الدرس : 7 - سورة النجم - تفسيرالآيات 39-41

1995-10-13

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس السابع من سورة النَجم، ومع الآية التاسعة والثلاثين. 

مكانة الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح:

 قال تعالى:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

 هذه الآية أيها الأخوة أصلٌ من أصول الدين، أي أن الإنسان لا يمكن أن ينالَ ثواب عملٍ لم يفعله، كما أنه لا يمكن أن يُنتقص من عمله عملٌ فعله، فلا إضافة تضاف إلى عمله و لا ينقص من عمله شيء، ولو أن الله سبحانه وتعالى (فرضاً) قال: وللإنسان ما سعى، فقد نفهم من هذا الكلام أن له ما سعى، وله ما لم يسعَ، أما حينما جاءت هذه الآية بصيغة القصرِ..

 

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

 

 فهذا يعني أنه لا يمكن أن يناله شيءٌ من ثواب الآخرين ولا من أعمال الآخرين، كما أنه لا يُنتَقَص لا من عمله ولا من ثوابه، بل عمله وحده يُحاسَب عليه، ومكانته عند الله بحجم عمله الصالح، ليس له إلا ما سعى.

فعل الخيرات صدقة جارية بعد موت الإنسان:

 لذلك فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى استنبط من هذه الآية أن الميِّت لا يصله إلا ثواب عملٍ عمله في حياته، وحينما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مُسْلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه:

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

( صحيح عند ابن خزيمة عن أبي هريرة)

 والثلاثة من سعيه قبل أن يموت، صدقةٍ جارية، أنشأ مَيْتَماً مثلاً، أو أنشأ معهداً شرعياً، أو أنشأ مستشفى خيرياً، أو أنشأ وقفًا، أو أنشأ بناء لحلِّ مشكلات الناس، الأوقاف التي كانت من قبل دليل رغبة الناس الصادقة في فعل الخيرات، فهذه هي الصدقة الجارية، ساهم في بناء مسجد، أو في بناء مستوصف خيري، أو في بناء مستشفى خيري، أو في بناء جمعية خيرية، أسس مشروعاً خيرياً، أسَّس عملاً خيرياً،

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ))

 شقَّ نهراً، أقام جسراً، أنشأ مدرسة..

 

((وعلمٍ يُنْتًفعُ به ))

 

 تعلَّم وعلَّم وترك أثراً، فألَّف تفسيراً، أو كتاباً في الحديث، الإمام النووي ترك آثاراً طيّبة جداً، العلماء الكبار، هؤلاء المجتهدون الأربعة وسواهم، المفسِّرون، المحدِّثون، علماء الحديث، علماء الفقه، علماء التفسير، علماء العقيدة، حتى علماء الفرائض، وعلماء التجويد، كل هؤلاء تركوا علماً يُنْتَفَع به.

 العمل الصالح، الصدقة الجارية، الولد الصالح: من سعي الإنسان قبل أن يموت:

 الإمام الغزالي مثلاً ترك كتاب الإحياء، كان يضمُّ درسه أربعمئة عمامة، فلَّما توفي انفضَّ المجلس، فماذا بقي من الغزالي ؟ بقي كتاب الإحياء، مضى عليه ألف عامٍ ينتفع به المسلمون والعلماء، والخطباء والمعلِّمون، فإذا تركت أثراً علمياً ؛ كتابَ تفسيرٍ، كتاباً في الحديث، كتاباً في الفقه، كتاباً في العقيدة، كتاباً في السيرة انتفع الناس به، قرؤوه في كل الأقطار والأمصار، هذا من الصدقة الجارية، علمٍ يُنتَفع به، أو ربَّيت ولداً وهيأته ليكون داعيةً إلى الله عزَّ وجل، علَّمته العلم الشرعي، لكن الآباء الآن يضنون بأبنائهم أن يعلِّموهم العلم الشرعي، يريده طبيباً، ولو كُشِفَ له الغِطاء أن هذا الابن إذا علَّمته العلم الشرعي وهيّأته ليكون داعيةً فكل هؤلاء الذين يهتدون على يديه في صحيفة الأب، لكن هذه الحقيقة تغيب عن كثيرٍ من الآباء، حبَّذا لو أنَّ كل أب اختار من أولاده النجيب المتفوِّق الألمعي وعلَّمه العلم الشرعي، وسلَّكه طريق الإيمان ليكون داعيةً، فكل أعماله في صحيفة الأب، فهذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول:

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

( صحيح عند ابن خزيمة عن أبي هريرة )

 هذه الثلاثة من سعي الإنسان قبل أن يموت، والله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

 

 كل إنسان ينال جزاء عمله يوم القيامة:

 إياك أن تتوهَّم أنه يمكن أن ينالك من سعي الآخرين شيءٌ، حتى إن الأب (دققوا فيما سأقول) إذا كان على غير المنهجٍ القويم ولم يعمل لآخرته إطلاقاً، وجاءه ولدٌ صالحٌ، وكان هذا الأب على خلافٍ معه طوال حياته، وكان يمنعه من طلب العلم الشرعي، وكان لا يرضى عن سلوكه، فلو أن هذا الابن أصبح أكبر داعيةٍ في الأرض فلن ينال الأب منه شيئًا، لماذا ؟ لأنه ما أراده كذلك، ولم يُسهِم في تكوينه كذلك، فالقضية دقيقة الدلالة جداً.

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

 لا يُضاف لك شيء لم تفعله، كما أنه لا يُحذَف شيءٌ مما فعلته، عملك تنال جزاءه جزاءً وفاقًا، وفاقَ النية الطيبة وحجم العمل.

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

 كل عملٍ للميت نصيب فيه قبل موته يصل إليه:

 إلا أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:

(( أسرع الدعاء إجابةً دعوة أخٍ لأخيه بظهر الغيب ))

 وتوجد رواية ثانية:

 

(( دعوة الأخُ لأخيه بظهر الغيب لا تُرد ))

 كيف ؟ أيضاً هذه الدعوة من سعي الإنسان، فلو أنك كنت محسناً لأخيك وغمرته بإحسانك، فلمَّا غبت عنه وألَمّ بك مكروه دعا لك، لماذا دعا لك ؟ لأنه تذكَّر إحسانك إليه فدعا لك، حتى حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( دعوة الأخُ لأخيه بظهر الغيب لا تُرد ))

 علَّله بعض العلماء: أن الإنسان لا يتذكَّر أخاه إلا إذا كان محسناً له، فإذا أحسنت إلى أخيك، وألمّ بك مكروه، ودعا لك بظهر الغيب فإن دعوته لا تُرد، وهذه الدعوة ثمرة من ثمار عملك الصالح.
 كما أن الصدقة تصل إلى الميت بعد موته لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن هذا ووضَّحه، ولولا أن هذا الميِّت ترك أثراً طيّباً في تربية أولاده، وفي معاونة إخوانه، وفي مواساة أحبابه لما تذكَّروه بعد موته وأنفقوا هذه الصدقة على روحه، فالصدقات تصل، والدعاء يصل، وكل عملٍ للميت نصيب فيه قبل موته يصل إليه، وهذا ينطلق من قوله تعالى:

 

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ 

 

تربية الأولاد التربية الصالحة من أعظم الأعمال عند الله:

 أيها الأخوة الأكارم: هذا حديثٌ دقيق المعنى، من أدقِّ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، اعمل عملاً يستمّر أثره بعد الموت، هذا العمل لا ينقطع ثوابه، والإنسان في قبره تأتيه الخيرات، هذا الولد الذي ربَّيته، الذي سهرت في تربيته، الذي جعلته معك رفيقاً، الذي أخذته إلى المسجد، علَّمته القرآن، جَهدتَ في تربيته وتوجيهه، بذلت من مالك من أجل إكرامه، زوّجته، هذا الابن الذي ساهمت في تكوينه وتكوين إيمانه ذخرٌ لك من بعدك، لذلك تربية الأولاد التربية الصالحة تُعدُّ من أعظم الأعمال عند الله عزَّ وجل، لماذا ؟ لأن ثوابها لا ينقطع بالموت، أيّ عملٍ صالح إذا فعلته ينتهي عند الموت إلا تربية الأولاد.

(( من كن له ثلاث بنات فعالهن وآواهن وكفهن، وجبت له الجنة. قلنا: وبنتين ؟ قال: ' وبنتين '. قلنا: وواحدة ؟ قال: ' وواحدة))

( أخرجه الطبراني عن أبي هريرة )

 أي: إذا إنسان رزقه اللهُ فتاةً فربَّاها تربيةً إسلامية، عرَّفها أمر دينها، عرَّفها بكتاب الله، جعلها زوجةً صالحةً تقيةً ورعةً مطواعةً لزوجها، اختار لها الزوج المؤمن الذي يحفظ لها دينها، هذه الفتاة تأخذ بيد أبيها إلى الجنَّة، هؤلاء الفتيات ذكرهنَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام فقال:

 

(( إنهنَّ المؤنسات الغاليات ))

 

( رواه أحمد و الطبراني عن عقبة بن عامر )

 لماذا ؟ لأن كل فتاةٍ في البيت (دققوا فيما سأقول) يمكن أن تكون سبباً في دخولك الجنَّة، كل فتاةً إن ربَّيتها تربيةً إسلامية، إن ربيتها على العفاف، إن ربيتها على طاعة الله، إن حجبت مفاتنها عن الأجنبي وبقيت للمحارم، إن اخترت لها زوجاً مؤمناً يحفظ لها دينها، يتابع طريق إيمانها، هذه الفتاة سببٌ لدخولك الجنَّة.

العلم أثره باق و ثمرته لا تنقطع:

 أيها الأخوة: تربية الأولاد والعلم الذي يُنتفع به، أثرُهما باقٍ، وثمرهما لا ينقطع أبداً إن شاء الله، مرَّةً قرأت تفسير آيةٍ في كتاب تفسير ألَّفه صاحبه قبل ألف عام، لفت نظري دقَّة هذا التفسير فجعلته موضوع خطبةٍ وألقيتها على الإخوة الكرام، شعرت أن أثراً كبيراً تركته في الناس، تذكَّرت هذا المفسِّر الذي كتب هذا التفسير قبل ألف عام، فمن هذه الخطبة جاءه الخير، وذُكر بالخير، لا تجد إنساناً يترك أثراً علمياً ؛ كتاب تفسير مثلاً، أو كتاب حديث، أو كتاب فقه، أو كتاباً في العقيدة، أو كتاباً في فروع الدين، أو كتاباً في الآيات الكونية، لا يوجد إنسان يترك أثراً علمياً ويموت، إلا وكلُّ مَن قرأ هذا الكتاب، وكل من انتفع بهذا الكتاب، وكل من اقتبس من هذا الكتاب، وكل من ضمَّن في دعوته وفي خطبه مما في هذا الكتاب فهو في صحيفة المؤلِّف إلى يوم القيامة.
 فالإنسان إذا كان عاقلاً يبحث عن عملٍ يدوم، يبحث عن عملٍ كأني أقول يلغي موته، سيدنا علي يقول: "يا بني العلم خير من المال، لأنَّ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقِصُه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني مات خُزَّانِ المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة ". يجب أن تحدِّث نفسك بطلب العلم، ويجب أن تُعَلِّم بعد أن تحصِّل العلم، لأن خيركم كما قال النبي الكريم:

(( خيركم من تعلم القرآن و علمه ))

( البخاري عن عثمان)

 الصدقة الجارية في صحيفة الإنسان إلى يوم القيامة:

 ينبغي أن تدع أثراً، ولو رسالة صغيرة، ولو بحثاً صغيراً، ولو تركت أثراً في أولادك، أحياناً ألتقي مع بعض الأخوة الطيّبين، كلَّما ذكر أباه ترحَّم عليه، ويقول: أبي علَّمنا أن نصلي الفجر في المسجد، أبي علَّمنا ألاّ نكذب، أبي علَّمنا أن نتواءم بعد وفاته، أبي علمنا أن نحسن للناس، أبي علمنا أن نكون صادقين، كل أعمال هذا الابن في صحيفة أبيه، أنت أمام أبواب لا يعلم إلا الله خيراتها ؛ تربية الأولاد، وطلب العلم، وتعليم العلم، وترك أثراً علمياً، وصدقةٍ جارية، بناء مسجد.
 أنا كنت أقول حينما تأتيني لجان من المساجد الأخرى للتبرُّع، أقول: كل من صلى في هذا المسجد، وكل درس يعقد في هذا المسجد، وكل دمعةٍ تنهمر من عين مصلٍ في هذا المسجد، وكل توبةٍ تعقد في هذا المسجد في صحيفة من بناه إلى يوم القيامة، فالصدقة الجارية، أحياناً مسجد، وأحياناً معهد شرعي، هناك معاهد شرعية الآن تعدُّ مفخرة، تضم آلاف الطُلاَّب، ماذا يُعَلَّمون ؟ يُعَلَّمون الكتاب والسنَّة، والفقه والتفسير، والآداب الإسلامية والعقيدة الصحيحة، فإذا الإنسان ساهم ببناء مسجد، أو بترميم مسجد، أو بتأمين مرافق المسجد ؛ من نحو: تكبير الصوت، الإضاءة، التدفئة، التكيّيف، الفرش، ساهم بالتدريس في المسجد، ساهم بدعم هذا المسجد، كل هؤلاء لهم عند الله أجرهم، هذه الصدقة الجارية ؛ مسجد، مستشفى خيري، مستوصف خيري، معهد شرعي، مرفق عام مفيد جداً.

 على الإنسان أن يترك أثراً من عمل الصالح ينفعه بعد موته:

 هؤلاء الأجداد المرجة في دمشق هذه أرضٌ وقفية، أوقفها أصحابها للدوّاب المريضة كي ترعى وتستريح، هناك أوقاف في الشام لا يعلهما إلا الله كلها تنطلق من أعمال الخير، العصر ونية هي وقف، فكل طفلٍ أو خادمٍ انكسر معه إناءٌ وله سيدٌ قاسٍ يأتي إلى هذا المكان فيأخذ الإناء الجديد ويعطيهم أثراً من القديم، كم مشكلة حُلت بهذه الطريقة ؟ وكانت هناك بمارستانات قديماً، مستوصفات خيرية مجَّانية، طعام مجاني للفقراء، سبحان الله كان السلف الصالح همُّهم الوحيد خدمة الخلق، والتقرُّب إلى الله عزَّ وجل، الآن همّه الفيلاّ ومسبح فيها، ومركبة فاخرة، وقضاء إجازة في أنحاء العالم، همه المتعة فيموت صفر اليدين، كان الأجداد همهم العمل الصالح، همهم تركُ أثر، والأبواب مفتوحة أيها الأخوة، بإمكانك أن تطلب العلم، بإمكانك أن تحفظ كتاب الله، بإمكانك أن تتعلَّم علم التجويد، بإمكانك أن تعلِّم التجويد، بإمكانك أن تعلِّم ما علَّمك الله، وهكذا تكون قد تركت أثراً علمياً، ألِّف كتاباً صغيراً إذا كنت من أهل التأليف، اترك أثراً علميًّاً، اترك أثراً فكريًّاً، اترك أثراً اقتصادياً، أثراً من عمل الصالح ترجو ثوابه عند الله سبحانه.

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

( صحيح عند ابن خزيمة عن أبي هريرة)

 أعظم عملٍ على الإطلاق الاستقامة و الدعوة إلى الله:

 هل بيننا شخص ليس له ابن ؟ فهذا الابن يجب أن تفكر تفكيراً ملياً أن تجعله داعيةً، وعلى الله رزقه، وتأتي الدنيا وهي راغمة، حينما جُعِلَ الصف العاشر في التعليم الشرعي خاص بالمتفوقين أعرض الناس عنه ووضعوا أولادهم في التعليم العام، فلماذا لا تجعل ابنك يدرس العلم الشرعي ؟ لمَ لا تجعله داعيةً ينفع الناس بعلمه، لمَ لا تجعل كل دعوته في صحيفتك ؟ هذا هو العمل العظيم، فالأعمال كثيرة جداً، وربنا عزَّ وجل قال:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

(سورة فصلت )

 خالق الكون يقول لك: إن أعظم عملٍ عندي على الإطلاق أن تستقيم على أمري وأن تدعو لي. أكرِّر قوله تعالى ثانية علَّه ينفذ أثره إلى قلوب الآباء:

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

 

عدم وصول الإنسان إلى الجنة إلا بعمله الصالح:

 يحب أن تفكِّر جديّاً، فهذه المساجد من يتولَّى أمرها ؟ كيف ينقرض العلم ؟ بموت العلماء، والشيء المؤلم أنه كلَّما توفي عالم ليس هناك من يخلفه، فبموته انهدم ركنٌ من أركان الأمَّة، فلابدَّ من أن نهيئ دعاة إلى الله يخلفون السلف، وفي القطر أربعة آلاف مسجد، فمن لهذه المسجد ؟ كلها تحتاج لخطباء صحيحة عقيدتهم، مستقيمي السلوك، نيري الذهن، مثقَّفين ثقافة عالية لكي يتركوا أثراً في الناس، فلذلك لابدَّ لكل إنسان أن يفكر تفكيراً جديًّاً: كيف أدعو إلى الله ؟ إما من خلالك شخصياً أو من خلال أولادك، فلماذا لا تتمنّى إلا أن يكون ابنك طبيباً ؟ آلافٌ مؤلَّفةٌ يحلّون محلّ ابنك في هذه الحرفة، لماذا لا تتمنّى ابنك إلا أن يكون مهندساً ؟ لمَاذا لا تتمنى أن يكون ابنك داعيةً إلى الله عزَّ وجل ؟ لِمَ لَمْ تهيئه منذ صغره ليكون عالماً ؟ وهذا كله في صحيفتك، فلذلك إما أن تدعو أنت مباشرةً، أو من خلال أولادك، أو أن تدعم إنسانًا يدعو إلى الله عزَّ وجل، وهذا بإمكاناتك، لأن الحياة تحتاج إلى دعم في مختلف مناحيها، فلذلك:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)﴾

 فهذه الآية أصل من أصول العقيدة، فكثير من الأفكار والقصص الخرافية توهم أن الإنسان بكلمة أو بدفعة من عالِم صار من أهل جنة، هذا كله كلام لا معنى له، لن تصل إلى الجنة إلا بعملك الصالح.

 

﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

 

( سورة النحل )

 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح..

 

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

 

(سورة الأحقاف: آية " 19 " )

 الداعية إلى الله عمله في صحيفة أبيه إن رباه على ذلك:

 فيا أيها الأخوة الكرام: هذا الحديث الشريف هو محور هذا الدرس:

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ))

( صحيح عند ابن خزيمة عن أبي هريرة)

 اختر من بين أولادك النجيب المتفوق، الألمعي وقل: هذا سيكون داعيةً إن شاء الله، أدخله المعاهد الشرعية، والحمد لله عندنا معاهد شرعية كثيرة، والشهادة التي ينالها طالب المعهد الشرعي تعادل الشهادة العامَّة تماماً، الذي يحمل ثانوية شرعية يدخل أي فرع في الجامعة، طبعاً الفرع الأدبي، فهناك تعادل الشهادات والحمد لله، وهناك دعم للتعليم الشرعي وهذا من فضل الله عزَّ وجل، فرصة، فكل واحد يفكر أن يعلِّم ابنه التعليم الشرعي، أن يجعله عالِماً، أن يجعله داعيةً، هذه المساجد تحتاج إلى خطباء، تحتاج إلى علماء، تحتاج إلى مدرِّسين، فعندما يفكر الإنسان تفكيراً جيداً بأن يجعل ابنه داعيةً إلى الله عزَّ وجل وفق المنهج الصحيح، وفق العقيدة الصحيحة، وفق الأسلوب التربوي الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلَّم فهو عندئذٍ يكون ممن تنطبق عليه هذه الآية:

 

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

 

 النية وراء كل عمل صالح:

 ذكرت فكرة وسأعيدها مرَّة ثانية: لو أنَّ أباً أنجب ولداً وهذا الابن تديَّن تديّناً صحيحاً ولم يكن الأب راضياً عن تديّنه، يريده أن يكون في عمل آخر وله شأن آخر، لو أن هذا الابن أصبح أعلم العُلماء، وأكبر الدعاة لا ينال الأبَ من ابنه شيء، لأنه لم ينوِ ولم يرِدْ منه ذلك، أراده إنسانًا متفلِّتًا، فالعبرة هي النية:

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))

( متفق عليه عن عمر بن الخطاب )

 إذا دخل الوالدُ إلى بيته ورأى أولاده وبناته وقلَّب النظر فيهم، فإن كان الولد ذكراً فإنه يمكن أن يكون أحد أكبر أسباب سعادتك الأبدية إذا عرَّفته بالله، وإذا حملته على طاعة الله، وإذا هيَّأته ليكون عالماً، أو ليكون داعيةً، أو ليكون عضواً نافعاً في المجتمع، ثم هناك أبوابٌ لا تعدُّ ولا تُحصى للصدقة الجارية، وإن كان الولد بنتاً و أحسنتَ تربيتها كانت من المؤنسات الغاليات و أخذت بيدك إلى الجنة.
 هذه المساجد التي تفتخر بها دمشق من بناها ؟ من ساهم في بنائها ؟ من ساهم في تأسيسها ؟ من عَمَرَها بالصلاة وبالتدريس والخطبة ؟ فهؤلاء جميعاً شركاء في الأجر، والولد الصالح الذي يدعو لك من بعدك، والصدقة الجارية، والعلم الذي يُنتَفع به كل أولئك في صحيفتك إن شاء الله.

 الحد الأدنى أن تدعو إلى الله في حدود ما تعلم:

 الإنسان أحياناً ولا أبالغ فيما أقول: فأنت إن حضرت مجلس علم والدرس ساعة أليس في الدرس آية تركت أثراً في نفسك ؟ حضرت خطبة، وإنك تحضر الدروس والخطب من عشرين سنة، ولكن ألم تجد آية واحدة تركت أثراً عميقاً في نفسك ؟ ألا يوجد حديث شريف هزَّ أعماقك ؟ ألا توجد قصَّة لصحابي جليل غيّرت مجرى حياتك ؟ ألا تستطيع أن تنقل هذه الآية، أو ذاك الحديث، أو تلك القصَّة إلى الآخرين ؟ بأسلوبك المتواضع، ولو بلغتك العامّية، لمن حولك، هل هناك إنسان ليس حوله أشخاص ؟ هل تجد إنسانًا لا يلتقي مع أقربائه في الأسبوع عدة مرَّات ؟ في سهرة، أو خِطبة، أو لقاء عائلي، أو عقد قِران، وأحياناً مواساة في حزن، وعيادة مريض، أو وليمة، أو سفر، أو نزهة، فكل إنسان يعيش في مجتمع من الأهل والأصدقاء والجوار، في هذه اللقاءات ماذا تقول وبِمَ تتحدث ؟ عن أي شيء تتكلَّم في هذه اللقاءات ؟ ألا ينبغي أن تحدِّثهم عما فهمته من كتاب الله ؟ ألا ينبغي أن تحدثهم عما فهمته من كلام رسول الله ؟ ألا ينبغي أن تحدثهم عن بعض مواقف الصحابة وما أكثرها و ما أجلّها ؟ فأنت داعية بهذه الطريقة، أنا لا أكلِّفك أن تكون العالِم الوحيد، وحيد عصره، ووحيد زمانه، في حدود ما تعلم أنت داعية، قد لا يصل الأمر إلى أن تكون من العلماء الكبار اللامعين، أنت سمعت آية واحدة، حديثاً واحداً، قصَّة واحدة، أليس بالإمكان أن تعيدها لمن حولك ؟ لأقربائك، لأولادك، لإخوانك، لزملائك، لمن معك في العمل، لشركائك، لأولاد أخوتك، أنت عايش مع الناس، لمَاذا لا تجعل كل لقاءاتك مع الآخرين لقاءات دعوة إلى الله ؟ لقاءات تذكير، لقاءات تعريف بالله عزَّ وجل، أنت طالب علم، أنت معدودٌ على أهلك أنك طالب علم فأين علمك ؟ وأين حديثك عن الله عزَّ وجل ؟

 أبواب الجنة مفتحة أمام الإنسان:

 ولعلَّك أنْ تنقل تفسير آيةٍ واحدةٍ تنقذ بها إنساناً، هذا الإنسان هو وأهله، وأولاده، وذرِّيّته إلى يوم القيامة في صحيفتك، ما قولك الملاحظ أنَّ هناك إخوانًا يتوهَّمون أن حضور الدرس هو كل شيء، والله حضور الدرس وحده ليس بشيء، إلا في حالة واحدة وهي أن تنطلق منه إلى فعل كل شيء، حضور الدرس من أجل أن تخرج للعمل، فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام يعلّمنا أنَّ أحدنا إذا دخل بيت الله عليه أنْ يدعو فيقول:

((اللهمَّ إني أسألك أن تفتح لي أبواب رحمتك))

 فإذا جلست بعد ذلك في مجلس علم تشعر بالتجلّي، تشعر بالسكينة، بالراحة النفسية، بالغذاء الروحي، وكان عليه الصلاة والسلام إذا خرج من المسجد قال:

(( اللهمَّ افتح لي أبواب فضلِك ))

 إنه يريد عملاً يجسِّد هذا الفهم، يريد عملاً صالحاً يجسِّد هذا الفهم لكتاب الله، فالإنسان مفتَّحةٌ أمامه أبوابٌ كثيرةٌ، ابنتك باب للجنَّة، وبنتان فلَكَ بابان، ثلاث بنات، هل راقبت أهلك في الصلاة في البيت ؟ أين قوله تعالى:

 

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾

 

(سورة طه)

 على الإنسان أن يحدّث نفسه بالأعمال الصالحة التي تستمر بعد موته:

 خروج بناتك هل راقبته ؟ راقب صلاة بناتك، راقب تصرفات بناتك عند خروجهن أو في البيت، هل هو خروج شرعي أم هناك مفاتن ظاهرة ؟ وأنت مسؤول، شيء ثالث: هل راقبت حديث بناتك ؟ فيه غيبة، فيه نميمة، فيه كِبْر، فيه استعلاء، فيه كلام فارغ، فيه حديث لا يرضي الله عزَّ وجل، يجب أن تلاحظ الحديث، وأن تلاحظ الصلاة، وأن تلاحظ الخروج، فإذا ربيت ابنتك تربيةً إسلامية، ثم جاءها الخُطَّاب فاخترت من بينهم المؤمن، فإن هذه الفتاة في صحيفتك إلى يوم القيامة، وهي أحد أسباب دخولك الجنة.
 كذلك ابنك إذا علَّمته، إذا كان معك في المسجد، إذا نشأ على حضور مجالس العلم، إذا نشأ يألف بيوت الله عزَّ وجل دائماً، إذا جلست معه الساعات الطِوال تسأله وتجيبه، وتعلِّمه وتوجِّهه، هذا ابن، إذا خرج مؤمناً صادقاً كان حقًّاً قرة عين، إذاً البنت باب، والابن باب، فإذا حضرت مجلس علم وسجَّلت بعض النِقاط وجعلتها منهجك طوال الأسبوع فهذا نهج حميد، فمثلاً في هذه الجمعة فسَّرنا قوله تعالى:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

 ألا يمكن أن تعيد جزءاً من معانيها ؟ بلقاء، باثنين، بثلاثة، بعملك، بسهرتك مع أحد إخوانك، في سهرةٍ، في عشاءٍ، في وليمةٍ، في لقاءٍ مع الجيران، في عقد قِران، ألا يمكنك إعادته ؟ صرت داعية، فالإنسان يجب أن يُحَدِّث نفسه بالعمل الصالح الذي يستمر بعد موته.

 أعظم الأعمال هي الأعمال التي تستمر بعد الموت:

 بالمناسبة فإن أعظم الأعمال هي الأعمال التي تستمر بعد الموت، وأفدحُ الأعمال شناعة هي الأعمال التي يموت صاحبها ولا ينتهي الإثم الذي تركه، أسَّس ملهى تُقام فيه كل المعاصي والآثام وبعد الافتتاح بجمعة مات، هذه ليست صدقة جارية بل هو إثمٌ جارٍ إلى يوم القيامة، فالعبرة أن تعمل عملاً يُخَلِّد ذكرك بعد الموت، الآن نحن الحاضرين، في الأعم الأغلب بعد مئة سنة لن يكون واحد على قيد الحياة، وهناك طقم بشري ثانٍ يأتي، في الأسواق، في البيوت، الله جعلنا خلائف يخلف بعضنا بعضاً، معنى هذا نحن زائلون، فماذا يبقى ؟ العمل الصالح هو الذي يبقى، هو الذي يرفعنا عند الله عزَّ وجل، لكن ماذا أكلنا ؟ ماذا شربنا ؟ أين سكنَّا ؟ كم هي مساحة البيت ؟ تزيين البيت، هذا كله زائل، فالعلماء الكبار، والمصلحون الكبار، والقادة الكبار تركوا بصمات واضحة في الحياة.

 العلماء والقادة الكبار تركوا بصمات واضحة في الحياة:

 مَن منَّا لا يذكر سيدنا صلاح الدين الأيوبي ؟ كيف ردَّ أوروبا بأكملها، وحرَّر هذه البلاد من الغزاة الأجانب ؟ مَن منَّا لا يذكر سيدنا عمر بن الخطَّاب ؟ وهؤلاء الصحابة الكرام، هؤلاء الذين تركوا بصمات واضحة في المجتمعات، فكل إنسان بحسب إمكاناته يمكن أن يدع بصمة، ذات مرَّة قال لي أخ: أنا أستيقظ قبل الفجر دائماً، وقال: إنّ والدي عوَّدني على ذلك، فكان يأخذني معه إلى المسجد قبل الفجر لنصلي قيام الليل ونصلي الفجر حاضراً، واستمر هذا ديدنه وشأنه حتى سن متأخِّرة، وكان يترحَّم على والده، فأنت من الممكن أن تعمل عملاً طيّباً يبقى ذكره لك إلى يوم القيامة.

 من يطلب العلم و لو مشافهة يترك علماً نافعاً يجازى عليه:

 ملخَّص هذه الآية: قد يتوهَّم أحدكم أنه لا ينجو أو لا يرقى عند الله إلا إذا كان من أعلام العلماء، لا، أبداً، إذا حضرت مجلس علم وفهمت آية ونقلتها للآخرين نقلاً صحيحًا، وهؤلاء الآخرون استفادوا منها وغيَّروا سلوكهم فأنت ممن تنطبق عليه هذه الآية، تركت علماً نافعاً يُنتَفع به، فالأمور تكبر وتصغر، تتوسَّع وتضيق، فالحد الأدنى أن تدعو إلى الله في حدود ما تعلم، ومَن تعرف فلن تجد أحداً إلاّ وحوله أقارب، أقرباؤك الخُلَّص، إخوانك، أصدقاؤك، جيرانك، زملاؤك، فأنت حينما تطلب العلم مشافهةً وتنقله مشافهةً في حدود ما تعلم، وفي حدود من تعرف، فقد تركت علماً نافعاً، وقد يقول الذي نقلت له هذه الآية يوماً وهو يقصدك بقوله: جزاه الله خيراً، فبسبب هذه الآية أقلعتُ عن تلك المعصية، بسبب هذه الآية بدأتُ أصلي في الجماعة، بسبب هذه الآية فعلت كذا وكذا، فهذه واحدة ولكنها ترجح كفة الميزان.

 على كل إنسان أن يبحث عن عمل صالح ينفعه بعد موته:

 أحياناً الإنسان لا يُحسِن النقل ولكنه يعطي شريطًا، وهذا الشريط فيه خير كبير، وبهذه الطريقة أيضاً أنت نقلت العلم، وانتُفِعَ به وفي صحيفتك، ولك أجرٌ كبير، فنشر العلم النافع باب واسع جداً، بإمكان كل مَن حضر هذا الدرس أنْ يكون له نصيب منه

((و علمٍ يُنتَفَعُ به))

 إنسان ساهم بتنظيف مسجد وهو فقير وليس معه شيء، لنا إخوان (جزاهم الله خيراً) نظَّفوا هذا السجاد، واشتغلوا فيه شهراً حتى صار نظيفاً، فخدمة بيت الله خدمة عظيمة جداً، فالإنسان يقدر أنْ يساهم بتنظيف المسجد مثلاً، أو بتأمين مرافق المسجد أحياناً، أو تصليح كهربائه، وتأمين التدفئة، وتأمين التهوية، وتكبير الصوت، فهذه صدقة جارية في صحيفتك، أجرينا توسعة فساهمت فيها فهذا في صحيفتك، فابحث عن عمل ينفعك بعد الموت.
أو:

((ولدٍ صالحٍ ))

 الذي عنده ابن، الذي عنده أخ صغير أخذه معه إلى المسجد، قدَّم له هدية، حبَّب إليه المسجد، عامله معاملة خاصة فقرّبه مِن ربِّه، فعندما يحضر الطفل إلى بيت الله المرة تلو الأخرى فإنه يألف بيوت الله، ويألف الحق، ويألف تطبيق الحق، فهذا شيء رائع جداً، وأعود فأكرر هذا الحديث محور درسنا، وهو حديث صحيح رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال:

 

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

 

( صحيح عند ابن خزيمة عن أبي هريرة)

 هذا هو العمل الطيّب.

 مجالات الصدقة الجارية واسعة جداً:

 مثلاً: الكهرباء انقطعت فجأةً فبعض الأخوة هيئوا لنا مولِّدة وعلى الفور اشتغلت واتصل التيار، فهذا في صحيفته إلى يوم القيامة، والدرس قائم فنحن نحتاج إلى تكبير صوت وإلى إضاءة، فالذي ساهم بتأمين مولِّدة له أجر، وهذه صدقة جارية، والذي ساهم بفرش المسجد، والذي ساهم بالتدفئة المركزية، والذي ساهم ببعض الأشياء الأساسية في المسجد، فكم شخصٍ صَلّى تحت هذه الخيم، الشمس حادَّة، والذي ساهم فيها له أجر.
 أيها الأخوة: الصدقة الجارية مجالاتها رحبة واسعة جداً، فبإمكان كل واحد منَّا أن تكون له صدقة جارية، وكذلك الولد الصالح ففي كلِّ تقريبا فيه أولاد وبنات، ولِيعلِّمْ كل واحد منَّا ابنته وابنه صلاحهما، ويضبط سلوكهما وخروجهما، وحديثهما، يربيهما تربية صالحة وبذلك يكون قد ساهم بولدٍ صالحٍ أو ابنة صالحة يدعوان له، وكذلك العلم يُنتَفع به فتعلَّمْ وعلِّمْه..

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

 وقوف الإنسان يوم القيامة ليرى عمله أمام جميع الخلائق:

 إيَّاك أن تتوهَّم أن شيئاً تناله من دون أن تفعله، أو أنَّ شيئاً من عملك يُنتَقَصُ منه، أبداً، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، لكن الإنسان أحياناً في الدنيا يكون في عمل عظيم فنُعَتِّم عليه، وفي عمل صغير ننفخ فيه، شأن بعض الناس يتصّف بحسب أهوائه، مثل قريب جداً: أحياناً تكون امرأة لها ابنة ومتزوِّجة، فأعمال ابنتها الصغيرة تُضَخَّم، وتُضخَّم، وتُضَخَّم، وتثني عليها في المحافل وعلى ذكائها، وعلى كونها زوجة صالحة، وعلى تربيتها لأولادها، وأعمال زوجة ابنها أحياناً في التعتيم، مهما فعلت يُعتَّم عليها، وهذا مثل مأخوذ من واقعنا الاجتماعي، فالإنسان في الدنيا بحسب أهوائه يبرز أو يعتِّم، لكن الله سبحانه وتعالى لعدله ولكرمه يبيِّن أنّ هذا السعي سوف يُرى..

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)﴾

 هذا السعي سوف يشهده الناس جميعاً، سوف يقف الإنسان يوم القيامة ليُرى عمله أمام الخلق قاطبةً، في هذا الوقت يعدُّ العمل الصالح مفخرةً لصاحبه، ويعدُّ العمل السيئ وصمة عارٍ على جبين صاحبه..

 

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾

 

(سورة آل عمران: آية " 106 " )

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾

(سورة الصافات )

 العمل الصالح مفخرة لصاحبه والعمل السيئ عار على صاحبه:

 لذلك الآية الثانية متمِّمة..

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)﴾

 ليس هناك تعتيم، ولا تضخيم، عملك الصالح بحجمه الحقيقي، بنواياه الطيِّبة سوف يبرز للخلق قاطبةً، لذلك مرَّة قام أحد من حول النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "يا رسول الله إني نؤوم " (أنام عن الصلاة) فسيدنا عمر غضب وقال: " ويحك لقد فضحت نفسك "، فقال النبي الكريم:

(( مه يا ابن الخطاب فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة ))

(رواه الطبراني عن الفضل بن عباس )

 فإذا أخطأ الإنسان بين خمسة أشخاص أهون مِن أن يخطئ بين ألف شخص، أو بين مليون شخص، وأحياناً الإنسان يغلط في حديثه لأجهزة الإعلام غلطة فيتناقلها الناس في كل بِقاع الأرض، فكيف يوم القيامة إذا أخطأ خطأً عرض على الخلق قاطبةً ؟

 

﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾

 

 سيقف الأنبياء، سيقف العلماء، سيقف الدُعاة، سيقف المدَّعون، سيقف المجرمون، كلٌ بحسب عمله..

﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾

 العدل المطلق يوم القيامة:

 الإنسان أحياناً بذكاءٍ وطلاقة لسانٍ وقوَّة بيان يقلب الحقَّ إلى باطل والباطل إلى حقّ، لكنه يوم القيامة كيف يكون شأنه، يقول الله عزَّ وجل ؟:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾

( سورة يس: آية " 65 " )

 فالآية الثانية خطيرة جداً..

 

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)﴾

 

 المرحلة الثالثة:

﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾

 عدلٌ مطلق..

 

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)ُ﴾

 

( سورة الزلزلة )

﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾

 المؤمن حقّه عند الله محفوظ يوم القيامة:

 الحركات والسكنات والنيات والتطلعات والصراعات كلّها مسجَّلة، لذلك فالإنسان إذا أيقن من خلال هذه الآيات الثلاث أن الأحوال كلها مكشوفة وهو مجزيٌّ بها فإنه يحتاط لنفسه.

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾

 إذًا: فاعلم أنّ هذه الآيات الثلاث أصل من أصول الدين، فلا تتوهَّم أن يأتيك ثواب عمل لم تفعله، ولا تخف أن يُنتقص من عملك الصالح الذي تبتغي به وجه الله عزَّ وجل، وأن هذا العمل بحجمه الحقيقي وبخلفيته الصحيحة (النية التي وراءه) سوف يبدو للملأ قاطبةً يوم القيامة، والمرحلة الثالثة: سوف تنال جزاءه كاملاً دون نقصٍ ودون ظلمٍ، فالمؤمن حقّه عند الله محفوظ، فإذا كان الله هو الذي يسجِّل عليك، وهو الذي سيُظهِر عملك، وهو الذي سيكافئك إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فماذا نفعل ؟ إذاً لابدَّ من عملٍ صالحٍ يبقى بعد الموت، لابدَّ من صدقةٍ جارية، لابدَّ من علمٍ يُنتَفعُ به، لابدِّ من ولدٍ صالحٍ يدعو له.

الوقت و المال أثمن شيء يملكه الإنسان في حياته:

 كل بيت فيه أولاد، وكل إنسان بإمكانه أن يسمع الدرس ويبلِّغه، وكل إنسان يقدر أن يترك أثراً في مسجد، أو في مشروع خيري، لو بجهده مثلاً، فأحياناً يقدِّم خدمة فيقول لك: أنا سوف أنظِّف المسجد في الجهة الفلانية، هذا قدَّم شيئًا، هذه صدقة جارية، فالإنسان عليه ألاّ يضن بوقته ولا بماله لأن هذا الذي يبقى، والذي نستمتع به في حياتنا هو الذي يذهب، هذا الذي يبقى وذاك الذي يذهب.
 كان موضوع درسنا اليوم ثلاث آيات، هي:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)﴾

 

 وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى:

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46)﴾