريف ما ترك لجهد فرد كائن من كان، إنما دائماً تنضم لجنة تأسياً بفعل عثمان رضي الله عنه، ولعل دكتور ايمن أشير على شيء بسيط نسمع دائماً المصاحف العثمانية، هذا الجواب عليها نسبة إلى من؟ نسبة إلى المصحف الذي جمع في عهد سيدنا عثمان، وأمر بنسخها وبقيت كل المصاحف التي بين أيدينا، منسوبة إلى تلك النسخ التي نسخت بأمره رضي الله عنه، ولعلنا نشير إلى قضية هامة أن هذا المصحف الذي كتب في عهد سيدنا عثمان وبث في الأنصار الإسلامية العواصم الكبرى التي كانت فيها جماعة المسلمين من الصحابة والتابعين وكان بينهم قراء ووافق دائماً قراءات الصحابة بمصحف المضبوط فالتقى فيها المحفوظ مع المكتوب وصارا يسيران بمسير واحد، لو كان الأمر لا سمح الله غير هذا لما تم الأمر القبول لهذا المصحف لكن توافق حفظ الصحابة بما تلقوه عن رسول الله مع ما كتبوه مجمعاً عليه، وحظي بذلك بالقبول، هل من إضافة دكتور أيمن؟