العقيدة الإسلامية - الدرس : 07 - المصائب وحكمتها.

1998-01-14

  الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مقومات التكليف :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع بداية الدرس السادس من دروس رمضان. يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[سورة الأحزاب :72]

 الإنسان من خلال هذه الآية هو المخلوق الأول لأنه رضي حمل الأمانة؛ والأمانة نفسه الذي بين جنبيه أوكله الله إليها، يفلح إذا زكاها، ويخفق إذا دساها، أي تركها جاهلةً متفلتةً من منهج الله، الله جلّ جلاله بعد أن قبلنا حمل الأمانة كرمنا بأن سخر لنا ما في السموات والأرض، وكرمنا بأن أودع فينا العقل، وفطرنا فطرة عالية وكرمنا بأن أودع فينا الشهوات، وكرمنا بأن منحنا حرية الاختيار، وكرمنا بأن أعطانا قوة لتحقيق اختيارنا، وكرمنا حينما أنزل على أنبيائه منهجاً قويماً نتبعه.
 هذه مقومات التكليف، أودع فينا الشهوات كي تكون قوة محركة، دافع الطعام والشراب لو ألغي لما وجدت على وجه الأرض شيئاً، الإنسان إن لم يندفع إلى أن يأكل لا يعمل، وكل ما تراه عينك من مشاريع عمرانية، ومشاريع صناعية، و زراعة، وأبنية بدافع الجوع، من أجل أن تأكل تعمل، الله عز وجل حركنا بالشهوات، ونحن في معمعة الحياة، ونحن في حركتنا نحو تحقيق شهواتنا نمتحن، والامتحان يأتي أثناء الحركة، فإما أن نصدق، وإما أن نكذب، إما أن نستقيم، وإما أن ننحرف، إما أن نحسن، وإما أن نسيء، إما أن ننصف، وإما أن نظلم، فمن خلال حركة الحياة التي هي بدافع الشهوات التي أودعها الله فينا لابد من أن نمتحن، وهنا النقطة الدقيقة أن الله جلّ جلاله مربّ، وكان من الممكن أن يودع فينا الشهوات، وأن نمتحن، وأن نرسب، وأن نشقى، لماذا هو رب العالمين؟ حينما نمتحن ونرسب يعالجنا والمعالجة تنقلنا إلى الاستقامة.

 

المصيبة و أنواعها :

 موضوع الدرس اليوم هو المصيبة، الأصل أن الإنسان قبِل حمل الأمانة، فلما قبل حمل الأمانة صار المخلوق الأول، وسخر الله له ما في السموات والأرض، وأودع فيه العقل والشهوة، وفطره فطرةً عالية، ومنحه حرية الاختيار، وأنزل على أنبيائه الكتب والمناهج، وانطلق في الحياة بدافع الجوع إلى الطعام، ودافع الحاجة إلى الطرف الآخر، فشهوة الطعام والشراب تحافظ على بقاء الفرد، وشهوة الجنس تحافظ على بقاء النوع، وشهوة الذكر تدفع الإنسان إلى التفوق.
 يوجد ثلاثة دوافع أساسية، أن يأكل، وأن يتزوج، وأن يتفوق، بهذا تعمر الأرض، ونحن في هذا الاندفاع في تحقيق حاجاتنا الأساسية نمتحن، ونحن نمتحن نؤدب ونعاقب ونكرم.
 درس اليوم المصيبة، لأن الله رب العالمين إذا أخطأ أحدنا لا يدعه وخطأه، تصور مدير مؤسسة، عيّن موظفاً مدة ستين يوماً للتجريب، فكل أخطائه سجلها عليه، فلما تراكمت طرده؛ لو أن هذا الموظف ابنه، أو ابن أخيه، وهو حريص على أن يبقى في العمل، كلما أخطأ ينبهه ويؤدبه إلى أن يستقيم فيبقى.
أيها الأخوة؛ ما من شيء يمكن أن يفهم فهماً معكوساً كالمصيبة، هناك أشياء تفهمها بدرجات قريبة من بعضها، أشياء كثيرة تفهمها بدرجة أو بأخرى، و لكن هناك شيئاً يفهم فهمين متعاكسين هذا الشيء هو المصيبة، فالجاهل يراها نقمة من الله عز وجل، يراها ظلماً، ويراها قسوةً، والذي يعرف الله عز وجل يراها محض رحمة، ومحض لطف، ومحض إكرام، والدليل أن العلماء قالوا في تفسير هذه الآية:

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان : 20 ]

 النعم الباطنة هي المصائب، شيء آخر الله عز وجل يقول:

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

[سورة الأنعام :147]

 فإن مقتضيات رحمته أن يؤدب المنحرف، والحقيقة أن المصيبة، ما من إنسان إلا وابتلي بمصيبة من نوع أو آخر، وبطولة الإنسان في حسن فهمها له، وفي شكر الله عليها، الشيء الثابت هو أن المصائب نوعان؛ نوع يصيب المؤمنين، ونوع يصيب العصاة المجرمين، فالمصائب التي تصيب المؤمنين من أجل أن تزيد من سرعتهم إلى الله، ومن أجل أن ترفع مقامهم عند الله، قال تعالى:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[سورة البقرة :155-157]

 بينما غير المؤمنين مصائبهم مصائب قسم أو ردع قال تعالى:

﴿ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

[سورة هود :36]

 أغرقهم الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[سورة القصص: 79]

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾

[سورة القصص: 81]

 الكافر، المنحرف، الفاجر تأتيه مصيبتان؛ إما مصيبة لتردعه إذا كان فيه بقية خير، وإما تأتي مصيبة لتقصمه حينما يعلم الله أنه لا ينطوي على خير، فالردع والقصم من خصائص مصائب الكفار، والدفع والرفع من خصائص مصائب المؤمنين، أما الأنبياء فمصائبهم مصائب كشف، ينطوون على كمال لا يظهر إلا من خلال المصائب.

 

تعلق إرادة الله بالخير المطلق :

 أيها الأخوة؛ المؤمن يعتقد أن الله رحيم، وأن الله حكيم، وأن الله عادل، فكل شيء وقع أراده الله؛ المؤمن لا يرى أن للكافر فعلاً، والكافر يبطش، ويظلم، ويأخذ ولا يعطي، ويتكبر، ويتغطرس؛ إن خطة الكافر تستوعبها خطة الله عز وجل فلا يقع في الكون شيء إلا إذا أراده الله عز وجل، وإرادة الله متعلقة بالخير المطلق لأن الله عز وجل يقول:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة آل عمران : 26]

 لم يقل: بيدك الخير والشر، لأن الشر المطلق لا وجود له في الكون، بل إن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، فعليك أن تؤمن أن هناك إلهاً الأمر كله بيده، وكل أفعاله حكمة ورحمة ولطف وعدل، لذلك لا يمكن أن نؤمن أن هناك شراً مطلقاً، وهناك شراً نسبياً بالنسبة إلينا تماماً كالمكبح في السيارة، السيارة صنعت لتسير، ولا بد لسلامتها من مكبح، أحياناً المكبح لا يقدر بثمن، لو أن طفلاً كان أمامك وأنت تقود سيارة ما الذي ينقذ حياته وينقذ مصيبتك؟ المكبح، به توقف السيارة، وكما أن السيارة صنعت لتسير لكن المكبح يتناقض مع أصل صنعها إلا أنه ضروري جداً جداً لسلامتها، وكذلك الإنسان خلق للسعادة، خلق للسرور وللرحمة، لذلك لابد من مصيبة تردعه عن الطريق المنحرف، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[سورة السجدة :21]

 هذه حكمة المصيبة.
 أصحاب الجنة وأصحاب البساتين الغنّاء أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون، أرادوا أن يستأثروا بكل المحصول، وأن يمنعوا حق الفقراء منه، فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم، هذه مصيبة، قال تعالى:

﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ﴾

[سورة القلم : 17-30]

 المحصول كله تلف، وهذه مصيبة نسمع بها دائماً موجة صقيع خلال أربع ثواني أتلفت كل الثمار، وكان من الممكن أن يضمن الحقول بمليون ليرة، جاءت موجة صقيع وجعلت كل الثمار سوداء وانتهى الأمر، فحينما رأوا بساتينهم أتلفت وهلكت قالوا: إنا لضالون بل نحن محرومون، قال أوسطهم: ألم أقل لكم لولا تسبحون...في النهاية ربنا عز وجل قال:

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة القلم : 33]

 أي كل أنواع العذاب الذي أسوقه لكم يا عبادي من هذا النوع، عذاب ردعي، عذاب هادف.
 سيدنا يونس عندما وجد نفسه فجأة في بطن الحوت ماذا قال؟ لا إله إلا أنت، أي هذا ليس صدفة، هذا فعلك يا رب، إليه يرجع الأمر كله، إياك أن تفسر الأمور تفسيراً مادياً، لابد من أن تفسرها تفسيراً إلهياً، هذا يا رب فعلك، لا إله إلا أنت سبحانك أن تظلمني، أنت أعظم من ذلك، أعظم من أن تظلمني، أو أن تهملني، أو أن يكون هذا العمل صدفةً، لا، هذا العمل من قبلك مقصود يا رب، قال تعالى:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة الأنبياء :87]

 لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، كلام دقيق، الفعل فعلك، وأنت منزه عن الظلم وأنا أستحق ذلك، الإنسان كلما ألمت به ملمة: يا رب هذا الفعل فعلك، وأنت منزه عن الظلم، وأنا أستحق ذلك، وهذه حقيقة مطلقة، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[سورة النساء :147]

((.. لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 هذا كلام دقيق.

 

المراحل التي يمر بها الإنسان بعلاقته بالله عز وجل :

 المؤمن لابد أن يمر في علاقته بالله بثلاث مراحل: مرحلة التأديب، إذا كان يوجد مخالفات، مرحلة الابتلاء، مرحلة التكريم، هذه المراحل الثلاث تتداخل أو تتمايز، الإمام الشافعي سئل: أندعو الله بالابتلاء أو بالتمكين؟ فابتسم وقال: لن تمكن قبل أن تبتلى.
 مرحلة التأديب، يوجد أخطاء في كسب المال، أخطاء في العلاقات الاجتماعية، أخطاء في اللسان، في هذه المرحلة يؤدب، فإذا استقام على أمر الله يمتحن صدقه، فإذا نجح في الامتحان يكرم، بين التأديب وبين الابتلاء وبين التكريم هذه المراحل تتداخل أو تتمايز.
 أيها الأخوة الكرام؛ أكاد أقول لكم: إن رأيتم في بيت من بيوت الله جمعاً غفيراً تأكدوا أن تسعين بالمئة من هؤلاء الذين أقبلوا على الله سبحانه وتعالى، واصطلحوا معه، وأحبوه، وسعدوا في الدنيا والآخرة، سبب التفاتهم إلى الله مصيبة، وحينما يكشف الغطاء لا ترى شيئاً، قدم لك خدمة لا تقدر بثمن كهذا الذي مررك الله به. أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي وتمرري وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي.
 الإنسان أحياناً يدفع إلى طاعة الله دفعاً، والأكمل أن تأتيه طائعاً لكننا ضعاف، ربنا عز وجل يعيننا على أنفسنا ببعض المشكلات التي تدفعنا إلى بابه، وهذا المعنى دقيق جداً، الله عز وجل يعينك على نفسك لو كانت الأمور تسير كما تريد قال تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[سورة العلق :6-7]

 حينما يرى نفسه مستغنياً عن الله يطغى، عشرات بل مئات بل آلاف القصص إنسان شارد وتائه استمرأ الحياة، واطمأن لها، صحته طيبة، ودخله كبير، وأولاده أمامه، ليس عنده مشكلة، غارق بالملذات، تأتي المصيبة كي تدعوه إلى الصحو، متعلق بابنته تعلقاً لا حدود لهـ أصيبت بمرض أخذها إلى كل الأطباء، لا يوجد أمل، أخذها إلى بيت غربي لا يوجد أمل، باع بيته ثم خطر له أن يستقيم هو وزوجته لعل الله سبحانه وتعالى يشفي لهم هذه الطفلة، استقام وبدأ يصلي، وحجب امرأته، فتراجع المرض شيئاً فشيئاً، حتى عادت إلى ما هي عليه، لو أن الله عز وجل كشف له يوم القيامة الحكمة من هذا المرض الذي ألم بابنته لابد من أن يذوب كالشمعة أمام الله، يا رب أنت بهذا المرض عرفتني بك، وأرجعتني إليك، وبهذا المرض اصطلحت معك، فينبغي أن نفهم المصيبة هكذا.

 

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

 ما يفعل الله بعذابنا إن شكرنا وآمنا، لماذا إن شكرنا وآمنا بالذات؟ الإنسان سخر الله له الكون تسخيرين؛ تسخير تعريف وتسخير تكريم، أراد من هذا الكون أن تعرفه، وأراد من هذا الكون أن يكرمك به، فرد فعل التعريف الإيمان، ورد فعل التسخير الشكر، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، من هنا قال الله عز وجل:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء :147]

 فأنت مخلوق كي تعرف الله وتشكره، لأن وجودك محض فضل من الله، أنعم الله عليك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، فشتان بين مؤمن يعرف أن المصيبة محض فضل، وبين إنسان يرى أن المصيبة من الله.
 كلمات يقولها عوام الناس: لا أحد مرتاح، الله يعطي السعادة لمن لا يستحقها، ترى شخصاً يبدو لك أنه مستقيم، و لكنه معذب، عليه ديون، مرهق، عليه مشكلات كثيرة، و الكافر الفاجر قوي، متين، سعيد، فهذه أفكار كلها تتناقض مع الحقائق.

 

المصيبة نعمة باطنة و تدخل إلهي مباشر :

 يا أيها الأخوة الكرام؛ جزء كبير من إيمانك أن تفهم حقيقة المصيبة، المصيبة نعمة باطنة، المصيبة عملية ردع، المصيبة سلسلة تقودك إلى الجنة، المصيبة تدخل إلهي مباشر، المصيبة تربية إلهية، لذلك ما من عثرة و لا اختلاج عرق و لا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[سورة الشورى:30]

 أيها الأخوة؛ الأولى الإنسان إن ألمت به مصيبة أن يتهم نفسه، فمن وجد خيراً فليحمد الله؛ ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، الأولى و الأكمل إن ألمت بأخيك مصيبة أن تحسن الظن به، وأن تقول: هذه لعلها ترقية، و هذه لعلها تنقية، وهذه لعلها تكريم من الله عز وجل.
 هناك أناس منحرفون إن ألمت بهم مصيبة يعطونها أعلى تفسير، ترقية، وإذا ألمت بالآخرين مصيبة يعطونها أسوأ تفسير، أنا أنصح بالعكس، لا تجامل نفسك، لا تحابيها، اتهمها بكل نقص، وإن رأيت مصيبة تنزل بأخ كريم فقل: لعلها ترقية، و لعلها تنقية.

 

أسلم طريق لمعرفة الله لا من خلال أفعاله بل من خلال خلقه :

 أخواننا الكرام؛ عود على بدء، ما من شيء تتذبذب تفسيراته من اليمين إلى اليسار، ما من شيء يفهم فهماً معكوساً كالمصائب، فالمؤمن يراها رحمة، و يراها عدل، و يراها حكمة.
 و يجب أن تعلم أن كل شيء يقع في الكون بأمر الله، بإرادته، بمعنى أنه سمح به.
 كلكم يسمع بالأخبار ما هبّ و دب، أحياناً اجتياحات، مذابح، فيضانات، أعاصير، أمراض وبيلة، يجب أن تعلم أن هذا الأمر كله بيد الله، و لحكمة تعرف أنت مجملها و لا نعرف تفاصيلها إلا بحالة واحدة أن يكون لنا علم كعلم الله، من أجل أن تعرف تفاصيل كل مشكلة و حكمتها التفصيلية يجب أن يكون لنا علم كعلم الله، و هذا مستحيل، إلا أنك تعرف بعض المصائب كيف ساقت الناس إلى الله عز وجل، ويجب أن تستسلم لمشيئة الله؛ ومعرفة الله من خلال الكون أهون بكثير من معرفته من خلال أفعاله، أفعاله لا نملك القدرة على فهمها أحياناً، ثم تأتي حكمتها جلية واضحة، في صلح الحديبية الصحابة اعترضوا، وسيدنا عمر اعترض، والحكمة المطلقة كانت في هذا الصلح، عقولنا غير مهيأة أن تفهم أفعال الهن عز وجل، لذلك أسلم طريق لمعرفة الله لا من خلال أفعاله بل من خلال خلقه، وهذا الكون ينطق بكمال ما بعده كمال، وبحكمة ما بعدها حكمة، وبرحمة ما بعدها رحمة، بينما أفعال الله تحتاج إلى تفسير، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[سورة الشورى:30]

 ويقول:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[سورة السجدة :21]