الدرس : 1 - سورة المجادلة - تفسير الآيات 1-7

1996-05-17

 حدود الله، وحرمة التّعدي عليها

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الأول من سورة المجادلة، قال تعالى:

﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾

 توضيح لبعض الحقائق:
 أيها الأخوة الكرام...أريد أن أوضح بين يدي هذه السورة بعض الحقائق...
 1- الحقيقة الأولى: (مراحل الدعوة الإسلامية ):
 لقد مرت الدعوة الإسلامية في طورَين؛ طور مكي إيماني، وطور مدني تشريعي، وإذا لم يسلك الدعاة إلى الله هذا المنهج في ترسيخ الإيمان أولاً، و توضيح الشرع ثانياً فلن يفلحوا في دعوتهم، فالإيمان والشرع كل منهما شرط لازم غير كافٍ، فإن أنت بينت حكماً شرعياً ولم تعرّف بالله عز وجل من خلال خلقه فلن يطبّق هذا الحكم، فالذي يعرِف الأمر ولا يعرف الآمر لا يمكنه أن يتقرب إليه، بل إنه يتفنن في التفلت من أحكامه، أما الذي يعرف الأمر بعد أن يعرف الآمر فهو يتفانى في تطبيق أحكامه، والإنسان يعرف الله عن طريق الكون، لكنه يعبده عن طريق الشرع، فيجب أن يكون عمل الداعية على خطين: خط يعمل فيه على تعريف الناس بالله، وخط يعمل فيه على تعريفهم بأمر الله، لأن الإنسان إذا عرف الله تقرب إليه عن طريق تطبيق أمره،فالدعوة إلى الله لها جناحان: جناح العلم بالله وجناح العلم بأمره، فنحن نطيع الله فيما شرع لنا لأننا نعرفه من خلال الكون، وهذه السورة جاءت في المرحلة المدنية التي اختصت في الأغلب بأمور التشريع، أما الشيء الأدق من ذلك فهو أن هذا القرآن العظيم - كلام رب العالمين و الوحي الذي أوحاه الله إلى رسوله - يحوي على الكثير من المواضيع التي تهم الإنسان في حياته، فبعد أن تحدث مثلاً عن الكون و الشمس والقمر والكواكب والجبال والرياح ودعانا إلى النظر فيها، وصل إلى أدّق العلاقات بين المرء وزوجه، فهو شرع كامل ومنهج تفصيلي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
 2- الحقيقة الثانية: (الإسلام منهج متكامل ):
 إن هذا الإسلام منهج متكامل لحياة الإنسان، لكن بعض الناس يفهم الإسلام على أنه صلاة وصيام وحج وزكاة فقط، وهو ليس كذلك، بل هو منهج تفصيلي، و حينما فهم المسلمون الإسلام على أنه عبادات لا أكثر، ابتعدوا عن حقيقة دينهم وصاروا في مؤخرة الأمم، فالإسلام منهج تفصيلي يصل إلى أدّق نواحي حياتك، فهل هناك علاقة أشدّ خصوصية من علاقة الرجل بزوجته ؟ وعلى الرغم من ذلك وصل الإسلام إلى هذه العلاقة وشرّع لها، وهذه هي الحقيقة الثانية.
 3- الحقيقة الثالثة: ( اهتمام الإسلام بالأسرة ):
 إن من بالغ حكمة الله عز وجل أنه جعل قوة المجتمع المسلم في قوة أصغر وحدة فيه، فالمجتمع الإسلامي يتألف من أسر، والأسرة تتألف من زوج وزوجة وأولاد، و قوة المجتمع الإسلامي تكمن في تماسك أسره، فالإسلام حريص على قوة المسلمين و رقيهم وتألقهم، كما أنه حريص أيضاً على أصغر وحدة في مجتمعهم، كحرصه مثلاً على علاقة الزوج بزوجته، والحقيقة -أيها الأخوة- أن الإسلام يلح أشدّ الإلحاح على تماسك الأسر، كما أنه يعتبر أي تصرف أو أية فكرة أو عقيدة تباعد الزوج عن زوجته من فعل الشيطان، لأن غاية أفعال الشيطان هي أن يفرق بين الرجل وزوجه، وكل تشريع الله عز وجل بدءاً من غض البصر ومروراً بالمعاشرة بالمعروف ثم الإحسان إلى الزوجة.. كل هذه التشريعات المتعلقة بالزوجين إنما شُرعت من أجل تماسك هذه الأسرة.
 فالأسرة إذا تماسكت نشأ الأطفال فيها نشأة صحيحة، فتبدأ هذه الأسرة بقذف عناصر طيبة متوازنة ذات تربية عالية للمجتمع، أما إذا تداعت أركان الأسرة من داخلها و نشأ فيها الشقاق والخلاف والتقاطع بين الزوجين، فإن الأولاد سيكونون أول ضحية لهذا الخلاف، وإذا كان البيت شقياً فيه الفوضى والعداء والبغضاء تخلخلت فيه هذه الوحدة الاجتماعية الصغيرة، فينعكس ذلك على قوة المجتمع بأكمله، لقد تحدث أحد رؤساء الدول الكبرى أن أمريكا تواجه أربع تحديات، فالمتبادر إلى الذهن أن يقول: إن هذه التحديات هي الخطر الصيني مثلاً، أو خطر الاتحاد الأوربي أو اليابان، لكنه لم يقل ذلك، بل قال: (إن أمريكا تواجه أربع تحديات منها تفكك الأسرة )، فأكبر تحد تواجهه دولة عظمى تمسك بقياد العالم هو تفكك الأسرة وانحلال الأخلاق وشيوع المخدرات وشيوع الجريمة، لذلك كانت قوة المجتمع من قوة أسره.
 و الشيء الغريب في هذه السورة أن الله سبحانه من فوق سبع سماوات، يشرع لعلاقة بين الزوجين، وذلك لتمتين هذه العلاقة، ليكون هذا التشريع عاملاً في تماسك الأسرة، وذلك من أجل ينشأ الأطفال في جو صحي، فينتهي المطاف بعد ذلك إلى قوة المجتمع. روايات قصة المجادِلة:
 أيها الأخوة الكرام... إن المجادِلة هي امرأة اسمها (خولة بنت ثعلبة)، وهناك روايات كثيرة تروي قصتها مع النبي صلى الله عليه وسلم، من هذه الروايات أنها جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهل ومال وجمال، فلما كبرت سني ونثر بطني وتفرق أهلي وذهب مالي قال: أنت عليّ كظهر أمي، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وقد ورد في بعض الروايات أن النبي بكى لما كان في قلبه من الرحمة.
 وتروي بعض الروايات أن عمر بن الخطاب -خليفة المسلمين وعملاق الإسلام- كان يركب دابة، فمرّ في أحد أسواق المدينة، فاستوقفته امرأة كبيرة في السن و قالت له يا عمر: كنت تدعى عميراً، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الموت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، فقالت كل ذلك و هو واقف في أدب، فقيل له: يا أمير المؤمنين ! أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف ؟! فقال: (والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره ما زلت إلا للصلوات المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز ؟ هي خولة بنت ثعلبة التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعها عمر ).
 وقالت عائشة رضي الله عنها: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و تقول:  يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية:

 

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾

 و يبدو أنها كانت تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم على استحياء فخفضت من صوتها وكانت السيدة عائشة في الغرفة نفسها فلم تسمع تفاصيل قصتها، وهناك رواية ثالثة لهذه القصة تقول: لقد جاءت المجادلة تشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت لا أسمع ما تقول فأنزل الله عز جل:

 

 

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾

 

 وروى ابن عباس أن هذه المرأة هي خولة بنت خويلد الخزرجية، وكانت تحت أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وكانت حسنة الجسم فرآها زوجها، فطلبها فأبت فغضب عليها، وكان امرؤ به لمم فأصابه بعض اللمم، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي ؛ يعني حرمها على نفسه.
 الإيلاء والظِّهار:
 الإيلاء والظهار من أنواع الطلاق في الجاهلية، والإيلاء: أن يحرّم الرجل زوجته عليه، والظهار: أن يقول أنت عليّ كظهر أمي، و يقول تعالى: إن هذه المرأة التي حبستها أيها الزوج ليست أمك بل هي زوجتك، فإذا بدلت في ذلك عن طريق الكلام، كان كلامك باطلاً و ما أنزل الله به من سلطان، فكيف تجعل من زوجك أماً لك ؟؟ هذا شيء غير منطقي وغير واقعي وفيه ظلم شديد، وقد كان الإيلاء والظهار من أنواع الطلاق في الجاهلية، فسألت هذه المرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها:

((حرمت عليه ))

 فأفتاها بحسب ما هو شائع، ولم يكن الوحي قد نزل بعد في هذا الموضوع، فقالت: والله ما ذكر طلاقاً، ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي، فقال لها:

((حرمت عليه ))

 فما زالت تراجعه حتى نزلت هذه الآية.
 أيها الأخوة...

 

﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾

 

 و الشكوى إلى الله من أعظم أنواع الشكوى، ومنها قوله:

﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(86) ﴾

(سورة يوسف)

 وكل من يشكو الرحيم إلى من لا يرحم يعاب، أما هذه امرأة فقد اشتكت إلى الله فسمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، فإذا قال لك الطرف الآخر أو قال لك خصمك:  أشكوك إلى الله وجب أن ترتعد أطرافك من الخوف لأن الله يسمع الشكوى من فوق سبع سماوات، وذلك طبعاً إن كنت تعرف الله، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ ))

 

(مسند أحمد 12091)

 فشكوى الإنسان إلى الله عز وجل شيء مخيف، وهذا الرجل اشتكت زوجته إلى الله.

 

﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾

 إن الله عز وجل مع كل إنسان، قال تعالى:

 

 

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

 

(سورة الحديد 4)

 فهو مع كل إنسان بعلمه:

 

﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾

 

(سورة المجادلة7)

﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

 سميع: لك إذا دعوته، بصير: بك إذا تحركت، عليم: إذا خطر في بالك خاطر، فهو يراك إن تحركت، و يسمعك إن دعوته، و يعلم كل أفكارك، حتى وإن كنت تفكر في موضوع دقيق في باطنك، فهو يعلم السرّ وأخفى.
 لذلك ينبغي على الإنسان أن يتقي الله في زوجته، وينبغي على الزوجة أن تتقي الله في زوجها، لأن الله معهما يسمع ويرى، ويعلم المخطئ والمصيب، والظالم و المظلوم.

 

﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

 وإن أعظم درجة في الإيمان أن تعلم أن الله معك يراك ويسمع قولك ويعلم باطنك، وأفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه أينما كان، وأنت إذا كنت تعلم أن هناك شهيد يشهد عليك فلا بدّ أن تنضبط، فكيف إذا كان الشهيد هو الله عز وجل !

 

 

﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾

 تحريم التلاعب في الألفاظ:
 ظاهر من امرأته ؛ أي قال لها: أنت عليّ كظهر أمي ؛ أي: ابتعد عنها ولم يؤد لها حقها الزوجي، فهي محبوسة له بمنهج الله عز وجل، فإذا قصّر في حقها فقد أوقعها في العنت وقوى فيها جانب المعصية، فالزوج محاسب أشدّ الحساب إذا قصّر في حق زوجته، فما لبّى حاجاتها التي أودعها الله فيها.

 

 

﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾

 هذا لعب في الألفاظ لا يرضي الله عز وجل، فالزوجة زوجة، والأم أم، والأخت أخت، والخالة خالة، والعمة وعمة، والأجنبية أجنبية، أما أن تخلط بين هذه الهويات فهذا لا يرضي الله سبحانه، فقد يقول لك قائل: هذه الأجنبية مثل أختي، وهذه مثل أمي، فهذا كله لعب في دين الله ما أنزل الله به من سلطان، لأن هذا الشرع العظيم مبني على قواعد عظيمة، فلو جعل الإنسان زوجته كأمه فابتعد عنها لأوجد خللاً في الأسرة، ولو أنه جعل امرأة أجنبية كزوجته أو أخته لأوجد خللاً أيضاً، فكل إنسان له طبيعة، وهذا شرع الله عز وجل فيجب أن نأخذ به بدقائقه، قال:

 

 

﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾

 ( أنت عليّ كظهر أمي): تعبير مفاده أن هذا الرجل ابتعد عن زوجته كما لو أنها أمه، وفي هذا ظلم شديد للزوجة، وفي المقابل فإن المرأة إذا امتنعت عن زوجها باتت والله غاضب عليها، و إن أي زوج ابتعد عن زوجته سهواً أو تقصيراً يحاسبه الله أشدّ الحساب.
 قال هؤلاء النساء اللاتي هنّ أزواج الرجال:

 

 

﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾

 فالأمور واضحة الأم أم، والزوجة زوجة... فقولك لزوجتك: أنت كأمي ظلم لها، وقولك لامرأة وهي أجنبية: أنت كأختي غير صحيح أيضاً، فربما وقعتَ في الفاحشة معها وأنت لا تدري، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( ما خلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ))

 وكم من مأساة حدثت في المجتمع المسلم من جراء الاختلاط، حيث تقع المنكرات والخيانات، فيسقط الإنسان في الوحول لأنه خالف منهج الله عز وجل.

 

﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾

 إن الإنسان محاسب على كل كلمة ينطق بها، فهذا كلام منكر لا يقبله الشرع ولا العقل ولا الفطرة ولا الواقع، لأن الزوجة زوجة، والأم أم، واللعب بهذه الأوراق لعب خطير، لأنه لعب بدين الله و سلامة الحياة.

 

 

﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾

 الكلام المنكر هو الكلام الذي تنكره الفطرة السليمة و العقل الراجح والواقع.
 (وزوراً ) ؛ أي: الكذب والتزوير للحقيقة.
 عفو الله وغفرانه:

 

 

﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾

 لكن الله سبحانه وتعالى يعفو عما مضى، ومعنى (غفور) ؛ أي: أنه يسامحك في هذا الذنب فلا يعاقبك عليه، أما العفو: فهو الذي ينسيك ذاك الذنب، فالله عفو غفور ؛ أي: يسامحك ولا يعاقبك، وهذا من تمام إكرامه لك، فهو ينسيك ذاك الذنب، فباب التوبة مفتوح مادام في الإنسان قلب ينبض و بقية من رمق الحياة، وهذا الباب المفتوح من أعظم النعم على المؤمنين، فكلما أخطأ الإنسان و زلت قدمه وجد الله تواباً رحيماً، "لله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من الضّال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد ".
 كفارة الظِّهار:

 

 

﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾

 فهذا الذي ظاهر من زوجته وقال لها: أنت عليّ كظهر أمي وابتعد عنها وحرّمها على نفسه لا يمكن له في تشريع الله عز وجل أن يعود إلى مقاربتها إلا بشروط صعبة، وقد أرادها الله صعبة كي يعرف الإنسان للزوجة حقها، و يعرف أن هذا العقد الذي أبرمه مع الزوجة من أقدس العقود في حياته.

 

 

﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾

 فعليه أن يعتق عبداً، وقالوا: كمال هذا العبد أن يكون مسلماً.

 

 

﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾

 وهذه الكفارات على الترتيب: أولاً: عليه أن يعتق رقبة، وقد أشار العلماء في هذه الآية إلى أن الله سبحانه وتعالى أخبرنا أن العبودية سوف تختفي و تنتهي وذلك لعلمه الغيب، بدليل قوله تعالى:

 

 

﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾

 أي: عليه أن يصوم ستين يوماً.

 

 

﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾

 وقال: يجب أن تطعم هذا المسكين مُدَّين من القمح.

 

 

﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

 

 فالإنسان له منهج يجب أن يسير عليه، فحتى في أخص علاقاته مع زوجته لا بدّ له من أن يقيم منهج الله عز وجل، فمن لغا وقال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، كان كلامه هذا كبيراً و خطيراً، فيقتضي ذلك منه أن يعتق رقبة، أو أن يصوم ستين يوماً، أو أن يطعم ستين مسكيناً.
 فلما أنزل الله هذه الآية الكريمة قال النبي عليه الصلاة والسلام لخولة بنت ثعلبة:

((قولي لزوجك أن يعتق رقبة ))

 فقال: لا أجد، فقال له:

((صم شهرين متتابعين ))

 قال: لا أستطيع، فقال له:

(( أطعم ستين مسكيناً ))

 قال: فأعنّي، فأعانه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، كما أن زوجته خولة أعانته بشيء حتى أدى هذه الكفارة وعاد إلى زوجته.

 

﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 أي: لتؤمنوا بمنهج الله عز وجل، و الله عز وجل خالق وله منهج، كما أن رسوله له سنة، فبعد أن يؤمن الإنسان بالله ورسوله عليه أن يتبع منهج الله في كتابه ومنهج النبي في سنته، (نتابع).... و لتؤمنوا به خالقاً ومربياً ومسيراً ومشرعاً، فما معنى أن تؤمن بالله دون أن تؤمن بشرعه ؟ و ما معنى أن تؤمن بوجوده ثم لا تأتمر بما أمر ولا تنتهي عما نهى عنه وزجر ؟
 حدود الله وعقوبة المعتدي عليها:

 

 

﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾

 فهناك آيات قيل فيها: هذه حدود الله عز وجل (فلا تعتدوها)، وهناك آيات قيل فيها: (فلا تقربوها)، وسيدنا عمر رضي الله عنه كان وقافاً عند حدود الله، و قد قال أحد العارفين بالله:(ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء ولا الذي يطير في الهواء، ولكن الولي الذي تجده وقافاً عند الحلال والحرام )، أي: أن يجدك الله حيث أمرك وأن يفتقد حيث نهاك.

 

 

﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

 من هم الكافرون هنا ؟ إنهم الذين كفروا بحدود الله، فلم يعبؤوا بمنهجه،هؤلاء الكافرون لهم عذاب أليم مطلق في الدنيا والآخرة، والقضية مصيرية بالنسبة لك، فإما أن تختار طاعة الله ورسوله لتكون في سلام:

 

 

﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَام ﴾

 

(سورة المائدة16 )

 أي: سلام مع نفسك و ربك ومع من حولك، أو أن تكون في عذاب، و طاعة الله تعني السلامة، ومعصيته تعني العذاب، فهذه حدود الله، وللكافرين بهذا التشريع وهذا المنهج وهذا الأمر وهذه الحدود عذابٌ أليم، ثم يقول الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

 معنى (يحادون الله ورسوله) ؛ أي: يشاقّون الله ورسوله و يعادونهما، ويعرضون عنهما، وهناك معنى آخر لـ( يحادون الله) وهو: أنهم لا يقفون عند حدوده فلا يقيمون لها وزناً و يستخفون بها، وإن علامة المؤمن أنه إذا فعل ذنباً كان هذا الذنب كالجبل الجاثم على صدره، وعلامة المنافق أنه إذا فعل ذنباً كان هذا الذنب بالنسبة له كأنه ذبابة دفعها بيده، فذنب المنافق كالذبابة، وذنب المؤمن كالجبل الأصم.
 أيها الأخوة الكرام... في هذه الآية بشارة عظيمة يقول الله عز وجل:

 

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

 

 إن هؤلاء الذين يعادونه و لا يعبؤون بحدوده ومنهجه وحلاله وحرامه، ولا يعتقدون أن هذا المنهج قويم و صالح لهذا الزمان، هم يتفلتون من منهج الله عز وجل إما تقصيراً أو كفراً، مع أن هناك فرقاً كبيراً بينهما، فهناك من لا يطبق منهج الله كفراً بهذا المنهج، وهذا كفر حقيقي عملي، وهناك من لا يطبق منهج الله تقصيراً، فهذا الذي يخرج عن منهج الله إنكاراً أو تقصيراً له عذاب أليم.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا﴾

 (كبتوا ) ؛ أي: قبروا وغلبوا وسحقوا، فالشيء الذي تكبته هو الشيء الذي تقهره وتضعفه وتهلكه، وقد جاء هذا الفعل في الآية بصيغة الماضي، لكنك قد تجد كافراً كبيراً قوياً له يد طولى في المجتمع، فكيف يقول الله عز وجل:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا﴾

 

 والإجابة عن ذلك: أن هذا الفعل جاء بصيغة الماضي بشارة للمؤمنين، وهذا يعني أن الإنسان حينما يكون في معصية الله فهو مغلوب وهالك عند الله، فسيكبته الله ويسحقه ويعاقبه، فالفعل الماضي هو البشارة.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا﴾

 أي: كبتوا مع وقف التنفيذ، فالإنسان إذا كان دخله حرام، أو كان متفلتاً في حياته و علاقاته و حركته و نشاطه، فهذا التفلت معناه أنه لن ينتصر ولن يعلو ولن يرتفع، وإن كان قوياً في الظاهر، فقوته هذه قوة آنية، ولسوف يكبت بعد حين.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾

 إن الذي يعادي الله عز وجل في كل الأزمان والعصور، وفي كل الحقب قديماً كان أم حديثاً، لا بدّ له من أن يهزم و يكبت، والتاريخ بين أيديكم، فأين هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين عزروه ونصروه وافتدوه بأرواحهم وأموالهم وكانوا معه ولم يتخلوا عنه الآن ؟ إنهم في أعلى عليين، أما الذين ناصبوه العداء وأخرجوه من دياره وقاتلوه ونكلوا بأصحابه فأين هم الآن ؟ إنهم في مزبلة التاريخ وهذا التاريخ بين أيدينا والتاريخ يعيد نفسه.
 فالإنسان إذا كان في خندق الحق فهو مع الحق، وإن الحق سيؤيده و سينصره، وإذا كان في خندق معادٍ لأهل الحق فمهما كان يبدو قوياً إلى حين لكن الله سبحانه وتعالى لا بدّ أن ينتقم منه، لهذا قال الله عز وجل:

 

﴿ أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78) وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79)وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا(80)وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81) ﴾

 

(سورة الإسراء)

 فالباطل من خصائصه الوجودية أنه زاهق، فهو زاهق اعتقادياً، وسلوكياً، و إن أي شيء يكون خلافاً لمنهج الله زاهقٌ عاجلاً أو آجلاً.

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا﴾

 وإن أكبر نعمة أنعمها الله عليك أن تكون مع الحق، وأن تكون مؤيداً للحق و ناصراً له، وأن تكون مع أهل الحق، وأن تكون جندياً للحق، وأن تكون داعياً للحق، وأن تكون صابراً من أجل الحق، فهذه أعلى مرتبة في الحياة، أما أحط مرتبة في الحياة فهي أن تكون مع الباطل داعياً ومؤيداً ومناصراً.
 وقد قيل:( كفاك نصراً على عدوك أنه في معصية الله )، فلمجرد أن تكون في طاعة الله ويكون عدوك في معصية الله فأنت منتصر عليه لا محالة.

 

 

﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾

 و الله عز وجل قبل أن يعاقب يبين، وهذا أسلوب الحكيم، فهؤلاء الكافرون سوف يكبتون، لكن الله بين لهم قبل أن يُكبتوا آياتِه الكلامية ؛ وهي القرآن، وآياته التكوينية ؛ وهي أفعاله، وآياته الكونية، وهو خلقه، فآياته الكونية و التكوينية دالة عليه ومشية إليه، وآياته القرآنية مبينة لما عنده من نعيم وعذاب.

 

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾

 هذه سنة الله في خلقه، فالله مع المؤمنين: ينصرهم ويؤيدهم ويحفظهم ويوفقهم، وهذا من أصل المنهج، كما أن الله يكبت أعداءه ويخزيهم ويعذبهم عذاباً أليماً في الدنيا الآخرة، ولهم جهنم وبئس المصير، والخيار واضح جداً فإما أن تكون مع الحق أو أن تكون مع الباطل، وليس بين الحق والباطل موقف ثالث، فإن لم تكن مع الحق فأنت مع الباطل، و إن لم تكن على منهج الله فأنت على منهج أعدائه، والدليل قوله تعالى:

 

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

 

(سورة القصص50)

 الجزاء الأُخروي:

 

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾

 الدنيا دار عمل لا جزاء، والآخرة دار جزاء لا عمل، فنحن الآن في دار عمل، وقد أعطي في الدنيا الإنسان حرية الحركة، فلك الآن أن تصلي ولك أن لا تصلي، و لك أن تصوم ولك أن لا تصوم، ولك أن تحج ولك أن لا تحج، ولك أن تزكي ولك أن لا تزكي، كما أن لك أن تستقيم ولك أن تنحرف، و لك أن تصدق ولك أن تكذب، و لك أن تقبل ولك أن تعرض، ولك أن تخلص ولك أن تخون، فأنت الآن في حرية حركة وفي دار عمل، وكل شيء له حسابه المسجل، قال تعالى:

 

 

﴿ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49) ﴾

 

(سورة الكهف)

 أيها الأخوة... حينما يكافئ الله بعض عباده المؤمنين على بعض أعمالهم الصالحة تكون مكافأتُه هذه تشجيعاً لبقية المؤمنين، وحينما يعاقب الله إنساناً على بعض الأعمال المنحرفة، يكون عقابه هذا ردعاً لبقية المسيئين، لكن الحساب الأوفى والجزاء الكامل الرصين إنما يكون يوم القيامة.

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة ﴾

 

(سورة آل عمران 185)

 و قال الله عز وجل:

 

﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾

 فسينبئهم بأدقّ المخالفات.

 

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

 

(سورة الزلزلة)

﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77) ﴾

(سورة النساء)

﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا(13)اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا(15) ﴾

(سورة الإسراء)

 كلام الله عز و جل كلام واضح كالشمس، يبين لنا أن هناك منهجاً بين أيدينا، كما أن هناك رباً كريماً عليماً حكيماً مطلعاً، يعاقب ويكافئ فإن أحسنت فلك وإن أسأت فعليك.
يعني هنا لما قال الله تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾

 فكل الخلق سيأتون فراداً كما خلقهم الله أول مرة.

 

 

﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾

 فالإنسان سيحاسب على أدقّ التصرفات، لماذا غضب ؟ لماذا أعطى ؟ لماذا منع ؟ لماذا وصل ؟ لماذا قطع ؟ لماذا مدح ؟ لماذا ذمّ ؟ لماذا أقبل ؟ لماذا أدبر ؟ فكل المواقف والتصرفات يحصيها الله عز وجل، ولسوف يُنَبَّأ بها الإنسان يوم القيامة، و قد قدَّم لله عز وجل الحجة على ذلك.
 الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض:

 

 

﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾

 

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

 قال الله عز وجل:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾

 

(سورة الطلاق)

 هناك حقيقتان: الأولى: هي أن تعلم أن الله يعلم، أما الثانية: فهي أن تعلم أن الله قدير، فعلمه يطولُك وقدرته تطولُك كذلك، فإذا أيقنت أن الله يعلم ويحاسب و يعاقب استقمت على أمره، وإن الذي يفرق بين الإيمان والكفر، والسعادة والشقاء، والنجاة والهلاك هو علمك أن الله يعلم وأنه سيحاسب وسيعاقب.

 

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

 

 أيها الأخوة... إذا أدخل كل إنسان في حساباته أن الله مطلع عليه وأنه يعلم سرّه وجهره وأنه سوف يحاسبه ويعاقبه كفّ عن أفعال السوء، لكن أخطر مرض يصيب الإنسان هو الغفلة عن الله.
 فمعظم الناس الآن يأكلون المال الحرام وفي توهمتهم أن الله لن يحاسبهم، والحقيقة أنه يعلم وسيحاسب ويعاقب.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

 (ألم تر): تعني: أن الله يرينا من آياته، فهو يرينا كيف يقصم الإنسان الظالم، كما يرينا كيف يرفع الإنسان المستقيم، و يرينا إنسان كيف يغني الأمين، وكيف يفقر غير الأمين، فهناك أحداث نراها بأعيننا، وهذا القرآن فيه كل شيء، فالأحداث كلها تنطق بما يوجد في القرآن الكريم، بل إن الأحداث أو أفعال الله عز وجل هي في حقيقتها تأويل القرآن الكريم، و تأويلها هو وقوع وعده ووعيده.
 كلمة (ألم تر): تعني أن الأحداث أمامك، فإذا رأيت شاباً مؤمناً مستقيماً على أمر الله يعمل صالحاً ويطلب الحلال، علمت أن هذا الشاب لن يعامل كالشاب المتفلت الذي اكتسب المال الحرام وفعل الموبقات.

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21) ﴾

(سورة الجاثية)

 فكلمة (ألم تر): تعني أن الأمر واقع أمام عينيك، فهناك وقائع شتى تؤكد أن الله مع المؤمن يؤيده وينصره ويحفظه ويوفقه، أما الكافر فإن الله يخذله ويعاقبه ويفضحه... هكذا.

 

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾

 لقد جلس صفوان بن أمية مع عمير بن وهب في مكان خالٍ لا يراهم ولا يسمعهم فيه أحد، فقال عمير لصفوان: لولا أطفال صغار أخاف عليهم العنت، ولولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، لذهبت إلى محمد فقتلته وأرحتكم منه، فاستحلها صفوان فقال: أما ديونك فهي علي بالغة ما بلغت، وأما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، فانطلق لما تريد، فأمر عمير بن وهب أن يسقى سيفُه سماً، وأن تجهز راحلته، ثم ركبها وعلق سيفه على ظهره وذهب إلى المدينة ليقتل محمداً صلى الله عليه وسلم، وكان هذا بعد موقعة بدر، وقد كان لعمير ابناً وقع أسيراً، فقرر في نفسه أنه إذا سئل: لماذا أنت هنا ؟ أن يقول: جئت لأفدي ابني، فلقيه عمر بن الخطاب في الطريق، فقال: هذا عدو الله جاء يريد شراً فقيده بحمالة سيفه وقاده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي الكريم: "يا عمر أطلقْه " فأطلقَه، قال: "يا عمر ابتعد عنه" فابتعد، قال: "يا عمير ادنُ مني فدنا منه "، قال: "اجلس، ما الذي جاء بك إلينا ؟ " قال: جئت أفدي ابني، فقال النبي: "وهذا السيف الذي على عاتقك ؟؟ " قال: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر، فقال النبي: "ألم تقل لصفوان لولا ديون ركبتني ما أطيق لها سداداً، وأطفال أخشى عليهم العنت لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه "، فوقف وقال: أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله، وأنت رسول الله.

 

 

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

 فأسلم عمير، أما صفوان فطار قلبه فرحاً، وكان يقول لمن حوله: انتظروا أخباراً سارة بقتل محمد، فانتظر أياماً طويلة وأسابيع مديدة، فكان يخرج كل يوم إلى ظاهر مكة فينتظر القوافل لعلها تأتي بخبر مقتل محمد عليه الصلاة والسلام، ثم فوجئ بأن عميراً قد أسلم.
 فإن أي حديث تتكلمه مع أخيك الله يعلمه، حتى الخاطرة التي تفكر بها، وحتى الشيء الذي يغيب عنك يعلمه الله، فهو يعلم ما كان ويعلم ما يكون ويعلم ما سيكون ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

 

 

﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

 أيها الأخوة الكرام... إن مع كل إنسان ملكان يكتبان حسناته وسيئاته، بل إن الأبلغ من هذا أن الله معه يسمع أقواله ويرى أفعاله، فكلما قوي إيمان الإنسان قوي شعوره بأن الله معه يسمع ويرى، يقول تعالى:

 

 

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215)فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ(216)وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ(218)وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219) ﴾

 

(سورة الشعراء)

 فهو معك وأنت في بيتك مع أهلك وأولادك، كما أنه معك في عملك، و في مركبتك، و في سفرك، فهو معك في أي مكان، يراك ويسمعك ويعلم حالك، وإنك كلما شعرت بوجود الله عز وجل وأنه قريب منك وأنه سميع بصير كنت أكثر انضباطاً.
 وهذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، فالمؤمن يعلم أن الله يعلم، أما الكافر فلا يعلم شيئاً من هذا القبيل، وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى الآيات الباقية:

 

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾