رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 31 - من سورتي السجدة والإنسان - حال المؤمن.

2000-12-14

على المؤمن عبادة الله رغباً ورهباً :

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أيها الأخوة الكرام ،؛ لابد للمؤمن من أن يدفع ثمن الجنة ، فإذا اطمأن الناس يخاف هو ، وإذا غفل الناس يذكر هو ، وإذا تفلت الناس ينضبط هو ، وقد وصف الله حال المؤمن في آيةٍ في السجدة قال :

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾

[ سورة السجدة: 16 ]

 المعنى الواسع لهذه الآية أن كل شيءٍ تركن إليه النفس هو لا يركن إليه ، الناس يسترخون ، يستمتعون ، ينامون ، يأكلون ، يشربون ، يضحكون ، يغوصون في أمور الدنيا ، هو قلق ، قلقٌ على مصيره ، قلقٌ على حسن خاتمته ، قلقٌ على مسعاه إلى الجنة ، فالله عز وجل قال :

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾

[ سورة السجدة: 16 ]

 أي لا يركن إلى متاع الحياة الدنيا ، لا يراها كل شيء ، لا يراها هدفاً من أهدافه الكبيرة ، هدفه مرضاة الله عز وجل :

﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾

[ سورة السجدة: 16 ]

 هناك مقياس دقيق ، إذا زاد الرجاء ضعف الانضباط ، وإذا زاد الخوف ضعف الرجاء ، من السهل جداً أن ترجو الله رجاءً ساذجاً من دون عمل ، وأن تطمع في رحمته من دون التزام ، وسهلٌ جداً أن تخافه خوفاً غير معقول ، فلا ترجو رحمته عندئذٍ ، كلاهما حالةٌ مرضية ، الوضع المتوازن أن ترجوه بقدر ما تخافه ، وأن تخافه بقدر ما ترجوه ، أن تكون بين الخوف والرجاء ، أن تعبده رغباً ورهباً ، التوازن يحتاج إلى بطولة ، أما التطرف سهل جداً في أي شيء ، التطرف سهل ، أما التوازن يحتاج إلى دقة ، لذلك :

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 16 ]

ثمن الجنة أن تقدم شيئاً خالصاً لله عز وجل :

 إذاً هو على اتصالٍ بالله ، ومع الاتصال خوفٌ وطمعٌ في وقتٍ واحد ، على مستوى العمل :

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 16 ]

 أي بنى حياته على العطاء ، مما أتاه الله ، سمعت قصة أن امرأةً أصيبت بمرضٍ خبيثٍ في دماغها ، فنذرت إن شفاها الله أن تقدم كل ما تملك في سبيل الله ، فشفيت ، حسناً ماذا تملك؟ امرأةٌ فقيرةٌ جداً ، لا تملك شيئاً ، سمعت أنها بدأت تطبخ طبخاً نفيساً ، وتبيعه إلى أسرٍ غنيةٍ ، والفرق تعالج به المرضى وأقبل الناس عليها إقبالاً شديداً ، طبخ منزلي ، مستوى عالٍ جداً وتأخذ ثمن هذا الطعام مع ربحٍ جيد ، الأرباح كلها لم تدخل جيبها ، إنما قُدمت لمعالجة المرضى فارتقت عند الله ، ماذا تملك هذه المرأة؟ أنها تطبخ طبخاً جيداً فقط ، لا يوجد إنسان ليس عنده ميزة بالأرض .
 إنسان وهب عرضه لمن اغتابه ، أبو ضمضم : يا رب وهبت عرضي لمن اغتابني ، سامحته ، كان يستطيع أن يقاضيه ، فلا يوجد إنسان ليس عنده شيء ، فهذا الشيء لو أنك نذرته لله :

﴿ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي ﴾

[ سورة آل عمران: 35 ]

 نذرت ابنها ، أو وليدها إن صح التعبير ، فهناك إنسان يملك خبرة ، إنسان اختصاص ، وإنسان آخر لغة أجنبية .
 والله البارحة أخ كريم قال لي : أنا أستاذ في الجامعة ، ومتخصص في الكيمياء ، وأنا بخدمة هذه المسجد ، عرض إمكانياته ، هذا باختصاص ، هذا بمهنة ، هذا بحرفة ، هذا بمال ، هذا بخبرة ، هذا بترجمة ، هذا بموضوع ، لابد أن تقدم شيئاً لله عز وجل ، خالص هذا الشيء هو ثمن الجنة ، نعم هؤلاء الذين يستحقون الجنة :

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾

[ سورة السجدة: 16 ]

 النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح يقول :

(( إياك والتنعم ))

[أحمد عن معاذ بن جبل ]

الجنة التي وعدنا بها والتي خلقنا من أجلها ثمنها في متناول أيدينا :

 طبعاً الإنسان يتنعم أحياناً ، لكن يتنعم دون أن يكون قصداً له ، دون أن يكون شيئاً في حياته مركزاً ، الله يسره بأهله ، بأولاده ، بطعام ، بلقاء ، بسفر ، بثمر إسلامي بريء مباح طيب ، دون أن يكون شيئاً مركزاً في حياته .

(( إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ))

[أحمد عن معاذ بن جبل ]

 لأنه :

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾

[ سورة السجدة: 16]

 الجواب قال :

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾

[ سورة السجدة: 17 ]

 لو شخص ضعيف بحفظ القرآن لعله يقرؤها ، فلو تعلم نفس ، لو قد تعلم ، أما (ما) فنافية ، لا يمكن أن تعلم ما أُخفي لهم من قرة أعين ، من سعادةٍ أبدية ، فهذه الجنة التي وعدنا بها ، والتي خلقنا من أجلها ، ثمنها في متناول أيدينا في الدنيا ، انضباط ، وطاعة ، وعمل صالح ، وذكر ، وطلب علم .

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 17 ]

 ثم يقول الله عز وجل :

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18 ]

 أي شتان بين المؤمن هو الحقيقة والكافر ، لكن لأن الكفر من لوازمه الفسق قال :

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18 ]

الشدائد في الدنيا يسوقها الله كي لا تكون شدائد أكبر في جهنم :

 الآن ممكن أن نعطي حكماً جامعاً مانعاً وهو أن كل الشدائد في الدنيا في الأصل يسوقها الله ، كي لا تكون شدائد أكبر في جهنم :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ﴾

[ سورة السجدة: 21 ]

 هو عذابٌ أدنى في الدنيا دون العذاب الأكبر في الآخرة لعلهم يرجعون ، أي ما من كلماتٍ بليغات ، جامعاتٍ ، مانعاتٍ ، واضحاتٍ ، حاسماتٍ ، كهذه الكلمات :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ﴾

[ سورة السجدة: 21 ]

 لعل الله يتلافى العذاب الأكبر بالعذاب الأدنى :

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 21 ]

 وفي آية قرآنية لعلي ذكرتها كثيراً ، لكن لعل بعض الإخوة لم يسمعها من إعجاز القرآن العلمي ، في هذا العصر من أكبر أعلام العلم الفلكي والفيزيائي أينشتاين وقد عُقِد مؤتمر للإعجاز العلمي في موسكو ، المؤتمر الخامس ، أُلقيت فيه محاضرةٌ ، اطلعت على ملخصها ، ثم طلبت أصلها ، فقدم إلي ، أصل هذه النظرية أن الله عز وجل يقول :

﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

[ سورة السجدة: 5 ]

 لأن العرب مخاطبون بهذه الآية ، ولأنهم يعدون السنة القمرية ، فكان هذا اليوم يساوي ألف سنة ، بعض العلماء حسبوا أن القمر يدور دورة حول الأرض في كل شهرٍ مرة ، ومن السهل جداً أن تحسب كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض من خلال وصل خط بين مركز الأرض ومركز القمر ، هذا نصف قطر الدائرة ، ومضاعفة الخط يعطينا قيمة القطر ، ضرب البي المحيط ضرب اثني عشر بالسنة ، ضرب ألف ، ألف سنة ، هذا الرقم الكبير جداً لو قسم على ثواني اليوم :

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ﴾

[ سورة الحج: 47 ]

 النتيجة طبعاً لو قسمنا المسافة على الزمن ينتج السرعة ، النتيجة سرعة الضوء الدقيقة هي مئتان وتسعة وتسعون ألفاً وسبعمئة واثنان وخمسون كيلو متر في الثانية ، هذه سرعة الضوء الدقيقة ، وهي السرعة المطلقة في الكون ، فلو سبقنا الضوء تراجع الزمن ، ولو سرنا مع الضوء توقف الزمن ، ولو قصرنا عن الضوء تراخى الزمن ، آية :

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

[ سورة الحج: 47 ]

للمؤمن الصادق ساعة مناجاة مع ربه :

 أخواننا الكرام ، في سورة الإنسان يقول الله عز وجل :

﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 25 ]

 يقولوا ورد في الأحاديث الصحيحة :

(( من صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ، ومن صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي ))

(( يا بن آدمَ لا تَعْجِز من أربع ركعات في أول نهارك أكْفِكَ آخرَهُ ))

[ أخرجه أبو داود عن نعيم بن همار]

﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ ﴾

[ سورة الإنسان: 25 - 26 ]

 المؤمن الصادق له ساعة مناجاة مع ربه ، في قيام الليل ، في صلاة الفجر ، في صلاة التهجد ، وهو مستلقٍ ، لابد من أن تناجيه ، لابد من أن تسأله :

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 26 ]

 لأن الله عز وجل يقول :

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾

[ سورة الإسراء: 78 - 79 ]

 الحد الأدنى ركعتان قبل آذان الفجر ، الحد الأدنى ، وأنا أقول لكم لا يمكن أن ينطق النبي بالهوى ، النبي روى لنا أنه :

(( إِذَا مَضى شَطْرُ الليل أو ثُلُثَاهُ ، يَنْزِلُ اللهُ تَبارَكَ وتعالى إِلى السماءِ الدنيا فيقولُ: هل من سائِلٍ فَيُعْطَى ؟ هل من دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَه ؟ هل من مُستَغفِرٍ فَيُغْفَرَ لَهُ ؟ حتى يَنفَجِرَ الصُّبْحُ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ]

﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 25 - 26 ]

الإنسان مخير عند الله لا يقبله الله إلا مختاراً :

 الآن علماء البلاغة قالوا : إن هؤلاء عند الله صغار ، تافهون :

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴾

[ سورة الإنسان: 27]

 يحبون الدنيا :

﴿ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 27 ]

 أي قد يعترض إنسان على الإمام أنه أطال في القراءة ، واعتراض عنيف جداً ، واعتراض قاس ، أما لو حدثته في أمور الدنيا وقف ساعتين على قدميه في الطريق دون أن يشعر ، لم يحتمل قراءة صفحة ، لكن أدار حديثاً دام ساعتين وهو واقف ، فعندما يتضايق الإنسان من بقائه في المسجد ، ومن أداء الصلوات ، ومن تلاوة القرآن ، ويسرح ويمرح في أمور الدنيا ، فهذا مؤشر خطير جداً :

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً * نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 27 - 29 ]

 أنتم مخيرون :

﴿ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾

 غير ملزمة ، لأنك عند الله مخير ، فأنت هويتك مخير ، لا يقبلك الله إلا مختاراً ، لا يقبلك مكرهاً :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[ سورة البقرة: 256 ]

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

[ سورة السجدة: 13 ]

العمل القسري لا نرقى به :

 لو أن الهدى القسري يسعدكم ، لأجبرتكم على الهدى :

﴿ وَلَوْ شِئْنَا ﴾

[ سورة السجدة: 13 ]

 أن نلغي اختياركم أن نلغي قوامكم ، أن نلغي التكليف ، أن نلغي المسؤولية ، أن نلغي الجنة ، أن نلغي النار :

﴿ وَلَوْ شِئْنَا ﴾

[ سورة السجدة: 13 ]

 ولو شئنا أن نسيركم قسراً لما أجبرناكم إلا على الهدى ، ولكن هذا الهدى .
 مرة ضربت مثلاً : لو أن طالباً يعمل والده في بيع الأزهار ، جاء لمعلمه بباقة زهر ، طفل صغير جاء بباقة زهر وهو مبتسم وفرح ، وقدم شيئاً ثميناً ، والأستاذ قبلها منه ، وأثنى عليه ، طوال اليوم هذا الطالب مع الأستاذ متألق ، زئبقي العين ، متورد الخدين ، لأنه قام بعمل طيب ، جاء بهدية لأستاذه ، والأستاذ وضعها على الطاولة ، وأثنى عليه ، انظر الحادثة نفسها بشكل آخر ، ماذا يعمل والدك يا بني ؟ قال له : يبيع أزهاراً ، قال له : أحضر لي باقة ورد ، ولا تنسى، أو أضع لك علامة الصفر مثلاً ، أحضر في اليوم الثاني ، خذ يا أستاذ ، هل يرقى الطالب في المرة الثانية ؟ أبداً ، فيها قهر ، ما دام قهراً ليس فيها شعور أنه قدم شيئاً ، لا يمكن أن ترقى إلا بعمل مختار ، العمل القسري لا ترقى به ، فلو أراد الله أن يهدينا جميعاً لهدانا قسراً ، هذا الهدى لا قيمة له إطلاقاً ، وأساساً الأقوياء إذا أعطوا أمراً الجميع ينفذون ، بالملايين ينفذون ، لكن هل يرقى الناس بهذا الأمر ؟ أبداً ، لأنه كان قسراً ، هنا يقول الله عز وجل :

﴿ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾

[ سورة الإنسان: 29 ]

 تذكرة فقط :

﴿ فَمَنْ شَاءَ ﴾

[ سورة الإنسان: 29 ]

 من أراد مختاراً ، طائعاً ، مبادراً :

﴿ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان: 29 ]

 جاء للمسجد قرأ القرآن ، عرف أحكام الشرع ، غض بصره ، ضبط أذنه ، ما سمع الغناء ، ما عاش مع الملهيات ، ما اغتاب ، ما نم ، كان صادقاً ، كان أميناً ، هذا طريق الله عز وجل ، الصدق طريق ، والأمانة طريق ، والعفة طريق ، والاتقان طريق ، والنصيحة طريق ، الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، لكن :

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

[ سورة الإنسان: 30 ]

مشيئة الإنسان مشيئة اختيار لكن مشيئة الله مشيئة اختبار :

 من أجل ألا نفهم هذه الآية فهماً جبرياً ، والفهم الجبري خطير جداً ، أنني أنا إذا شئت الله لا يشاء لي إذا أراد ، لا ليس هذا هو المعنى ، نقول له : يا أيها الإنسان مشيئتك مشيئة بحثٍ واختيار لكن مشيئة الله مشيئة فحصٍ واختبار ، الآن طالب حصل على مئة وعلامتين في البكالوريا ، كتب أريد الطب ، إذا نظروا إلى علاماته يرفضوه طبعاً ، هم ما رفضوه تعنتاً ولا قسوةً لكن ليس عنده أهلية هذه الكلية ، فالإنسان يشاء ، يبحث ويشاء ، والله عز وجل يمتحن ويمحص، فمشيئة الإنسان مشيئة اختيار لكن مشيئة الله مشيئة اختبار ، تختار أنت والله يختبرك:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

[ سورة الإنسان: 30 ]

 أي ما كل طالب قدم كلمة طب بالاستمارة يُقبل ، ينظرون إلى علاماته ، ينظرون إلى مجموعه ، علامة العلوم ، علامة الرياضيات ، هناك اختبار :

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾

[ سورة الإنسان: 30 ]

 عليم وحكيم ، كذلك في آية ثانية :

﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾

[ سورة الإنسان: 31 ]

 كذلك حتى لا تفهمها فهماً جبرياً ، الذي بعد هذه الآية :

﴿ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

[ سورة الإنسان: 31 ]

 من الذي يدخله إذاً؟ الذي لم يظلم ، أنا سآخذ معي من أشاء إلى الرحلة ، والكسول لا آخذه معي ، حسناً أنت من تأخذ إذاً؟ أصبح هناك قاعدة ، هذه الآية الأخيرة :

﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

[ سورة الإنسان: 29 - 31 ]