العقيدة الإسلامية - الدرس : 05 - الفرق بين المعجزة والكرامة والضلالة.

1998-01-11

  الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

قيام نظام الخلق في الأرض على أساس السببية :

 أيها الأخوة المؤمنون؛ مع الدرس الخامس من دروس العقيدة في رمضان..
 أولاً: شاءت حكمة الله جلَّ جلاله أن يكون نظام الخلق في الأرض، وفي كون الله على أساس السببية، لكلِّ شيءٍ سبب، الله جلَّ جلاله على كل شيءٍ قدير، قال الله تعالى:

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

[سورة يس: 82 ]

 إن أردنا أن نأكل، لا بدَّ من أن نلقي بذرةً في الأرض، لا بدَّ من أن نسقيها، لا بدَّ من أن نرعاها، لا بدَّ من أن نسمِّدها، لا بدَّ من أن نقلمها إلى أن تثمر، كان من الممكن أن يجد الإنسان أمامه أكواماً من الفواكه، والخضار، والخبز الجاهز، لأن الله على كل شيء قدير، ولكن شاءت حكمة الله أن يجعل لكل شيءٍ سبباً، وعقلنا موّكلٌ على هذا الأساس، عقل الإنسان لا يفهم شيئاً بلا سبب، ولا يفهم شيئاً بلا غاية، ولا يقبل التناقض، والكون مصمم على هذا المبدأ، هناك سبب، وهناك غاية، وليس هناك تناقض.
 الإنسان مع ارتباط السبب بالنتيجة دائماً، توهم أن السبب خالق النتيجة، السبب رافق النتيجة، ولا يمكن للسبب أن يخلق النتيجة، في عقيدة المسلم أن النتائج مترافقة مع الأسباب، أما الذي يخلق النتيجة فهو الله، لذلك الله عزَّ وجلَّ كي يعلمنا هذه الحقيقة أحياناً يعطِّل الأسباب، السبب موجود ليس هناك نتيجة، وأحياناً يخلق نتيجةً بلا سبب، من أجل أن نفصل في عقولنا، أن يكون السبب خالق النتيجة.. هذه نقطة.

 

الله عز وجل واجب الوجود و ما سواه ممكن الوجود :

 النقطة الثانية: يوجد في العقيدة ثلاث كلمات، واجب الوجود، ممكن الوجود، مستحيل الوجود، أي مستحيل أن يكون الابن أكبر من أبيه، مستحيل أن يكون الجزء أكبر من الكل، هذا شيء مستحيل، هذه مسلمات.. أما واجب الوجود فهو الله وحده، لا يمكن أن يكون هذا الكون بلا خالق، أما ما سوى الله فممكن الوجود، معنى ممكن الوجود أي يمكن أن يكون، ويمكن ألا يكون، وإذا كان يمكن أن يكون على ما هو عليه، أو على غير ما هو عليه، قال الله تعالى:

﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

[سورة الانفطار: 8 ]

 ممكن أن يكون الإنسان بلا عيون، إدراكه يكون باللوامس، إنسان بلا أرجل، إنسان يطير في الهواء، إنسان حجمه بحجم الكرة الأرضية، ممكن، ما سوى الله ممكن الوجود، الله واجب الوجود، ويوجد مستحيل الوجود..
 هذا كله تمهيد إلى موضوع الكرامات.. هذا الموضوع اتسع واتسع، وسال، وساح، وتبخر، حتى أصبحت الكرامات محور الدعوات.. فما حقيقة الكرامة يا ترى؟!
 نحن يوجد عندنا كرامة، ويوجد معجزة، ويوجد ضلالة، وكل هذه الأشياء الثلاثة في الحقيقة خرقٌ للعادات، خرق للنظام العام.

 

النظام والقانون والسنة من خلق الله عزّ وجلّ :

 أولاً: هذا النظام من نظَّمه؟ الله جلَّ جلاله، هذه القوانين من قننها؟ هذه السنن من سنها؟ الله جلَّ جلاله، الذي سنّ هذه السنة في قدرته أن يلغيها، وفي قدرته أن يبدلها، وفي قدرتها أن يعدلها، وفي قدرته أن يضيف عليها، وفي قدرته أن يحذف منها..
 والذي قنن هذا القانون.. الماء تطفأ به النيران، ممكن، النار تحرق، من قال: النار تحرق؟ الله، من صمم النار على أن تحرق؟ الله، من خلق في النار قوة الإحراق؟ الله، الذي خلق يلغي، في أية لحظة الله عزَّ وجلَّ يلغي قوة الإحراق في النار، كلمة واحدة.. أضرموا ناراً عظيمة، وألقوا فيها سيدنا إبراهيم، كان من الممكن ألا يستطيعوا أن يقبضوا عليه، لو كان كذلك لم يكن هناك معجزة، كان من الممكن أن يلقوا القبض عليه، ويضرموا النار، فتأتي أمطار غزيرة تطفئ النار، ماذا يقولون؟ لولا هذه الأمطار لفتكنا به، ألقي القبض عليه، وأضرمت النيران، وألقي في النار:

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

[سورة الأنبياء: 69]

 لو قال: كوني برداً، لمات من البرد، ولو قال: كوني برداً وسلاماً، لأبطل مفعول النار إلى يوم القيامة، قال: على إبراهيم فقط، قال: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم.. أي الذي أودع فيها قوة الإحراق، يعطل هذه القوة، وانتهى الأمر.. لذلك النظام، والقانون، والسنة، من خلق الله عزَّ وجلَّ، وهو على كل شيء قدير، في أية لحظة يضيف، ويحذف، ويعدِّل، ويبدِّل، ويلغي، ويحدث.
 إذاً عقلاً المعجزات ممكنة، عقلاً.. فأنت قد ألفت أنَّ هذه البذرة تنبت، لو لم تكن تنبت، وأنبتت تقول: هذه معجزة.. لا، المشكلة أن الإنسان لم يعد يفرق بين المستحيل عادةً، والمستحيل عقلاً، عادةً ليس من المألوف أنَّ النار لا تحرق، عادةً، أما عقلاً فالذي أودع فيها قوة الإحراق يلغي هذه القوة.

 

الفرق بين المعجزة و الكرامة :

 أول فكرة في الدرس: المعجزات التي هي خرقٌ لنواميس الحياة ممكنةٌ عقلاً، بعيدةٌ عادةً، فالسذج يقيسون على المألوف، فينكرون المعجزات، فالسذج يقيسون على المألوف، لم نألف أن امرأة تحمل بلا زوج، أبداً، لكن عند الله ممكن، سيدنا عيسى ليس له أب، ولم نألف أن زوجين لا ينجبان، وفي حالات كثيرة الزوج شاب، والزوجة شابة، والأجهزة كلّها سليمة، ولا يوجد إنجاب، الله عزَّ وجلَّ إما أن يخلق النتيجة بلا سبب، أو أن يعطل السبب، أي يعطل هذا القانون، يلغي هذا القانون، يلغي هذه السنة، يلغي هذا التنظيم.
 مرَّ معي بالفيزياء، أنَّ أساس الذرة نواة حولها مسارات، وعلى كل مسار كهروب، يوجد مسار أول، مسار ثان، مسار ثالث، مسار رابع، يوجد كهروب، كهروبان، ثلاثة، أربعة، هي بنية الذرة، الكون كلّه من بنية واحدة، بحث الذرة بحث طويل كثيراً، أي أن هذه الأشياء التي ترونها، الآن هذا الجدار حجر، بهذه العين تراه جامداً، أما بالكشوفات الحديثة فهذا الحجر مؤلف من ذرات، وكل ذرة عبار عن نواة، والكترونات تدور حول النواة بسرعات مذهلة، فإذا كان حول النواة يوجد كهروب واحد، له بنية، كهروبان أصبح عنصراً ثانياً، ثلاثة كهارب عنصر ثالث، يوجد عنصران في الطبيعة، واحد صلب، والثاني غازي، الفرق كهروب واحد، أي إذا أضفنا كهروباً فالصلب صار هواء، وإذا حذفنا كهروباً الهواء صار صلباً.
 فعندما ضرب سيدنا موسى البحر بعصاه أصبح طريقاً يبساً، عقلاً ممكن، لأن الذي خلق الكهارب، والذرات، بتعديل طفيف، قلب الماء إلى طريق، فلما غيّر التعديل، رجع الماء ماء، فغرق فرعون.
 فالمعجزات خرقٌ لنواميس الحياة، خرقٌ للأنظمة التي نظمها الله، خرقٌ للقوانين التي قننها الله، خروجٌ عن سنن الله التي سنّها الله، فالمعجزة استثناء، القاعدة هي القانون، والمعجزة استثناء، إذاً.. لماذا يجريها الله على أيدي الأنبياء؟ لأن يوجد مجتمع جاهلي، يأتي رجل يقول: أنا رسول.. طبعاً رسول، أي معه منهج، والمنهج يوجد فيه انضباط، والانضباط يحدُّ من حريات الناس، يحدُّ من شهواتهم، فالشيء الطبيعي أن يكذب، أنت كذاب، أنت مجنون، أنت كاهن، أنت ساحر، هكذا الشيء الطبيعي.. فكيف يثبت هذا الرجل المسكين الذي أرسله الله لهؤلاء الناس وقالوا: إنه كذاب، إنه ليس رسولاً؟ يجري الله على يديه خرقاً للقوانين، لا يستطيعها إلا خالق الكون، حتى يقنع الناس أنَّ هذا رسول، هل في الأرض كلّها إنسان يستطيع أن يلقي عصا فإذا هي ثعبان مبين؟ طبعاً السحرة، لكنهم يعرفون عملهم، هم يأتون بأنابيب مطاطية يضعون فيها زئبق، يضعونها على سطحٍ حار، الزئبق يتمدد فيحرك الأنابيب، تبدو كأنها حيةً تسعى، أما حينما رأوا ثعباناً حقيقياً فخروا لله ساجدين، وقالوا:

﴿ قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الأعراف:121-123]

 فخرق القوانين التي جاء بها الأنبياء هي معجزات، أولاً: من الجبل خرجت ناقة، هذه النار لا تحرق، معجزة، سيدنا عيسى يحيي الموتى، نحن ألفنا أن الميت إذا مات انتهى، سيدنا عيسى أحيا الموتى، فخرق القوانين على يدِّ الأنبياء هي المعجزات، سببها تأييد إلهي للنبي، أن هذا رسولي، سأجري على يديه خرقاً للقوانين لا يستطيعه إلا خالق القوانين، إذاً.. كل خرقٍ للقوانين، والنواميس، والسنن على يدِّ الأنبياء والمرسلين، هي معجزات، المعجزة طابعها جماهيري، يجب أن تظهر للناس جميعاً، يوجد تعبير آخر، يتحدَّى بها، يجتمع الناس، يأتي السحرة، يلقي موسى عصاه، فإذا هي ثعبانٌ مبين، تلقى ما يأفكون:

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾

[سورة الأعراف:117]

﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾

[سورة الأعراف:108]

 فالمعجزة طابعها جماهيري، ويتحدى بها، ودرجتها عالية جداً.. إحياء الميت، أما الولي فيضع يده على جبين الإنسان، ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ويتوجه إلى الله، الذي يكون عنده مرض يشفى، شفاء المرض أخف من إحياء الميت، مستوى المعجزة عال جداً، أما فالكرامة أخف، أخف بكثير، لذلك صعب أن نقبل من غير نبي معجزة، نقبل منه كرامة، أما المعجزة فمستواها عال جداً.
 طبعاً بالمناسبة.. معجزات الأنبياء السابقين معجزاتٌ حسية، كعود الثقاب، تألقت مرةً واحدة وانطفأت، أصبحت خبراً يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، هذه هي المعجزة الحسية، أما معجزة نبينا عليه الصلاة والسلام فهذا القرآن، وهذه معجزة مستمرة إلى نهاية الدوران، لأنه كلما تقدم العلم اكتشف جانباً لم يكن معروفاً في القرآن الكريم.. لذلك قيل: في القرآن آياتٌ لم تفسر بعد.
 الآن.. الولي ليس نبياً، النبي معصوم، لأنه معصوم مكلف أن يتحدى بالمعجزة الناس، هم ربطوا بين المعجزة، وبين الرسالة، ولأنه معصوم لا يوجد مفاجأة، أما الولي، فما حكمة الكرامة عند الولي؟ الآن خرق النواميس، والعادات، والقوانين، على يد غير الأنبياء اسمها كرامات، فالكرامة للولي، والمعجزة للنبي، إذاً ما حكمتها؟ أولاً.. هذه الكرامة ليست للنشر، وليست جماهيرية، وليست للتحدي، إنما هي خاصةٌ بهذا الولي، أي إعلامٌ من الله أنني أحبك يا فلان، ودليل محبتي لكَّ أنني كرَّمتك بهذه الكرامة..
 بالمناسبة الإنسان بعلاقاته العامة يتحرك حركة، يتكلم كلمة، يقدم هدية، يجد رد فعل من الطرف الثاني، الذي قدمت له الهدية يشكرك، جزاك الله خيراً، أنت إذا خطبت ودَّ الله عزَّ وجلَّ، كيف يعلمك الله أنه يحبك؟ تخطب وده، تصلي له، تعبده، تنصاع لأمره، تخدم عباده، تفعل الصالحات إرضاءً له، فهل يعقل أن تخطب وده ولا يشعرك بشيء؟! فالرد الإلهي على طاعة العبد، وعلى إخلاصه، وعلى عبادته الكرامة، الكرامة خرق للعادات، لكن بمستوى أقل من المعجزة، الكرامة ليست قابلةً للنشر، ولا للتحدي، وطابعها ليس جماهيرياً، ولكنه فردي، ولا يجوز أن يُتكلم بها، وقيل: الولي الصادق يستحي بكرامته كما تستحي المرأة بدم حيضها.

 

العلم أعظم كرامة من الله لعبده :

 النقطة الثانية في هذا الموضوع: أنّني أنا لست مكلفاً، ولست مجبراً، أصدق كرامة، إلا إذا ورد بها نصٌ قطعي الثبوت والدلالة، وما سوى ذلك أنا حر، أنا إذا كان عليّ أن أصدق كل إنسان أضيع، يوجد نص بالقرآن يقول: إن أهل الكهف بقوا في كهفهم ثلاثمئة عام. هذه كرامة، هؤلاء ليسوا أنبياء، لو كانوا أنبياء إذاً معجزة، ما داموا أولياء كرامة، السيدة مريم ليست نبيةً، بالأساس لا يوجد نبية، فلما ولدت سيدنا عيسى من دون أب هذه كرامة، فالكرامة التي ورد بها نصٌ صريحٌ، قطعي الثبوت والدلالة على العين والرأس، وما سوى هذا لست مكلفاً أن أصدق شيئاً لأن القضية لا تنتهي.
 شخص جاء إلى وزير الأوقاف السابق قال له: رأيت رسول الله في المنام، يوصيك بي، ويأمرك أن تعينني في وظيفةٍ عندك. شيء مخيف، قال له: متى رأيته؟ قال له: الساعة الثانية عشرة، قال له: أنا رأيته الساعة الرابعة صباحاً، فقال لي: إنك كذَّاب.
 إذا أردنا أن نصدق كل المنامات، وكل الكرامات، ضاع الدين، أصبح الدين مائعاً، فالكرامات ليس طابعها جماهيرياً، وليست للتحدي، وليست للنشر، ولكنها إعلامٌ من الله، بين الله وعبده أن يا عبدي أنا أحبك، دليل محبتي أنني خرقت هذه القوانين على يدك، من أجل تقريب العبد إلى الله، من أجل أن تكون الكرامة رد فعل، ولا يوجد مؤمن.. دققوا فيما أقول-
 صادق، مخلص، إلا ويرى من الله آلاف الكرامات، أحياناً قضية معقدة تسهّل، إنسان صعب يلين قلبه، تنجز بوقت قليل، إنجازات كبيرة جداً، مال قليل، تطرح فيه البركة، يغطي لك كل حاجاتك، أحياناً ولد منحرف يلين الله لك قلبه، يعاونك، يصلح الله لك زوجتك، فالمؤمن لا بدَّ له من كرامة تحل عسير أمره، لكنهم قالوا: أعظم كرامةٍ ينالها المؤمن عند الله عزَّ وجلَّ، ولا تحتاج إلى خرق للقوانين، ولا إلى تكذيب من الناس، هي كرامة العلم، فإذا أحبّ الله عبداً كرمه بالعلم، والعلم كرامةٌ حقيقيةٌ جداً، ولا تحتاج إلى خرق للعادات، ولا إلى خرق للقوانين، ولا ينتج عنها تكذيب، بل تعظيم، وتوقير، فإذا سألتم كرامةً من الله عزَّ وجلَّ فاسألوه العلم، لأن العلم هو سرّ نجاح الإنسان، وسرّ سعادته في الدنيا والآخرة.

 

السياسة الحكيمة في الدعوة إلى الله أن الكرامة لا تنكر ولا تروى :

 أنا من سياستي في هذه الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ أنني لا أروي الكرامة ولا أنكرها، إن أنكرتها أكون قد انحرفت عن الصواب، وإن رويتها كثيراً يضيع الناس، وأوضح مثل على ذلك هو.. أن طالباً من الطلاب له أب أصيب بمرض عضال، فترك الدراسة كلياً، ترك الشهادة الثانوية، والتفت إلى رعاية أبيه، بعد حين شفي الأب، بقي للفحص شهر واحد، فالله عزَّ وجلَّ أليس بقادر أن هذا الطالب الذي وقف موقفاً بطولي مع والده خلال شهر يلهمه الموضوعات الأساسية في الامتحان؟ ممكن، إلهام، أحياناً تمسك كتاباً، تنشرح نفسك فقط إلى آخره، أوله تتضايق منه فلا تقرؤه، يكون السؤال سوف يأتي من الأخير، يأتي رفيق لك ويقول لك: أخي هذا الموضوع هل درسته؟ تقول له: لا، فيقول: ادرسه، قضية تخمين، تقرؤه بعناية بالغة، هل من الصعب أن يلهم الله هذا الطالب البطولي، البطل، الذي خدم والده خدمة عالية، فيشعر أن هذا المكان مهم، وهذا المكان ليس مهماً، يدرس بعناية فائقة الأماكن التي يوجد فيها الأسئلة، وينجح؟ ممكن، لو روينا هذه القصة للطلاب، فهذا خطر كبير، فلا أحد يدرس، يخدم والده ولا يدرس، تنشأ مشكلة كبيرة في الحياة، تتعطل الدراسة، وقد وقعت هذه القصة، ولكن لا يجوز أن تروى.
 فلذلك السياسة الحكيمة في الدعوة إلى الله أن الكرامة ينبغي ألا تنكر، وفي الوقت نفسه ينبغي ألا تروى، لا تنكر ولا تروى، حتى لو أن إنساناً رأى في المنام رسول الله، وأمره بما يخالف الشرع، يثبت الشرع وترد الرؤيا.
 أحد الصالحين رأى في المنام رسول الله، قال له: يا فلان في المكان الفلاني كنز، اذهب وخذه، ولا تدفع زكاته. فهذا الرجل الصالح بالفعل وجد الكنز، أما لا تدفع زكاته فاحتار، رسول الله قال له، فذهب إلى العز بن عبد السلام، وكان من العلماء الكبار، ذكر له الرؤيا وما حصل فيها، قال له: أما الكنز فهو كرامةٌ لك من الله، أما أن يقول لك النبي: لا تدفع زكاته، ففتواه في حياته أصح من فتواه في منامه، ادفع زكاته.
 هذا شرعنا نحن، أنا أرد مليون منام، إذا كان يخالف الشرع، ولا أعبأ بأي منام، أما رجل صالح جداً رأى نفسه بحالة طيبة نقول له: والله هذه بشارة، إنسان منحرف رأى نفسه سوف يتدمر، نقول له: هذا تحذير من الله عزَّ وجلَّ.
 أولاً: المعجزة خرقٌ للعادات على يد الأنبياء، طابعها كبير، عالي المستوى، وقابلة للتحدي، وجماهيرية.
 والكرامة، خرقٌ للعادات على يد الأولياء، طابعها فردي، ولا يجوز نشرها، ولا التحدي بها، ولا الحديث عنها، وهي نوعٌ من إكرام الله لهذا الولي، نوعٌ من رد الله عزَّ وجلَّ على طاعة هذا الطائع، وأعتقد وأنا أعني ما أقول: لا يوجد واحد منكم من دون استثناء إلا له عشرات الكرامات.
 أخ كريم له إنفاق كبير لله، ذات مرة شعر بانقباض شديد بتصدير صفقة إلى بلد أجنبي، انقباض ليس بعده انقباض، بلا تفسير، ضيق، البضاعة موجودة، والطلب موجود، والدفع أكيد، ولا توجد مشكلة، هذا خلاف المنطق التجاري، فلم يصدر، والله نجاه من ضريبة تفوق التصور، هذا الانقباض كرامة، الإنسان عندما يستقيم الله عزَّ وجلَّ ييسر له أموره، يدله على الخير، يصرف عنه الشر، كل هذه كرامات.
 أحياناً يأتي أخ صادق إلى الدرس، توجد عنده مشكلة كبيرة، الله يلهم هذا المتكلم بمعالجة هذا الموضوع بشكل مفصل، لا المتكلم يعلم لماذا فعل هذا وذاك لا يصدق، فلو أنا كنت مبلغاً له هذا الموضوع، و سائله بعناية، لا يكون الجواب بهذه الطريقة، هذه كرامة للمستمع، لأنه صادق.
 فدائماً الكرامات موجودة، وأنا لي رأي قد ترونه متطرفاً، لا بدَّ من كرامة إذا كنت صادقاً، إذا كنت فعلاً صادقاً لله عزَّ وجلَّ تحس بعناية إلهية خاصة، بمعاملة خاصة، تشعر أحياناً أن شخصاً كوحش قد لان قلبه معك، كيف لان قلبه معك؟ طبيعته شريرة، عدوانية، لئيم، لا يسترضى، مع هذا الإنسان بالذات تجده أصبح ليناً.. الله عزَّ وجلَّ ألهمه، فأنت حينما لا تكون لك كرامة، أي أن هناك شكاً في إيمانك، وشكاً باستقامتك، وشكاً بإخلاصك، لكن هذه الكرامة بينك وبينه، هذا بالتعبير الاقتصادي شيك مسطر، لا يجير، لك خاصة، هذه بمعنى كُلْ واسكت، رأيت هذه الكرامة فاسكت، الله يريك مناماً جميل جداً أحياناً، يصرف عنك شراً كبيراً، تختلف بعض المقاييس معك، وهذه الشيء ثابت، ولكن الكرامة لك وحدك، لا تجير، ولا تنشر، ولا يتحدى بها، ولا تقول: أنا أحييت ميتاً. هذه كذبة أيضاً.
 قال أحد الأولياء كما كتب في كتاب قرأته، والذي ألفه أحد تلاميذي: جاءت لعنده امرأة، فماتت عنده، فقام بنكشها برجله، وقال لها: هي قومي - قومي يا -، فقامت ومشيت، فقلت للمؤلف: هذه قد زودت فيها، هذه لست كرامة، هذا إحياء ميت، هذه خاصة بالأنبياء، أما الولي فأحيانا يكون الشخص ساخناً قليلاً، فيقرأ له الفتحة، ممكن الله عزَّ وجلَّ تكريماً لهذا الولي أن يشفيه، فلذلك هذه كرامة، الكرامة خرق للعادات، لكن من أجل إعلام العبد أن الله يحبه.

الضلالة و الكرامة و المعجزة :

 الآن.. إذا رأيت شخصاً عمل عملاً غريباً جداً، وهو ضال، لا يصلي، شارباً للخمر مثلاً، هذه اسمها ضلالة أم هي خفة ومهارة منه أم بمعاونة الجن؟ إما أن تكون خفة ومهارة وتدريب عال جداً، أو بمعاونة الجن.
 صار عندنا معجزة، وكرامة، وضلالة، غير المستقيمين كل شيء يفعلونه خرقاً للعادات، ضلالات، والأولياء والمؤمنون، كرامات، والأنبياء والمرسلين، معجزات، والكرامة لا ترويها، ولا تنكرها، إن رويتها ضيعت الناس، وإن أنكرتها خالفت الحقيقة.

الواقعية و المنطقية في قبول الدين :

 آخر فكرة: أنت لست مكلفاً أن تصدق أية كرامة، إلا أن يأتي بها نص، أما أحياناً يكون لك أخ غال عليك، صادق عندك، منزه عن الكذب، يقول لك: حدث معي كذا، وكذا، وكذا.. أنا أصدقه، إذا أخ كان عندي صادق، وأحبه، و أثق بكلامه، وحدثني عن خرق للعادات أجراها الله على يده، لكن طبعاً معقولة، وليست غير معقولة، أنا أميل إلى تصديقه، وبالعكس أبارك له، وأقول له: هنيئاً لك على هذا المنام، أو على هذه الكرامة، ولا يوجد رغبة أن ننشرها ونعممها.
 يأتي شخص ضعيف الإيمان، حديث عهد بالإيمان، يسمع درساً.. شخص قال لأحد العلماء: سيدي زوجني، أو قال له: خذني إلى الحج، يقول له: يا بني أنا ليس لي دخل بالحج. ياسيدي ادفعني فأصل إلى مكة رأساً، ممنوع، لا بدَّ من الجوازات، فأخذه إلى التكية، وأوقفه على البحرة، وحلفه بالطلاق ألا يتكلم لأحد، ودفعه فجاء في البحرة، هكذا حدث معه، علمه درساً، فهذه اسمها سحبات.
 كن واقعياً، كن منطقياً، كن موضوعياً، ولا تقبل تجاوزات كبيرة جداً، لأنها أيها الأخوة تضيع الناس، تضيع الناس وتسبب المشكلات، أنا أعرف أن هناك دعوات مبنية على الكرامات، كل الدعوة من أول كلمة إلى آخر كلمة شيء غير معقول، كأن يقول: الصدِّيق زارني، ونام عندي البارحة، وأطعمناه، هذا شيء ليس معقولاً. فتوجد مبالغات، وتجاوزات، هذه تضيع الدعوة.
 يأتي شخص جديد منطقي، طالب جامعي، يجدها كلها خرافات، يقول لك: كفى خلط، كل الدين خرافات، أنا ألا أروي أية كرامة في الدرس، لا أتكلم إلا بمنهج، منهج القرآن والسنة، هذا منهج علمي، الكون يذعن له كل الخلق، حتى الكافر، تعطيه آية كونية تجده ركع، لا يقدر أن يقول لك: لا..
هذا ملخص درس العقيدة.. الكرامة، والضلالة، والمعجزة.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلّى الله على سيدنا محمد النبي الأمّي، وعلى آله وصحبه وسلَّم.