الدرس : 4 - سورة الحديد - تفسير الآيات 11-15

1996-04-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

 بسم الله الرحمن الرحيم

 أيُّها الإخوة الكرام، مع الدرس الرابع من سورة الحديد، ومع الآية الكريمة الحادية عشرة، وهي قوله تعالى:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

[سورة الحديد]

 آيتان تتحدثان عن التدبر:
 أيها الإخوة الكرام، قبل أن أبدأ بِشَرح هذه الآيات بِتَوفيق الله عز وجل، أُحِبُّ أن أقف معكم عند آيتين من كتاب الله تعالى، و هاتان الآيتان تتحدّثان عن تدبّر القرآن الكريم ؛ والآية الأولى هي قوله تعالى:

 

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24) ﴾

 

[سورة محمد]

 والآية الثانية:

 

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82) ﴾

 

[سورة النساء]

 فالله سبحانه وتعالى يدعونا في قوله (أفلا) إلى تدبّر القرآن، فمن غير المعقول أن يقف الإنسان من كتاب الله تعالى موقفًا سلبياً (موقف اللامُبالاة)، أو أن يقرأ القرآن من دون تدبّر ولا وعي ؛ من غير أن يصل إلى أبعاد الآيات ومدلولاتها، وما تنطوي عليه من أوامر، ونواهٍ وحِكَم، ثم يتوهَّم بعد ذلك أنَّه تبارك بهذه القراءة، فهذا لا يليق بالإنسان.
 أيها الإخوة: ما مِن نصّ على وجه الأرض أجْدر أن يُقرأه بالعناية والفهم من القرآن الكريم ؛ لماذا ؟ لأنَّه كلام الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه كَفضل الله على خلقه، فأنت مأمور من خلال هاتين الآيتين أن تقرأ القرآن متدبِّراً.
التدبّر: مصدر من تدبَّر، وهو مزيد، مجرَّده: (دَبَر)، فيجب عليك أن تقرأ الآية ثمّ تفكِّر فيما وراءها من أمْر ونهي و وَعْد ووعيد، والإنسان أحياناً قد يقرأ مادّة من قانون صدر حديثًا، فيقول: إن أنا بلَّغتُ عن حجمي المالي ترتبت عليّ ضريبة، وإن ما بلَّغت كان عليّ سِجن ! وتراه لا ينام الليل إلى أن يتم قراءة هذه المادّة وفهمها، وهذه المادة ما هي إلا قانون بشري، فكيف بكلام خالق الكون الذي يقول:

 

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾

 

[سورة محمد]

 مانعا التدبر:
 الآية الأولى تقول:

﴿ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) ﴾

 والآية الثانية تقول:

﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً (82)﴾

 فكأنّ هناك مانِعين يَمْنَعانِكَ من تدبّر النصّ الذي أمامك، المانع الأوَّل هو أنت، والمانع الثاني هو النَّص، فلو كان هذا النص من صُنع إنسان ومن صِياغَتِهِ لما انشدّ الإنسان إليه ولا وجد رغبةً جامحة في فهمه وفهم مدلولاته،لأنّ كلام البشر فيه الخطأ وفيه الصَّواب، وفيه البعد عن الله تعالى أحياناً، فما هو إلا معالجة سريعة للأمور، كما قد يكون فيه عدم توازن، و قد تجد فيه بعض الأفكار من دون دليل لأنه كلام البشر، ولكن إذا كان الكلام كلام الله فلن تجد فيه تناقضًا ولا اختلافًا، ولا ضَعفًا، ولا معالجةً سريعةً ؛ إنَّه كلام خالق الكون، قال تعالى:

 

﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)﴾

 

[سورة النساء]

 أيها الإخوة، أقول لكم وأعني ما أقول: إنه ما مِن كتاب على وجه الأرض يُؤلَّف، ويُطرحُ في الأسواق، إلا و يُكتشف بعد حين أنّ فيه نقصاً أو خللاً أو بُعداً عن الواقع أو تناقضاً مع حقيقة عِلْمِيَّة،فالزَّمن وحدهُ يكفي لِكَشْف خلل كلّ كتاب، ما خلا القرآن الكريم، فقد مضى على نزوله خمسة عشر قرنًا، وقد انتقلَ العلم خلال هذه الحِقَب إلى قفزاتٍ مذْهلة، ومع ذلك لا نجد حتَّى الآن في كتاب الله شيئًا يتناقض مع العلم، بل إننا لا نجد العلم الصحيح إلا إذا تطابق مع القرآن الكريم.
 أيها الإخوة الكرام، الآية الثانية، وهي قوله تعالى:

 

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَـى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾

 

[سورة محمد]

 فهذا مانعٌ آخر، وهو أنت، فما هو القِفل ؟ و القفل هو حُبّ الدنيا ! وحبُّ الدنيا يُعمي ويُصِمّ، وهو رأس كلّ خطيئة، و الإنسان الذي لا يفهم القرآن، إما منغمس في الدنيا، أو أنَّه يقرأ نصّاً ليس بقرآن.
 فيا أيها الإخوة.. هاتان الآيتان في كتاب الله تحضَّان الإنسان على تدبّر القرآن الكريم ومعنى التدبّر أن تتدبَّر فيما وراء هذه الآية، فالله عز وجل قال:

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

 

[سورة النور]

 فلو أنَّني خالفت هذه الآية مثلاً فلن أسْعدَ في زواجي، ولن أتفرَّغ لِدِراستي، ولن أرقى عند ربِّي، كذلك لمَّا قال الله عز وجل:

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276) ﴾

 

[سورة البقرة]

 إن خالق الكون هنا يقول لك:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾

 و معنى ذلك: أنه مهما بدا لك المُرابي ذَكِيًّا فهو أحمقٌ غَبِيّ، لأنّ خالق الكون يتوعَّدُهُ بالدَّمار !
 و التَّدبُّر هو أن تكتشف ما وراء هذه الآية من أمر، ونهي، ووعد ووعيد، وسعادة وشقاء، فكلام الإنسان قد تجده أحياناً يستحق أن تُفكِّر فيه، وأن تقف موقفًا منه، فكيف بِكلام خالق البشر ؟!
 أيها الإخوة الكرام.. إذا توهَّمَ الإنسان أنَّه إذا قرأ القرآن كُفِيَ ؛ سواء كانت هذه القراءة بفهم ووعي أو من دون ذلك، يكون بتوهمه هذا مُناقضاً للآيتين الكريمتين السابقتين. قال تعالى:

 

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24) ﴾

 

[سورة محمد]

 أي إن لم تتدبَّر كان قلبك مُغلقاًٌ بِحُبّ الدنيا،فكأن النَّص في نظرك ليس من عند الله تعالى، لأنَّه لو كان من عند الله لما وجدْت فيه اختلافًا ولا انحِرافًا، ولا تناقضًا ولا ضَعفًا، ولا خللاً، فالمسلم الصادق يُسارِعُ إلى تطبيق كلام الله عز وجل فيتدبَّر، لقد ورد أن الإمام الغزالي خاطَبَ نفسَهُ قائلاً: " يا نفسُ، لو أنَّ طبيبًا منعَكِ مِن أكلةٍ تُحِبِّينها، فلا شكَّ أنَّك تمْتنِعين، يا نفْسُ أَيَكُون الطبيب أصْدق عندك من الله ؟!" ؛ إنك قد تسكن شقَّة في الطابق الرابع فتمضي سنوات عديدة في تزيينها، فإذا بالطبيب يقول لك: عليك أن تسكنَ بناءً أرضِيًّا لأنَّ مُصاب بمرض القلب !! فيتغيَّر كلّ شيء بين عشيَّة وضُحاها! وهذا من أجل قلب فقط، وكذا الأمر إذا قال لك الطبيب: دَعْ هذا العمل، أو تخلَّ عن هذا السفر، فإنك تسارع إلى تركه، يقول الإمام: " إذًا ما أكْفركِ ! "، وما أشدّ كفر الإنسان عندما يُطيعُ إنساناً خوفاً منه ويعصي الإله، أو عندما يثق بِنَصيحة إنسان فيستجيب لها، ولا يثق بِنَصيحة الله عز وجل، فما أشدّ كفرهُ عندئذ، ثمّ يقول هذا الإمام: " أيَّتها النَّفس، أيكون وعيدُ الطبيب أشدّ عندك من وعيد الله، إذًا فما أجْهلَكِ ! "، صدِّقوني أيُّها الإخوة أنَّه ما من إنسانٍ يعصي الله عز وجل إلا وهو مَدْموغٌ بالكفر أو الجَهل،ولا يُسمَّى الإنسان عاقلاً إلا إذا عرف الله تعالى، فقد يتفوّق في اختِصاصه، وفي حرفتِهِ، وفي دراسته، وفي مهنتهِ، وهذا ذكاءٌ فقط، ولكنّ العَقل شيءٌ آخر، لأنَّ العقل أن تعرف الذي خلقَك، وأن تَدرُس المنهَج الذي وُضِعَ لك، وأن تبْحث عن أسئلةٍ كبيرة مثل: من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟
 أيها الإخوة الكرام، إن تدبّر كتاب الله عز وجل فرْض عَيْنٍ على كلّ مسلم،قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾

[سورة سبأ]

 فهل تحترمون إنسانًا جاءتْهُ رسالةً فمزَّقها قبل أن يقرأها ؟ و القرآن وَحيُ السماء إلى الأرض أفلا ينبغي أن نسْتوعِبَ ما فيه، وأن نقف عند حُدوده، وعند حلاله و حرامه لأنَّه كلام خالق الكون ؟.
 إقراض الله !!
 ننتقل إلى الآية الحادية عشرة من سورة الحديد، وهي قوله تعالى:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 إن مركز الثِّقل في هذا الآية هو كلمة: (يُقرِضُ)، فما هو الشيء الذي تثق في رجوعه إليك ؟ إنه القرض، فهناك هِبة، وهناك هدِيَّة، وهناك غِبن، و هناك أشياء كثيرة ولكنَّ شيئاً واحِداً عَوْدتُهُ إليك مُؤكَّدة، وهو القرض، و ربُّنا سبحانه وتعالى يدْعونا هنا إلى أن نُقْرِضَهُ، أيْ: إنَّ الله سبحانه وتعالى قد خلقنا لِنَعملَ صالحاً، ليُكافئنا عليه في جنّة عرضها السماوات والأرض، وإن أيّ عمل صالح مادِياًّ كان أم معنوياً، صغيراً أو كبيراً، فعلياً أو قولياً، كإنفاق مال أو تعليم، أو أمر بِمَعروف و نهي عن المنكر، أو مُعاونة لأحد أو صدقة، أو إتقان أو توجيه أو نصيحة لأيِّ مخلوق، إنساناً كان أم حيواناً أم نباتاً، مسلماً أو كافراً، قريباً أو بعيداً، و سواء كان العمل جليلاً أم صغيراً، فهو يسمى عند الله تعالى (قرض حسَن )، فتصوَّر أنَّ ملكاً كان بِيَدِهِ أمر البلد كلّه، ثم قال لإنسان: أقرِضْني مائة ليرة ! فهل هو بِحاجة إلى مائة الليرة هذه ؟ أم أنَّه يريد أن يُكافئَك بِما هو أكثر.
 أيها الإخوة الكرام، لو تدبَّرنا هذه الآية وحدها، لَنِدْمنا أشدّ ندمٍ على كلّ ساعة مرَّت دون عمل صالح، لأنَّ كلّ عمل مهما كان صغيرًا مُسَجَّل عند الله، قال تعالى:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

 

[ سورة الزلزلة ]

 فمهما بدا لك العمل قليلاً فهو عند الله كثير، فلو أنَّك أكرمْتَ شيخًا لأكرمك الله على فعلك هذا، يقال: " ما أكرم أحد شيخًا لِكِبر سِنِّه إلا سخَّر الله له من يخدُمُه عند كبرِه ! " ولو كنتَ ولدًا بارًّا لكافأك الله في الدنيا والآخرة بأولادٍ أبرار، ولو أطعمت الفقير لصانَ الله وجْهك عن أن تسأل أحدًا مِن خلقِه، فاللهمّ صُن وجوهنا باليَسار ولا تبْذِلها بالإقتار.
 أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾

 

[سورة الحديد]

 فأيّ إنسانٍ طرَقَ باب المؤمن أو دخل مَحَلِّه، وسألهُ حاجةً وهو صادق، وكان المؤمن قادِراً على أن يعْطِيَهُ فأعطاه، كان عمله هذا قرْضاً لله تعالى على وجه اليقين، فإذا بَخِل الإنسان كان هذا مُنتهى الحُمق والغباء، لأن معنى فعله هو: أنّ الله يسألَه قرضًا حسنًا فيبْخَل، قال تعالى:

 

﴿ و مَـنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ(38)﴾

 

(سورة محمد)

 وقد فَهِم اليهود هذه الآية فهْماً معكوساً، فقالوا: إذا كان الله يقترض من عباده فهو فقير إذًا ! قال تعالى:

 

﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(181) ﴾

 

[سورة آل عمران]

 فهو تعالى ما طلب القرض إلا لِيُكافِئنا به.
 وكل أعمال الخير قرض لله، فلو سألك إنسان عن الطريق مثلاً فوقفْتَ وأجبْتهُ بِهُدوء وِوُضوح وصراحة، ووضَّحتَ له الطريق وذَهَبتُ معه كان فعلك هذا قرضاً لله تعالى، وإن سَقَيْتَ هِرَّة عطشى أو أطْعمت كلباً جائعاً كان هذا قرضاًٌ لله تعالى أيضاً، كذلك إن أقرضت إنساناً قرضَ مالٍ...إلخ، فحينما تفْهم أنَّ القرض هو لله تعالى تُبادِر إلى إقراض الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 أي: يا عبادي من منكم يُقرض في سبيلي حتَّى أكافئه ؟ والله هو الغنيّ ونحن الفقراء.
 أيها الإخوة الكرام.. ما مِنَّا واحد إلا وهو مفتقر إلى الله تعالى، فالله سبحانه وتعالى مثلاً أسبغ على الإنسان صِحَّة، فماذا يفعَل هذا الإنسان لو تعطَّلت كليته ؟ أو ضاقَت دسّامات قلبه ؟ أو تعطَّلت وظائف كبده ؟ أو ازْدادت حساسيَّة أعصابه ؟ أو لم تسْتَجِب عضلاته للأوامر الحِسِيَّة وأُصيبَتْ بالشَّلل ؟ لو حدث ذلك لضاقت به الحياة، ولأصبحت حياته جحيماً! ألا ترضى أنَّ يكافئك الله سبحانه وتعالى بِحَياةٍ طيِّبَة في الدنيا قبل الآخرة؟ قال الله عز وجل:

 

﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ(40) ﴾

 

[سورة غافر]

 و الحياة الطيِّبة فيها رِضىً وصِحَّة وسمعة طيِّبة و غِنَى.
 أيها الإخوة الأكارم: استقيموا على أمر الله، فكلّ الخير في طاعة الله تعالى، وكلّ الغِنَى النَّفسي في طاعة الله، قال تعالى:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 وقوله: ( يُضاعفه له): مطلق، والمُطلق يبقى على إطلاقه ؛ فقد يضاعفه له أضعافًا كثيرة، وإن أقلّ عطاء من مُلوك الأرض هو بيت أو مركبة ! فكيف بِمَلِكِ الملوك ؟! ما هو حجم عطائه إذا أقرضه عبده ؟؟ وهو الذي قال لك: يا عبدي أقرضني ! يقول الله تعالى في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي ! قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي! قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي ! قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ))

 

[ رواه مسلم ]

 فما من إنسان يلتقي بالمؤمن الصادق إلا يراهُ هديَّة من الله، فهو يُرْشِدُهُ ويُعطيه ويُعاوِنُهُ وينفِقُ عليه، لعلَّ الله يرضى عنه بذلك، فأساس حياة المؤمن العطاء، وهو ذَكِيّ جداً، وعاقلٌ جدًّا ؛ لأنهّ يبتغي بهذا العطاء وجه الله، أما الجاهل فأساس حياته الأخذ، فلا يتحرَّك حركةً، ولا يتكلَّم كلمةً إلا وهو ينتظر العطاء من وراءها، وهذا هو نصيبُهُ من الله تعالى! أما المؤمن فيبتغي بعطائه وجه الله، فهذا سيّدنا عثمان بن عفان كان له سِتّمائة بعير مُثقلة بالبضائع الرائِجة _ وهي اليوم تعادل سِتُّمائة شاحنة _ فجاءه التُّجار وأخذوا يضاعفون له ثمنها، إلى أن وصلوا إلى ثمانيَة أضعاف الثمن، وهو يقول: دُفِعَ لي أكثر ؛ هِيَ لِوَجه الله عز وجل !! ووزَّعها على فقراء المدينة، فكلَّما زادت معرفة الإنسان بالله كان عطاؤُه أكبر، فهو يُعطي وقتَهُ وماله وخِبرَتَهُ قال تعالى:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 شروط القرض الحسن:
 ما معنى (حسنًا) ؟ إن أوْسَعُ معاني القرْض - كما قلتُ قبل قليل - العمل الصالح المادِّي والمعنوي، من إرشاد، ودعوة، وتعليم، وإنفاق مال، ورِعاية يتيم أو أرملة،أو دلالة إنسان على طريقه، فأيّ عملٍ صالحٍ على الإطلاق هو قرض لله عز وجل، فما هو القرض الحسن إذًا ؟ القرض الحسن ما كان موافقاً لشروط ثلاثة، وهي:
 1- أن يكون العمل مُتْقنًا.
 2- وأن يكون الذي تفْعلُهُ معهُ مُسْتحِقًّا له.
 3- وأن تكون بِهذا العمل مخْلِصاً.
 فهناك شَيءٌ مُتَعَلِّق بالعمل، وشيءٌ متعلِّق بِمن يستحقّ العمل وشيء متعلّق بك، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا نُـطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9)﴾

[سورة الإنسان]

 و قال:

 

﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى(19) ﴾

 

[سورة الليل]

 فالشرط الأوّل: الإخلاص، والشرط الثاني: الإتقان ؛ أي: أن تعْطِي شيئًا ثمينًا تُحِبُّه، فلا تقدّم شيئًا تعافُهُ نفْسُك وتكرهُهُ، لأنّك تُقدِّم هذا العمل هَدِيَّة لله تعالى، فكلَّما كان العمل الصالحُ مُتْقنًا أو طيِّباً أو كثيراً أو محبوباًً ارتقى أجرهُ عند الله، فلا تصدَّق مِمَّا تكره بل أعْطِ شيئاً ثميناً، وهذا العطاء الثمين دليل إخلاصك لله تعالى، كما يجب عليك أن تِبْحَث عن من يسْتحقّ هذا العطاء، وابْدأ بالمؤمنين الأعفَّة الصادقين، قال تعالى:

 

﴿ لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(273) ﴾

 

[سورة البقرة]

 ابْدأ بالصائِم المصلِّي، فهذا ينبغي أن ينال من عطْفكَ و إحْسانِكَ الشيء الكثير، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 وأحيانًا تكون هناك مساعدات فيما لا يُرضي الله عز وجل، و هذا ليس قرضاً حسناً، فلا بدّ أن يكون القرض الحسن مشروعاً في الأصل خارجاً من إنسان مخلص، وأن يكون الشيء المُتَصدّق به مُحَبَّباً ومُتْقناً، كما يجب أن يكون الذي تُعطيه إيَّاه مسْتحقاًّ، فلا يُعطى لِمَن يعصي الإله، لأن القرض يجب أن يُعين على طاعة الله تعالى، قال تعالى:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 فالجنَّة أجر كريم من كلّ شائبة.
 نور المؤمنين يوم القيامة:
 ثم يقول الله تعالى واصفاً المؤمنين يوم القيامة:

 

﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾

 

[سورة الحديد]

 إن الأوراق الآن مختلطة ! فالناس جميعًا يأكلون ويشْربون، ويتنزَّهون ويكسبون المال وينفقونه، ويتزوّجون ويُنْجِبون، ويُزوِّجون أولادهم، أما يوم القيامة فيُفْرز فيه الناس، قال تعالى:

 

﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ(59) ﴾

 

[سورة يس]

 في يوم القيامة يكون المؤمنون في مكان، والمجرمون في مكان، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، هؤلاء في أعلى عِليِّين، وهؤلاء في أسفل السافلين، هؤلاء تلفح وجوههم النار، وهؤلاء وجوههم ناضرة إلى ربها ناظرة ! فهناك فرْقٌ كبير، فلا يستوي هؤلاء أبداً.
 النساء شقائق الرجال:
 قال تعالى:

 

﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾

 

[سورة الحديد]

 لو ذكر الله تعالى المؤمنين فقط لفُهِمَ معها والمؤمنات ! ولكنَّ الله تعالى أراد أن يذكر المؤمنين والمؤمنات لِيُبيِّن أنَّ المرأة كالرَّجل تماماً من حيث التكليفُ و التشريف والمسؤوليَّة، فهي ترقى كما يرقى الرجل، وتؤمن كما يؤمن، وتحبّ الله كما يحبّ، ويتفضَّل الله عليها كما يتفضَّل الله على الرجل، ولها عند الله مقام عليّ كما للرجل، و كلَّما اقْترب الإنسان من كتاب الله شعر أنَّ المرأة صِنوُ الرَّجل، فالنِّساء شقائق الرِّجال، تؤمن وترقى بإيمانها، لذا كان عليه الصلاة والسلام إذا قَدِمت عليه فاطمة وقفَ لها ! والمرأة يمكن أن تصل إلى أعلى الدرجات و أقصى الغايات إذا عرفَتْ ربَّها وأطاعته، لذا الله تعالى قال:

 

﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾

 

[سورة الحديد]

 قال تعالى:

 

﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ(193)رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ(194)فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾

 

[سورة آل عمران]

 فالمساواة الحقيقية بين المرأة والرَّجل إنما هي في التكليف والتَّشريف والمسؤوليّة، ولكنَّها ليْسَت كالرجل في بنْيَتِها الفيزيولوجيَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيّة، و إن كلّ خصائصها كمالٌ فيها، وكلّ خصائص الرجل كمال فيه، وهما متكاملان، فقد جعل الله كلّ منهما سكَناً للآخر، وهذه حِكمة الله، أما إذا غيَّرنا خلْق الله عز وجل، ودفعنا المرأة إلى التَّشبّه بالرِّجال فإننا نكون بذلك قد شوَّهنا أُنوثَتَها، وهذا بحث آخر.
 أيها الإخوة... قال تعالى:

 

﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾

 

[سورة الحديد]

 هذا النور هو نور الطاعة و الهِداية، والإنسان أحيانًا قد يكون له عمل طيِّب فيشفع له، فلو كان لإنسان مثلاً ولد أثيرٌ عنده يُحِبُّه حُبًّا جمًّا، فوَقَعَ هذا الولد الصغير في نهْرٍ، وأشْرف على الغرق، فرأى موظَّف عند والد هذا الطِّفل ابن سيّده في النَّهر قد أشرف على الغرق، فألقى بِنَفْسِهِ وأنْقذَهُ، فعملُه الطيب هذا يمكّنه من اقتحام الباب على سيده في أي وقت شاء، ولو كان لهذا الأب حُجَّاب وموظَّفون، فإذا أتى يقول فقط: قلْ له إن فلاناً بالباب، فيدخل، فما الذي جَعَلَهُ يدخُل من دون استِئذان ؟ إنه عملهُ الطَّيِّب، و هذا العمل هو الذي رَفَعَهُ عند سيّده، وكذا حال الإنسان في الدنيا مع الله، فإيمانه بالله واستِقامته على أمرهِ وعمله الصالح، يكون نوراً أمامه يهْديه السَّبيل، وكلّ إنسان تقرَّب إلى الله بِعَملٍ صالح كان هذا العمل نوراً يسوقهُ إلى الله تعالى، فلو كنت تمشي في ظلمات بعضها فوق بعض، وكان أمامك ضوء يتحرَّك، وكنت وراء هذا النور لاستطعت أن تمشي لأن الطريق واضح ؛ فأنت تستضيء بهذا النور، وكذا يكون الإيمان بالله والاستقامة نوراً للمؤمن يوم القيامة يسوقهُ إلى الجنَّة، وقد يقول لك الإنسان أحيانًا: أنا ناجح، أنا معي استثناء ! أو معي بطاقة ! أو معي جواز سفر ديبلوماسي فمكانتهُ في بلدِهِ جَعَلَتْ له تسهيلاً حينما يُسافر، كما أن عمل المؤمنين يكون له نوراً يوم القيامة، قال تعالى:

 

﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾

 

[سورة الحديد]

 (أيْمانهم): هي أعمالهم الصالحة، قال تعالى:

 

 

﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

 

 

[سورة الحديد]

 هذا هو الفوز الحقيقي، فليس الفوز أن يكثُر مالُكَ في الدنيا، ثم تُغادرها ولا تأخذ منها شيئًا، قال تعالى:

 

﴿ كم تركوا من جنَّاتٍ وعُيون (25) و زروعٍ ومقام كريم(26) ﴾

 

[سورة الدخان]

 ثم قال:

 

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ(29) ﴾

 

[سورة الدخان]

 فالقضِيَّة هي أن تؤمن بالله و تعمل صالحاً في هذه الدنيا، فلعلّ هذا الإيمان وذاك العمل يكون نورًا لك في جنَّة عرضها السماوات والأرض، وذلك هو الفوز العظيم، فالدنيا الآن فيها الكثير المعاصي، ففيها الفنادق والحفلات المختلطة، كما فيها المساجد، وهي بيوت الله، فهناك باطل ودجل، وهناك حق، ففي الدنيا يوجد كلّ شيء، والمؤمن يختار رِضوان الله عز وجل وطاعته عمَّا سِواه.
 حوار بين المؤمنين والمنافقين:
 والآن ندخل في موضوع دقيق جدّاً، قال تعالى:

 

﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾

 

[سورة الحديد]

 لو أن طالباً يدرس ليلاً نهاراً طيلة السَّنة الدراسية، فإنه سيَكتُب في الامتِحان بِطلاقة عجيبة، وبِراحةٍ نفْسيَّة مُدْهِشَة، وبِتَفاؤُلٍ شديد، وربما كان إلى جانبِهِ طالبٌ أمضى عامهُ الدِّراسي بالكسَل والتَّواني والانحرافات، فقال له: اِعْطني ورقتَك لأُجيب، فهذا لا يجوز لأنَّها خِيانة، و الله تعالى قال عن المنافقين والمنافقات في قوله تعالى:

 

﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾

 

[سورة الحديد]

 هذا النور اكْتسبْناهُ في الدنيا، حين آمنَّا بالله تعالى و أطَعناه، وطلبنا العِلم، وتقرَّبنا إلى الله، وكنَّا مع المؤمنين لا مع الكافرين، وكنَّا مع الحق لا مع الباطل، وآثرنا ما يبقى على ما يفنى، وتركنا مباهج الدنيا، لقد أحدهم لِطَبيب: أنا أطلب منك فقط أن تعلمني كيف أكتُب الوصْفة الطِّبيَّة ؟ فقال له الطبيب: هذه محصِّلة دراسة ثلاث وثلاثين سنة ! فَمِن السَّذاجة أن يطلب إنسانٌ غارق في النعيم والشَّهوات والمباهج المنحطَّة من مؤمن أمْضى حياته كلَّها في معرفة الله وطلب العلم، أن يعطيه مِمَّا أعطاه الله تعالى، قال تعالى:

﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ﴾

[سورة الحديد]

 قال تعالى:

 

﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ﴾

 

[سورة الحديد]

 باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره من قِبَلِه الذي يلي الكافرين والمنافقين العذاب، فالله عز وجل أدخل المؤمنين الجنَّة، وأدخل الكافرين والمنافقين النار، وبين الجنَّة والنار سور، جانبه الذي يلي الكفار فيه العذاب والحرّ، وجانبه الذي يلي المؤمن فيه " عين جارية "، وفيه كما قال تعالى:

 

﴿ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ(15) ﴾

 

[سورة الغاشية]

 الآن جرى نٍقاش دقيق جداً، قال تعالى:

 

﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾

 

[سورة الحديد]

 يقولون لهم: ألم نك نسكن بِبلدٍ واحِدٍ، وبِنايةٍ واحدة ؟ كما كُنَّا معكم في المسجد، نعم لقد كانوا معهم، لكنهم لم يكن لديهم استقامة، فهناك أناس في المسجد يتمتَّعون بِسَماع دروس العلم ويفتخرون بها ! فهذه المعيّة الجِسميَّة لا قيمة لها، و العبرة بالمعية القلبية، وهي أن تكون على منهج الله، و أن يراك الله حيث أمرك، و يفتقدك حيث نهاك.
 صفات المنافقين:
 قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

 

[سورة الحديد]

 لقد كنا في بلدة واحدة و حيٍّ واحد و بناء واحد و وظيفة واحدة و سلك واحد، و لكنَّ المؤمن في وادٍ، والمنافق في وادٍ، فالمؤمن كان يتحرىَّ الحلال و ذاك كان يأكل الحرام، والمؤمن كان يعِفُّ عن محارم الله، و ذاك كان واقعاً فيها، المؤمن يرجو رحمة الله و ذاك يرجو عطاء أهل الدنيا، و المؤمن راضٍ بما قسمه الله له و المنافق ساخطٌ لما أعطاه الله، فالشكل واحد، و المكان واحد و الثياب واحدة،حتى الطقوس واحدة، لكن البَوْنُ شاسع، فهناك الإنسان عنده مسبَح مختلط، أقام فيه مولداً و دعا الناسَ و المنشدين و بعض العلماء فألقوا فيه كلمات ولكن.... قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

 

[سورة الحديد]

 هذا صحيح و لكن عملكم الذي تعملونه، ورزقكم الذي ترتزقون منه حرام، قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[سورة الحديد]

 قال تعالى:

 

﴿ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾

 

[سورة الحديد]

 أي: إنكم أحببتم الدنيا و الشهوات المحرمة و المال الحرام، وأحببتم أهل الدنيا و العصاة و الكافرين،و أحببتم زينة الدنيا، وأعرضتم عمّا عند الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27) ﴾

 

[سورة الإنسان]

 قال تعالى:

 

﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾

 

[سورة الحديد]

 أي: تربصتم بالمؤمنين وانتظرتم أن تحلَّ بهم المحنُ و كانت كل تمنَّياتكم أن تدور عليهم الدوائر، و توقعتم أن ينهاروا، قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[سورة الحديد]

 أي: لقد كنتم معنا بأجسادكم في مكان واحد، ولم تكونوا معنا بأرواحكم، لقد كنتم في واد وكنا في واد آخر، كنتم معنا في المصالح لا في المتاعب، و ذلك لم يكلِّفْكم شيئًا، أما حينما تصادمت مصالحكم مع أحكام الدِّين تركم الدِّين، ومعظم الناس الآن إذا أيقن بِحاسَّته السادسة أنّ قضيَّته تنْحلّ عند المشايِخ يقول لك: أنا أريد الشَّرع ! وأنا خاضِع للشرع ! أما إذا كانت قضيَّتهُ تنْحلّ بالمحاكم يقول لك: أنا مع القانون، فمع الشرع يريد الشرع، ومع القانون يريد القانون، قال تعالى:

 

﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ ﴾

 

[سورة الحديد]

 فالمنافق يكره المؤمن ويتمنَّى دماره، قال تعالى:

 

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ(50) ﴾

 

[سورة التوبة]

 (تربصتم): توقعتم دمار المؤمنين، و (ارتبْتُم) ؛ أي: لم تعبؤوا بِوَعد الله ووعيده، فقد فتنتم أنفسكم بِحُبِّ الدنيا، وتربَّصتم بالمؤمنين أن يُصابوا وأن يفْقِدوا مكانتهم، وارْتَبتم في وعد الله ووعيده، قال تعالى:

 

﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ ﴾

 

[سورة الحديد]

 فما من إنسانٍ بعيد عن الحق إلا والدنيا معْقِدُ آماله، لقد حدَّثني شخص عن خِطَّته التي تحتاج عشرين سنة ! وفي اليوم نفسه توفَّاه الله !! فأخطر شيء في الحياة طول الأمل، فقد تكون أكفان المرء قد نُسَجت وهو لا يدري، والشيطان يَعِدُ الناس ويمَنّيهم، ويُلقي بينهم العداوة والبغضاء، ويُخوِّفهم، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175) ﴾

 

[سورة آل عمران]

 فهو يَعِدُك الفقر إذا أنْفقْتَ مالك، والدَّمار إن حضَرْتَ مجالس العِلم ! فالله موجود يا عبد الله، وهو الذي يَحميك، قال تعالى:

﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

[سورة الحديد]

 فهذا النِّقاش يجري بين المنافقين والمؤمنين.
 أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145) ﴾

 

[سورة النساء]

 لأنَّهم عرفوا وانْحرفوا، وسَمِعوا وعَصَوا، وأدْركوا فما استفادوا، واشْتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً، وأرادوا مصالحهم من خِلال تَدَيّنهم الظاهر، فهؤلاء هم المنافقون، قال تعالى:

 

﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

 

[سورة الحديد]

 عَودٌ على بدْء...
 مرَّة أخرى أيها الإخوة أقول:
 إن تدبُّر القرآن فرضُ عَين على كل المسلمين، وما من كتاب أجْدر أن تعقل معانيه، وتعرف مدلولاته كالقرآن الكريم، فهو منهجنا، وحبل الله المتين.
 أيها الإخوة الكرام، في الدرس القادم نبدأ بقوله تعالى:

 

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

 

[سورة الحديد]