الدرس : 8 - سورة النجم - تفسير الآيات 42-49

1995-10-20

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثامن من سورة النجم، ومع الآية الثانية والأربعين وهي قوله تعالى:

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 محاسبة الله كل إنسان على عمله:

 نهاية العباد، ومصيرهم، ومرجعهم، ومآلهم إلى الله، وسوف يحاسبهم، فلو أن الإنسان آمن بالله، فسينتهي إليه، وسيكافئه على إيمانه واستقامته وعمله الصالح، ولو أنه كفر بالله وأساء إلى الخلق فسينتهي إليه وسيحاسبه على كفره وإساءته وتفلته، ولو أنه فعل ما فعل من إيذاء الخلق فسينتهي إلى الله وسيحاسبه، ولو أنه أحسن فسينتهي إلى الله وسيحاسبه، لو اتصل بالله وعرفه حقًّا فسينتهي إليه وسيكافئه، لو ترك الصلاة فسينتهي إليه وسيعاقبه.
 تصور ساحة فيها عشرات بل مئات الطرق، وهذه الطرق تبدو متباعدة، لكن في النهاية كلها تصب في شارع عريض واحد، افعل ما شئت، لك أن تؤمن، ولك ألاّ تؤمن، لك أن تشكر، ولك أن تكفر، لك أن تستقيم، ولك ألاّ تستقيم، لك أن تحسن، ولك أن تسيء، لك أن تخلص، ولك أن تخون، لك أن تعفو، ولك أن تنتقم، لك أن تنفع، ولك أن تؤذي، افعل ما شئت، اعملوا ما شئتم، لابدَّ من أن تنتهي إلى الله، فليس من طريق آخر، كل الطرق تنتهي إلى الله، والله سيحاسب كل إنسانٍ على عمله.

 كل الطرق تنتهي إلى المولى سبحانه:

 فيا أيها الأخوة الأكارم: لو أن الإنسان عرف هذه الحقيقة في بداية حياته لشكل حياته على نسق خاص، ولضبط سلوكه وفق هذه الفكرة الخطيرة، فإذا سافر الإنسان إلى أي مكانٍ فإنه سوف يعود به إلى بلده وسيحاسب عن كل كلمةٍ قالها، لو أيقن هذا فلن يتكلم كلمة خلاف الأصول، فالمؤمن، والكافر، والمُلحد، والفاجر، والفاسق كلٌّ إلينا راجعون، آمنت أو لم تؤمن، قلت: الدين لا علاقة له بالحقيقة، قل ما شئت فلابدَّ من أن تنتهي إلى الله وأن يحاسبك الله على كل أقوالك وأفعالك.

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 تحرَّك، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

( سورة القلم )

 الإنسان في قبضة الله ولو ذهب إلى أي مكان:

 المتانة صفة تؤكد مقاومة قوى الشد، أما القساوة تؤكد قوى الضغط، الألماس قاسٍ جداً، أما الفولاذ المضفور أمتن معدن في الأرض، لذلك: المركبات التي تمشي على أسلاك يستخدمون لسيرها الفولاذ المضفور، فالفولاذ المضفور أمتن معدن، والألماس أقسى عنصر، فقوى الضغط تقابلها القساوة، وقوى الشد تقابلها المتانة، فربنا عزَّ وجل قال:

﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

( سورة القلم )

 فالإنسان مربوط وفي أية لحظةٍ هو في قبضة الله، اذهب إلى أي مكانٍ شئت.

لا تأمن الموت في طرفٍ ولا نفس  وإن تمنَّعــت بالحجاب والحرس
فما تزال سهـــام الموت نافذة  في جــنب مدَّرعٍ منها و متَّرسِ
أراك لســـت بوقَّافٍ ولا حذر  كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكـها  إن السفينة لا تجري على اليبــس

***

 إلى أيّة مكانةٍ ارتقيت، وفي أي مكانٍ كنت يأتي بك الله عزَّ وجل، والآية الكريمة:

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾

( سورة البقرة: آية " 148 " ) 

معرفة الإنسان بأن مرجعه إلى الله دليل استقامته:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾

(سورة الغاشية)

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 اذهب يميناً، يساراً، شمالاً، جنوباً، اركب الطائرة، كن وسط أعماق البحار، اصعد إلى القمر، أسس شركات، اجمع الأموال، افعل ما تشاء.

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 سوف تحاسب على كل كلمةٍ، وعلى كل همسةٍ، وعلى كل سكنةٍ، وعلى كل تصرفٍ صغيراً كان أو كبيراً.

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 هذه الحقيقة لو أيقن بها لكانت حياتنا غير هذه الحياة، ولاستقام الجميع على أمر الله، لسلكوا منهج الله، لطبَّقوا شرع الله، لخافوا من الله، إذ هناك حساب دقيق، الإنسان في الدنيا أحياناً يحسب حساباً لكل كلمة يقولها، لأنه يعلم أنه سيحاسب، فكيف برب العالمين الذي يقول:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾

(سورة الغاشية )

 لا مفر للإنسان من الله إلا إلى الله:

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 إليه ينتهي كل الخلق على اختلاف أعمالهم، ينتهي إليه أهل الجنة، وأهل النار، والكفار، والمؤمنون، والملحدون، والعصاة، والطائعون، والفجَّار، الناس جميعاً، كل الخلق ينتهون إلى الله، هذه هي الحقيقة، هذه الآية وحدها لو أيقنا بها لاستقمنا على أمر الله، إلى أين تفرُّون ؟ اعملوا ما شئتم، فأنتم إلى الله راجعون، وإليه تنتهون.

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

(سورة الغاشية )

 هذا هو معنى الآية، فيا أيها الإنسان أين تفرُّ ؟ لا مفر من الله إلا إلى الله، ولا ملجأ منه إلا إليه.

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾

(سورة الغاشية)

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

على الإنسان أن يعلم أن كل شيء محاسب عليه قبل فوات الأوان:

 ساحة عامة فيها مئة طريق، يمين، يسار، شمال، جنوب، طريق مزدان بالأزهار، طريق مليء بالأشواك، افعل ما شئت، اسلك أيَّ طريقٍ شئت، كل هذه الطرق سوف تلتقي في نقطةٍ واحدة عند هذه النقطة تحاسب على كل أعمالك، أنت الآن مخير، لكن بعد أن يأتي يوم الدين، يوم الدينونة والجزاء، يوم الحساب، تحاسب على كل شيء، هذه الحقيقة لابدَّ من أن ندركها، لكن قد ندركها بعد فوات الأوان، بعد أن نصل إلى الله، وبعد أن ننتهي إليه، ثم نَلْقَى الحساب الدقيق، وقد علِمنا علم اليقين أن كل صغيرةٍ وكبيرةٍ محاسبون عليها، والإدراك في هذه اللحظة لا جدوى منه، إدراكٌ جاء متأخراً، جاء بعد فوات الأوان، العبرة أن تعرف الحقيقة في الوقت المناسب، من أجل أن تستفيد منها، وقد أنبأنا الله بهذه الحقيقة في وقت مبكِّر، وقبل فوات الأوان.

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 النهاية إلى الله لا محالة، تجد شاباً وافاهُ الموت وهو في ريعان شبابه، إلى أين سيذهب ؟ إلى الله، إنسان مُعَمِّر وافته المنيةُ فإلى أين سيذهب ؟ إلى الله، هذه الجنائز التي ترونها كل يوم إلى أين تصير ؟ إلى القبر، وماذا في القبر ؟ حسابٌ دقيق، مَن ربك ؟ ما دينك ؟ مَن نبيك ؟ لمَ فعلت ؟ لمَ لم تفعل ؟ هذا بعض الحساب.عدلٌ من الله، واستسلام مع العبد.  

مصير الإنسان متعلق بإخلاصه في عمله:

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾

(سورة الغاشية )

 دققوا، فالإنسان قد يسافر، يركب طائرات، ينتقل من قارة إلى قارة، ثم يموت، قد يعود إلى مسقط رأسه وقد لا يعود، على كلٍ:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

(سورة الغاشية )

 فما دام المصير إلى الله والمنتهى إليه فلا بدَّ من الصلح معه في الوقت المناسب، إذا كان المصير إلى الله، فالعاقل هو الذي يتوافق مع هذه الحقيقة ويعمل لها، مِن تعريف الذكاء: التلاؤم، القدرة على التكيُّف، فإذا أيقنت أن المصير إلى الله، وأن المنتهى إلى الله، وأن المرجع إلى الله، وأن المآل إلى الله بالقبر فأخلص العمل، قد يعيش المرء في أفخر بيت، فيُلَفُّ في أرخص أنواع الأقمشة، يلف ويوضع في حفرةٍ، لا ضوء، ولا نور، ولا ماء، ولا شيء من هذا القبيل، فالحفرة من تراب والمهاد من تراب، ويغلق عليه القبر وينتهي الأمر "عبدي رجعوا وتركوك " رجعوا وتقاسموا الإرث "وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ".

 العاقل من يتكيف مع لقاء الله عز وجل:

 أيها الأخوة الأكارم: مِن أدق الحقائق هذه الحقيقة.

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 تاجر أسس معملاً فاغتنى، وجَمَّع ثروة هائلة، ثم اشترى أفخر بيت في المدينة، كما اشترى أفخر بيت في المصيف، ركب أفخر سيارة، قام برحلات بعيدة جداً، نزل بأفخر الفنادق، ثم ماذا ؟ لابدَّ من الموت، أو دعا إلى الله، بذل جهداً جهيداً في خدمة الخلق، طلب العلم، علَّم العلم ثم ماذا ؟ لابدَّ من اللقاء مع الله عزَّ وجل، هذا هو اللقاء الحَتْمِيّ، فالعاقل هو الذي يتكيَّف مع هذا اللقاء، يتكيف معه بالاستقامة، يتكيف معه بالعمل الصالح.

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 ما من طريق سالك لغير الله عزَّ وجل، لو كان هناك طريق آخر لاجتازه فلان، أو قل: نفد فلان، بالتعبير العامي: ( دَبَّر حاله )، لكن ليس من طريق آخر، وليس من مصير آخر ؟ وليس من إله آخر تلجأ له ؟ في الدنيا قد يعتبر لاجئًا، أحياناً الإنسان يضغط عليه فيلجأ إلى بلد آخر، يقبلونه لاجئًا، ويكرمونه، لكن هل من إله آخر تلجأ له ؟

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

(سورة الغاشية )

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 الموت و الحساب نهاية الخلق:

﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾

( سورة البقرة: آية " 148 " )

 في أي مكانٍ كنت، وفي أية مكانةٍ كنت، الملوك يموتون، والأنبياء يموتون، والأغنياء يموتون، والفقراء يموتون، والأصِّحاء يموتون، والمرضى يموتون، طبيب ألَّف كتاباً جمع فيه مقالات متناثرة في عشرات المجالات ؛ فوائد هذا الغذاء، كيف يجب أن تنام، كم ساعة ينبغي أن تنام، نصائح لا تعد ولا تحصى، في الحياة اليومية، في تناول الأغذية، في الرياضة، ثم يفاجأ الإنسان أن هذا الطبيب الذي قدَّم مئات النصائح، بل آلاف النصائح مات، فالأطباء إذًا يموتون، وأطباء القلب يموتون، وأطباء الجهاز الهضمي يموتون بأمراض هضمية أحياناً.

 

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

 

(سورة الغاشية)

 فيا أيها الأخوة: هذه حقيقة، مهما أنكرناها فهي واقعةٌ بنا ونحن إليها مآلنا، وهناك نقطة مهمة جداً، فمثلاً: إنكارك للشيء لا يُلْغي فاعليته، إذا أنكرنا هذه الحقيقة فالحقيقة باقية، الآية مطبقة علينا، اعترفت بها أو لم تعترف، آمنت بها أو لم تؤمن.

 وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى: آية لها عدة معان:

 1 ـ المصير و المرجع و الحساب إلى الله تعالى:

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 المصير إلى الله، المرجع إليه، المآب إليه، النهاية إليه، عنده الحساب، وعنده الجزاء، وعنده جنةٌ، وعنده نار، والجنة لمن أطاعه، والنار لمن عصاه، وهذا الكلام علينا أن نعرفه في الوقت المناسب ونحن أحياء، وفي حياتنا بقية، وقلبنا ينبض، ونحن أصحاء فتنتفع به، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك ))

( أخرجه الحاكم، والبيهقي عن ابن عباس، أحمد عن عمرو بن ميمون )

 إذاً العقل كل العقل، والذكاء كل الذكاء، والفلاح كل الفلاح، والفوز كل الفوز، في التكيّف مع هذه الآية..

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

(سورة الغاشية )

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 هذا معنى أوّل.

 2 ـ على الإنسان ألا يفكر في ذات الله سبحانه:

 وهناك معنى آخر للآية، النبي عليه الصلاة والسلام تلا هذه الآية وقال فيما يروى عنه: " لا فكرة في الرب ". أنت يمكن أن تفكر في مخلوقاته، فكر ما شئت، كلما فكرت في خلق الله ازددت معرفةً به، وازددت تعظيماً له، وخشيةً له، لكنك إذا وصلت إلى الخالق فلا ينبغي أن تفكر في ذاته، عندئذٍ تهلك، لأنهم: وَلاَ يُحِيطُونَ بِهَ عِلْماً، وقال أيضاً:

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

(سورة البقرة: آية " 255 " )

 مستحيل أن تحيط بالله عزَّ وجل، لك أن تفكر في خلقه، وليس لك أن تفكر في ذاته، لأنك لن تصل إليه، فلا تعمل عقلك في ذاته لأن هذا مهلكةٌ لك.

 

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 

 الهلاك مصير التفكير في ذات الله:

 إذا ركبت مركبة، هذه المركبة ممكن أن تصل بك إلى ساحل البحر، لكن هذه المركبة ليست مائية لتمخر بها عباب الموج، إذًا تغرق، مركبة أرضية تنقلك إلى الساحل، وليست مجهَّزة أن تخوض بها أعماق البحر، فالإنسان يفكِّر في مخلوقات الله، لكن لا ينبغي أن يفكر في ذاته فيهلك، وكل إنسان فكر في ذات الله أهلكه الله، لأن هذا شيء غير معقول، فتصور ورقة دخينة، وهو يصنع من أرق الورق، ألقيتها في فرن لصهرِ الحديد، تقول: ما مصيرها ؟ من الوهج تلاشت، تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا، لذلك " لا فكرة في الرب " فلن تصل إلى شيء، ومثلك كما قال الشاعر:

كناطح صخرة يوماً ليوهنها  فما وهنت وأوهى قرنه الوعلُ

***

 من خصائص العقل الإيمان بالله و رسله و كتبه:

 قالوا: العقل حصانٌ ينقلك إلى قصر السلطان، فإذا دخلت القصر تركت الحصان خارج القصر، بالمناسبة ما دام الموضوع قد طرحناه، فعقلك مهيأ أن تصل به إلى أن لهذا الكون خالقاً واحداً، إلهاً كاملاً موجوداً، وعقلك مهيَّأٌ أن تصل به إلى أن هذا الخالق العظيم لا يمكن أن يدع خلقه من دون توجيهٍ كريم، لابدَّ من كتاب أنزله، وعقلك قادرٌ على أن يصل إلى أن هذا الإنسان الذي جاء به هو رسول مِن عند الله، فالإيمان بالله وبرسوله وبكتابه، من خصائص العقل، لكن بعد أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وأن هذا كلامه، وأن هذا الإنسان رسوله، الآن عليك أن تتلقى، بحثت فوصلت، بقي عليك أن تتلقى عن الله ما جاء في كتابه.

 إخبار الله للإنسان لا يمكن أن يكون عقله حكماً عليه:

 أما إذا أعملت عقلك في ذات الله، أو في كلامه اعتراضاً ورفضاً، أو في كلام النبي تساؤلاً واستخفافاً، فأنت إذًا قد هلكت، كإنسان مصاب بآلام حادة في المعدة، بحث عن أفضل طبيب، طبيب اختصاصي، نزيه، مُخْلِص، صادق، أمين، له خبرات واسعة، له يد طويلة في شفاء المرضى، فلما فكر هذا المريض وفكر وفكر وسأل وبحث ودرس دُلَّ على طبيب تتوافر فيه هذه الصفات، دخل إلى العيادة انتهى دور العقل، الآن ينبغي أن يأخذ عن هذا الطبيب، لو أنه اعترض عليه معنى ذلك أن بحثه كان غير صحيح، ما دام البحث صحيحاً، فالآن دور التلقِّي، كنت تبحث، والآن تتلقى، فإذا آمنت بالله الإيمان الصحيح، وآمنت بكتابه الإيمان الصحيح، وآمنت برسوله الإيمان الصحيح، فالآن دورك دور التلقِّي، الذي أخبرك الله به لا يمكن أن يكون عقلك حكماً على ما أخبرك الله به، فلذلك الله جلَّ جلاله يقول:

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 مصيرنا إليه وهو سيحاسبنا.

 الله تعالى وهب الإنسان خاصة الضحك و البكاء:

 ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾

 مَن خلق في الإنسان خاصة الضحك ؟ الله جلَّ جلاله، وخاصة البكاء ؟ الله جلَّ جلاله، يروي بعض العلماء أن القِرد وحده هو الذي يضحك من بين الحيوانات ولكن لا يبكي، وأن الجمل وحده يبكي ولا يضحك، وما سوى ذلك لا يبكي ولا يضحك، أما الإنسان يضحك ويبكي، فمن خلق في الإنسان خاصة الضحك ؟ ومن خلق في الإنسان خاصة البكاء ؟ الله جلَّ جلاله، ثم من خلق أسباب الضحك، وأسباب البكاء ؟ يرزق الإنسان فيضحك، إذا أقام الإنسانُ ميزانية ووجد أن ربحه كبيراً، تجده في وضع متميِّز، تألَّق، عيناه زئبقيَّتان، تورَّد خده، شعر بنشوة، فالنجاح مسعد، أخذ شهادة، نجح بدرجة ممتازة، يظل شهر متألِّقاً، واختلف كلامه، واختلف تعامله، وتغيَّرت مشيته، وتغيَّرت أناقته، فالنجاح مسعد، من الذي أعطاك أسباب الضحك ؟ الله جلَّ جلاله، من الذي سمح لك أن تضحك ؟ الله جلَّ جلاله.

 الله عزَّ وجل خلق أسباب الضحك و أسباب البكاء:

 إنسان متزوج زوجته مخلصة، جلس مع أهله وأولاده، جرى حديثاً لطيفاً فضحك، هذا الضحك سببه أن لك أهلاً ولك أولاداً، وبينكما مودة ومحبة، ولا عداء، ولا دعاوى في المحاكم، بل إخلاص ومحبة، من يسَّر لك أسباب الضحك ؟ هو الله عزَّ وجل، الصحة طيبة، فلو جاء في أي تقرير أنك مصاب بورم، ما أحسنتَ ضحكاً على الإطلاق، انتهى، فشل كلوي مثلاً، فلن تضحك أبداً، تشمع كبد فلن تعرف سبيلاً للضحك، وكذلك إذا كانت خثرة بالدماغ فلن تضحك البتة، أليس كذلك ؟ ما دام هناك معافاة في الصحة، معنى ذلك أنَّ الضحك موجود، يضحك الإنسان، وتجده مرحاً، إذا كان آمناً في سربه، معافىً في جسمه، عنده قوت يومه، يضحك، إذا ذكرت طرفة مضحكة يضحك من أعماقه، فالله عزَّ وجل خلق أسباب الضحك، خلق خاصة الضحك، وأضحك أناساً، وأبكى أناساً.
 الآن حدثٌ شخصاً يضحك منه إنسان ويبكي منه إنسان، قابلة دخلت إلى بيتٍ لتولِّد امرأةً فجاءها مولودٌ ذكر فصاح الجميع بالبكاء، عندها سبع ذكور وهي تنتظر أنثى، فذهبت إلى بيتٍ آخر في اليوم نفسه وجاء المولود ذكراً فضج البيت بالفرح والضحك، عندهم سبع بنات فجاءهم ذكر، فالمولودان ذكران، في بيت خيَّم الحزن، وفي البيت الأخ شاع الفرح، إذاً شيء واحد يضحك ويبكي، أحياناً إنسان يتعيَّن في منصب، تجد البيت قاعة استقبال وتهانٍ، وإنسان فَقَدَ نفس المنصب تجد البيت غمره حزنٌ وكآبة، يضحك أناس ويبكي أناس، أحياناً تضحك من شيءٍ بكيت منه بالأمس، فالمتصرف هو الله، أحياناً قد تواجهك مشكلات ظاهرها مشكلة معقَّدة، لكن باطنها نعمة، فالله عزَّ وجل قال:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

(سورة البقرة) 

الضحك الحقيقي للإنسان أن يصل إلى الجنة:

 الذي أبكاك بالأمس أضحكك اليوم، والذي أضحكك بالأمس أبكاك اليوم، فيمكن للحدث الواحد أن يضحك منه إنسان ويبكي منه إنسان آخر، ويمكن أن تضحك مما بكيت منه، ويمكن أن تبكي مما ضحكت منه، والمؤمن يضحك في الجنة الضحك الحقيقي، والعبرة: مَن يضحك آخراً، الضحك الحقيقي، الفرح الحقيقي، الفوز الحقيقي، النجاح الحقيقي، الفلاح الحقيقي، أن تصل إلى الجنة، لذلك:

﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

(سورة يونس )

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾

( سورة الزمر )

 فالضحك الحقيقي أن تصل إلى الجنة.

 البكاء الحقيقي خسران الإنسان لآخرته:

 البكاء الحقيقي أن يخسر الإنسان آخرته، هذا الحزن المطلق، والضحك المطلق، وربنا عزَّ وجل قال:

﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾

(سورة المطففين )

 لكن الذي كفروا في الدنيا يضحكون من المؤمنين، يتهمونهم بالسذاجة، والخوف غير المعقول.. إذاً:

 

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾

 

 الضحك نعمة على الإنسان أن يذوب حباً لله على هذه النعمة:

 صدقوني أيها الأخوة لمّا أرى إنسانًا يضحك أقول: لو عرف نعمة الله عليه حتى جعله يضحك لذاب حباً لله عزَّ وجل، الضحك نعمة، وليس من السهل أن تضحك، مرة كنا مدعوِّين في بستان، دخل صاحب البستان ولم يسلم على الحاضرين إطلاقاً، فسألت قريبه: ما شأن هذا ؟ قال: كان في غسيل كليته، لا يرى أمامه أحداً، الإنسان لمّا يأتيه شيء عُضال ينتهي الضحك من حياته كلياً، إذا كان الإنسان في صحة طيبة، أجهزته سليمة، أعضاؤه صحيحة، حواسه في عافية، له مأوى، وله زوجة، وله أهل، وله دخل محدود يغطي حاجاته، فسهر سهرةً وضحك، يجب أنْ يسجد لله شاكراً: يا رب لك الحمد فأنت أضحكتني، سمحت لي أن أضحك، هناك إنسان يبكي، والله عزَّ وجل قادر على أن يبكَيِّ الرجال الأشداء الأقوياء، فالله جبار وقهار، فلا تخدعنَّ أحدًا صحَّتُه أو قوّتُه.

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

(سورة البروج )

 من استقام و اتبع سنة النبي يضحك في الدنيا و الآخرة:

 قال لي رجل: أعاني من مرضين: في المعدة والقلب، أدوية المرض الأول تؤذي المرض الثاني، وأدوية المرض الثاني تؤذي المرض الأول، فهو إذا مستسلم بلا دواء، أحياناً تُجرى للإنسان عملية بلا مخدِّر، قلبه لا يحتمل المخدر، الآلام لا تطاق، فالله عزَّ وجل أضحك وأبكى، فإذا الإنسان استقام على أمره، واتبع سنة نبيه، وتقرب إليه بالعمل الصالح، فأغلب الظن أنّ الله يضحكه في الدنيا، له في الدنيا جنةٌ خاصة..

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

( سورة الرحمن)

 الله عزَّ وجل يضحك ويبكي، إذا ضحك أحد فلا يظن أنه ضحك بذكائِهِ، لا، بل الله سمح له أن يضحك، وإذا بكي فلعلَّ البكاء فيه رحمة.

 

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾

 

 الضحك المطلق والفرح المطلق لا يكون إلا في الجنة:

 بعضهم قال: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر، بعضهم قال: أضحك الشجرة بالزهر، شجرة الربيع ضاحكة، في الشتاء باكية، الأرض أحياناً كلها أزهار ونباتات، وكأنها عروس ترتدي أجمل ثيابها، طبعاً هذه معانٍ مجازية، لكن المعنى الأساسي أن الضحك الحقيقي والمطلق يكون في الجنة، فبعد دخول الجنة لا يوجد قلق، ولا خوف، ولا شقاء، في الدنيا لو ضحك الإنسان فقد ينتظره شيء يُبكيه، لا يدري ما سيأتي، أما الضحك المطلق والفرح المطلق في الوصول إلى الجنة، لذلك ربنا عزَّ وجل قال:

﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

(سورة يونس: آية " 58 " )

 ينبغي أن تفرح بفضل الله لأنك عرفت الله، لأنك استقمت على أمره، لأنك عملت الصالحات، لأن الله سمح لك أن تذكره، سمح لك أن تعرفه، قدَّر على يديك الخير، اصطفاك من بين العصاة، هذا الذي ينبغي أن نفرح له.

 

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾

 

 الله وحده الذي يضحك الإنسان و الذي يبكيه:

 لو أن الله عزَّ وجل قال: وأنه أضحك وأبكى، لاختلف المعنى، معنى ذلك أن هناك إله آخر يضحك ويبكي، أما حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وأنه هو أضحك وأبكى ﴾

 أي وحده، الله وحده الذي يضحك، ووحده الذي يبكي، ولا إله آخر، هو وحده يضحك أو يبكي، تجد أحياناً إنسانًا بغير الضحك والبكاء يشعر بانقباض، وأحياناً بانشراح أيضاً:

 

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ ؟ فَقَالَ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ يُقَلِّبُهَا وَأَشَارَ الْأَعْمَشُ بِإِصْبَعَيْهِ ))

 

( أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك )

 أحياناً يحس بانقباض لا يدري له تفسيراً، وأحياناً يحس براحة وبانطلاقة وببشر، وهو لا يدري لها تفسيراً، فقلب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن.

 العبرة بخواتيم الأمور لا ببداياتها:

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾

 خلق خاصة الضحك والبكاء، ثم خلق أسباب الضحك وأسباب البكاء، ثم جعل ما تضحك منه اليوم تبكي منه غداً، وما تبكي منه اليوم تضحك منه غداً، والعبرة: الضحك الأخير، أحياناً تقبِل الدنيا فتجد شخصاً من شدة فرحه اختل توازنه، يا ترى: أهذا الضحك بعده بكاء ؟ قد يكون بعده بكاء شديد، فالعبرة بخواتيم الأمور، العبرة للنهايات، العبرة لختام العمر، "اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا ". 

الله عز وجل خلق الموت و الحياة:

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾

 طبعاً حينما ينفخ الله في النطفة من روحه تحيا، صار مولوداً، يتكلم، يضحك، يبكي، يأكل، يشرب، ينمو، وقد يموت هذا المولود، فالذي خلق الموت والحياة هو الله، والعلماء أضافوا لهذا المعنى: أن الإنسان يموت قلبه بالبعد عن الله، ويحيا بالاتصال به، والدليل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

(سورة الأنفال: آية " 24 " )

 وقال تعالى:

 

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

 

( سورة فاطر )

 وصف الكافر بالموت و المؤمن بالحياة:

 قال تعالى:

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

( سورة النحل: آية " 21)

 فالله عزَّ وجل وصف الكافر بالموت، ووصف المؤمن بالحياة، فهناك حياتان حياة الجسد وحياة القلب، وهناك موتان موت الجسد وموت القلب، الكفار وهم في أوج حياتهم موتى، "يا بني مات خُزَّان المال وهم أحياء "، بينما الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات وهم في قبورهم أحياء.

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾

 

(سورة آل عمران )

 فالإنسان يحيا ويموت، يحيا جسمه ويموت جسمه، ويحيا قلبه ويموت قلبه.

 

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾

 

 لذلك "كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تُقَرِّب أجلاً ".

 تحديد جنس المولود متعلق بالنطفة لا بالبويضة:

﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) ﴾

 هذه الآية فيها إعجاز علمي، طبعاً بعد تقَدُّم العلوم الطبية تبيَّن أن جنس المولد ذكراً كان أو أنثى لا تحدده البويضة بل تحدده النطفة، ولهذا البحث تفصيلات طويلة، هناك في العُرى الملونة عروة شكلها إكس، وعروة شكلها وأي، فالنطفة وحدها تحدد ما إذا كان المولود ذكراً أو أنثى، فهذا الذي يغضب من زوجته إذا أنجبت له الأنثى جاهل، جاهل لا يفقه شيئاً، الذكر منه والأنثى منه.

 

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾

 والأصح من ذلك:

 

 

﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) ﴾

 

(سورة الشورى )

 أن يكون الأولاد كلهم ذكوراً من الله، أن يكون الأولاد كلهم إناثاً من الله، أن يكونوا ذكوراً وإناثاً من الله، أن يكون الإنسان عقيماً من الله، هذا كلام الله عزَّ وجل.

 عظمة خلق الله عز وجل:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) ﴾

 في اللقاء الواحد بين الزوجين خمسمئة مليون حوين تختار البويضة أقوى هذه الحوينات، والحوين عليه خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، هذا اسمه علم الوراثة الآن، وهو الآن العلم الأول في العالم، فالمعلومة مبرمجة، وكذلك البويضة، وحينما تلقَّح البويضة يبدأ الانقسام، في طريق البويضة من المبيض إلى الرحم تنقسم هذه الخلية الملقَّحة إلى عشرة آلاف قسم دون أن يزيد حجمها، والموضوع طويل، وعلم الأجنة يقدِّم لنا حقائق مذهلة عن عظمة الخلق.

 

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) ﴾

 

 سيعاد خلقنا من جديد، وسينفخ في بقية أجسامنا التي في القبور، وسوف يعاد خلقنا لنحاسب على أعمالنا كلها.

 إعادة خلق الإنسان من جديد لمحاسبته:

﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ﴾

 الله عزَّ وجل إذا جاءت على متعلقةً بذاته جلَّ جلاله يقولون: تفيد الإلزام الذاتي.

﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾

 سوف يعاد خلقنا مرةً ثانية لنحاسب على أعمالنا كلها.

 

﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى(48)﴾

 هو الذي يغني، هناك أذكياء جداً، كل ذكائهم لم ينفعهم في أن يغتنوا..

 

 

ولو كانت الأرزاق تجري مع الحجا  هلكنَ إذاً من جهلهن البهائم

 

 الله يغني ويفقر.

 أَغْنَى وَأَقْنَى: آية لها عدة معان:

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾

 بعض العلماء قالوا: َأَقْنَى أفقر، أي أغنى وأفقر، أضحك وأبكى، أمات وأحيا، وبعضهم قال: َأَقْنَى من القُنْيَة أي أعطاه أشياء ثمينة، ملَّكه أشياء، بعضهم قال: َأَقْنَى أَخْدَمَ، أغناك وجعل قلوب الخلق تميل إليك هذا من فضل الله عزَّ وجل، بعضهم قال: َأَقْنَى أخدم وأرضى، أحياناً الله يعطي إنسانًا مالاً كثيراً وهذا الإنسان لا يرضَى عن الله، تجد رجلاً أعطاه شيئًا قليلاً وهو راضٍ عن الله، فالعبرة أن ترضى عنه لا أن يرضى عنك، العبرة أن ترضى عنه أنت أولاً، أن ترضى عنه هو سر الإيمان به، هذا رجل يطوف حول الكعبة يقول:  "يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ " ووراءه الإمام الشافعي قال له: "يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى هو يرضى عنك ؟ " قال: "يا سبحان الله من أنت يرحمك الله ؟ " قال:  "أنا الشافعي محمد بن إدريس "، قال: "كيف أرضى عنه وأنا أتمنَّى رضاه ؟ " قال: "يا هذا إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله ".
فبعضهم قال: "أغنى أي جعلك غنياً " وبعضهم وسَّع هذه الآية قال: أغناك بالعلم، أغناك بالحكمة، أغناك بالرضا، أغناك بالعمل الصالح، أغناك بمعرفته، أغناك بالجنة، فهذه الآيةواسعة سعة كبيرة، قد يغنيك بالمال، وقد يغنيك براحة البال

﴿ فيهديهم ويصلح بالهم﴾

 راحة البال ثمينة جداً، وقد يغنيك بالسمعة الطيبة، وقد يغنيك بالحكمة، وقد يغنيك بالعلم، وقد يغنيك بمحبة الخلق، وقد يغنيك بالعمل الصالح، يجري على يديك أعمالاً كبيرة جداً.

 كل المسلمين في صحيفة النبي الكريم إلى يوم القيامة:

 عدد المسلمين هذه الأيام يبلغ مليار ومئتي مليون مسلم، وكلُّ هؤلاء في صحيفة النبي عليه الصلاة والسلام، إلى أيِّ مكان ذهبت في العالم فكلُّ المسلمين في صحيفة النبي، في خلال ربع قرن غَيَّر وجه الأرض، سيدنا عمر قال: "أنا ؛ ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر "، أنا كلِّي، عملاق الإسلام حسنة من حسنات أبي بكر.
 مرة قال له واحد: "ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله "، فأحدّ فيهم النظر، فخافوا فقال أحدهم: قال له: "من هو ؟ " قال: "أبو بكر "، قال: "لقد كذبتم جميعاً وصدق هذا، فعَدّ سكوتهم كذباً. قال: والله كنت أضل من بعيري وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك "، ولما وقف على المنبر نزل درجة، تعجبوا !! قال عمر رضي الله عنه: "ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر "، سيدنا عثمان لم ينزل درجة، ولحكمةٍ بالغة، فلما سئل بعض خلفاء بني أمية عن السبب: "لما لمْ ينزل عثمان درجة ؟ " قال:"والله لو فعلها لكنت الآن في قعر بئر "، هذه أيضاً حكمة فلو نزل عثمان درجة أخرى، وسيدنا علي لو نزل درجة لصار مقامه على الأرض، فالذي بعده تُحفر له الأرض لينزل درجة، فانظر لو تتابعت سُنة عمر في نزوله درجة !!

 مجالات الإغناء:

 العبرة أن الله سبحانه وتعالى (أغنى): سنعدِّد مجالات هذا الإغناء: أغناك بالمال، أغناك بالعلم، أغناك بالحكمة، أغناك براحة البال، أغناك بالسمعة الطيبة، أغناك بأولاد أبرار، أغناك بزوجةٍ صالحة، أغناك بعملٍ صالحٍ كبير، أغناك بالجنة، هذا معنى:

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى ﴾

 مجالات الإقناء:

 أمَّا: (أَقْنَى)، أولاً أرضاك بما أعطاك، السعادة هي: لا أن تأخذ الكثير بل أن ترضى بالقليل، أحد أسباب السعادة الرضا، أغنى وأقنى أرضى، أغنى وأقنى: فهناك شيء غير الغنى المادي، فإذا كان الخلق قد تعلقوا بك وأحبوك هذه ثروة كبيرة جداً، فالإنسان كان محبوباً فهذه ثروة كبيرة جداً، وإذا الإنسان كان محبوباً فهذا عطاء إلهي كبير، يعيش بين أحباب، الكل يتمنى أن يلتقي معه، الكل يتمنى أن يخدمه، هذا من فضل الله علينا، لمَّا مُدِحَ سيدنا الصديق قال: "يا رب أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون ".

 الجنة أوسع شيء في الغنى:

 الله أحياناً يعطيك محبة الناس، يعطيك ثقة الناس، هذا عطاء كبير جداً، أحياناً يملِّكك الرقاب، والناس لا يحبونك، أحياناً يملكك القلوب وهذا هو العطاء الحقيقي، الأقوياء ملكوا الرقاب لكن الأنبياء ملكوا القلوب، وفرقٌ كبير بين أن تملك الرقاب وأن تملك القلوب، أغنى وأقنى، المحبة، الرضا، الخدمة، وبعضهم قال: أفقرَ، فأغنى وأقنى: أغنى وأفقر، والغنى أوسع شيء فيه الجنة.

 تنبيه الله عز وجل للعرب بأن الشعرى مربوباً و ليس رباً:

﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) ﴾

 قال: الشِعْرَى أبعد من الشمس بمليون ضعف، بعد الشمس عن الأرض مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر اضربها بمليون، يعطيك بالكيلومترات بُعدَ نجم الشعرى عن الأرض، وقال: قوة إضاءته خمسون ضعفًا، وكتلته عشرون ضعفًا عن الشمس، والعرب كانوا يعبدونه من دون الله، فربنا نَّبَهُهم بأنّ هذا النجم الذي تعبدونه مربوب وليس رباً، قال سبحانه:

 

﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾

 ثم يقول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى(55)﴾

 

 الله رب كل شيء و إليه يرجع كل شيء:

 كان درسنا اليوم:

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾

 بمعنيين..

﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى(49)﴾

 وهناك درس أخير إن شاء الله، فإنْ أَحْيانا الله سنتابع تفسير الآيات المتبقية، وبه تنتهي سورة النجم.