الترغيب والترهيب - الدرس : 115 - كتاب القضاء - الترهيب من الظلم ودعاء المظلوم وخذله والترغيب في نصرته .

1997-12-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الله عز وجل هو العدل وألزم نفسه بالعدل:

 عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال:

 

(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا ))

 

[ رواه مسلم عن أبي ذر].

 الله عز وجل هو العدل، وألزم نفسه بالعدل.

 

﴿ ’إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

 

( سورة هود )

 فلذلك الظلم يهتز له عرش الرحمن، والمظلوم دعوته ليس بينها وبين الله حجاب ولو كان كافراً، لأن العلماء قالوا: " إن نصرت المظلوم قد يكون كافراً لا بحسب حاله، ولكن بحسب أسماء الله الحسنى، هو العدل، فإذا دعاه مظلوم ولو كان كافراً استجاب له، دعوته تصل إلى الله من دون أي عقبة، المضطر والمظلوم، المضطر بحسب رحمته، والمظلوم بحسب عدله "، فالله عز وجل قال:

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

 

( سورة الزمر الآية: 53 )

شروط الدعاء:

 كما قال تعالى:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

 

( سورة البقرة )

 هذه الآية تبين شروط الدعاء المستجاب، يجب أن تؤمن بالله، ويجب أن تستجيب له مطيعاً، حتى ترشد إلى الدعاء المجاب، هذا الأصل في الدعاء، أما المضطر قال تعالى:

 

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾

 

( سورة النمل الآية: 62 )

 من دون شروط، لا يوجد أي شرط، لأن المضطر يسأل الله الرحمة وهو الرحيم، والمظلوم يسأل الله العدل وهو العدل، فبحسب عدله يستجيب للمظلوم ولو كان كافراً، وبحسب رحمته يستجيب للمضطر ولو كان كافراً.

 

الأحمق من يتجاهل وجود الله عز وجل ويظلم إنسانا:

 لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( الدُّعاءُ هو العبادة ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي عن النعمان بن بشير ]

 الإنسان أحياناً يُدمر بدعوة مظلوم، شركة قد تعلن إفلاسها بسبب ظلم أحد الموظفين، عمل عظيم قد يتلاشى وينتهي بدعوة مظلوم، فالإنسان أحياناً يستهين بدعوة المظلوم، يقول: ادعُ علي لست خائفاً، أما المؤمن ترتعد فرائصه إذا قال له أحدهم: شكوتك إلى الله، ترتعد فرائصه.

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

 

( سورة البروج )

 هناك أخت ساكنة عند أخيها، زوجة هذا الأخ تبالغ في إذلال أخته، لدرجة أنه مرة ركلها بقدمه أمام زوجته لتأتي له بكأس ماء، أخته كبيرة في السن، ذهب بسفر إلى حلب، صار له حادث سير فقطعت رجله التي ركل بها أخته من أعلى الفخذ.
الظلم ظلمات، الذي يظلم إنساناً، ويتجاهل وجود الله، أحمق وغبي، الله هو العدل، سيدنا رسول الله أرسل خادم بحاجة وغاب طويلاً، فغضب عليه الصلاة والسلام فلما عاد الخادم قال:

 

(( لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك ))

 

[أبو يعلى عن أم سلمة]

 كان معه سواك، ومع ذلك خاف قصاص الله عز وجل.

 

من ازداد إيمانه ازداد خزفه من الله عز وجل:

كلما ازداد إيمانك ازداد خوفك من الله، وكلما ازداد إيمانك ترى أن كل الخلق عباد الله، وأنه وليهم، وأنه خصمك أمامهم.
 الباعة أحياناً يتكلمون كلمات أحياناً لا يعرفون قيمتها، الله وكيلك لم نربح منك شيئاً، هل تعرف ما معنى الله وكيلك ؟ توكل الله وهو الذي لا تخفى عليهم خافية، هو العدل، هو الرحيم، هو العليم.
فالإنسان كلما ازداد إيمانه ازداد خوفه من الله.

 

 

(( دَخَلت امْرَأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ: ربطتها ))

 

[ أخرجه أبو يعلى عن أم سلمة]

 هرة، يمكن إنسان يدمر بهرة ؟ نعم.

 

(( في هِرَّةٍ: ربطتها، فلم تُطْعِمها، ولم تَدَعْها تأْكُل مِن خَشاشِ الأرض ))

 

الإسلام أخلاق واستقامة وإنصاف وأمانة:

 هذا الحديث أيها الأخوة الذي سأرويه لكم لا أرى حديثاً المسلمون في أشد الحاجة إليه كهذا الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ ؟ ـ مفلس لا يملك شيئاً ـ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع ـ لا يملك شيئاً ـ لا أموال منقولة، ولا غير منقولة، ولا سائلة، ولا جامدة، قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة ـ يصلي ـ وصيام ـ يصوم ـ وزكاة ـ يزكي ـ ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار ))

 

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 يصلي، ويصوم، ويزكي، إن أردت أن تقيس على ذلك ويحج، وكل سنة عمرة:

 

(( قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار ))

 لذلك الإسلام أخلاق، والإسلام استقامة، والإسلام إنصاف، والإسلام أمانة ، والإسلام صدق، والإسلام عفة، والإسلام رحمة، والإسلام ورع، هذا هو الإسلام، وأي فهم للإسلام على أنه شعائر تؤدى، وصلوات تقام، شهر رمضان يأتي نصوم، ونسهر حتى ساعة متأخرة من الليل، اختلاط، وتفلت، ومتابعة مسلسلات، و سهر للساعة الثالثة حتى نتسحر، وننام، والصبح نصليه بعد الشمس، هذا ليس صياماً، هذا فلكلور، هذا تراث، هذه عادات وتقاليد، أما الصيام عبادة له شأن آخر.

 

 

من صام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر:

 الذي يلفت النظر أنه لا يوجد شهر تستهلك فيه المواد الغذائية على الإطلاق كشهر رمضان، مع أن هذا الشهر أراده الله أن يكون شهر تخفيف للطعام والشراب، عملية عكس، كان الطعام من الصباح وحتى المساء، صار من المساء وحتى الصباح، عملية عكس، يقول لك: والله لا أستطيع أن أصلي التراويح..
النبي قال:

 

 

(( مَنْ قام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ وما تأخر ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]

 أخواننا التجار يعرفون الدَّين ما أصعبه، الدَّين صعب جداً، إذا عليك حساب ثلاثة ملايين مع إنسان، موقع سندات، ولا تملك قرشاً منهم، جاء لعندك وقال لك: هات الدفتر لأراه، الماضي كله أنساه، أولنا اليوم، هذه قليلة ؟ ثلاثة ملايين ينصرفون عنك، هات السندات لنمزقهم.
فالإنسان إذا صام رمضان إيماناً واحتساباً، وقام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، الله أعطاك فرصة، تلغي حساب الماضي كله، وتعفى من كل حساب سابق، تفتح مع الله صفحة جديدة.
لذلك: لماذا يقول الإنسان بالعيد الله أكبر ؟ فرحاً بهذا العطاء، أنه غفر لك الذنوب كلها، وعدت كيوم ولدتك أمك.
لذلك النبي اللهم صل عليه صعد المنبر فقال:

 

((آمين، آمين، آمين، فقيل: يا رسول الله، إنك حين صعد المنبر قلت: آمين، آمين، آمين ؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن جبريل عليه الصلاة والسلام أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له إن لم يغفر له فمتى ؟ ))

 

[أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة ]

 فنحن أمام فرصة، نفتح مع الله صفحة جديدة، أمام فرصة إن صمنا رمضان إيماناً واحتساباً، وقمنا رمضان إيماناً واحتساباً، غفر الله لنا ما تقدم من ذنوبنا وما تأخر.

 

الإنسان بالدعاء أقوى إنسان على وجه الأرض لأن الله معه وإليه مصير كل شيء:

 كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( ثلاثة تستجاب دعوتهم: الوالد والمسافر والمظلوم ))

 

[أخرجه الطبراني عن عقبة بن عامر الجهني]

 المسافر، والمسافر كان فيما مضى مظنة هلاك، أي أغلب الظن أن المسافر هالك، المسافر مظنة هلاك، فهو في رحمة الله، فالمسافر له دعاء مستجاب، والأب الذي ربى أولاده تربية عالية، وتعب من أجلهم، وأفنى شبابه من أجل سعادتهم، له دعوة مستجابة، وكذلك المظلوم، المظلوم له دعوة.
 و هناك مسلمون كثر لا يقدرون هذه العبادة، أنت بالدعاء أقوى إنسان على وجه الأرض، لأن الله معك، والله بيده كل شيء، وإليه مصير كل شيء، و بيده ملكوت كل شيء.

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

 

( سورة هود الآية: 123 )

هو الذي يعطي، هو الذي يمنع، هو الذي يرفع، هو الذي يخفض، هو الذي يمد، هو الذي يمنع، هو الذي يقبض، هو الذي يبسط، هو الذي يعز، هو الذي يذل، أنت بيده، فالإنسان يعتمد على الدعاء.
 مرة أحد العارفين بالله " إبراهيم بن الأدهم " ذهب إلى سوق البصرة، فقيل له: يا إبراهيم، ما لنا ندعوه فلا يستجيب لنا ؟ قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء، ذكر عشرة أسباب، منها: " أنكم آمنتم بالجنة ولم تعملوا لها، ادعيتم خوفكم من النار فلم تتقوها، قلتم: نحب رسول الله فلم تتبعوا سنته، دفنتم موتاكم فلم تتعظوا، ذكر لهم عشرة أسباب، فلهذا تدعوه فلا يستجيب لكم ".

قانون التولي والتخلي:

 و عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( إذا تخوف أحدكم السلطان فليقل: اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، كن لي جاراً من شر فلان بن فلان ' - يعني الذي يريد - ' وشر الجن والإنس وأتباعهم أن يفرط علي أحد منهم، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك ))

 

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

 من بعض الأدعية: يا رب كيف نضام في سلطانك ؟ وكيف نفتقر في غناك ؟ وكيف نذلُ غي عزك ؟ والجواب: لن تضام وأنت في سلطان الله، ولن تذل وأنت في عز الله، ولن تفتقر وأنت في غنى الله عز وجل ، المؤمن غني بالله، وعزيز بالله، وقوي بالله، وعالم بالله، وفي أية لحظة تدعي على شيء فأنت لست على شيء، أما في أية لحظة تفتقر إلى الله فأنت أقوى إنسان.
 لذلك يوم حنين ما اجتمع في الجزيرة العربية جماعة قوامهم عشرة آلاف كهذه الغزوة، كان الصحابة حينما فتحوا مكة، ورسول الله عليه الصلاة والسلام على رأسهم عشرة آلاف مقاتل، أقوى قوة ضاربة في الجزيرة، قالوا:

 

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾

( سورة التوبة )

 أما في بدر:

 

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 123 )

 هذا قانون، تفتقر يتولاك، تستغني عنه يستغني عنك، تفتقر يتولاك، تستغني عنه يتخلى عنك، فأنت بين التولية والتخلية، بافتقارك إليه يتولى أمرك، وباعتمادك على نفسك يكلك إلى نفسك، وهذا قانون مطبق، والمسلمون بأمس الحاجة إلى هذا القانون، افتقر إلى الله يتولاك الله، قل أنا على علم، أو على فهم، أو على خبرة، أو على مال، يتخلى الله عنك ويؤتى الحذر من مأمنه.