العقيدة الإسلامية - الدرس : 09 - الإسلام والإيمان والإحسان والكفر والإلحاد.

1998-01-20

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

لكلّ علم مصطلحات على الإنسان أن يلم بها :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع بداية الدرس الثامن من دروس العقيدة في رمضان.
 النقطة الأولى في هذا الدرس أن في كل علم مجموعة مصطلحات، في كل علم ومعرفة حدود هذه المصطلحات الدقيقة جزء أساسي من هذا العلم، لو جلست بين أطباء يقول لك: معه وذمة، احتشاء، ارتخاء، انقباض، خوارج انقباض، ترى مصطلحات دقيقة جداً، فشل كلوي فرضاً، فرط حساسية.
 تجلس مع مهندسين يقول لك: عامل التمدد، تحمل قوى الشد والضغط، لا يوجد علم إلا وفيه مصطلحات دقيقة، ولن يستطيع أي طالب علم أن يرقى أول درجة إلا إذا أتقن هذه المصطلحات، في كل العلوم؛ في علم النفس، وعلم الاجتماع، وفي الفيزياء والكيمياء صفات فيزيائية وصفات كيميائية، في الدين جزء من عقيدة الإنسان أن يعرف حدود المصطلحات الدينية، جزء أساسي، علامة الجهل إطلاق كلمات الكفر جزافاً، شخص لم يعجبك تقول عنه: كافر، هذا منتهى الجهل، شخص مختلف معه مشرك رأساً، اتهام الناس بالكفر والفسق والفجور والعصيان، مثلاً إنسان يخالفك في المذهب الفقهي تنصحه لا يجوز أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر في أمر خلافي، إذا الإنسان شافعي وفلان حنفي فرضاً هذه عند الشافعية مسموح بها فهذه لا تنكر.

الإسلام و الإيمان من أهم مصطلحات الدين :

 أردت من هذه المقدمة أنه لابد من أن نعرف مصطلحات الدين بشكل دقيق، أول هذه المصطلحات الإسلام، وثانيها الإيمان، والدليل قال تعالى:

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة الحجرات :14]

 معنى ذلك أن الإسلام شيء والإيمان شيء، الإسلام انصياع لمنهج الله فقط، انصياع مادي، شخص غض بصره مسلم، ضبط لسانه مسلم، صلى الظهر مسلم، صام برمضان مسلم، ذهب إلى الحج مسلم، أدى زكاة ماله مسلم، لمجرد أن تنصاع لأمر الله انصياعاً مادياً، حجب زوجته مسلم، وحجب بناته مسلم، لم يستمع للغناء مسلم، لم ينظر إلى الحرام مسلم، أدى الزكاة في وقتها مسلم، إذاً الإسلام انصياع.
 الإيمان شيء آخر، الإيمان تصديق وإقبال، صدق بهذا الدين، رأى أحقيته، رأى صوابه، رأى أنه من عند الله، رأى كماله، أحياناً الإنسان يفعل شيئاً ولا يصدقه، يقول لك: نساير، ليس هذا هو الإيمان قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾

[سورة الحجرات : 15]

 لا يوجد ريب أبداً قال الشاعر:

زعم المنجم والطبيب كلاهمـــــا  لا تبعث الأموات قلت إليكمـــــــــا
إن صح قولكما لست بخاسر  أو صح قولي فالخسارة عليكما
* * *

 هذا ليس إيماناً، نحن ضربنا الطينة بالحائط إن أصابت أصابت، ليس هذا هو الإيمان، تصديقك بالإيمان كتصديقك بوجودك، كيف قال ديكارت: أنا أفكر أنا موجود، كلنا أنا أتحرك فأنا حي، أنا أتكلم فأنا حي، أنا آكل فأنا حي، ما دام لك إيمان بوجودك، إيمان المؤمن بحقائق الدين إلى درجة مذهلة هذا الإيمان، نحن نتصدق إن شاء الله يكون عملنا صحيحاً، الله عز وجل يقول:

﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[سورة الأحزاب : 71]

 إن شاء الله يكون عملنا صحيحاً، ليس مصدقاً أن العمل صح، الصح لا يوجد غيره، فالإيمان تصديق وإقبال، لا يكفي التصديق، إذا الإنسان صدق حقيقة ما فعل شيئاً، أي أنت تقول بملء صوتك: الشمس ساطعة، هي ساطعة، إذا قلت: ساطعة، ما زدت شيئاً، وما فعلت شيئاً، أما إذا قلت: غير ساطعة فاتهمت بعقلك، إذاً لو جئت بالحقيقة الساطعة ولم تتحرك نحوها ليس هذا هو الإيمان، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف : 110]

 أقل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد، هذه هي الحقيقة، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً.
 إنسان معه مرض علاجه الشمس، قال لك: أنا مؤمن أن الشمس ساطعة، وأن دوائي بالشمس، ولم يتحرك، ما استفاد شيئاً إلا أن يعرض نفسه لأشعة الشمس. صار الإيمان تصديقاً وإقبالاً، إقبال نفسي على الله عز وجل، هذا هو الإيمان، يقابله الكفر تكذيب وإعراض، قال تعالى:

﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[سورة التوبة :80]

﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾

[سورة التوبة :54]

 يصلي وينفق لكنه مكذب، معرض، له على الدين ألف اعتراض، وله ألف شك في الدين، هذا هو الكفر.

 

المعصية و الفجور :

 معنى ذلك أن الإسلام انصياع، والإيمان تصديق وإقبال، عكس الإسلام المعصية، والمعصية مجرد أن تخرج عن منهج الله أنت عاص، والمعاصي درجات، تقيم المعاصي بحسب البواعث، أحياناً الإنسان يعصي الله مغلوباً، غلبته شهوته فعصى ربه، هذه المعصية أخف أنواع المعاصي إصلاحاً وتوبةً، وهناك من يعصي كبراً أخذته العزة بالإثم، هناك معصية أساسها الكبر ومعصية أساسها الغلبة، معصية الكبر لا توبة منها، معصية الغلبة توبتها سريعة وسهلة، المعاصي درجات.
 الآن الفجور هو إظهار المعصية، إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا، العصي الذي عنده عقيدة أنه يوجد إله وسيحاسبه إذا عصى، يستحي بمعصيته فيخفيها عن الناس، هذا نوع أفضل من غيره، إنسان لا يصوم في رمضان غلبته نفسه، و هناك إنسان يدخن في الطريق في الأماكن العامة، أي أنا مفطر ولا أقبض الصيام، هذه ليست معصية هذه فجور، الفجور التباهي بالمعصية، إظهار المعصية والإصرار على المعصية وعدم التوبة من المعصية. المعصية إما غلبةً أو كبراً، إبليس عصى كبراً قال تعالى:

﴿ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾

[سورة الحجر: 33]

 فالمعصية كبراً من أشد أنواع المعاصي، لذلك: الكبرياء إزاري والعظمة ردائي ومن نازعني شيئاً منهما أذقته عذابي ولا أبالي.

 

أنواع الكفر :

 الآن المصطلحات الدينية لها أنواع ولها مستويات، مثلاً الكفر أنواع، عندنا كفر اعتقادي، شخص لم يتكلم أي كلمة، مظهره مقبول وحسن، لكن يرى أن هذا الدين ليس جيداً، و هذا المنهج ليس معقولاً، و هو لا يصدق أن هذا المنهج صحيح، و لا يصدق أنه منهج شامل وكامل، ليس مصدقاً أن هذا المنهج يصلح لكل زمان ومكان، هذا يصلح وقت الصحراء، وقت التقشف، وقت الخشونة، وقت لا يوجد علم ولا تكنولوجيا، حياة عصرية، يرى حياة الغربيين علم هناك، والفهم والقيم والأمور كلها واضحة، مثل هذا الإنسان كافر لكن كفره اعتقادي، لم يتكلم ولا كلمة، كلها خواطر داخلية، لم ينبس ببنت شفة لكن كونه يرى أن هذا الدين غير صحيح وغير كامل ولا يصلح فهذا كفر اعتقادي.
 شخص ما فعل شيئاً إلا أنه أمسك المصحف وألقاه في الأرض، أو ألقاه على الطاولة مهيناً إياه، ولم يتكلم ولا كلمة، ولا سب أحداً، هذا كفر عملي.
 وعندنا كفر قولي قال له: لو أن محمداً صادق فيما يقول لكنا شراً من الحمر، قال هذا أحد أصحاب رسول الله - وهو محسوب أنه من أصحابه - فلما قالها قال له: يا عماه ما كان على وجه الأرض رجل أحبّ إليّ منك بعد رسول الله، واليوم لقد نطقت بكلمة الكفر، فإن ذكرتها فضحتك، وإن سكت عنها خنت الله ورسوله، هذا طفل صغير جاء إلى النبي وحدثه بما جرى، لأنه محسوب صحابي، ورجل من أثرياء المدينة، ويجب أن يقدم شيئاً إلى معركة مؤتة، فلم يقدم شيئاً، النبي استدعاه فقال: هذا كاذب، فالطفل احمر وجهه وخاف وبكى ودعا الله أن يؤيده، فنزل الوحي على رسول الله، قال تعالى:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾

[سورة التوبة :74]

 فلما نزل الوحي قال: لقد كذبت يا رسول الله وقلت كلمة الكفر فاغفر لي ذلك، وأتوب إلى الله.
 يوجد كلمة وحركة وخاطر، يوجد اعتقاد كافر، وسلوك كافر، وكلمة كافرة، الكفر أنواع والكفر مستويات، يوجد كفر دون كفر، أي إنسان يقول: غض البصر ليس معقولاً، عيونه تنظر والنساء على طول الطريق ماذا يفعل في نفسه؟ هذه الآية غير معقولة، رآها غير واقعية، فهذا اسمه: كفر دون كفر، إذا شخص قال: أنا لا أستطيع وأنا نفسي ضعيفة شيء وإذا قال: هذا الأمر غير معقول شيء ثان، هناك حدود دقيقة، فإذا شكّ في أحقية هذا الأمر وواقعية هذا الأمر وإن كان تطبيق هذا الأمر شك فهذا عنده كفر، ولكن دون كفر، كفر بآية، كفر بمنهج، أما إذا شكّ بوجود الله فهذا كفر يخرج من الملة، إذا الإنسان حلف يميناً ليقتطع بهذا اليمين حق مسلم، قال: هذه يمين غموس لا كفارة لها، لأنها أخرجت صاحبها من الدين كلياً، غمسته في الكفر، ولذلك هذا عليه أن يجدد إسلامه، هذه الكلمات دقيقة.
 عندنا كفر دون كفر، وعندنا كفر يخرج من الملة، ترك الصلاة فسق أو كفر؟ إذا قال: ليس من المعقول أن يعطل الإنسان نفسه باليوم خمس مرات من أجل أن يخلع ملابسه ويتوضأ ليصلي، هذا الكلام كفر، أما المقصر، الله يتوب عليه هذا عاص، المعصية غير الكفر، أنا أريد أن أقول: على الإنسان ألا يتطاول على أحد، كثير من الناس أصلحهم الله لأدنى سبب يكفر الشخص، من كفر مسلماً فقد كفر، من كفر مسلماً باء بالكفر أحدهما.

(( أَيُّمَا رَجُلٍ كَفَّرَ رَجُلًا فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ ))

[ أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ ]

 بهذه البساطة، لذلك عندنا فكرة دقيقة جداً قالها أحد العلماء لا نكفر بالتعيين، لا يجوز بكل حياتك أن تقول: فلان كافر، تقول: من قال كذا فقد كفر، لا يوجد مشكلة، مبادئ، من قال: إن فلاناً معصوم أنكر شيئاً يعلم بالضرورة بالدين، طبعاً الرسول معصوم، فكل إنسان ينكر حقيقة علمت بالضرورة فقد كفر.
 لذلك نقول: نحن لا نكفر بالتعيين، نحن لسنا قضاة، ولسنا أوصياء، ولكننا دعاة، فالداعي ليس له الحق أن يكفر أحداً.

 

التدخل الإيجابي :

 لذلك نحن عندنا منهج بالدعوة اسمه: التدخل الإيجابي، هذا أرقى منهج بالدعوة، أوضحه لكم بمثل، يوجد سوق تجاري، فيه خمسون محلاً، وأصحاب المحلات يغشون، ويحتالون على الناس، ويبتزون أموالهم، ويرفعون الأسعار، فأنت كإنسان مسؤول عن تموين هذه المنطقة عندك خيارين، أن ترسل العناصر، وتقمع الغش، وتغلق المحلات، وتكتب مخالفات، وتضعهم بالسجون، هذا أسلوب قمعي، ويوجد أسلوب آخر أرقى بكثير اسمه: التدخل الإيجابي، أفتح محلاً أبيع فيه أفضل البضاعة بأرخص سعر، بأطيب معاملة، فالناس كلهم يأتون إليّ، فجيراني إذا لم يقلدوني ينتهوا، لا عمل مشكلة، ولا أغلق محلاً، ولا اتهم إنساناً، هذا اسمه تدخل إيجابي، أنت أظهر الإسلام كاملاً، لا تتدخل، ولا تتكلم كلمة عن غيرك لا مدح ولا ذم، أنت إذا أظهرت الإسلام إظهاراً كاملاً هذا تدخل إيجابي بالدعوة، فأنت مهمتك ليست أن تقيّم الأشخاص، تقييم الأشخاص من شأن الله وحده أنت مهمتك أن تدعو إلى الله، فالناس إذا سروا من كمالك يقلدونك وإذا لم يقلدوك ينتهوا، صار هناك نوع من التدخل الإيجابي.

ما كل من وقع بالكفر وقع الكفر عليه :

 عندنا حالة جديدة؛ ما كل من وقع بالكفر وقع الكفر عليه، هذا البدوي الذي تكلم النبي عنه راكب ناقته، عليها طعامه وشرابه، أراد أن يستريح فاستراح ونام، استيقظ فلم يجد الناقة، أيقن بالموت المحقق، فبكى منتهياً إلى أن أدركه النعاس، فنام واستيقظ فرأى الناقة، من شدة فرحه اختل توازنه فقال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي، هذا تكلم بالكفر، لكن الكفر لم يقع عليه، قال: الله أفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته.
 إذاً ما كل من وقع بالكفر وقع الكفر عليه، لا نكفر بالتعيين، والكفر مستويات وأنواع، أنواعه اعتقادي، وسلوكي، وقولي، ومستوياته: كفر دون كفر، وكفر يخرجك من ملة الإسلام.

أنواع الشرك :

 الشرك شيء ثان، أن تدعو مع الله إلهاً آخر، شرك في الاعتقاد، وشرك في الوجهة، وشرك في الإخلاص، أحياناً تعتقد أن فلاناً يملك أن ينفع أو أن يضر، هذا شرك اعتقادي، جعلته لله نداً، حينما تعتقد أن زيداً أو عبيداً بإمكانه أن ينفعك إن رضي عنك رفعك، وإن غضب عليك حطمك، هذا شرك، جعلته لله نداً، شرك اعتقادي، وعندنا شرك بالوجهة، أنت مهتم بشخص ليس مؤمناً، وليس مستقيماً، لكن يوجد مصالح بينك وبينه، هذا حب مع الله، إن أحببت إنساناً مع الله أحببته على انحرافه، وعلى سوء عقيدته، لمصلحة بينك وبينه، فهذا حب مع الله، وهو عين الشرك، أما إذا أحببت مؤمناً مستقيماً من كل قلبك، فهذا حب في الله وهو عين التوحيد، الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك، صار عندنا: الشرك أن تعتقد، أو أن تتوجه، أو أن تخلص لجهة غير الله.
 يقول سيدنا علي: " الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء- نملة تسير على صخرة بليلة لا قمر فيها من يحس بها؟ هو أخفى من ذلك- وأدناه أن تحب على جور، وأن تكره على عدل".
 شخص نصحك كرهته لأنه تكلم الحق، الثاني أحببته وهو غير مستقيم، هذا شرك، فالشرك مستويات، إنسان يرى كل مصلحته مع زوجته، يتمنى أن تكون راضية عنه دائماً، وإذا طلبت شيئاً خلاف الشرع يتساهل فيه، هذا أشرك وهو لا يدري، عندما قال: الله أكبر في الصلاة، ما قالها ولا مرة لأنه رأى إرضاء زوجته أغلى عنده من إرضاء الله عز وجل، أو خضع لقوي، فرأى أن القوي أقوى من الله فخضع له، ونسي الله، فالشرك أنواع؛ هناك شرك مصغر قال تعالى:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[سورة يوسف : 106]

 ويوجد شرك كبير، هذا الشرك الجلي بأن تقول: بوذا إله، الشرك أن تعتقد أن لله نداً إما اعتقاد، وإما سلوك، وإما إخلاص.
 الإلحاد الإنكار المطلق، الكافر يعلم أنه يوجد إله لكنه أعرض عنه، أما الملحد فأنكر وجوده أصلاً.

 

عدم اتخاذ المصطلحات الدينية أداة لتقييم الأشخاص :

 يوجد إلحاد، وشرك، وكفر، ومعصية، وفجور، ويوجد إيمان، وإسلام، وإحسان، والإحسان فوق الإيمان، أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أن تعبده كأنك تراه، وهذه أعلى مرتبة، إذاً الإسلام فالإيمان فالإحسان، ويوجد بالقرآن آية واحدة تبين أن هناك إسلاماً فوق الإسلام والإيمان والإحسان هو الاستسلام المطلق لله، قال تعالى:

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة البقرة : 131]

 أولاً: لا يجوز أن تتخذ من هذه المصطلحات أداةً لتقييم الأشخاص، تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، أنت لك أن تأخذ بالظاهر والله يتولى السرائر، وإذا زكيت أحداً قل: الله أعلم، ولا أزكي على الله أحداً، والله أعلم.

 

معرفة حدود المصطلحات في الدين من عقيدة المسلم :

 أخواننا الكرام؛ معرفة حدود المصطلحات في الدين من عقيدة المسلم، الإسلام، الإيمان، الإحسان، المعصية، الكفر، الشرك، الإلحاد.
 وكل واحدة لها مستويات وأنواع، والإنسان عليه أن يحسن الظن بإخوانه، القاعدة: اتهم نفسك وأحسن الظن بإخوانك، والقاعدة: لا نكفر بالتعيين أشخاصاً أبداً، ولكن نقول: من قال هذا فقد كفر، من قال كذا فقد ألحد، دون ذكر أسماء كي لا تقع فتنة، والشيء الثالث ما كل من وقع بالكفر وقع الكفر عليه، يوجد أناس قناصون أي هذا البدوي قال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي، النبي ما ذكر أنه كفر، وقال: الله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته فقط، معنى ذلك أن الله عذره، أنت لا تعذره! أحياناً الإنسان يتكلم كلمة فيها غلط، ننبه بلطف ولا نكفره، يوجد شخص إذا سمع كلمة خاطئة يقيم القيامة ولا يقعدها، هذا نوع من القنص، هذا يفتت المسلمين، نحن بأدب ننبهه وعلى انفراد، يوجد فضيحة، ويوجد نصيحة، يوجد شخص هوايته أن يسفه الناس أمام الآخرين هذا ليس إيماناً، أنا يمكن أن أنصح شخصاً تكلم كلمة لم يدرك أبعادها بأن أضرب بعض الأمثلة، شخص بجلسة قال: لله رجال إذا أرادوا أراد، هذا كفر، لهذه الكلمة تفسيران؛ أول تفسير أن هؤلاء مستجابو الدعوة إذا سألوا الله أجابهم، والرأي الثاني أن لهم إرادة مستقلة عن إرادة الله، وهذا عين الشرك، فأنت الأولى أن تحملها على المعنى التوحيدي وأن تنبه صاحبها أن هذه الكلمة إذا تكلمت بها تعمل إشكالاً، أنا يغلب على ظني أنك تقصد كذا بكلمة مستجاب الدعوة، لكنك حينما قلتها فهم الناس شيئاً آخر.
أولاً: أحسن الظن.
 ثانياً: احمل النص على أفضل تفسيراته، شخص يقول لك: وإن زنا؟ وإن سرق؟ وعنى ذلك أن المؤمن يزني ويسرق، والله قال: ولا يزنون، حديث صحيح، كيف هذا الحديث صحيح والآية ولا يزنون تنفي نفياً كلياً هذا الأمر؟ التفسير واضح جداً، وإن زنا وسرق في الماضي، إنسان تاب وانتهى، ومن تاب من الذنب كمن لا ذنب له، وإن زنا ليس وإن يزني ويسرق، يوجد فرق، ويمكن نحن أن نفهم النص فهماً عميقاً، مثلاً: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون، هذا الحديث على ظاهره مشكلة، أنت عندما تحس بذنبك معنى هذا أن عندك حياة، مادمت تحس بالذنب فقلبك حي، وعندما ترتكب أكبر ذنب وتقول: ماذا فعلنا؟ إذا قلت: ماذا فعلنا؟ معنى هذا أنك ميت ومنته نهائياً.
 لا سمح الله صار حادث سير، دهس شخصان؛ الأول يصيح والثاني ساكت، أيهما أخطر؟ الذي لا يصيح، إذاً هو ميت، الذي يضج فيه بقية حياة، عندما يشعر الإنسان بالألم عندما يرتكب ذنباً معنى هذا أن فيه حياة، والشخص عندما يزني ويشرب الخمر ما فعل شيئاً، يأكل مال الناس ما فعل شيئاً، هذا معنى: لو لم تشعروا بذنوبكم، عندما يقول الطبيب وهو يفحص مريضاً و يضع السماعة على قلبه: لا شيء، ويضع المرآة على أنفه لا يوجد بخار، ويحضر بيلاً يضعه بعينه فيقول: عظم الله أجركم، معنى هذا أن الشخص قد انتهى، ما معنى انتهى؟ ميت، يوجد شخص ميت غير سائل، الدين لا يقبضه أبداً، يرتكب كل المعاصي، وفيه براءة الأطفال، ماذا فعلت هذه الحياة وهذه المدنية وهذه الحضارة؟
 نحن أولاً نتهم أنفسنا ولا نتهم الآخرين، أحسن الظن بإخوانك واتهم نفسك، مهما بالغت باتهامها فأنت على صواب، ومهما أحسنت الظن بإخوانك فأنت على صواب، إحسان الظن بالآخرين يجمع القلوب، ويؤلف القلوب، دائماً اتهم نفسك، وأحسن الظن بأخيك ترقى، ودائماً اترك أسماء الأشخاص، أخ يقول لك: البارحة كنا في درس فلان، قال الأستاذ...ما رأيك فيه؟ تريد أن تعمل فتنة في البلد، تريد أن أقول لك: كان مخطئاً، يقول له: أستاذ قال فلان: إنك كنت على خطأ، هذا إنسان يفتت المسلمين، لو سألتني: ما رأيك بموضوع القضاء والقدر؟ هذا الإنسان مخير أم مسير؟ هذه القضية سهلة، أما أن تقول لي: فلان قال هكذا.
 كان عالم من كبار علماء حمص لا يمكن أن يجيب عن سؤال مربوط باسم، قلت لي: فلان لن أجاوبك، ألغ لي الاسم أجاوبك، عود نفسك أن تلغي الأسماء، لا تعمل فتنة إطلاقاً، ما قولكم في هذا الموضوع؟ أنت وازن نفسك تكون بهذا ما أحرجتني وقلت: فلان قال هكذا، فلان له اسم، وله مكانة، وهذا الكلام غير صحيح، قد تكون أنت مخطئاً، أنت فهمان خطأ.
 أذكر قصة مرة قلت في أحد الدروس: لو أن إنساناً قبّل المصحف من ستة وجوهه، وما طبق أحكامه، ما استفاد شيئاً، هذا الكلام فيه شيء؟ نقل لأحد علماء دمشق أن الأستاذ راتب يحرم تقبيل المصحف، هذا العالم انزعج ومعه حق لينزعج، وتكلم بدرس عام، بعد ذلك كان هناك شخص جالس و قد حضر درسي فقال له الأستاذ راتب قال: كذا وكذا، التقيت به مرة فقبّلني وقال لي: أنا أخطأت في حقك، هنـاك تسرع أحياناً، قبل أن تقول: فلان قـال هكذا تأكد، لذلك عندنا مشكلة الأتباع، هؤلاء مشكلة، هؤلاء يسيئون الفهم، يسيئون النقل، يسـيئون التصرف، الفهم والنقل والتصرف.