العقيدة الإسلامية - الدرس : 08 - الحق والباطل والخير والشر.

1998-01-17

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الحق ثابت و الباطل إلى زوال :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع الدرس السابع من دروس العقيدة في رمضان.
 تحديد المصطلحات جزء أساسي من العقيدة، عندنا في هذا اللقاء أو هذا الدرس أربعة مصطلحات، الحق والباطل، والخير والشر، ربنا سبحانه وتعالى في آيات كثيرة جداً قال:

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة التغابن: 3]

 قال علماء التفسير: إن الحق لابس خلق السموات والأرض، والحق تفسره آيات كثيرة، من هذه الآيات:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾

[ سورة ص : 27]

 فالحق نقيض الباطل، وفي آية أخرى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء:16]

 فالحق نقيض اللعب، اللعب العبث، والباطل الزوال، الشيء الباطل الزائل، وقد قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

[ سورة الإسراء: 81]

 الباطل إلى زوال، إلى انهيار، إلى دمار، إلى تلاش، إلى تداع، من خصائص الباطل الثابتة أنه إلى زوال، مهما بدا لك كبيراً، ولو عاش سبعين عاماً، ولو له قلاع كبيرة، لابد من أن يتداعى هذا الباطل، الباطل مهما كان متعدداً، ومهما كان كبيراً إلى زوال، الحق نقيض الباطل، الحق ثابت، حق الشيء استقر، والأمور لا تكون إلا على الحق.
 فلذلك تعريف الحق: الشيء الثابت والهادف، أنت حينما تنشئ جناحاً في معرض، هذا الجناح أنشأته لأيام، لأيام معدودة، لعشرين يوماً ثم ينهار، أما حينما تنشئ بناء جامعياً فإنك تنشئه ليبقى، فهناك فرق كبير بين أن تنشئ جناحاً في معرض، لأرض مستأجرة، لعشرين يوماً، هذا أنشئ لينهدم بعد حين، وبين أن تنشئ بناء ليبقى، فمن صفات الحق الثبات.

 

الحق نظام ثابت لا يتزعزع ولا يتبدل :

 لذلك المسلم مهما تقدم به العمر يزداد إيماناً بعقيدته لأنها حق، وقد ذكرت لكم من قبل أن أحد رؤساء الوزارات في فرنسا انتحر، والذي يلفت النظر أنه من أعرق الأسر، وغني، ولا يوجد عنده مشكلة، وله سمعة طيبة جداً، فلماذا انتحر؟ أكثر من مئة صحفي بحثوا عن أسباب انتحاره، صحفي واحد اهتدى إلى السبب، اعتنق مذهباً باطلاً، وعاش سبعين عاماً، نظر فرأى أنه في هذه السنوات كلها كان مخدوعاً، وكان واهماً فاحتقر نفسه، أما المؤمن فمهما امتد به العمر لا تزيده الأيام إلا ثباتاً، ورسوخاً، وإيماناً بمبدئه لأنه حق.
 الآن الإسلام مهما تقدم العلم، مهما ظهرت مخترعات لن تستطيع كل هذه العلوم، وهذه المخترعات، أن تزعزع الثقة به، لأنه من عند الله، لأنه من عند خالق السموات والأرض، أما أي كتاب آخر بعد حين فتظهر فيه تناقضات، يظهر فيه خلل، يظهر فيه خطأ، فالحق من عند الله، والحق الشيء الثابت، لا يتغير، ولا يتبدل، الأمر والنهي في القرآن الكريم متوافق مع أنظمة النفس.
 الآن ظهرت أنظمة وضعية بنزع الملكية، هذه الأنظمة تنهار بعد حين، لأنها ليست حقاً، تتناقض مع طبيعة النفس، أما الشيء الذي جاء به القرآن، الله عز وجل سمح للزوج إذا طلق زوجته أن يعطيها مهراً، أما بالأنظمة الوضعية في بعض البلاد فتتملك نصف ثروته بالتمام والكمال، لذلك الآن هرب الناس من الزواج، ولجؤوا إلى زواج مدني، ثم لجؤوا إلى معايشة زوجية بلا عقد إطلاقاً، بعض الدول العربية أرادت أن تطبق بعض النظام الغربي فبار سوق الزواج، حدثني أخ كريم صار الأب يرجو خاطب ابنته أن يخطبها ويعطيه تعهداً بمليون ليرة، لا نطالبك عند الطلاق بنصف ثروتك، وقف الزواج.
في الصين ألزموا الناس بولد واحد، فصار الأسرة تأتيها البنت تخنقها، الصبي يسجلونه، بعام ألفين خمسون مليون شاباً بلا فتاة، مشكلة كبيرة.
 فالحق نظام ثابت لا يتزعزع، ولا يتبدل، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر:14]

 لذلك الحق ليس لعباً، واللعب هو العبث، والحق ليس باطلاً، والباطل هو الزوال، نفى الله عن السموات والأرض الباطل، ونفى عن خلقها اللعب، صار الحق نقيض الباطل، نقيض الباطل الثبات، ونقيض اللعب الهدف، هدف نبيل، السيرك ليس له هدف نبيل، أما إنشاء جامعة فلها هدف نبيل، تخريج قادة للأمة، توضيح الحقيقة للأجيال، فإنشاء سيرك غير إنشاء جامعة، السيرك لعب، وتسلية، وتمضية وقت، أما الجامعة فمن أجل تكوين قادة للأمة.
 فالحق الشيء الثابت والهادف، والباطل الشيء الزائل.
 الآن أي باطل على وجه الأرض إلى زوال، أكثر من ألف فرقة ضالة في الإسلام كلها تلاشت، لأنها باطل، لن تقف، ما الذي استمر؟ الحق، بتاريخ الفرق الإسلامية مئات بل آلاف الفرق، كل فرقة منحرفة عن طريق الحق إلى زوال، إلى انهيار، أهلها غير قانعين بها، هذا المصطلح الأول الحق والباطل.

 

الخير و الشر :

 أما المصطلح الثاني فهو الخير والشر، عندنا خير مطلق، الخير المطلق هو الله.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 26]

 المطلق، أي شيء يقربك إلى الشيء المطلق هو الخير، وأي شيء يبعدك عن الخير المطلق هو الشر، الله خير مطلق، وخلقنا لخير مطلق هو الجنة، فأي شيء يقربك من الله أو من الجنة هو الخير، إنفاق المال هو خير، ضبط اللسان خير، ضبط العين خير، خدمة الخلق خير، كل وسائل الجنة هي الخير، وكل شيء يبعد عن الله وعن الجنة هو الشر، ولو بدا جميلاً مزخرفاً، قد يكون ملهى جميلاً جداً، أناقة ما بعدها أناقة، لكن هذا الملهى يرتاده الناس ليشاهدوا الرقص، ليشربوا الخمر، وفي هذا بعد عن الله، إذاً هذا شر، إذاً مهما بدا لك صرح رائع شر، عمل صعب، عمل شاق، لكن هذا العمل شريف ويرضي الله، أنت وازن بين ملهى جميل جداً كلفة الصالة ثلاثون مليوناً، وبين ورشة عمل حدادة في سوق، أو في منطقة صناعية، أصوات، وروائح، وزيوت، وشحوم، بالعين هذه الملهى أجمل، لكن بمقياس الخير والشر المصنع الذي فيه حديد، وفيه صعوبة، وفيه مشقة، هذا يرضي الله، يقربك من الله ومن الجنة، هذا هو الخير.
 مرة إنسان قال لي كلمة: له مكتب تحار به العقول، أناقة، محاط بخشب من كل الجدران لعزل الصوت، وفيه تزيينات رائعة جداً، قال لي: أنا عملي قذر، أي عمله لا يرضي الله عز وجل، وفي اليوم التالي ذهبت إلى أحد ورشات التصليح، والأمطار شديدة، أحد الأخوة الكرام كان ينبطح تحت السيارة بأفرول أزرق سابقاً صار أسود من الشحم والوحل، وكان البرد شديداً فقام بفك القطعة من السيارة، وازنت بين كلام الأول الذي قال لي: أنا عملي قذر، وكلام الثاني، فقلت: هذا هو العمل النظيف، وذاك هو العمل القذر.
 فالخير والشر؛ كل شيء يقربك من الخير المطلق، كل شيء يقربك من الله خير، من إنفاق، إلى دعوة، إلى طلب علم، إلى ضبط جوارح، إلى ضبط أعضاء، إلى خدمة الخلق خير، وكل معصية تبعدك عن الله شر، ولو بدت لك المعصية ملونة، والخير متعب، فتعريف الخير وسيلة تتقرب بها من الله، والشر عمل يبعدك عن الخير، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((والشَّرُّ لَيسَ إليكَ))

[ مسلم عن علي بن أبي طالب]

الشر المطلق لا يتناقض مع عدالة الله بل يتناقض مع وجوده :

 الله جلّ جلاله خلق الخلائق وسيّرها، إذاً خير ما بعده خير، كمال ما بعده كمال، إلا الإنسان والجن خلق:

﴿ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين:4]

 لكن منحه حرية الاختيار، وأودع فيه الشهوات، وسمح له أن يتحرك كيف يشاء، صار عندنا كائن، أودعت فيه الشهوات، وأطلقت حريته، فإن لم يتبع منهج ربه وقع بالشر، الشر يأتي من كائن يشتهي، ومخير، ومتفلت من منهج ربه، لو اتبع منهج ربه لكان الخير مطلقاً، كل المخلوقات مسيرة إلا الإنس والجن، مخلوقات من أعلى مستوى، منحت حرية الاختيار، ومنحت الشهوات، ومنحت منهج، فإن طبقت المنهج كانت في خير، وإن خالفت المنهج كانت في شر، فالشر لا يحتاج إلى خالق، الشر انحراف.
 أنت ترى سيارة متقنة جداً، تقول: من صنعها؟ أما إذا رأيت هذه السيارة قد تدهورت وأصبح لها شكل منفر، لن تقول: من صنعها؟ هذا الوضع المنفر لا يحتاج إلى معمل، هذا سببه سائق كان سكراناً فنزل في الوادي، فأصبح لها هذا الشكل المنفر، لم نحتاج إلى قوالب لتصنع هذا الشكل، هذا الشكل شاذ، هذا الشكل طارئ ناتج من غفلة السائق، أما الشكل الانسيابي فيحتاج إلى معمل، إلى مهندسين، إلى أذواق عالية، فالخير يحتاج إلى خالق، أما الشر فلا يحتاج إلى خالق، خروج عن منهج الله، أوضح مثل: السكر، والملح، ومسحوق الغسيل، ثلاثة مساحيق بيضاء، وكلها ثمينة جداً وخيرة بالأساس، ضع السكر في الطبخ تخسر الطبخة، ضع الملح بالشاي تخسر الشاي، ضع مسحوق الجلي بالطبخ تخسر الطبخة، ماذا فعلت؟ وضعت الشيء في غير مكانه، مثل الشر، لكن الشر طارئ أم أصلي؟ السكر مادة سامة؟ لا، ليست مادة سامة، مادة طيبة مكانها الشاي، والملح مادة سامة؟ لا، مكانها الطبخ، ومسحوق الغسيل مكانه الغسالة، أنت عندما غيرت مكان المساحيق الثلاثة صار هناك شر، هذا شر طارئ، وليس شراً أصلياً، لأن النبي يقول:

((والشَّرُّ لَيسَ إليكَ))

[ مسلم عن علي بن أبي طالب]

 يا رب، أنت ما عندك شر، لكن جاء الشر من سوء الاستعمال، الزنا شر، أما أصل التصميم فخير، أصل التصميم زوجة، أنجبت أولاداً، ملؤوا البيت سعادة، الزوجة تقدمت بها السن كبر أولادها، لها أصهار، لها بنات، لها زوج، الزواج الشرعي الإسلامي كله خير، لو أن الإنسان انحرف، وزنا بامرأة، عندما يذهب جمالها تلقى في قارعة الطريق، إنسانة لا أهل لها، لا زوج لها، لا أولاد لها، لا يوجد لها أحد، وذهب جمالها، أصبحت كالقمامة تماماً، هذا شر، وليس من أصل التصميم، بسبب مخالفة لمنهج الله عز وجل، فهذا شيء خطير جداً، الشر ليس له وجود، الشر سلبي، الشر ناتج عن عدم اتباع المنهج، الشر أساسه مخلوق أودع الله فيه الشهوات، ومنحه حرية الاختيار، وخالف منهج الله عز وجل، كل ما يجري في العالم من شرور، من حروب، من تلوث للبيئة سببه الخروج عن منهج الله، جنون البقر؛ ثلاثون مليار جنيه إسترليني ثمن ثلاث عشرة بقرة يجب أن تحرق، لأنهم أطعموها مسحوق اللحم، والبقر نباتي فجن، هم جننوه، فهذا الشر جاء من مخالفة المنهج.
 بالمناسبة الشر المطلق ليس له وجود، بل إن وجود الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، أنت أمام خيار صعب، إما أن تؤمن أن هناك إلهاً، خير مطلق، وهناك شر طارئ، شر موظف للخير، أو أن تؤمن بالشر المطلق، الشر المطلق لا يتناقض مع عدالة الله، بل يتناقض مع وجوده.

 

توظيف الشر النسبي للخير المطلق :

 أيها الأخوة، هذه قضايا أساسية، حينما تحسن الظن بالله، حسن الظن بالله ثمن الجنة، الله لا يوجد عنده شر، أحياناً تقع مصيبة، الشر نسبي، إنسان ليس ديناً، ولا يصلي، ويمشي بطريق مسدود لجهنم، الله حرق له محله، حرق المحل شر، لكن هذا شر نسبي، بالنسبة له شر، بالنسبة لمستقبله خير، تاب، واستقام، وصلى، الله أتلف لإنسان ماله لأنه يتعامل بالربا، فانتبه، أتلف له ماله، وألقى في روعه أن هذه من أجل هذه، فترك أكل الربا، واستقام، واستحق الجنة.
 إذاً عندنا شر نسبي يوقعه الله ببعض عباده يوظفه للخير المطلق، وشر مطلق، الشر نسبي، والخير إيجابي، والشر سلبي، والشر لا يحتاج إلى خالق، الشر طارئ، انحراف.
 فيا أيها الأخوة الكرام؛ يجب أن توقن أن الله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا، كيف أن السيارة صنعت لتسير، والمكبح أساسي بالسيارة، أساسي لسلامة أصحابها، المكبح وظيفته عكس هدفها، هدفها أن تمشي، المكبح يوقفها بالوقت المناسب، فالمصيبة مكبح تكبح جناح الإنسان، يكون مسترسلاً بمعصية تأتي مصيبة فتردعه.
 يجب أن نؤمن أن الشر إذا كان مخلوقاً فقد خلقه الله، ووظفه للخير المطلق، صار شر نسبي، وإذا كان ناتجاً عن مخالفة المنهج فهذا شر سلبي، لا يحتاج إلى خالق، كما أن السيارة المتدهورة لا تحتاج إلى معمل شكلها على هذا النحو، هذا النحو لا يحتاج إلى قالب، سيارة محطمة بحادث هل هناك قالب يسويها؟ لا تحتاج إلى قالب، لا تحتاج إلى معمل، هذه لأن السائق كان سكران صار معه هكذا، هذه نواحي الحق والباطل، والخير والشر، هذه مصطلحات مهمة جداً.
 فحينما تؤمن أن الحق هو الشيء الثابت والهادف، وأن:

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

[ سورة الإسراء: 81]

 مهما تعدد، ومهما كبر، وأن الخير هو القرب من الخير المطلق من الجنة، من الله، ومن الجنة، وأن الشر هو البعد عن الخير المطلق وهو الجنة، هذا هو الشر، شر سلبي، والشر نسبي، والشر موظف للخير، والشر المطلق ليس له وجود إطلاقاً، والدليل الآية الكريمة:

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 26]