الدرس : 3 - سورة الحديد - تفسير الآيات 7-10

1996-03-29

 الإنفاق برهان الإيمان

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

 بسم الله الرحمن الرحيم

 أيُّها الإخوة الكرام، مع الدرس الثالث من سورة الحديد، ومع الآية السابعة، وهي قوله تعالى:

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

[سورة الحديد]

 الإيمان درجات:
 الخِطاب هنا مُوجَّه إلى الذين آمنوا، والواو واوُ الجماعة , وهي تعود على الذين آمنوا، والإيمان درجات، و الوصول إلى بعض درجاته لا يكفي، فلا يمكنك أن تقطف ثمار الإيمان إلا إذا حملك على طاعة الله تعالى، فإن لم يَحْمِلك على طاعة الله كان إيمانك غير كافٍ، وهذا النوع من الإيمان لا يُنَجِّي صاحبه، وأوْضحُ مثلٍ على ذلك، أنّ إبليس قال:

 

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) ﴾

 

[سورة ص]

 فإبليس آمن بالله تعالى ربًّاً ولم ينجّه إيمانه، فليس كلّ إيمانٍ يُنَجِّي صاحبه، قال تعالى:

 

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ(38) ﴾

 

[سورة الزمر]

 لذلك لم يحفل القرآن الكريم كثيرًا بإيمانك بِوُجود الله تعالى وبأنه خالق السماوات والأرض، ولكنَّه ألحَّ كثيرًا على إيمانك بوَحدانيَّته، فلو سألت كلّ الناس في الأرض حتى عُبَّاد الأصنام منهم - باستثناء قلّة قليلة ركِبَتْ رأسها - لقالوا: الله الذي خلق السماوات والأرض، ولكنّ الإيمان الذي ألحَّ عليه القرآن هو أن تؤمن بأن الله إلهٌ واحد، وأنَّ الأمر كلَّه راجِعٌ إليه، وأنَّ مقاليد السماوات والأرض بيدِهِ، وأنَّه في السماء إله وفي الأرض إله، وأنَّه يحكم لا معقِّب لِحُكمه، وأن له الخلق والأمر، فالإيمان المطلوب هو أن تؤمن بوَحدانيَّتِه، وأن تؤمن بأنَّه إله بيَدِهِ كلّ شيء، ففي اللَّحظة التي تؤمن فيها بِوَحْدانيَّتِهِ يجعلك هذا الإيمان تستقيم على أمره،‍ فتصبح كلّ شؤونك متعلِّقة به، فإذا عرفْت هذه الحقيقة أقْبلت عليه ورَجَوتَ منه الخير وأخلصْت له وحده، وأفْردته بالعبوديَّة والإنابة، فالطالبٌ الذي تعلَّم القراءة والكتابة ؛ يمكننا أن نقول له: ادرس ‍، ولكن هذه الدراسة تكون حسب مستواه العلمي الذي وصل إليه ( ابتدائي، إعدادي، ثانوي، جامعي )، فليس كل من تعلَّم القراءة والكتابة ملماً بكل شيء، و الإيمان أيضاً له درجات، وفيه درجات عالية جدًّا، قال تعالى:

 

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 وفي آية أخرى، قال تعالى:

 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(136) ﴾

 

[سورة النساء]

 فهناك من يقْنع بِمُستوى إيماني بسيط لا يُقدِّم ولا يؤخِّر، ولا يحْملهُ على طاعة الله، وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا المعنى، فعن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أنه قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

﴿ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

 

[ رواه البخاري ]

 قاعدة: إذا كان هناك معْصِيَة، فمعنى ذلك أنَّ هناك ضَعفًا في الإيمان فقد قال تعالى في آية تتحدث عن اليوم الآخر:

 

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ(74) ﴾

 

[سورة المؤمنون]

 و(الصراط) هنا: الصِّراط المستقيم، فمن الذي ينحرف عن هذا الصِّراط ؟ من لا يؤمن بالآخرة، ومعنى ذلك أنَّ أي انحراف في السلوك يُقابله انحراف في العقيدة، فالإنسان مَدعُوٌّ إلى أن يؤمن على الرغم من كونه مؤمناً، كما أنه مَدعوّ إلى أن يزداد إيمانًا لأنّ الإيمان يزيد وينقص، والدليل قوله تعالى:

 

﴿ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)﴾

 

[سورة الكهف]

 والإنسان أحيانًا يُمسي مؤمنًا ويُصبحُ كافرًا، فالإيمان يذهب بالمعصيَة ويتقوَّى بالعمل الصالح، فهو في عقيدة أهل السنّة والجماعة يزيد وينقص، فمهما كنتَ مؤمنًا فهناك درجة أعلى في الإيمان، ومهما أوْغَلْتَ في أعماق الإيمان فهناك مستوى أعمق.
 أيها الإخوة الكرام، يقول تعالى:

 

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

 

[سورة الحديد]

 إن الإيمان باليوم الآخر مِن لوازم الإيمان بالله تعالى، وقد ذَكَرْتُ هذا في خطبة اليوم، لأنّ الذي لا يؤمن بالآخرة لا يستقيم على أمر الله، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ(74) ﴾

 

[سورة المؤمنون]

 فالإيمان الذي لا يحْملُك على طاعة الله والإخلاص له، ولا يدفعُك إلى بابه سبحانه هو إيمان غير كافٍ، فنحن لا ننكر أنَّ فلانًا من الناس مؤمن، لكن إيمانه غير كاف ما دام مصراً على المعاصي، ولا يتَّبع المنهج كاملاً، فالإنسان يحتاج إلى تجديد الإيمان و تقْوِيَتِهِ، والإيمان ما وقَر في القلب، وأقرَّه اللِّسان، وصدَّقَهُ العمل.
 أنا مضْطرّ أن أقول كلمة في هذه المناسبة وهي: أن العِبرة ليست في القول، فالقَول لا يقدِّم ولا يؤخِّر، وقد ضربت على ذلك مثلاً فقلت: يمكن للطالب أن يقول: أنا مهتمّ أشدّ الاهتمام بِالنَّجاح، بل إني أُعلِّق على النَّجاح آمالاً عريضة، فالنجاح هدفي الأكبر ؛ و هذا كله كلام، فإن هو لم يفتح الكتاب أبداً، ولم يعْكف على الدروس، ولم يُداوِم، كان كلامه مرفوضاً، بل إن عملهُ يكذِّبه، و الإنسان أحيانًا يقول لك: الله عز وجل عظيم، والجنَّة والنار حق، ونسأل الله أن يجعلنا مؤمنين، فما لنا إلا عفْوه وكرمه، فتنظر إلى سلوكه فتجده يتعامل مع النَّاس بِطَريقة سيئة، وكأنَّ الحياة الدنيا بالنسبة له هي كلّ شيء، وكأنّ ما بعد الموت لا شيء، فعلى الإنسان أن يكسب وقتهُ وعمْره، والعمر قصير، والمسؤوليَّة كبيرة، والسُّؤال دقيق، والناقِد بصير، والبحر عميق، وما علينا إلا تَجديد السَّفينة، وعلينا أن نُكثر الزاد فإنَّ السَّفر بعيد !
 الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم:
 عليك أن تؤمن بالله تعالى خالقًا، ومُربِّيا، ومُسيِّرًا، وموجودًا، وكاملاً، وواحدًا، كما عليك أن تؤمن بأنَّ هذا الذي أرسلَهُ الله تعالى إلينا وأنزل عليه الكتاب هو رسوله صلى الله عليه وسلَّم، و هو مُشرِّع لا ينطق عن الهوى. سألني أخٌ مُداعباً فقال: هل يمكن للنبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي في هذا العصْر، ويتحدَّث عن طريق الإعلام والإذاعة والأقمار الصِّناعيَّة ؟؟ فقلتُ له: إنَّ الأُمِّيَّة في حق النبي عليه الصلاة والسلام كمال، والأُمِّيَّة فينا نقص، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام مُهيَّأ لِتَلَقِّي الوحي من السَّماء، فينبغي أن يكون الوِعاءُ نظيفًا وخاليًا وفارغًا ليكون مؤهلاً لهذا التلقي. قال تعالى:

 

﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48) ﴾

 

[سورة العنكبوت]

 فلو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام تلقَّى مِن ثقافات العَصر، واطَّلَعَ على ثقافات الشُّعوب، وقرأ ودرسَ ثمَّ جاءَهُ الوحي لاخْتلطَت علينا الأمور، فكلَّما حدّثنا بِحديث شريف نقول له: يا رسول الله ! هذا من الوحي أم مِن ثقافتك ؟! قال تعالى:

 

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3) ﴾

 

[سورة النجم]

 فالكمال أن يتنزَّل هذا الكتاب على النبي الأمِّيّ، وأن يكون الوحي في أعماق الصَّحراء فلو نزل الوحي في مُلْتقى الحضارات والثقافات وأماكن التبادل، لكان هذا المُعْترك لا يُناسب نقاوة الدَّعوة وصفاءها، فقد نزل الوحي في مكَّة والمدينة وفي عصْر كانت فيه الأمور بسيطة، ويغلب على الناس الصِّدق والصَّراحة، أما عندما تتعقَّد الحياة، وتتداخل المفهومات تسقط الكلمة، والكلمة في ِعَصرنا الحالي لا قيمة لها لأنَّها مُزوَّرة، والكلام الآن يتناقض مع الأحوال، فالواقع شيء، والكلام شيء آخر! فالرِّسالة السماويَّة نزلت في وقتٍ كان للكلام فيه قُدْسيَّة، لذلك قال تعالى:

 

﴿ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24)﴾

[سورة إبراهيم]
 فيجب أن تؤمن أنَّ الله سبحانه وتعالى أنزَلَ على عبْدِهِ الكتاب، وأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بيَّنَهُ أوْسَعَ بيان، وأنَّك إذا اسْتَغْنَيتَ عن السنّة خالفْت نصَّ القرآن، و الآن هناك دَعَوات إلى نبْذ السنَّة والاكتِفاء بالقرآن، وقد قلتُ لأحدهم: منْ يَدعُ إلى ترْك السنَّة والتَّمسُّك بِكِتاب الله وحده فقد خالف كِتاب الله تعالى ! لأنَّ الله تعالى يقول:

 

 

﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7) ﴾

[سورة الحشر]
 فالنبي مُشرِّع ومُبيِّن، ومُفصِّل، ومحبَّتك للنبي عَينُ محبَّتِك لله تعالى، وأخْذك عن النبي عَين أخذك عن الله تعالى لأنَّ الله سبحانه وتعالى اصطفاه وعصَمهُ، وأوحى إليه،و كمَّلَهُ، فهو القدوة والمثل والمُشرِّع والمُبيِّن، قال تعالى:

 

 

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 فإن فرَّقت بين الله ورسوله كنت مبتدعاً، وجئتَ في الدِّين ما ليس منه، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يخطئ في أقواله وأفعاله و إخباره، والله هو الذي عصَمهُ، و الإيمان داخلي ما هو إلا قناعة ومشاعر ووِجهة إلى الله عز وجل، ولكنَّ البطولة أن تؤكّد هذا الإيمان بِعَمل، وما الذي يُؤكِّد إيمانك ؟ إن ما يؤكد إيمانك هو إنفاقُك، والسَّبب في ذلك أنَّ الإنفاق يتناقض مع طَبع الإنسان، فإذا أنْفقَ فمعنى ذلك أنَّ إيمانه صحيح، وأنّ يقينهُ كبير، وعدم الإنفاق يدلّ على عدم الإيمان ؛ و هذا لِمَن وجد سعةً طبعًا، فالإيمان شُعور وقناعة وشيء داخلي لا يطَّلِعُ عليه أحد، لكنه يتجسَّد بالعمل الصالح و حيثما وردَت: ( الذين آمنوا ) جاءَ بعدها: ( وعملوا الصالحات ).
 والحقيقة أن الإنفاق في هذه الآية شامل، و يُطلق على إطلاقه، فلك أن تنْفق مِن مالك، ولك أن تنفقَ من وقتِك، ولك أن تنفقَ من عضلاتك، ولك أن تنفق مِن خِبرتِك، ولك أن تنفق من عِلْمِك، وجاهِكَ، وحِرفَتِك، و دراسَتِك، وممَّا جعلك الله فيه قائمًا، قال تعالى:

 

﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾

 

[سورة الحديد]

 معاني ( مستخلفين فيه ):
 وكلمة ممَّا جعلكم مستخلفين فيه تُفيد معانٍ كثيرة:
 1- التمكين: وهو أولى المعاني:
 كيف أعطاك الله تعالى المال ؟؟ لقد أعطاك المال عن طريق خِبْرةٍ مكَّنَكَ مِنها أو حِرفَةٍ جعلك تتْقِنها، أو عِلْمٍ مكنك من تحصيله، فَعِلْمُكَ بيَدِ الله عز وجل، والله عز وجل حينما علَّمَكَ و أغناك و قوَّاك و سمَحَ لك أن تُتْقِنَ حرفَةً اسْتَخلفكَ، فالإنسان هو خليفة الله في الأرض.
 قال تعالى:

 

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)﴾

 

[سورة البقرة]

 فالإنسان خليفة الله في الأرض، وسوف يُحاسبُهُ الله على ما صنع، لذلك كان الإنفاق دليلاً على الإيمان، فهل يتردَّد التاجر ثانيَة في شِراء بِضاعة جيِّدة جدًّاً و ذات سعر معتدل، ومطلوبة بِشَكل كبير، ؟ إنه قد يسْتقرض ثمنها ! و الإنسان حينما يوقن أنَّ الآخرة هي محطّ الرِّحال و نِهاية الآمال، وأنّ التَّعامل مع الله يحتاج إلى عمل، وأنّ هذه الآخرة ثمنها العمل الصالح، وهو مُتاح في الحياة الدنيا يُقدم على الإنفاق، و الإنسان لا ينفق إلا إذا عرف الله تعالى.
 2- التوارث:
 إن هذا البيت أو هذا المحل التِّجاري قد ورثه ابن عن أبيه، وهذا المنصب في الجامعة قد ورثه أستاذ ناشئ عن آخر متقاعِد، فالناس أفواج وأفواج، فأفواجٌ منهم ينسحِبون من الحياة، وأفواج يدخلون، ونحن مُسْتخلفون في هذه الأرض، فقبل مائة عام مثلاً كان كل من في هذه المدينة غير الذين هم فيها الآن، ومرة وقفْتُ في أحد أسواق دمشق الشَّهيرة، فنظرْت وقلتُ: إن كل هذه المحلاَّت التِّجاريَّة كان أصحابها غير الذين هم الآن ‍! وبعد خمسين عام آخر سيتبدَّل (الطَّقْم ).
 3- الوكالة:
 إذا كنت مستخلفاُ فهذا يعني أنك وكيل، و أن يدك على المال يد الأمانة، فالله سبحانه وتعالى مكَّنَكَ وراقبَك، وسوف يُحاسبك، فحينما تعتقد أنَّ هذا المال مالك تكون واهماً ! يل هو مال الله، و قد خاطب أحد الأعراب النبي عليه الصلاة والسلام بِغِلظةٍ و فظاظة وهو سيّد الخلق، وقال له: أعْطِني مِن مال الله ! ؛ أي: إذا كان بيَدك مال فهذا مال الله، وكذا إن كانت لك خِبرة، فهذه خبرة أعطاك الله إياها، فإن منعْتها فالله تعالى عنده عقوبات كفقْد ذاكرة مثلاً، وقد سَمعتُ أنّ هناك فقْد تدريجيًّ لخلايا الذاكرة، أي أن تموت خلايا الذاكرة شيئًا فشيئًا ! فينسى الإنسان عند ذلك بعض خِبراته، ثم ينسى أولاده، إلى أن ينسى نفْسه، فكلّ خِبراتك موجودة في ِذاكرتك، وقد تفْقدُها وأنت لا تدري، و كذلك حال مالك، فقد تفقده فجأةً، والله تعالى إذا أعطى أدْهش، وإذا سلبَ أدْهش، فهناك أناسٌ يملكون ملايين مُمَليَنة، ثم يأتي عليهم زمان لا يجدون فيه ثمن رغيف خبزٍ !
 4- المعنى الرابع:
 ومن معاني الاستخلاف أنَّ الإنسان هو المخلوق الأوّل الذي جعله الله خليفة في الأرض لِيَحكم بالعَدل، ويرحم الخلق، ويُعطي، ومعنى مستخلف: أنَّ يد الإنسان على ما بين يديه يدُ الأمانة، وقد سئِلَ أعرابيّ بيَدِهِ قطيعٌ من الإبل، لِمَن هذه الإبل ؟ قال: لله في يدي ! وقد قالوا: لقد أجاب أبلغ إجابة في اللُّغة العربيَّة، فهي لله وهي الآن في يدي.
 فحِرفتُكَ و مالك ما هما إلا تمكين لك من الله، فهذا ليْس ملكك، بل أنت مستخلف على ما في يدك، والله سبحانه وتعالى ناظرٌ ماذا تصْنع، لذا ورد في بعض الأحاديث أنَّ الله سبحانه وتعالى اختَصّ أناسًا بِنِعَم، يُقِرُّهم عليها ما بدلوها فإذا منعوها سلبها منهم، وحوَّلها إلى غيرهم ! فإذا مكَّنك الله من شيء كالمال أو العلم أو الجاه أو القوَّة أو اختِصاص أو حِرفة، وجعلك تقرأ أو تكتب فلا بدّ لك من أن تبذل هذا الاختصاص لِوَجه الله لا أن تمْنعَهُ والدليل قوله تعالى:

 

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77) ﴾

[سورة القصص]
 قال تعالى:

 

 

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 الارتباط الوثيق بين الإيمان والإنفاق:
 هناك ترابط وثيق بين (آمَن)َ و(أنْفق)، فالإنفاق دليل الإيمان، والإنفاق يؤكِّد الإيمان ويحقِّقه ويُجسِّده ويُشير إليه، لذا لا يوجد مؤمن على وجه الأرض يسْتقرّ الإيمان فيه لحْظةً إلا وينطلق إلى العمل الصالح، وإنْ صحَّ التَّعبير أقول: إنَّ بُنْيةَ المؤمن أساسها العطاء، وإنَّهُ يُعْطي لِيَأخذ من الله تعالى، لأنه يُتاجِرُ مع الله، قال تعالى:

 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10) ﴾

 

[سورة الصف]

 فالكافر أساس حياته الأخذ، أما المؤمن فأساس حياته العطاء، فهو يُعطي مِن ماله وخِبرتِهِ ووقْتِهِ لأنَّه يرجو بذلك رحمة الله، فيقرض الله قرضًا حسنًا لِيَنال رِضْوان الله، ويدخل جنَّة ربِّه، فالمؤمن طَموح جدًّا، وقد يبْدو للناس أنّ المؤمن بسيط، ومحدود الطُّموح! لا والله، لن تجد في الحياة الدنيا كلِّها إنسانًا أشدّ طُموحًا من المؤمن، فأهل الدنيا يطَمِحون في الدنيا وهي ذات أمد قصير، كما أنها مَشحونة بالمتاعب والهموم، فلا تصفو لإنسان قط، وأساسها التَّبدّل والتَّغيّر، ولا شيء يدوم فيها، فالمؤمن العاقل يختار الآخرة، وهي العطاء الأبديّ السَّرمدي ؛ فلا همّ فيها ولا حزن ولا قلق ولا خوف ولا خصومة، وكلّ متاعب الدنيا لا تجدها في الجنَّة أبدًا، فَمن هو الزاهد الحقيقي ؟ الزاهد الذي زَهِد فيما عند الله تعالى.
 قال تعالى:

 

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 فإذا قال لك طفل صغير: أنا معي مبلغ كبير ! فماذا يعني هذا ؟ ربما يكون معه خمس وعشرون ليرة !! أما لو قال لك أكبر غنيّ بالبلد: معي ثروة كبيرة جدًّا ! فقد تكون معه الملايين، فكلمة ( كبير ) تكون حسب قدر القائل، وربنا عز وجل يقول:

 

﴿ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 والله - أيها الإخوة – إني لم أجِد في الناس من هو أشدّ حمقًا من الذي يزْهد في الآخرة ويُقْبِلُ على الدنيا، على الرغم من أن كلّ ما يملكه في الدنيا مرهون بِنَبض القلب، وقد يتوقف هذا القلب من دون سبب ! فإذا توقَّف القلب يقال: كان رجلاً فصار خبراً، وقد يكون شَخصًا ملء السَّمع والبصر فيصير بعد ذلك كلمةً على الجدران، وقد يكون ذا حضور في البيت فيغيب عنه، و قد يكون له قرار في تجارته ومكتبته و توزيع أمواله، فيفَقَدَ هذه الصلاحيَّة، ويصبح المال لِوَرثَتِهِ، فالموت يأتي ويأخذ معه كلّ شيء.
 أيها الإخوة الكرام، ثمّ إنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الحديد]

 كأنَّ الله هنا يَعْجب ! فالإله لا تُدركهُ الأبصار، والكون يدلّ عليه، وقد أعطاك أكثر ممَّا تستحقّ، فقد أرسل لك إنسانًا من بني جلدتك، يتكلَّم فتسْمعه، ويتحرَّك فتراه، وتتعامل معه فَتُحِبُّه، من هو ؟ هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، فَمِن رحمة الله بنا أن جَعَل بشراً من بني جِنسنا يُحدِّثنا عن ربِّنا ! فعلى الإنسان أن يستنبط هذا المعاني، فقد أكرمه الله تعالى بِعقْل، وكون ينطق بِعظمة الله، ثم أكرمه إكرامًا لا حدود له حينما جعل رسوله بشرًا مثله، قال تعالى:

 

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128) ﴾

 

[سورة التوبة]

 يتكلَّم ويتزوّج، ويأكل و يشرب وينام، ويتحرَّك وينطق، و تجري عليه كلّ خصائص البشر، لكنه كان سيّد البشر لأنَّه انتصر على بشَريَّتِهِ.
 قال تعالى:

 

﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 

[سورة الحديد]

 العلماء ورثة الأنبياء:
 و قياساً على ذلك، لا بد من ذكر شيء آخر، وهو أنّ كلّ إنسان لديه لقاءات في حِرفتِهِ ومصلحته وبيئته، ولكن كلام الناس في الأعمّ الأغلب متعلِّق بالدنيا، فأصحاب الحرفة الواحدة يتكلَّمون عن حرفتهم، والأهل يتحدَّثون عن بناتهم وأولادهم وأزواجهم وأعمالهم ومستقبلهم، ولكنّ الله تعالى خلق أُناسًا ينوبون عن الأنبياء في إبلاغ الحق للناس، وذلك لِِحِكمة بالغةٍ بالغة، و قد وزَّع هؤلاء على كلّ بقاع الأرض تَوزيعا جغرافيًا ومكانيًّا محكماً، فما من مكان إلا وفيه إنسان أو أكثر يدعو إلى الله، و هذا أيضًا من نِعم الله تعالى، فالتعرف على الله متاح في المسجد مثلاً، فإنك إن دخلته سمعت فيه الحق، ففيه يُتلى كلام الله تعالى، وتقام دروس العلم، فإذا حضرت درس حديث مثلاً، عرفت ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، ومن خلال هذا تعرفُ مُراد الله من خلقه، فكما امْتنَّ الله سبحانه وتعالى على خلقه بالرُّسل والأنبياء، جعل هناك من ينوب عن هؤلاء القِمَم الشامخة في تعريف الناس بالله، فقوَّاهم ووفَّقهم إلى نقل الحق، وهذه نِعمة من نِعم الله عز وجل، وإذا أردْت أن تعرف من أنت ؟ ولماذا كنت ؟ وماذا بعد الموت ؟ ولماذا خلق السماوات والأرض ؟ ولماذا أوْدع الله فيك الشهوات ؟ وما معنى هذا الكتاب الكريم ؟ وإلى أيّ مدىً تسير فيه ؟ فما عليك إلا حضور مجالس العِلم. يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 

[سورة الحديد]

 فلو أنّ هناك إنسانًا يكاد يموت من الجوع، وكان أمامه طعام منوَّع ونفيس، وكان هذا الطعام من دون ثمن، فقال له صاحب الدَّعوة: ما لك لا تأكل ؟! الطعام نفيس وأنت جائع ! فإن أكل كان هذا شيئاً طبيعياً، أما إن لم يأكل فهذا هو غير الطبيعي، وهذا هو الوضع الشاذّ، فكأنّ الله تعالى يقول:

 

﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ ﴾

 

[سورة الحديد]

 فالله أنزل كتابًا، وأرسل رسولاً فصيحًا بليغًا لطيفًا كاملاً، فهو كامل بفصاحته وبيانه وأُنسه وإقباله، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق إلا بالحق، وهناك من ينوب عنه في هذه الدَّعوة، فما الذي يمنعُك أن تؤمن ؟ قال تعالى:

 

﴿ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 

[سورة الحديد]

 كل شيء في الوجود يدعو إلى الله:
 إن كلّ شيء خلقه الله يدعو إليه، فالسماوات والأرض تُشيران إلى الله تعالى، وطبيعة النَّفس البشريّة تُشير إلى الله كذلك، فنفسُك البشريَّة إن لم تسْتقِم على أمْرِه تعذَّبَت، وعلماء النَّفس يتحدَّثون عن الكآبة، فما هي الكآبة ؟ هي حالةٌ نفسية صَعبة جدًّا تأتي بعد الانْحِراف، فالإنسان إذا خالف منهج ربِّه شعر بالكآبة، ولو لم يكن هذا الإنسان يعرف شيئًا عن منهج الله، فقد سَمِعْتُ من أحد الأصدقاء في بِلاد الغرب قصة تقول: أنّ رجل دين كان يقرأ الكتاب المقدَّس، وحوله هالةٌ من نور، فمرَّتْ فتاة متبذِّلة فنظر إليها فسقط هذا النور مِن فوق رأسه وفقَدَ كلّ ميزاته !!  أنا لا يعنيني مؤدَّى هذه القصة، ولكن يعنيني أنَّ هؤلاء يعرفون أنّ الإنسان إذا كان مطبِّقًا لشرع الله اتَّصِل به، وأنه إذا عصاه انقَطَع عنه هذا النور، وهذه فطرة البشر جميعًا، فالله تعالى قال:

﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الحديد]

 إن كلّ ما في هذا الوجود من طَّعام وشَّراب وجماد ونبات ونفوس بشرية، كلُّ ذلك يشير إلى الله تعالى، لذلك لا يمكن للإنسان أن يرتاح إلا إذا استقام على أمر الله، فإذا فعل انزاحت عنه هموم كالجبال.
 قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

[سورة الحديد]

 الظلمات: جمع، والنور:مفرد، قال تعالى:

 

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257) ﴾

 

[سورة البقرة]

 وقال:

 

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ(126) ﴾

 

[سورة الأنعام]

 فهذا يعني أنّ واحِد الحق لا يتعدَّد، أما الباطل فيتعدَّد كثيرًا.
 آيات الله البينات:
 قال تعالى:

 

﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾

 

[سورة الحديد]

 إن آيات الله تعالى _ أيها الإخوة _ لا تنقطع، فقد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القرآن وهو من آيات الله، لكنْ أفعال الله تشير دائماً إلى وحدانيته، فأحيانا قد يعاقب الله الإنسان عقاباً شديداً، فيعرف الإنسان أنَّ هذا العقاب عادل، و أنه آيةٌ من آيات الله، وآياتُ الله قائمة تشير إليه، كالزلازل و البراكين و الفيضانات و القحط المستمر، فلله أفعالٌ تشير إليه، وعرفتٌ اللهَ من نقض العزائم، وأحيانا قد يتمتَّع الإنسان بقوَّةٍ شديدة و ذكاء حادٍّ، فيخطِّط لمستقبله تخطيطا رائعًا، ولكنّه يكون قد بنى مَجْدهُ على أنقاض الآخرين، فلا بدّ من أن يُحْبِط الله عمله، فيفاجِأ بأنَّ الله موجود، وأنَّه لا إله إلا الله.
 أيها الإخوة، قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

[سورة الحديد]

 إن كتاب الله مليء بالآياتٌ التي تدلّ عليه وتُشير إلى المنهج القويم الذي ينبغي أن نتَّبِعَه، ويبيِّن لنا تاريخ الشُّعوب السابقة ومستقبل الحياة وحقيقة الدنيا والكون المنهجَ القويم الذي ينبغي أن نتَّبِعه، والإنسان يكون قبل قراءته القرآن في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، أما إذا قرأ القرآن وعقلهُ وتدبّر آياته أخرجه القرآن من الظلمات إلى النور، فيخرجه من ظلمات الجهل إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن ظلمات الشكّ إلى أنوار اليقين، ومن ظلمات التِّيه والضَّياع إلى أنوار الوجدان، ومن ظلمات التردُّد إلى أنوار اليقين، ومن ظلمات التعسّف في حركة الحياة إلى أنوار منهج واضِحٍ يسير عليه، فالظلمات كثيرة، فمن قرأ القرآن وتدبّرهُ وعَمِلَ به، أخرجهُ من الظلمات إلى النور، وأحيانًا قد يدْعم الله عز وجل هذا الكتاب الذي هو كلامه بأفعاله، فإذا قال تعالى:

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276) ﴾

 

[سورة البقرة]

 محقَ المُرابي، وإن كلّ شيء وعد به القرآن أو توعَّد به كائن لا محالة، و أفعال الله جلّ جلاله تؤكِّد وعْدهُ ووعيده، فهناك آيتان ؛ آية قرآنيّة وأخرى تكْوينيَّة، وعلى الرغم من ذلك لا يزال الإنسان مُقصِّراً، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 فما لكم لا تؤمنون ؟ وما لكم لا تنفقون ؟ فالمال مال الله، وإنك إن أنْفقْتهُ أخلفهُ الله عليك، وأتاك مقابله بالأضعاف المضاعفة (أنْفِق بلالاً، ولا تخْشَ من ذي العرش إقلالاً )، قال تعالى:

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[سورة الحديد]

 فالمال لن يبقى لك حتى وإن لم تنْفقه، بل سيكون ترِكَةً لِوَرثَتِك، فقد سألوا مرَّةً شابًّا مات أبوه من وقت قريب، إلى أين أنت ذاهب ؟ فقال بالحرف الواحد وباللغة الدارجة: (أريد أن أسْكرَ على روح أبي!! )، فلماذا يبخل الإنسان بمال لا يدري كيف سيَتَصَرَّف الورثة فيه بعد موته ؟ إن درهماً تنفقه في حياتك خير لك من مائة ألف درهم ينفَق بعد مماتك، وقد اطَّلَعْتُ على عشرين أو ثلاثين وصيَّة أوصى أصحابها أن يُنفقَ مالهم على أرواحهم في الخير، وقد كنت شاهداً على هذه الوصايا، بيد أنها لم تُنفَّذ منها واحدة، لقد بخل أهله عليه بعشرة آلاف ليرة، مع أنه قد ترك لهم أموالاً طائلة ! فالله تعالى قال:

 

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

[سورة الحديد]

 فهذا المال إن أنفقت منه نجحْت وفُزْت، وإن لم تنفقه أُخِذ منك، وعندئذ تخْسر خسرانًا مبينًا.
 تلخيص:
 لقد تحدث الدرس اليوم عن الإيمان والإنفاق، والإنفاق في الآية مطلق، وله أبواب كثيرة، فيمكن للطبيب أن يُعالج الفقراء مجَّاناً، كما يمكن للمحامي أن يتوكَّل قضيَّة لإنسانٍ فقير ومظلوم، ويمكن لِصاحب المحل المواد الغذائيَّة أن يوزِّع منها مجَّانًا، فيمكن لك أن تتصدَّق من كلّ شيء تملكه ؛ مِن عِلمٍ إلى مال إلى خِبْرةٍ إلى متاعٍ إلى بِضاعةٍ إلى غذاءٍ، قال تعالى:

 

﴿ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

 

[سورة الحديد]

 وقال تعالى:

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا ﴾

[سورة الحديد]

 فالآيات كلّها تتحدث عن الإيمان والإنفاق، والإنفاق يؤكِّد الإيمان ويُحَقِّقه ويثبِّتُهُ ويُجسِّدُهُ لذا قال تعالى:

 

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) ﴾

 

[سورة آل عمران]

 فأوَّل صِفة من صفات المتَّقين هي كما قال تعالى:

 

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاء ﴾

 

[سورة آل عمران]

 وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((الصَّدقة برهان ))

 فهي برهان على إيمانك، والصِّدق هو مطابقة العمل للقول، فمن أنفق من ماله دلَّ إنفاقه على إيمانه.
 و التَّوجيه الأخير هو قوله عليه الصلاة والسلام:

(( إنَّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم..))

 فيمكنك أن تنفق من أيّ شيء آتاك الله إياه، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾

 

[سورة الحديد]

 لقد كان الإسلام في بادئ الأمر ضعيفًا، و كان عِبئًا على المسلمين، فلما نصره الله صار ميزة، لكن الذي أنفق في الضَّراء وفي زمن الشِّدة كان له الأجر الأعظم، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((اللهَ الله في أصحابي لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغتم مُدَّ أحدهم ولا نصيفه ! ))

 فالذي آمن قبل الفتح كان له درجة أعظم، فقد كان الإيمان في ذلك الوقت صعباً وفيه شِدَّة، وهذا يحدث في ِكُلّ عصر، فالذي يمنع من ممارسة شعائر دينه، ويمارس عليه ضَغطٌ شديد يُضاعف الله عز و جل له أجره، و هناك فرق كبير بين كونك حراً تتحرَّك كيف تشاء، وبين أن تكون مقيداً تحْسِب حِساباً لِكلّ شيء، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))

 

[ رواه الترمذي ]

 وأعجب المؤمنين إيمانًا هؤلاء الذين جاؤوا بعدي ولم يروني ! هكذا قال عليه الصلاة والسلام، فالإنسان إذا استقام على أمر الله كان من أحبابه، قال تعالى:

 

﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾

 

[سورة الحديد]

 قال تعالى:

 

﴿ وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾

 

[سورة الحديد]

 كما قال عليه الصلاة والسلام:عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[ رواه مسلم ]

 فالكل (على العين والرأس)، وهذا ينطبق على الذي آمن قبل الفتح، والذي آمن بعد الفتح، والذي آمن في الشدّة، والذي آمن في الرَّخاء، و كُلاًّ وعد الله الحسنى، قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

[سورة الحديد]

 فالله تعالى يعرف عملك و أبعادك وبواعثك وإخلاصك، و ليس من شأن البشر تقييم بعضهم بل إن هذا من شأن خالق البشر.