العقيدة الإسلامية - الدرس : 06 - أمثلة على الكرامات.

1998-01-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الكرامات :

 أيها الأخوة الكرام؛ أخٌ كريم طلب مني أن أحدثكم عن بعض الكرامات التي سمعتها، أو قرأتها، تعقيباً على درس الكرامات، الذي كان موضوع درس البارحة.
 سيدنا عمر رضي الله عنه، وهو على المنبر قطع الخطبة وقال: يا سارية الجبل الجبل.
 سيدنا سارية يقود جيوش الفتوح في بلاد الفرس، فقال: أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل، نصب الفرس كميناً وراء الجبل لجيش المسلمين، فسيدنا عمر رأى الكمين، ورأى الجبل، وخاطب سارية من على المنبر وهو في المدينة..لم يكن يوجد فاكس في هذا الوقت..قال:
 يا سارية الجبل، فقال سارية: أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرنا الجبل.
 درسنا في الجامعة، حالة اسمها التخاطر النفسي، امرأة في ميلانو، رأت ابنها يدهس في فرنسا، في باريس، وهي في المطبخ، في مطبخ بيتها رأته يدهس، بعد أيامٍ عدة، تأتي الجثة بالتابوت، مع تقرير، والتقرير بالدقيقة نفسها، والساعة نفسها، واليوم نفسه، الذي رأت فيه ابنها، هكذا جاء التقرير.
 العلم لا يملك تفسيراً، لكن هذا شيء واقع، هذه الحالة اسمها التخاطر النفسي..

﴿ومَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 85 ]

 لا يزال الكون مجهولاً، لم تبتلَّ بعد أقدامنا ببحر المعرفة.

 

قصص عن الكرامات :

 الحسن البصري..أدَّى أمانة التبيين، والحجاج غضب منه غضباً شديداً، وقال لجلسائه: يا جبناء لأروينكم من دمه..وأمر بقتله، وجاء بالسياف، ومدَّ النطع، واستدعي الحسن البصري، كل شيء جاهز لقطع رأسه، فلما دخل الحسن، نظر إلى السياف، وإلى النطع، ففهم القصة كلَّها، فحرك شفتيه بكلماتٍ لم يسمعها أحد، فإذا بالحجاج يقف، ويستقبله، ويقول: أهلاً بأبي سعيد، أنت خير العلماء، مازال يقربه حتى أجلسه إلى جنبه على السرير، واستفتاه في قضية، وضيفه، وعطره، وشيعه إلى باب القصر..الذي صعق هو السياف، والحاجب، تبعه الحاجب، قال له: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت لربك؟ قال: قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليَّ برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
 هذه كرامة..أي أنَّ الله عزَّ وجلَّ ألقى في قلب الحجاج تعظيمه، وتوقيره، وإكباره، لأنه كان مخلصاً لله.
 بلغني في حرب الأفغان مع الروس- شيء ثابت، وسمعته من أكثر من جهة، ومتكرر- يوم كانوا مخلصين، يوم كانوا متحدين، يوم وضعوا كلَّ قوتهم تجاه العدو، ما من قصفٍ جويٍ نجح معهم، يرى أهل البلدة سرباً من الطيور البيضاء، هذا السرب أصبح علامةً بينهم وبين الله، كلما رأوا سرباً ينسحبون من القرية، يأتي القصف بلا جدوى، هذه الكرامة استمرت سنوات طويلة، ولم يفلح أي قصفٍ جويٍ مع الأفغان..هذه كرامة.
 رجل حيٌ يرزق، صديقٌ لي..أصيب بمرضٍ خبيث في رئته، وذهبت لزيارته مراتٍ عديدة، والذين عالجوه أصدقائي، أخذت خزعةٌ من رئته إلى مخبر في دمشق للأورام الخبيثة، أخذت خزعةٌ إلى بريطانيا، اتفق كل الأطباء على أن هذا المرض مميت، ولا علاج له، ثمَّ بدا أنَّ في أمريكا عملية زرع رئة، نجاحها ثلاثون بالمئة، تكلف ثمن بيته، بفضل دعائه، وإقباله على الله، انحسر المرض شيئاً فشيئاً، والقصة من خمس عشرة سنة، ولا يزال الرجل حياً يرزق في أتمّ صحته..هذه كرامة.
 أخ من أخواننا الكرام..أحسبه صادقاً، ومؤمناً، توفي والده وهو في الثامنة عشرة من عمره، ترك له مكتب تسيير معاملات معقَّداً، وليس لهذه الأسرة دخل إلا هذا المكتب، وهذا الابن لا يتقن هذه الأعمال، هناك أعمال بسيطة بدأ يعمل بها، جاءته معاملة معقدة جداً، ليس من صالحه أن يسأل الموظف ماذا أفعل؟ يصغر، رأى والده في المنام، فذكر له ثلاثين خطة، تفعل كذا، تقدم له استمارة، يوقعها فلان، المنام معقد جداً، في اليوم التالي، نفذ تعليمات والده، واحدة واحدة، ونجحت العملية.
 رجل من أهل العلم بطرابلس، يسكن في بيت مستأجر، صاحب البيت أخرجه منه، وهو فقير، أحد أكبر أغنياء طرابلس، رأى رسول الله في المنام، قال له: اشتر لفلانٍ بيتاً، فاختار له أجمل بيت واشتراه له.
 هناك قصص كثيرة جداً...أخ من أخواننا له ابن عم توفي، فسألهم: أعليه دين؟ قالوا: نعم.فتصور- وهو رجل موظف- أن ديونه لن تزيد عن ثلاثين، أو عشرين، أو عشرة، أو خمسة عشر ألفاً، فقال: عليَّ دينه.
 في اليوم التالي، سألهم: كم الدين؟ قالوا: مئة وثلاثون ألفاً، فدفع المبلغ تقرباً لله عز وجل، أقسم لي في صحن المسجد، وصار يبكي قال لي: يوم السبت بعت بيعاً- وهو له ثلاثة شركاء- ربحه الصافي من المبيعات كان مئة وثلاثين ألفاً..هذه القصص كلها واقعية، الأخوان صادقون.
 أخ آخر من كبار المصدرين، في سنة من السنوات، انقبض قلبه عن التصدير- البضاعة موجودة، والطلب موجود، والدفع جاهز- انقباضاً منقطع النظير، وحينما لم يصدر في هذا العام، تلافى ضريبة تأكل كل أرباحه في أربعين عاماً سابقة، وهو قد ساهم في بناء مسجد، وفي تجهيز مسجد.
 فالكرمات لا تقف، لا تنقطع، بل رأيي أنا: ما من واحدٍ منكم، صادق مع الله، مخلص له، مستقيمٍ على أمره، مقبل عليه، يخطب وده، إلا والله جلّ جلاله تشجيعاً له، وتمتيناً، وتمكيناً، يريه بعض خرق العادات.
 قبل شهر تقريباً زار المسجد طبيب قادم من أمريكا..زيارة كما يزور كل أخواننا المقيمين في أمريكا، يأتون في فصل الصيف، أو في رمضان، ويكون قد استمع لعدد من الأشرطة، فيحب زيارة هذا المسجد..هذا الطبيب مختص بالجراحة العظمية، وهو في أعلى مستوى هناك، غادر بلدنا منذ ستة وعشرين عاماً، وكان الأول في الجامعة هنا، وتفوق تفوقاً عالياً جداً هناك، حتى أصبح الطبيب الأول في عمليات الجراحة العظمية، هناك تركيب المفصل عنده خلال ساعتين فقط..مفصل صناعي وعنده في اليوم أربع عمليات، ودخله كبير جداً، أي أعلى درجة في التألق..مكانة علمية، مكانة اجتماعية، دخل كبير، زوجة، وأولاد، فروى لنا قصة، قال:
 مرةً جاءني زنجي، مدرب كرة سلة، لتبديل مفصل له، وأنا أنشر عظمه، شعرت بأن العظم قاس جداً كالفولاذ، تابع العملية، وبعد أن انتهت، أجرى عملية لوالدة سكرتيرته، أيضاً تبديل مفصل، وعمل عملية ثالثة، قالت له الممرضة :كأنك اليوم غير طبيعي! قال لها: لا..لا يوجد شيء، لكني تعب، ذهب إلى البيت، قال لي: أثناء قيادة السيارة، السيارة تخطف على اليمين..توقعت أنَّه يوجد عجلة تحتاج إلى هواء، وصل إلى البيت على موعد مع زوجته للذهاب إلى حفلة عرس، قال لي: أنا لست ملتزماً، ولكن لست سيئاً أيضاً، لكن وسط..فلما دعته زوجته لتلبية الدعوة، قال لها: والله أنا اليوم تعبان. نظرت إلى وجهه، وجدته غير طبيعي، قالت له: مع من تشاجرت اليوم؟ قال لها: ما هذا الكلام؟ قالت له: انظر إلى وجهك في المرآة، فوجد انتفاخ في خده الأيسر، عرف أنها جلطة في الدماغ، أخو زوجته طبيب قلب، استدعي، فهم الأمر، فذهبوا به إلى المستشفى على الفور، في المستشفى أخذ المرض أبعاده، شلل نصفي كامل، قال لي: أنا طبيب، والقصة حدثت معي، أقسم بالله وهو يرفع يده هكذا، اليد، والرجل، واللسان انتهوا، قال لي: أصابني ألم منذ أن ولدت ما أصابني ألمٌ مثله، فهو في أوج حياته، في أعلى تألقه، في نجاحه الكبير، في دخله الكبير، في مكانته الاجتماعية، في مكانته العلمية، انتهى..انتهى..طريح الفراش على الكرسي، انتهت حياته، قال لي: في الساعة الثانية عشرة مساءً نظرت إلى النافذة رأيت القمر، ناجيت الله عزَّ وجل، قال لي: والله ما من خليةٍ في جسمي، ولا قطرة في دمي، إلا وناجت الله عزَّ وجلَّ..ماذا قال له؟ قال له: يا رب إن أردت أن تبقيني هكذا فأتمنى أن تميتني، وإن أبقيت في عمري بقية، فأرجو أن تشفيني، وبكى..يقول: بعد نصف ساعة، في الساعة الثانية ليلاً، شعر بنفسه أنه نشيط، ففي المشفى يوجد أنابيب على الجدران لكي يتمسك بها الإنسان، فمشى فلم يجد شيئاً، فقالت له الممرضة: أنت مجنون أيها الدكتور، أنت مشلول، قال لها: لا يوجد بي شيء، ومن هذه اللحظة وإلى الآن والقصة منذ سنة ونصف، ولكن هو عاهد ربه على الطاعة التامة، وخدمة المسلمين، عاهد ربه عهداً، وأنا أظن أنه لن ينقضه أبداً، على الطاعة التامة، وخدمة المسلمين.. وهذه كرامة أيضاً.
 فقضية الخثرة في الدماغ، قضية خطيرة جداً، لا ينجو منها أحد، قال لي: إن المرض بقي ساعتين، أو ثلاث تقريباً، وانتهى بفضل الدعاء.

الكرامات ثابتة و هي تكريم من الله لبعض عباده :

 القصص كثيرة جداً، ولكنكم لستم ملزمين أن تصدقوا هذه القصص على الإطلاق، لكنهم وقعوا..فكل إنسان يتعامل مع الله مباشرةً في هذا الموضوع، لكن الكرامة للمؤمن من لوازم إيمانه، من لوازم إيمانه، أن الله يخصه باستثناء، يلقي في روحه أنه يحبه، وإنه يعلم إخلاصه، ويعلم إقباله، ويعلم طاعته، والقصص كثيرة جداً، ولو فتحنا المجال الآن أنا متأكد، لا يوجد واحد منكم، ولا أزكِّي على الله أحداً إلا ويوجد عنده قصتان، ثلاث، أربع، جرت في حياته، خطر كبير أزاحه الله عنه، توفيق كبير أكرمه الله به، نجا من مصيبة، نجا من ورطة، نجا من مطب.
 يوجد أخ من أخواننا من غينيا، بقي في سوريا عشر سنوات، فذهب لكي يزور أهله، القرية الموجود فيها وجد إنسان مقتول على السكة الحديدية، طبعاً هو من الشرطة، فالقرية حُوصرت، وأخذ كلَّ رجالها ليعذبوا، وليعترفوا بمن فعل هذا، قال :جاء الضابط إليّ وقال لي: أنت قم واذهب إلى البيت لا يعرفني، ولا يعرف قصتي، أي أنه استثناه استثناء عجيباً.
 فالكرامات ثابتة، لكن هذه كل واحد يعرفها لوحده، فيما بينه وبين الله عزَّ وجل، وهي تكريم من الله.

 

كرامة العلم أعظم كرامة على الإطلاق :

 لكن الكلمة التي قلتها سابقاً: أعظم كرامة يمنحك الله إياها، ولا تحتاج إلى تكذيب، لا أحد يستطيع أن يكذِّبك، كرامة العلم، هذه أعظم كرامة، فإذا أنت تطمح لكرامة من الله عزَّ وجل، اطلب هذه الكرامة، كرامة العلم، لأنك بالعلم تعرف الله، وبالعلم يصلح عملك، وبالعلم تسعد.
 وطبعاً الموضوع على ما أعتقد درس من كل جوانبه موضوع الكرامات، والأولى ألا نذكرها، وأنا ذكرتها استثناءً، الكرامات لا تنقطع، لأنها هي معاملة الله للعباد، وهي من الطرق التي يلقي الله في روع عبده أنه يحبه، عن طريق استثناءات من بعض الظروف.