شرح الحديث الشريف - الدرس : 8 - الحلال بين والحرام بين ......

1998-01-24

 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

كلّ إنسان محاسب على عمله شاء أم أبى :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع بداية الدرس التاسع من دروس الحديث الشريف في رمضان، ولازلنا في الأربعين النووية للإمام النووي رحمه الله تعالى.

((عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

[مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 قبل أن نتابع قراءة الحديث ربنا جلّ جلاله فطر النفس فطرةً عالية، بحيث أنها إذا اقترفت الحرام تشعر، وإذا فعلت الحلال تشعر، يؤكد هذا قوله تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

[سورة الشمس : 7-8]

 وهذه الفكرة أيها الأخوة تحل مشكلات كثيرة، يقول لك فلان: هؤلاء الذين عاشوا في هذه البلدة، في هذه الجزيرة، في هذه القارة النائية، ما وصلتهم رسالة سماوية كيف يحاسبون؟ قد يتوهم بعضهم أن كل إنسان لم تصله رسالة سماوية معفى من الحساب، معنى ذلك أن كل إنسان استحق النار يتمنى أن الله عز وجل وضعه في مكان لا يوجد فيه رسالة سماوية، مع أن الإنسان فطر هذه الفطرة التي تكشف له خطأه ذاتياً، تصور إنساناً عاش في جزيرة ما، سمع كلمة حق وما قرأ كتاباً مقدساً، و لا سمع خطبة من عالم، ولا من كاهن، ولا من رجل دين، إذا فعل الخير تطمئن نفسه، وإذا فعل الشر تعذبه نفسه، النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا وابصة أحد أصحابه:

((عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فَقَالَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))

[مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ]

 الأبلغ من ذلك ليس الإنسان بل الحيوان عنده هذه الفطرة، أطعم قطة قطعة لحم تأكلها أمامك، فإذا خطفتها تولي بها بعيداً، شعرت أنها اقترفت إثماً معك، أخذت ما ليس لها.
 فكل إنسان يتوهم أن ما دامت الرسالة لم تبلغه فهو معفى هذا وهم خطير جداً، بنيتك النفسية كافية كي تكون مسؤولاً عند الله، وكل إنسان يعمل إثماً يخفيه عن الناس يستحي به فطرةً، لا يوجد إنسان على الإطلاق يبيع الحليب يغشه أمام الشاري، انتظر حتى أضيف له ماء، هذا العمل يوجد فيه غش، بفطرته يشعر أن العمل غير سليم.
 أول نقطة أنت محاسب شئت أم أبيت، بلغتك الرسالات أم لم تبلغك، قرأت أم لم تقرأ، استمعت أم لم تسمع، بعض أهل الكتاب كانوا يقولون: لو سمعتم الحق أصبحتم مؤاخذين، أنت مؤاخذ سمعت أم لم تسمع، لأن السماع منة من الله عليك، قال تعالى:

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[سورة آل عمران : 164]

فطرة الإنسان تكشف له حقيقته :

 الآن دقق أكثر الآيات التي تقول كلا إنها تذكرة، ما معنى تذكرة؟ أي شيء تعرفه سابقاً، والقرآن ذكرك به، كلا إنها تذكرة، القرآن تذكرة، وهذا الدين تذكرة، أي أن المعرفة تسبق القرآن، تعرف الحق بالفطرة، طبعاً هذا الموضوع يحتاج إلى أدلة كثيرة، وشواهد كثيرة، وهي كثيرة جداً، إلا أن المقام لا يحتمل التفاصيل الكثيرة، نفسك البشرية وأدق من ذلك قوله تعالى:

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾

[سورة القيامة : 14-15]

 لا يمكن أن تغيب حقيقتك عن ذاتك، تعلم نفسك من أنت بالضبط، وكل عمل تفعله تعلم علم اليقين أنه صح أم خطأ، مقبول أم غير مقبول، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
 " إن الحلال بين - بالفطرة - وإن الحرام بين" أي بالحياة يوجد بعض الشواهد شخص غير ملتزم، فلما اقترف الحرام دافع عن سلوكه، ولكن دفاعه ضعيف، وكأنه قانع أنه على حق، فلما اهتدى إلى الله عز وجل أسر لي أنني كنت مخطئاً، وأنني كنت أكابر، وأنا أعلم أنني على باطل.
 الإنسان إذا كان صادقاً مع نفسه حينما ينحرف يعرف أنه منحرف، وحينما يستقيم يعلم أنه مستقيم، وأقوى دليل قوله تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

[سورة الشمس : 7-8]

 وهناك دليل ثان قوله تعالى:

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[سورة القيامة :14-15]

﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾

[سورة عبس : 11]

 كل القرآن تذكرة، والتذكرة تعني أنه يوجد معلومات سابقة والقرآن ذكرك بها، تعني أن الفطرة سليمة، الفطرة تكشف الحقيقة.

الدين توحيد و طاعة :

 الآن كيف يحاسب أهل الفطرة؟ يحاسبون على شيئين أودعهما الله فيهما، يحاسبون على عقل يمكن أن تصل فيه إلى الله. ويحاسبون على فطرة تكشف لهم أخطاءهم.
 فكل إنسان لم تبلغه الرسالات السماوية محاسب، لمَ لم تؤمن ومعك أداة الإيمان؟ ولمَ لم تستقم ومعك أداة الاستقامة؟ الدين إيمان واستقامة، الدين إيمان وعمل، الدين توحيد وطاعة، فالتوحيد مناطه العقل، والطاعة مناطها الفطرة، فالإنسان الذي لم يؤمن، والإنسان الذي لم تبلغه رسالة يحاسب من خلال عقله، هذه الأداة التي تكفي أن تصل به إلى الله، ويحاسب من خلال فطرته، هذه الجبلة التي تكشف له خطأه، هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((.. إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ ..))

[مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 وهذه من نعمة الله عز وجل، مناط الامتحان بالتالي: أي إنسان مهما كان جاهلاً ومهما كان بعيداً، مهما كان ذهنه ثقيلاً إذا اخطأ يعلم أنه أخطأ، إلا أنه هناك كذب كثير، ويوجد كذب على النفس، لو كان الإنسان صادقاً يقول: أنا غلطت، أنا لست على حق، الإنسان يقول هذا الكلام في ساعات صحوته، في ساعات الشدة، في ساعات الضيق يعترف، أما الإنسان فوجد معه عقل أو فكر أي يحاول أن يغطي به انحرافه، فهذا العقل الذي يغطى به انحراف المنحرفين اسمه: العقل التبريري، هذا لا قيمة له عند الله أبداً، تستخدم ذكاءك لا من أجل أن يقودك إلى الله بل من أجل أن تغطي انحرافك، أما الأشياء المشتبهة في التعامل المالي فلو أن إنساناً باع سجادة، باعها ديناً بألف ليرة، ثم اشتراها نقداً بثمانمئة ليرة فرضاً ماذا فعل؟ باع واشترى، البيع حلال والشراء حلال، وقد تحدث هذه، أما إذا جعلها أداة للاقتراض الربوي فالسجادة نفسها يبيعها بألف ديناً، ويشتريها بثمانمئة نقداً، الفرق هو فائدة القرض، فهذا العمل ظاهره مع الحلال أما حقيقته فمع الحرام، قس على هذا كثيراً، أحياناً بيع وشراء؛ لأنه يوجد أجل يرتفع الثمن، يقول لك: هكذا اتفقنا، وهو بيع وشراء، وإذا اعتبر أن هذا المبلغ هو ثمن البضاعة ديناً فأعطى للزمن أجراً فدخل بشبهة الربا، يوجد أشياء كثيرة فيها شبهات، الورع يظهر في الشبهات، الشيء الدقيق الورع يظهر في الشبهات مثلاً:
 أعطه ألفاً وخمسمئة درهم، بين، تعطه واضحة لا تحتاج إلى تفسير، ولا إلى اجتهاد، ولا إلى تأويل، ولا إلى سؤال، ولا إلى جواب، لا تعطه شيئاً واضحة، أما أعطه ألفاً ونصفه، هنا يوجد مشكلة، على من تعود هذه الهاء؟ على الألف ألف وخمسمئة ؛ على الدرهم ألف ونصف الدرهم، هذه الشبهة، يوجد شبهة في فهم النص، فهذا الاشتباه كل إنسان يقف موقفاً، فالشديد في الإنفاق يفسر الضمير يعيده على الدرهم، والكريم يعيده على الألف، هذا النص الاحتمالي لا بد منه، أراده الله عز وجل نصاً احتمالياً يحتمل ألفاً وخمسمئة درهم، ويحتمل ألفاً ونصف درهم، هذا النص فيه شبهة، والإنسان في الشبهات يكشف ورعه.
 في الامتحانات أخواننا الكرام يوجد تعليمات، هناك سؤال يعرفه جميع الطلاب، وسؤال لا يعرفه إلا قلة قليلة من المتفوقين، وسؤال ضعيف حتى يجيب الضعاف عنه، ففي تعليمات الامتحان لابد من سؤال يغطي مستوى الضعاف، وسؤال للمتوسطين، وسؤال للمتفوقين، الحلال بين والحرام بين هذا لمعظم الناس، الناس جميعاً أما الشبهات فللناس الورعين.

من يقترف الشبهات يقع في المحرمات :

((.. فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ..))

[مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 كل إنسان يدع الشبهات حقق سلامة دينه، وسلامة سمعته عند الله، وعند الناس، العرض هو السمعة، الإنسان عندما يكون عنده جرأة لقترف شبهة، هذه الشبهة نفسها تقوده إلى الحرام، من وقع فيما اشتبه به كان لما استبان أوقع، قضية خلافية وقع بها، المرحلة الثانية سوف يقع في قضية غير خلافية، ما دام اجترأ على اقتراف شبهة سيجترئ على اقتراف بينة، هذا معنى قول النبي الكريم:

((..وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ..))

[مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 لأن الإنسان متحرك وليس ساكناً، فإذا خطا خطوة نحو الشبهات، الخطوة الثانية نحو المحرمات، والثالثة نحو الفجور:

((.. فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ..))

[مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام وهذا قانون نفسي، أكثر المعاصي الكبيرة تبدأ بمخالفات صغيرة، الإنسان أساسه حركي، وما دام حركياً الحركة تنقله من مكان إلى مكان، ومن موقع إلى موقع، ومن مستوى إلى مستوى، ومن مرتبة إلى مرتبة، أساس الإنسان حركي، وحركته دائماً ليست في صالح مخالفته، إذا كان هو حركياً وله مخالفات هذه الحركة دائماً تنقله إلى الأسوأ.

الدين ليس حدّاً للحرية بل ضماناً لسلامتها :

(( وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ))

 تصور نهراً عميقاً مخيفاً، له ساحل مائل، شط مائل وزلق، حشائش غير سوية، الانزلاق احتماله كبير جداً، وله شاطئ ثان جاف ومستو، هناك شاطئ جاف ومستو، وشاطئ مائل وزلق، والنهر مخيف، فالمؤمن يمشي على الشاطئ الجاف المستوي، يوجد طمأنينة، لو اقترب من الشاطئ المائل الزلق احتمال أن يقع في النهر، و هذا الاحتمال كبير جداً، فالإنسان الورع دائماً بالأعماق، دائماً يأخذ احتياطه، لهذا ورد في القرآن الكريم قال الله تعالى:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾

[سورة البقرة : 187]

 يجب أن يكون بينك وبينه هامش أمان، مثل التيار العالي ثمانية آلاف فولت، إذا مسه شخص يصبح فحماً فوراً، أما هذا التيار فله منطقة اسمها: حرم التيار، ثمانية أمتار، وإذا إنسان دخل إلى هذه المنطقة هناك احتمال أن يجذبه التيار، عندنا ثمانية أمتار حرم التيار، التيار نفسه يعاقبه، أما تحذير المواطنين من التيار فليس بعدم المس بل بعدم الاقتراب، ممنوع الاقتراب من هذا التيار، ممنوع المس، طبعاً قبل أن يمسه يموت.
 يوجد معاص لها قوة جذب منها الزنا، الإنسان لا ينوي أن يزني، أما عندما يدخل إلى خلوة مع امرأة لا تحل له فهذه منطقة جذب، يصاحب الأراذل منطقة جذب، يقرأ ويطالع أشياء لا ترضي الله عز وجل منطقة جذب، قال تعالى:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾

[سورة البقرة : 187]

 ويوجد في الإنسان دائماً أنه يحب أن يكون طليق الحركة، لو أن الإنسان دخل إلى حقل رأى لوحة كتب عليها: انتبه حقل ألغام، يشعر بحقد على من وضع هذه اللوحة أم بامتنان؟ بامتنان طبعاً، السبب هذه اللوحة ليست قيداً لحريتك بل ضماناً لسلامتك، وكل إنسان أتاه الله فهماً عميقاً في الدين يرى أن حدود الله هي حدود سلامته، لا حدود لحريته، الإنسان يحب أن يكون حراً طليقاً، وأحد أسباب عزوف الناس عن الدين يقولون: كله قيود، لا أريد وجع رأس هكذا أفضل لي، لكن هذه الطلاقة طلاقة خطرة، حدود الدين ليست حدوداً مقيدة بل حدوداً لسلامة الإنسان.

العاقل من يضمن سلامة دينه :

(( كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ))

 الشيء الصحيح أن تدع بينك وبين الحرام هامش أمان، وهذه المنطقة الزلقة خطيرة جداً، وقد لا تسقط، وقد تسقط، إلا أن احتمال السقوط خطير جداً، أنت قامرت بسلامتك مع الله عز وجل، أحياناً مثلاً بيع وشراء في الأصل مشروع، أما كل الزبائن نساء، وبأسواق فيها تفلت، والبائع شاب في مقتبل حياته، فيا ترى يصمد أمام إغراء النساء الغاديات الرائحات كل يوم عشرات بل مئات المرات؟ هل هذا العمل يجوز؟ هذا العمل فيه شبهة، لكن من حيث البيع والشراء حلال، ومن حيث أنه اختلاط مع نساء كاسيات عاريات دائماً حرام، دخل فيه الحلال والحرام في آن واحد، هذا موضوع شبهة، الإنسان يجب أن يضمن سلامة دينه.
 ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا.
 محل بسوق صناعي، ضجيج، وتلوث، وشحم، وروائح كريهة، مع سلامة في الدين أفضل ألف مرة من محل تجاري بأرقى شوارع دمشق، وكله تزيينات، وأناقة، وترتيبات، أما احتمال أن يقع الإنسان في شرك امرأة لعوب فكبير جداً، هذا معنى:

((.. فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))

[مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 إما أن تفهمها قلب النفس، أو قلب الجسد، القلب إذا كان ضخه جيداً إلى كل الجسم فالجسم كله بخير، فإذا وجد ضعف تروية صار هناك ضعف في الضخ، الإنسان يصاب بأمراض عديدة هذا المعنى المادي، والمعنى المعنوي قلب النفس إن صلح صلحت هذه النفس، قال تعالى:

﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

[سورة الحج : 46]

 فيا أيها الأخوة الكرام؛ تلخيص لهذا الحديث الأساسي المفصلي في الدين هو أنه لا بد من ترك هامش أمان بينك وبين المحرمات، الشبهات تقع في هذا الهامش، فمن فعل الشبهات كان من الممكن أن يقع في الحرام.