الدرس : 4 - سورة المجادلة - تفسير الآيات 14-22

1996-06-07

 صفات المنافقين، وضرورة التزام الجماعة المؤمنة

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الرابع والأخير من سورة المجادلة ومع الآية الرابعة عشرة، وهي قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

 تولّي غير المؤمنين:
 الحديث هنا عن المنافقين، وقد ذكرت لكم أن النفاق لا يأمنه إلا منافق ولا يخافه إلا مؤمن، و النفاق يسري بين المؤمنين كالنار في الهشيم، فإذا لم يكن المؤمن يقظاً واعياً حريصاً على سلامة إيمانه فإن النفاق يسري إلى قلبه وهو لا يشعر، لكن هذا النفاق ليس نفاق الكفر، إنما نفاق المعصية، فحينما يخضع المؤمن إلى ضغوط أو مغريات أو شبهات فإنه قد ينحرف في داخله، بينما يكون محافظاً على ظاهره، وهذا النوع من النفاق خطير جداً، إلا أن شفاءه محقق، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾

 هؤلاء المنافقون هم الذين والوا، و الإيمان في حقيقته ولاء لله ورسوله والمؤمنين، وما الكفر والنفاق إلا العداء والبغضاء لهم، فمن أحب الله ورسوله والمؤمنين فهو-ورب الكعبة- مؤمن، ومن أبغض المؤمنين كان بغضه هذا أحد أنواع النفاق، فإذا أردت أن تطمئن على قلبك فانظر إليه، أيحب المؤمنين أم يبغضهم ؟.
 هؤلاء المنافقون الذين تحدث الله عنهم تولوا هم اليهود، قال الله عز وجل:

 

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7)﴾

 

(الفاتحة)

 فالناس ثلاثة: رجل عرف الله فأطاعه، فهو من الذين أنعم الله عليهم وهداهم طريق الاستقامة وقربهم وتجلى على قلوبهم وأسعدهم في الدنيا والآخرة.

 

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾

 المغضوب عليهم ؛ أي: الذين عرفوا وانحرفوا، وقال بعض المفسرين: هم اليهود، والذين لم يعرفوا ثم انحرفوا هم الضالون، يقول الله عز وجل:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾

 الانتماء إلى جماعة المؤمنين:
 أيها الأخوة... أذكر لكم بالمناسبة أن الإيمان إنما هو انتماء المؤمن إلى جماعة المؤمنين، فهو يشعر أنه أحد أفراد المؤمنين، كما يشعر أنه لصيق بهم، فيؤلمه ما يؤلمهم ويسعده ما يسعدهم، و يرضى لهم ما يرضى لنفسه، و يتمنى رفعتهم ورقيهم وفوزهم، فإذا فازوا شعر أن هذا الفوز له، أما الذي يتولى أهل الكفر والعصيان وينتمي وينضم إليهم ويدافع عنهم فهو منهم، فقد ورد في الحديث الشريف:

((أنه من هوي الكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً ))

 فهناك من الناس من يذهب إلى بلاد الغرب، فيعود ويتحدث عن فضائل الغربيين، أما سقطاتهم وانحرافاتهم وانحلال أسرهم وتفلت أخلاقهم وسوء عقيدتهم فيكتمه، فهو إذاً ولي لهم لكن المؤن الصادق يتولى المؤمنين.

 

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾

 والانتماء الحقيقي أيها الأخوة إنما يكون إلى مجموع المؤمنين، فلا تنتمِ إلى جماعة صغيرة بل إلى مجموع المؤمنين، لتحس بعد ذلك أن أي مؤمن على وجه الأرض قريب منك ولو تباعدت الأجسام واختلفت البلاد، وذلك لأن انتماءك إلى مجموع المؤمنين يجعلك أقرب إليهم.

 

 

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ ﴾

 فهؤلاء المنافقون ليسوا من المؤمنين، فهم مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
 ثمرة الدين:
 إخوانا الكرام... هناك نقطة هامة جداً أريد أن أشير إليها، وهي أن هذا الدين له ثمرة واحدة هي الاتصال بالله، فهدف التجارة مثلاً هو تحقيق الربح، وإن كل النشاطات التجارية من اختيار المحل وتزيينه وملئه بالآلات... إلخ،إنما هي من أجل أن تحقق الربح، فإن لم تحقق ربحاً كانت هذه التجارة لا معنى لها، كما أن الدين كلَّه، بعقيدته و عباداته، كطلب العلم وتعليمه، وغير ذلك، كل ذلك يكون من أجل أن تتصل بالله فتسعد بهذا الاتصال، فإن لم يكن لك اتصال بالله كان كل ما فعلته ليس بشيء، فهؤلاء المنافقون لم يقطفوا ثمار الدين، لأنهم لم يستقيموا على أمر الله، فكان انتماؤهم انتماء شكلياً، كما أنهم ليسوا مع الكفار، إنهم لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فهم لم يأخذوا ميزات المؤمنين، ولا تفلت الكافرين، وإنك قد ترى عندهم انضباطاً، وذلك إرضاءَ للمؤمنين لا إرضاء لله عز وجل، أما باطنهم فهو مع الكافرين، فهم ليسوا مع الكفار أحراراً فيما يتحركون، ولا هم مع المؤمنين يقطفون ثمار الدين، فأنت مثلاً محسوب عند جيرانك وأقربائك من المؤمنين، فإن لم تقطف ثمار الإيمان ضيعت هذه وتلك، فثمرة الإيمان هي الاتصال بالله عز وجل، وحسن العلاقة به، و الإقبال على الله دوام ذكره، و السعادة بالقرب منه.
 إن هذه العلاقة تحتاج إلى وسائل، فالمركبة لا تمشي إلا إذا استُكملت جميع أجزائها، من محرك ووقود و مكبح... إلخ، أما لو كان عندك قطع من سيارة فهي لا تسير، وقد يكون لهذا القطع ثمن، لكنها لا تسير، فأنت لا تستطيع أن تسير إلى الله ولا أن تتصل به لتقطف ثمار الإيمان من القرب والسعادة إلا بطاعتك لله، فإن لم تفعل هذه الطاعة خسرت ثمار الدين وبقي انتماؤك إلى الدين شكلياً، فلا أنت مع أهل الدنيا المتفلتين ولا مع أهل الإيمان، وهذه هي المشكلة، قال:

 

 

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ ﴾

 

 الولاء للمؤمنين:
 إنك قد تعامل إنساناً غضب الله عليه بعلاقة عمل، فهنا لا شيء عليك، أما الحب والانتماء فهذا هو الولاء، فالذي يوالي إنساناً يدافع عنه، و يصوب عمله، و يميل قلبك إليه، فيسترشده ويصغي إلى نصائحه، و يكبره ويعظمه....

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

 إن المنافق يعلم أنه منافق كاذب، لذلك تراه دائماً يلجأ الأيمان المغلظة ليستر نفسه،إلى فإذا رأيت إنساناً يكثر حلف الأيمان بسبب وبغير سبب فاعلم أن فيه [خصلة] من النفاق.

 

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

 

 (ألم تر) ؛ أي: انظر إلى حال هؤلاء، وما فيهم من وضاعة الشكل، و ازدواج الشخصية والبعد عن الله، واعلم أن الله سيفضحهم، يقول الله عز وجل:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ﴾

(سورة آل عمران 179)

 وقال:

 

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2) ﴾

 

(سورة العنكبوت)

 فهناك من الناس من يظهر خلاف ما يبطن، لكنه لا يمكن أن يستمر بهذا إلى ما لا نهاية، فلا بدّ من أن يفضحه الله عز وجل، فيكشف حقيقته و يظهر ما يضمر، و هؤلاء الذين يقول الله عنهم:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾

 

 كان هؤلاء المنافقون يجلسون إلى اليهود والكفار، وينقلون إليهم كل ما قال النبي للمسلمين من خطط وأخبار، فقد كانوا يخونون الله ورسوله.

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

 علاقتنا بهذه الآية:
 قد يقول قائل: ما علاقتي بهذه الآية ؟ فنقول: إنك إذا واليت إنساناً من أهل الدنيا والمعاصي، وكان هذا الإنسان بعيداً عن الله عز وجل ومقطوعاً عنه، ثم أحببته ونقلت له كل شيء عن المؤمنين، فإنك تكون بذلك تنتمي إليه ولا تنتمي إلى المؤمنين، فتنطبق عليك هذه الآية، لأن هؤلاء المذكورين في الآية هم الذين يوالون أعداء الله، فيدافعون عنهم وينسجمون معهم ويمدحونهم، فقل لي من توالي أقل لك من أنت، والمؤمن يوالي المؤمنين.

﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 إن لم يعامل الإنسان الله عز وجل ساء عمله وحبط، فإذا كان لديك عمل فافحص عملك واعرضه على كتاب الله، ثم انظر هل هو وفق المنهج ؟ و هذا هو الشرط أول، وهل ابتغيت به وجه الله ؟ وهذا هو الشرط الثاني، ثم افعل هذا مع مجمل عملك، في بيتك ومكتبك و حرفتك و طريقك و علاقاتك المالية والاجتماعية، وحركتك في الدنيا، فاعرض كل هذا على كتاب الله، فإن كانت موافقاً للمنهج وتبتغي بها وجه الله فهنيئاً لك وهنيئاً لمسعاك، أما إذا كان في العمل معصية أو خلل، أو كانت النوايا ليست طيبة فلا بدّ أن تصحو قبل فوات الأوان، وهناك فسحة للتوبة والإصلاح مادام القلب ينبض.
 إن الله عز وجل ما جعل هذا الكلام وحياً يتلى إلى يوم القيامة، وما جعلنا متعبدين بتلاوته إلا ليكون درساً بليغاً لنا، فاسأل نفسك: هل أنت توالي المؤمنين أم توالي أهل المعصية والفجور؟ عمّن تدافع ؟ ومن تتمنى أن يرقى بك ؟ هؤلاء أم هؤلاء، هل يؤلمك ما يؤلم المؤمنين ؟ هل يقلقك ما يقلق المؤمنين ؟ هل يرضيك ما يرضيهم ؟ هل يسعدك ما يسعدهم ؟ فإذا كنت كذلك كان ولاؤك للمؤمنين، أما إذا واليت أهل الدنيا وأهل المعصية والفجور وانضممت إليهم وانتميت إلى فئتهم، وأعنتهم ودافعت عنهم ومحّضْتَهم الحب كان ولاؤك لغير المؤمنين، والولاء قضية مهمة جداً، فقد جاء في الحديث أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب لقد فعلت كذا وكذا، فيقول الله تعالى:

(( أما جُهدك فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك ولكن ماذا فعلت من أجلي يا عبدي ؟؟))

 يقول: يا رب ماذا أفعل من أجلك ؟، يقول الله عز وجل:

(( هل واليت فيّ ولياً ؟ هل عاديت فيّ عدواً ؟))

 أي: هل واليت إنساناً لا تحبه إلا في الله ولم يكن لك عنده مصلحة أبداً، من علاقة مالية أو اجتماعية، أو قرابة... فكنت لا تحبه إلا لله لأنه مؤمن به، وكانت علاقتك به علاقة الإيمان، فإذا أحببت إنساناً لله فأنت مؤمن، أما إذا أحببت مَن لك مصلحة عنده فأنت من أهل الدنيا، لأن هذا الذي يبني علاقاته على أساس مصالحه، فيوالي الجهة التي يأتيه الخير منها ولو كان ذلك على معصية، ويعادي والجهة التي لا تنفعه ولا تضره ولو كان ذلك على طاعة، فهو منافق، لأن هذا أحد أنواع النفاق، فالمنافق حركته مع مصالحه، أما المؤمن الصادق فهو يحب أي مؤمن من دون علاقة مادية أو قرابة، لأنه لا يحبه إلا لله، فإذا كان في حياة أحدنا علاقات خالصة لله، فكان يحب مؤمناً لا يحبه إلا لله، ويبغض الكافر و الفاسق و المنافق و الفاجر لا يبغضهم إلا لله فهذا هو المؤمن ورب الكعبة، فالمؤمن يحب لله و يبغض لله ويعطي لله و يمنع لله و يغضب لله ويرضى لله، ويقيم علاقاته على أساس الإيمان.
 فالآية تقول لك: يجب عليك أن توالي المؤمنين و تنتمي إليهم و تحبهم لله و تسترشدهم، كما يجب عليك أن تبغض الفاسق لله..
قال تعالى:

 

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28) ﴾

 

(سورة الكهف)

 فهؤلاء المنافقين الذين والَوا اليهود ومحّضوهم النصح، ونقلوا إليهم أخبار النبي وأصحابه هؤلاء:

 

﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 أيها الأخوة... ما منا واحد إلا يحب السلامة لنفسه، فإذا علمت أن المنافق سيحاسب أشد الحساب في الدنيا والآخرة وجب عليك أن تبتعد عن النفاق، إلا أن الشيء الذي يلفت النظر أن الجزاء بعيد، أما المغانم فهي قريبة وهذا من ابتلاء الله للناس، فالأشياء المحسوسة قريبة، أما الجزاء فهو خبر جاء في كتاب الله أو في حديث رسول الله، فالمؤمن الصادق يصدق خبر الله عز وجل فيرتدع، أما غير الصادق فيتبع ما بين يديه من مكاسب مادية وشهوات، وينسى وعد الله ووعيد، ثم يندم أشد الندم حينما يأتي العقاب.

 

 

﴿ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 فالعمل السيئ سوف يسوء صاحبه.
 اليمين الفاجرة سلاح المنافق:

 

 

﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 إن سلاح المنافق هو اليمين الفاجرة، فالمؤمن أقوى من أن يؤكد كلامه بيمين، لأن كلام الإنسان الصادق واضح و حقيقي، فكلما رأيت إنساناً يكثر الحلف فاعلم أن فيه خصلة من النفاق، وقد قال الله عز وجل:

 

 

﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾

 

(سورة المائدة 89)

 فإن لم يصدقك الذي يستمع إليك فلا تلقِ عليه كلاماً أبداً، لأنك إنسان مؤمن، ومن أبرز خصائص المؤمن أنه صادق، فإذا سُئلت فأجب من غير أَيمان، لكن المنافق يعلم أنه منافق وأنه يكذب على الناس، فهو يلجأ دائماً إلى حلف اليمين من أجل ألا يفتضح أمره.

 

﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾

 (جُنّة) ؛ أي: ستراً أو ردْءاً يستترون به
جزاء المنافقين:

 

 

﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾

 

 إن عذاب الازدواجية عذاب مُهين، فقد يبطن الإنسان شيئاً ويظهر شيئاً، فإذا انكشف هذا الذي أبطنه أُهين الإنسان، وليس هناك شعور أشد على نفس البشرية من أن تفتضح، فإذا علم الناس حقيقة الإنسان وهو يحاول أن يستره نفسه كان هذا عذاباً مهيناً بالنسبة له، وإذا كان للإنسان مظهر معين ثم كشفت حقيقته كان هذا الكشف شيئاً مخيفاً، فمن الناس من له أسرار فاحشة ومنحرفة، لكن يملك مظهراً راقياً، فإذا كشفت أسراره وفضحت كان في عذاب مهين.

﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾

 إن للمنافق مظهراً وله مخبراً، و ظاهراً و باطناً، كما أن له مواقف معلنة و مواقف حقيقية، فلو كشف إنسان ازدواجيته انصرف هذا المنافق عن طريق الدين كله، فيكون بذلك قد صدّ الناس عن الدين وهو لا يشعر، فإذا أنت عاملت الناس معاملة راقية، وكنت محسوباً بينهم على أنك مؤمن، لجذبت هذه المعاملة الراقية الناس إلى الدين، فإذا أسأت معاملتهم نفّرتهم من الدين، و كل إنسان عنده ازدواج في شخصيته، وله ظاهر و باطن يصد الناس عن سبيل الله وهو لا يشعر.
 لماذا ينافق المنافق ؟؟
 ولكن السؤال المُحير: لماذا ينافق المنافق ؟ لماذا يظهر ما لا يبطن ؟ لماذا يكذب ؟ لماذا يوالي أهل المعصية والفجور ؟ لماذا يوالي أهل الدنيا ؟ إنه يفعل ذلك من أجل الدرهم والدينار و المكاسب المالية، فلكل إنسان هدف معيّن في ذهنه، وإن هدف النفاق هو المكاسب المادية والدنيا، فقد نافق المنافقون من أجل الدرهم والدينار، لكن ربنا عز وجل طمأنهم أن أموالهم وأولادهم لن تغني عنهم من الله شيئاً، فهذا الذي سعَوا في سبيله وضحوا من أجله بدينهم لن يغني عنهم من الله شيئاً، فمن ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى... فعندما يعصي الإنسان ربه ويبيع دينه وعرضه أحياناً من أجل الدنيا لم تغن هذه الدنيا عنه من الله شيئاً، فقد لا ينتفع بها، وقد لا تمنعه من مصيبة تلم به، قال:

﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

 لقد أكثر الله عز وجل من ذكر أوصاف المنافقين كي نحذر الوقوع في طريقهم، وما ذكر الله أوصاف المنافقين إلا لنكون يقظين من أن تزل أقدامنا إلى سلوكهم.
 ليسوا على شيء...
 قال تعالى:

﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾

 إن المنافقين ليسوا على شيء، و المشكلة هي أن المنافق أحياناً قد يظن أنه على شيء رشيد، وأنه يفعل ما يفعل من أجل مصلحته، كي يرضي مطامعه ويرقى عند الناس ويكسب المال الوفير، قال تعالى:

 

﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ﴾

 فسوف يكشف الله لهم حقيقتهم وكذبهم و نفاقهم و دجلهم، وأنهم ليسوا على شيء، فالإنسان لا يكون شيء إلا إذا عرف الله وأطاعه فكان مؤمناً مستقيماً.
 ( ليس على شيء ): إذا كان الإنسان معتنقاً لعقيدة صحيحة يقال: هو على شيء، وإذا كان لفلان عمل طيب يرضي الله نقول: هو على شيء، وإذا كان فلان ينطوي على علم عميق نقول هو على شيء ؛ أي: على شيء حقيقي، أما إذا قال الله عز وجل: ليسوا على شيء فمعنى ذلك أنهم ما حققوا شيئاً وما كسبوا شيئاً و ما نالوا شيئاً وما وصلوا إلى شيء و ما نجحوا في شيء، فالمنافق لم يحقق من الدنيا شيئاً إلا أنه استحق لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
 جهل المنافقين:

 

 

﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾

 

 إنهم من شدة جهلهم بالله يظنون أن الكذب الذي كانوا يكذبونه على المؤمنين ينطوي على الله عز وجل، وهناك من الناس مَن يسلك الحيل الشرعية وهو يظن أن هذه الحيل تنطوي على الله، وهؤلاء أيضاً ليسوا على شيء، فإذا أنت عاملت خالق الكون الذي يعلم السر وأخفى و لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء على أنه يمكن أن ينطلي عليه شيء، فأنت إذاً لا تعرفه، فقد أشار الله إلى جهلهم وإلى غفلتهم بهذه الآية:

﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾

 إن لك أن تقول كل شيء تريد، لكن أسألك بربك: ألا تعلم هل أنت صادق في قولك أم كاذب ؟؟ فقد تنصح الناس بأي شيء لكنك تعلم: هل هذا نصح لهم أم لا ! فلو كان عند البائع لون كاسد مثلاً، ثم طلب منه شخص أن ينصحه بلون جميل، فأشار عليه باللون الكاسد، ألا يعلم البائع من نفسه أنه يغشّ المشتري ؟؟ قال الله عز وجل:

﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15) ﴾

(سورة القيامة)

 فليس هناك من إنسان إلا هو علم بحقيقة نفسه، و قد بلغ النفاق بهؤلاء مبلغاً أرادوا فيه أن يغشّوا الله عز وجل قال تعالى:

 

﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾

 وقال:

 

 

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104) ﴾

 

(سورة الكهف)

 فيجب على الإنسان ألا يبرئ نفسه، فكلما بالغ في اتهامها نجح في الخلاص من النفاق، و كلما أكثر من حساب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، فلا تراعِ نفسك ولا تجاملها ولا تتملقها، بل افحصها فحصاً جيداً.
 لقد أعد الله لهؤلاء المنافقين عذاباً مهيناً في الدنيا، ولسوف يسوءهم عملهم ثانية في الآخرة، وذلك لأنهم يصدون عن سبيل الله وهم لا يشعرون، فهم منفرون من الله ورسوله، فلهم عذاب مهين حينما يفضحهم الله عز وجل.
 إن هذا المال الذي جمعوه بسب نفاقهم وولائهم لأهل الدنيا لن يغني عنهم شيئاً، كذلك أولادهم الذين ضحوا بدينهم من أجلهم لن يغنوا عنهم شيئاً أيضاً، فقد يمنع الإنسان ابنه من أداء العبادات من أجل مستقبله القريب، وقد يضعه في مجالات تفسده من أجل أن يضمن له مستقبله القريب أيضاً..
 فهذا المال الذي جمعوه بنفاقهم ودجلهم، وهؤلاء الأولاد الذين أقحموهم في مجالات الضلالة والشهوات من أجل مستقبلهم القريب، كل هؤلاء لن يغنوا عنهم من الله شيئاً.

 

﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾

 سيُسألون:ما قولكم ؟ والله إنه شيء مخيف، إن أعمالهم سيئة وسوف تسوءهم، فقد صدوا عن سبيل الله، كما أنهم لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً، وهم فوق كل ذلك يحسبون أنهم على شيء وهم ليسوا على شيء، ويوم القيامة سيحلفون لله كما يحلفون للمؤمنين في الدنيا، وذلك منتهى الجهل، لأن الإنسان حين يظن أن الله سبحانه وتعالى لا يعرف حقيقته فهو لا يعرفه إطلاقاً.

 

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾

 إن الكذب شيء خطير، فإذا فشا الكذب في مجتمع فاقرأ عليه السلام، فالصدق أساس الرقي.

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ ﴾

 استحوذ عليهم الشيطان ؛ أي: غلبهم وسيطر عليهم، وهيمن عليهم، وسخرهم لمآربه، فاستخدمهم لإضلال البشر.

﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ﴾

 لقد أنساهم ذكر الله وطاعته، فإما أنه جعلهم غافلين وإما أنه جعلهم عصاة، وفي كلا الحالتين استحوذ عليهم، فأنساهم ذكر الله، فما ذكروه اعتقاداً و ما ذكروه طاعة.

﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

 من كان له رغبة في قراءة التاريخ فليقرأ، ما مصير المنافقين والكافرين والعصاة الذين كادوا للمؤمنين عبر التاريخ كله ؟ إن مصيرهم في مزبلة التاريخ، إلى الهلاك والدمار و الندم الشديد، أما هؤلاء الذين وقفوا مع الحق ونصروه ووالوا المؤمنين ودعوا إلى الله عز وجل، فماذا كان مصيرهم ؟ لقد كان مصيرهم التألق في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

 أقسام الناس:
 الناس بين اثنين: إنسان يوالي الشيطان كالكافر والغافل عن الله والمتفلت، فهو شقي في الدنيا والآخرة، وهناك إنسان مؤمن منضبط يعرف الله، فهو موصول محسن سعيد في الدنيا والآخرة، فتقسيمات بني البشر لا تزيد الناس على تقسيمَين:إنسان مؤمن متّقٍ فهو كريم على الله، وآخر خب لئيم فهو هين على الله.
 معاني (يحادون):
 ثم يقول تعالى في الآية العشرين:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴾

 1- المعنى الأول: إن الذي يحادِدُ الله ورسوله هو الذي لا يعبأ بحدوده ولا بأمره ولا بنهيه، فلا يقيم حدوده ولا يلقى لها بالاً ولا يعظمها، بل يخرقها.
 2- المعنى الثاني: إن الذين يحادون الله ورسوله هم الذين يعادون الله ورسوله، فكيف يُعادى الله ؟ إن الله يعادى بالطعن في دينه، و السخرية من أوامره، كقول أحدهم: هذا الأمر لا يصلح لهذا الزمان، هذا الأمر شيء مضحك... فهو يتلذذ في انتهاك حرمات الله.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴾

 فإما أنهم لا يعبؤون بحدود الله، أو أنهم يقفون موقف المعادي لله ورسوله.
 مصير من يحادّ الله ورسوله:
 قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴾

 كأن الله سبحانه وتعالى هنا يبين أن مصيرهم إلى الذل، وليس هناك من شيء يمكن أن يهز أركان النفس ويردها رداً أليماً كأن يذل الإنسان، والله أيها الأخوة لو قرأتم التاريخ كله لما وجدتم فيه إلا تأكيداً لهذه الحقيقة.

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴾

 

 فقد تجد أحياناً أخين في أسرة واحدة، أحدهما مؤمن مستقيم ورع، والآخر فاجر منحرف، فقد يكون الفاجر في البداية حرّاً طليقاً يفعل ما يريد، وله شعبية بين أهله، فإن كان أهله منحرفين فإنهم يكبرونه ويثنون عليه ويفتخرون به، أما هذا المؤمن المستقيم فيكون بينهم في تعتيم، ولكنك بعد حين ترى أن هذا المنحرف وقع في شر عمله، فإما أن يقع في مرض عضال أو فقر مدقع.. إلخ، أما هذا الشاب المستقيم فيرفعه الله في الدنيا قبل الآخرة.
 الغلبة لله ورسوله:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

 أفلا ترضى أن تكون مع القوي العزيز ؟ ألا ترضى أن يكون الله سبحانه وتعالى القوي العزيز ناصراً لك و مدافعاً عنك ؟ لقد كتب الله في اللوح المحفوظ أنه سينصر مَن ينصره، فهذا من كلمات الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً، وقد ذكر الله تعالى كلمة (كتب) من أجل أن يطمئننا إلى أنه شيء ثابت قطعي مكتوب عنده.

 

﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾

 إن الله سبحانه وتعالى قد يحرك الأشخاص ليمتحنهم، فهو أحياناً يحرك الكافر، فيبدو لك أنه أقوى من المؤمن، لكن العاقبة في النهاية الأمور لا تستقر إلا على نصرة المؤمن، فحينما قوي الكفار في عهد النبي وجاؤوا بجيش كبير في معركة الخندق، ثم نقض اليهود العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأصبح الإسلام على وشك الانهيار، لم تكن القضية عندئذ قضية انتصار أو هزيمة، بل كانت قضية نكون أو لا نكون، حتى قال أحدهم أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟؟ فقال تعالى:

 

 

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا(12) ﴾

 

(سورة الأحزاب)

 لكنه قال أيضاً:

 

﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23) ﴾

 

(سورة الأحزاب)

 قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴾

 

 صدقني أيها الأخ الكريم أنه إذا استوى الكافر والمؤمن، والمستقيم والمنحرف، والمحسن والمسيء، و الذي يخاف الله والذي لا يخافه، والمطيع والعاصي، والعالم وغير العالم إذا استوى هؤلاء كان هذا متناقضاً مع وجود الله، و الدليل قوله تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21) ﴾

(سورة الجاثية)

 فيجب عليك أن تثق بالله و تتفاءل و توقن أن العاقبة لك إذا كنت مع الله، فإذا كنت مع الله كان الله معك.

 

كـن مع الله ترى الله معك  واترك الكل وحاذر طـمعك
وإذا أعطـاك من يمنعـه؟  ثم من يعطي إذا ما منعـك؟

 قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴾

 

 وهذه القاعدة تنسحب على كل أمور الحياة، فإذا كان هناك رجلان في عمل مثلاً، وكان أحدهما يريد أن يبني تجارته على معصية الله ولا يعبأ بأوامر الدين، أما الآخر فكان يخاف الله عز وجل و يبني تجارته على طاعة الله، فقد تجد المتفلت في البدايات يغنى سريعاً، لكن الله عز وجل يقسمه بعد حين، أما الخائف من الله فيرفعه الله، فانظر دائماً إلى عواقب الأمور، لان العبرة بالعواقب لا بالبدايات المحيرة، فلا بدّ من بدايات محيرة لكي يُمتحن الإنسان، لكن الأمر لا يستقر بعد ذلك إلا على إكرام المؤمن وإهلاك الكافر.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴾

 لذلك جاء في دعاء القنوت (سبحانك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ) فمن المستحيل أن تكون في صف أعداء الله ثم تكون عزيزاً، ومن مستحيل أن تكون في صف أولياء الله و تكون ذليلاً.

﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

 المؤمنون لا يوادّون من حادّ الله ورسوله:
 ثم يبن الله عز وجل في هذه الآية الخطيرة أن الإنسان الذي يود من حاد الله ورسوله لا يمكن أن يكون مؤمناً، قال تعالى:

 

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾

 فهذا الذي يعادي الله ورسوله، و يهزأ بالدين ن و يطعن به، و يرى أن هذا الدين لا يصلح لهذا الزمان، و يسخر من أحاديث رسول الله هذا الإنسان لا يمكن أن يواليه مؤمن.

 

 

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾

 فإذا كان هناك أب غير مستقيم، لكنه لا ينهى ابنه عن العمل الصالح، فهو لا تنطبق عليه الآية، وهذا الأب من الممكن أن يوالى، لأن الله سبحانه وتعالى سيأخذ بيده بعد حين إن شاء الله، أما الإنسان الذي يحارب الدين ويصد الناس عن سبيل الله ويهزأ بالدين فلا يجوز أن يوالى.

 

 

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾

 

 إن علاقات العمل شيء والعلاقات الحميمة شيء آخر، فمن الممكن أن تعامل إنساناً غير ملتزم معاملة جيدة في حدود العمل، فإذا كان على المؤمن واجبات فليؤدها، وإذا كان عليه مواقف فليقفها كما ينبغي، أما أن يقيم علاقة حميمة مع إنسان يحادد الله ورسوله فهو أمر من المستحيل أن يقبله مؤمن.
 فالله سبحانه وتعالى يقول هنا: لا يمكن أن تجد في الأرض كلها مؤمناً واحداً يود من يحادد الله ورسوله.
 فالحقيقة تقول: إن هناك شيئاً اسمه التناقض، كما أن هناك شيئاً اسمه التعاكس، فهذه الجدران فيها لون غامق ولون فاتح، فالألوان فيها متعاكسة لكنها موجودة، أما الضوء والظلام فهما متناقضان، فوجود الضوء ينقض وجود الظلام، و وجود الظلام ينقض وجود الضوء، ولا يمكن للمتناقضان أن يجتمعا، فدققوا فيما سأقول:
 المؤمن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر حق الإيمان يتناقض مع إنسان كافر الذي لا يعبأ بأمر الله، فهما لا ينسجمان ولا يتوافقان و لا يتماشيان، فإذا تماشيا كان أحدهما ليس على الحق وقد وافقه الطرف الآخر.

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾

 إن هذه الآية تذكرنا بقوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24) ﴾

(سورة التوبة)

 و هذه الآية خطيرة جداً، فهي تقول: إذا رأيت أن هذا المسكن المريح، أو أن هذه التجارة المشبوهة في طريقة معاملتها و نوع بضاعتها، أغلى عندك من الله ورسوله، فإن طريقك إلى الله في هذه الحال غير سالك، لأنك تؤثر أشياء على طاعة الله، وهذه الآية نفسها:

 

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ﴾

 فالمؤمن قلبه ممتلئ بالإيمان، فهو مسدد و مؤيد و ملهم، وهو ذو كلام مؤثِّر، و عمل حكيم، لأنه يتولاه الله فيسدد خطاه ويلهمه الصواب ويدله على الخير ويعين عليه، و هذا هو معنى:

 

 

﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ﴾

 فإذا أيدك الله تعالى فعلت الشيء المستحيل، فأحياناً قد يتكلم الإنسان كلاماً مؤثراً، أو يتصرف تصرفاً حكيماً، فيكون هذا بتوفيق الله وتأييده، فتصور أن هناك آلة كهربائية لا تتحرك بسبب عدم وجود الكهرباء فيها، فإذا حركت المروحة بإصبعك فإنها تدور دورتين ثم تتوقف، أما إذا جاءت القوة الكهربائية فإنك لن ترى (الريش) من سرعتها، فإذا كان الإنسان بعيداً عن الله فهو كأنما يحرك المروحة بيده، فإذا استمد من الله العون والتوفيق فعل ما لا يفعله الآخرون، فهل تصدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصاحبه الكرام الذين لا يزيدون عن بضعة آلاف قد وصلوا إلى أقاصي الأرض فاتحين، و أن هناك مليار ومائتي مليون مسلم معاصر وضعهم اليوم لا يرضي، ألم يخطر ببالك هذا السؤال؟ هذا السؤال دقيق، وجوابه سهل، وهو قوله تعالى:

 

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59) ﴾

 

(سورة مريم)

 لقد كتبَ الله في قلوبهم أولئك الإيمان، وأيدهم بروح منه، ألا تتمنى أن تكون مؤيّداً من الله عز وجل ؟ألا تتمنى أن يكون الله معك دائماً يلهمك الصواب ويدلك على الخير ويعينك عليه ويعطي كلامك قوة تأثيرية ؟!

﴿ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾

 قال تعالى:

 

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 

(سورة التوبة 72)

 فأعلى مرتبة يمكن أن ينالها الإنسان هي أن يرضى الله عنه، فمن هو الذي يرضى عنه خالق الكون ؟؟ قد يكون المؤمن ذا حجمك صغير، فقد يكون موظفاً بسيطاً، أو صانعاً بمحل، لكن الله إذا كان راضياً عنه فهو ملك الملوك، وهو بذلك أسعد الناس، فالله معه ولا أحد في الكون يستطيع أن يصل إليه، ( إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك ؟ ).
 أيها الأخوة الكرام... إن هذه مرتبة متاحة لكل إنسان بطاعة الله، فالمؤمن إذا عرضت عليه الدنيا بأكملها على أن يعصي الله فإنه لا يعصيه، فهو يستوي عنده التبر والتراب، و الناس يتوهمون أن الإيمان كلمة تُقال، بل إن الإيمان مرتبة راقية جداً.
 وحينما يرضى الله عنه المؤمنين يتجلى على قلوبهم و يسعدهم، فإذا أسعدهم رضوا عنه.

 

﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ﴾

 كما أن هناك حزب الشيطان (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)، وهنا قال تعالى:

 

﴿ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾