وضع داكن
19-06-2024
Logo
الدرس : سورة الكوثر - تفسير الآية: 1 -3 عطاء الله للنبي الكريم وللمؤمنين. .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

أسماء الله الحسنى كلها تدخل في أفعاله :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾

 إذ تدخل فيها أسماؤه الحسنى، فكل فعل من أفعاله فيه رحمة ولطف وحكمة وقدرة وغنى، وأسماؤه الحسنى كلها تدخل في أفعاله قال تعالى:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة الإسراء: 14 ]

 إنني (أنا)، يأتي الحديث عن ذاته بضمير المفرد، والحديث عن أفعاله بضمير الجمع، (إنا)، أما كلمة أعطيناك، الكاف للخطاب، والنبي عليه الصلاة والسلام هو المقصود بهذه السورة.

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّماً فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفاً سُورَةٌ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ.))

[ مسلم عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعرِّفهم بذاته وإذا عرفوا ذاته سعدوا به :

 كلمة (أعطينا) من قِبَل الله عز وجل تعني شيئاً عظيماً، ولو قلنا: الملك أعطى فلاناً، فلو لم تتابع الجملة، ما دمت تقول: الملك أعطى فلاناً فلا بد من أن يكون العطاء كبيراً، وهل يُعقل أن يعطي الملِكُ قلم حبر، ليس معقولاً، أقل شيء بيت وسيارة، فلما ربنا عز وجل يقول: (إنا أعطيناك) معنى هذا العطاء كثير، لذلك (الكوثر) ورد فيه تفسيرات عدة، أحد هذه التفسيرات " النبوة "، وهذا عطاء ما بعده عطاء، لأن هؤلاء الأنبياء صفوة الخلق، والنبي عليه الصلاة والسلام في رأس القائمة، سيد الأنبياء والمرسلين، بعضهم قال: القرآن، إنما أُنزل عليه، وبعضهم قال: أصحابه الكرام، هؤلاء الرجال العظام الذين خصهم الله بالنبي الكريم، بعضهم قال: الحكمة، ويؤكد هذا قوله تعالى:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

[سورة البقرة: 269]

 بالحكمة تعرف أن الدنيا زائلة، فتسعى للباقية، وبالحكمة تعرف لماذا خُلقتَ في هذه الدنيا، فتسعى للجنة، قبل أن أفصل في موضوع الكوثر لا بد من تمهيد يسير.
 إنّ الله سبحانه وتعالى كان ولم يكن معه شيء، ثم شاءت إرادته أن يخلق الخلق، لماذا خلقهم؟ بادئ ذي بدء، سؤال كبير، ما من إنسان فيه ذرة من عقل يقوم بعمل ما إلا وله هدف، فإذا قمت من مكانك إلى مكان آخر، يبدو أن الصوت ضعيف فغيرت مكانك، إذا جلست في مكان معين، ويبدو أن هذا المكان فيه هواء، فما من إنسان فيه ذرة عقل يتحرك حركة إلا ولها سبب، ولن يتحرك حركة بلا هدف، فإذا كان المخلوق الضعيف لا يتحرك إلا بهدف، فالله سبحانه وتعالى حينما خلق الخلْق، وحينما خلق المجرات، مثلاً مليون ملْيون مجرة، وهذا أحدثُ رقمٍ تقريبي لعدد المجرات، في كل مجرة مليون ملْيون كوكب، وبعض المجرات تبعد عنا ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية، وهذا الكون الكبير بمجراته وبأرضه وبشمسه وبقمره، وهذه الأرض وما فيها من مخلوقات وحيوانات ونباتات وتضاريس وجبال ووديان وصحارى وسهول وبحار وينابيع، إذاً الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعرِّفهم بذاته، وإذا عرفوا ذاته سعدوا به.

الإنس والجن قبلا الأمانة وتحملاها :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 الله عز وجل خلق الخلق، كل هذا الذي تراه أعينكم مخلوقات؛ الجبل مخلوق، الماء مخلوق، النبات مخلوق:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 فربنا عز وجل عرض عطاء غير متناهٍ، عطاء كبيراً جداً، بل هو أعظم عطاء عرضه على الخلق كلهم، فأبوا، والملائكة خافوا من الأمانة، فملّكوا أنفسهم لله عز وجل، يسبحون له لا يفترون، والحيوانات خافوا من الأمانة، طلبوا الدنيا من دون مسؤولية، فكان لهم ما أرادوا، يعيشون لشهواتهم من دون حساب، وأما الإنس والجن فقد قبلا الأمانة وتحملاها، فما هي الأمانة؟ عطاء لا حدود له، ولكن له ثمن باهظ، فما هو الثمن الباهظ؟ أن يأتي الإنسان إلى الدنيا، وقد ركبت فيه الشهوات وأعطي الفكر، وخلق الله الكون كي يتعرف إليه.

الميزة التي أعطاها الله للإنس والجن يقابلها عذاب لا نهاية له إذا خانوا الأمانة :

 كونٌ يعرِّفه بالله، وفكرٌ هو أداة المعرفة، ونفسٌ فيها شهوات تعينه على الرقي إلى الله عز وجل، فبالفكر يَعرِفُ، وبالشهوة يرقَى، فإذا فكر في الكون عرف الله، فإذا آثر رضاء الله على شهوته ارتقى إلى الله، فسبيل السعادة الأبدية غير متناهية، أن يُركَّب في الإنسان شهوة وفكر، وكون دال على أسمائه الحسنى، فإذا جاء الإنسان إلى الدنيا وفكّر في الكون وعرف الله عز وجل، واستقام على أمره، وآثر ما يرضي الله على ما يرضي شهواته ارتقى، فإذا جاء يوم القيامة سعد بهذا العمل إلى الأبد، فما هو العمل؟ قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات: 40-41 ]

 أنت أيها الإنسان مخلوق عُرضت عليك الأمانة وقبلتها، ومعنى قبلتها قبلت أن تأتي إلى الدنيا، وقد رُكِّبتْ فيك الشهوات، ومنحت الفكر، وسخر الله لك ما في السماوات والأرض لخدمتك، ولأجل أن تعرف الله من خلال خلق السماوات والأرض، فمن فكّر في الكون، وعمل الصالحات تقرباً إلى الله استحق هذا العرض الثمين، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 التكليف يعني كل المخلوقات، كل بني البشر والجن تحملوا الأمانة، وقد أتيح لهم أن يسعدوا سعادة ما بعدها سعادة، هم قمة الخلق.
 رُكِّب الإنسان من عقل وشهوة، ورُكِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكِّب الملك من عقل بلا شهوة، ورُكِّب الإنسان من كليهما، فإنْ سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام حمل الأمانة، وأداها حق الأداء، وجاء إلى الدنيا فعبد الله عز وجل، وتعرف إليه، وأطاعه فسعد به، لذلك نقول في الصلاة على النبي: اللهم صل على سيدنا محمد، اللهم صل على أسعدنا محمد، إنه أسعد خلق الله قاطبة بمعرفة الله عز وجل، فلأنك إنسان إذاً أنت ممّن حمل الأمانة، وأنت الآن في فرصة، إما أن تسعد بها إلى الأبد، وإما أن تشقى بها إلى الأبد، طبعاً هذه الميزة الكبيرة التي أعطاها الله للإنس والجن يقابلها عذاب لا نهاية له إذا خانوا الأمانة.

عطاء الله في الدنيا :

 كل ميزة يقابلها مسؤولية، فما دام الله عز وجل أعطى الإنس والجن أرقى سعادة، فقد أعدّ لهم أرقى سعادة، إنْ هم تنكّبوا سبيلها فسوف يحاسبهم أشد حساب، في حياتنا الدنيا مُنِح الإنسان صلاحية كبرى، له مظهر فخر، يقابل هذا الفخر أنه إذا لم يحسن استخدام هذه الصلاحية يُحاسب حساباً عسيراً، وكذلك إذا قصر في حق الله عز وجل، شقي شقاوة أبدية.
 فيكفي أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء إلى الدنيا ليعرّفنا هذه الأمانة، وليعرفنا الغاية من خلقنا، خُلقنا لماذا؟ جيء بنا إلى الدنيا لماذا؟ ما هو أثمن ما في الدنيا؟ قال الله سبحانه وتعالى:

﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾

 الآن أقف وقفة يسيرة عند عطاء الله في الدنيا، هذا الذي يعطيه الله لإنسان في الدنيا لا يُسمى عطاء، أبداً، لأنه ينتهي بالموت، المال ينتهي بالموت، والجاه العريض ينتهي بالموت، والرفاه الشديد ينتهي بالموت، والمنزل الفاخر ينتهي بالموت، وكل مباهج الدنيا يأتي الموت ويضع لها حداً، إذاً هذا ليس العطاء العظيم، هذا ليس عطاء الله سبحانه وتعالى، هذا يؤكده حديثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ:

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[الترمذي عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

 إن هذه الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، يا بني ما خير بعده النار بخير، أي ما هو الشيء الثمين جداً عند الناس، دخْلُه مليون كل يوم، تُحل كل مشاكله، أيخاف من ارتفاع الأسعار إذا كان دخله كل يوم مليوناً؟ ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية، الغنى والفقر بعد العرض على الله سبحانه وتعالى.

لو كُشف الغطاء لكانت السعادة الكبرى أن تعرف الله :

 إذا ظننت أن الله سبحانه وتعالى إذا منح فلاناً مالاً، وإذا ظننت أن هذا عطاءً من الله عز وجل فأنت في ضلال مبين، هذا ليس عطاءً، قال تعالى:

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

[سورة البقرة: 126]

(( خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كلَّ حين، لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك وعِزَّتي وجلالي إن لم ترض بِما قسَمْتُهُ لك، فلأُسلِطَنَّ عليك الدنيا تركضُ ركْض الوحش في البريّة، ثمَّ لا ينالك منها إلا ما قسمْتُهُ لك منها ولا أُبالي، وكنتَ عندي مَذْموماً.))

[ورد في الأثر]

 هذه الجلسة لو كُشف الغطاء لكانت السعادة الكبرى أن تعرف الله، أن تعرف لماذا جاء بك إلى الدنيا، وأن تعرف أثمن ما فيها.
 كل إنسان يرى شيئاً في الدنيا ثميناً؛ هذا يرى المال أثمن ما في الدنيا، وذاك يرى المتع الرخيصة أثمن ما في الدنيا، هذا يرى الشأن الكبير في الحياة أثمن ما في الدنيا، هذا يرى حيازة الشهادات العليا، أن يُقال له: دكتور مثلاً، الباحث الكبير العلامة، يشعر بالخدر حينما يسمع هذه الكلمات، هذا يرى هذا اللقب العلمي أثمن ما في الدنيا، لذلك يسعى إليه ليلاً ونهاراً.

تعريف العبادة المختصر :

 إذا عرفت أثمن ما في الدنيا حقيقة وسلكت السبيل الصحيح فأنت أسعد الناس، فكم من إنسان أمضى حياته في عمل ظنه مسعداً فإذا ظنه يخيب به فيراه طريقاً مسدوداً، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً ﴾

[سورة البقرة: 103-106]

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 ربنا عز وجل خلقنا ليسعدنا، خلقنا ليرحمنا، خلقنا لنعبده، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ *مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾

[سورة الذاريات: 56-58]

 أي لنعرفه فنطيعه فنسعد بقربه، هذا تعريف العبادة المختصر، ثلاث مراحل؛ تعرفه أولاً، وتطيعه ثانياً، فتسعد بقربه ثالثاً، وهذا هو الهدف.

أقوال في معنى كلمة (الكوثر) :

 حينما يأتي الإنسان إلى الدنيا ويعرف الهدف، يركز جهوده كلها في جهة واحدة، فيحقق نجاحاً كبيراً، وقد تقول عن إنسان: إنه ضائع، أي لا يعرف لماذا جاء إلى الدنيا، وقد ورد في الأثر: المنافق كالناقة ربطها أهلها ثم أطلقوها، فلا تدري لم عقلت ولا لم أطلقت، فربنا عز جل يسلِّي نبيه ويطمئنه، ويَعِده بالخير الكثير.

﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾

 ما هو الكوثر؟ بعضهم قال: نهر في الجنة، وقد ورد هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وبعضهم قال: الحوض يوم القيامة، وبعضهم قال: القرآن الكريم، وبعضهم قال: النبوة، وبعضهم قال: أصحابه الكرام، وبعضهم قال: رفعة الذكر في السماء والأرض " لا إله إلا الله محمد رسول الله " قرن اسمه مع اسم الله عز وجل، في الأذان وفي الصلاة وفي عبادات كثيرة. وبعضهم قال: نور في قلب النبي عليه الصلاة والسلام دله على الله وقطعه عمن سواه، وبعضهم قال: الصلوات الخمس. والأصح من هذا كله؛ أن كلمة الكوثر تعني الخير الكثير، كل هذا الذي ذكرته مجتمعاً وشيء آخر لا نعرفه:

﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾

 وبعضهم قال: الحكمة، لقوله تعالى:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

[سورة البقرة: 269]

 إذا عرفت أن في هذا البناء كنزاً يغنيك إلى آلاف السنين، فهذه المعرفة أثمن من الكنز، لأنك عرفت الكنز بها، هذه الحكمة، فالحكمة تعرفك أن الله أثمن من كل شيء، فإذا عرفته عرفت كل شيء وإذا فاتَك فاتك كل شيء، تعرف هذا بالحكمة، وتعرف أنه من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، وبالحكمة ترى أن الله سبحانه وتعالى وحده يستحق المحبة، ولا شيء في الأرض يستحق معه المحبة.

الحكمة هي عطاء الله الكبير للأنبياء :

 الآيات التي ذكر الله بها عطاءه الكبير للأنبياء:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة يوسف: 22]

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾

[سورة القصص: 76]

 مفاتيحه فحسب، لا يستطيع سبعة رجال أشداء أن يحملوها، فكيف بالكنوز نفسها، لمن أعطى الله هذا؟ لقارون، وماذا أعطى الأنبياء والمرسلين؟ الحكمة، قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة الجمعة: 2]

 فلذلك إذا أوتيت طرفاً من الحكمة، لا أقول: الحكمة بكاملها، إذا أوتيت طرفاً منها فقد فُقْتَ الناس كلهم، وليس في الأرض من هو أسعد منك إلا أن يكون أتقى منك.

 

السعادة تأتي بالحكمة لا بالمال :

 

 إذا شعرت أن فلاناً العاصي أعطاه الله مالاً وحرمك من هذا العطاء فأنت لست مؤمناً، قال تعالى:

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾

[سورة القصص: 79-81]

 يعبر عنها الناس الآن بقولهم: فلان هنيئاً له، لديه بيت لا يوصف، وله محل فروغه ثلاثة ملايين، عنده فندق دخله اليومي خمسة آلاف، عنده أرض تضاعفت ثلاثين ضعفاً، عنده مزرعة إنتاجها في السنة خمسمئة ألف، عنده أرض زرعها من المادة المعينة فربحت مليوناً، ترى أن الناس يسيل لعابهم على هذه الأرقام، وهم لا يعرفون الله عز وجل، وليتهم عرفوا الله سبحانه وتعالى، فمن عرفه فقد عرف كل شيء، ومن جهله فقد جهل كل شيء، هذه السعادة، هذه تأتي بالحكمة، وحضور هذه المجالس يعلمك الحكمة، تعبر مسالك الحياة على بصيرة، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 108 ]

القرآن حمّال أوجه وإعجازه في إيجازه :

 ربنا عز وجل قال:

﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾

 ماذا أعطاه؟ أعطاه كل شيء تقول: نبوة، نعم نبوة، سعادة لا توصف كذلك صحيح، حكمة ما بعدها حكمة كذلك صحيح، نهر في الجنة صحيح، الحوض المورود صحيح، القرآن مطلق يحتمل معان كثيرة، القرآن ذو وجوه، القرآن حمال أوجه، إعجازه في إيجازه:

﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾

 الآن إذا أُعطي رجل مِن كل شيء؛ مالاً كثيراً، وجاهةً، بيتاً، مزرعة، بيتاً في المصيف، زوجة، أولاداً، يقول: نال من كل شيء بطرف، وجمع أطراف المجد، هذا في الدنيا، فربنا عز وجل خاطب النبي عليه الصلاة والسلام وقال له:

﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾

 النبي عليه الصلاة والسلام فسر هذا الكوثر، فقال: الخير الكثير، وكلمة كثير من الله كثير، كلمة أعطيناك من الله تعني عطاءً كبيراً، ليس معقولاً مِن ملك أنْ يعطي قلم حبر، أنعمنا عليك بقلم، لا تصح هذه مع ملك، عطاء الكبير كبير، عطاء العظيم عظيم.

 

دائرة المسموعات لا حدود لها ودائرة الخواطر لا نهاية لها :

 

 يروى أن امرأة وقفت بباب أمير تسأله حاجة، فأعطاها عطاءً كثيراً، فلامه بعض جلسائه، قالوا: أيها الأمير إنه يرضيها القليل، وهي لا تعرفك أنك كريم، فأجابه إجابة تُسجل بماء الذهب، قال: إن كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى لها إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[سورة التوبة: 38]

 هذه الآية تؤكد مدلول القصة آنفة الذكر، إلا قليل:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[سورة النساء: 77]

 العظيم يقول لك قليل:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 ما لا عين رأت، دائرة المشاهدات محدودة، لكن دائرة المسموعات كبيرة جداً، فأنت لم تر إنساناً وزنه ثلاثمئة كيلو، لكنك سمعت أو قرأت في كتاب أن وزنه ثلاثمئة كيلو، وأنت لم تر بناء مئة وطابقين رأيت في محيطك أربعين أو ثلاثين طابقاً أما حسب مسموعاتك فموجود، فدائرة المشاهدات محدودة جداً لكن دائرة المسموعات واسعة جداً، كل حدث يحدث في الأرض الآن مهما بدا غريباً يصل إلى أسماعنا، وإن كانت دائرة المسموعات لا حدود لها فدائرة الخواطر لا نهاية لها، قد يخطر لك بناء من ألف طابق، هذا خاطر، قد يخطر لك أن دخلَ فلانٍ مئة ألف مليون في اليوم، فهذا خاطر غير محقق، انظر إلى الحديث كم هو دقيق:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

الحياة كلها مدرسة جئنا إليها لنعرف الله عز وجل ونستقيم على أمره :

 خُلقت لهذه الحياة، وأنت في الدنيا في مدرسة فيها من كل شيء من أجل أن تعرفه:

((عن قتادة أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا ))

[أبو داود عَنْ قَتَادَةَ ]

 في الدنيا وسائل إيضاح، فيها كتب، هذا الكتاب المقرر، وكل كلمة بهذا الكتاب يقابلها وسيلة إيضاح، قال تعالى:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

[سورة الغاشية: 17-]

 الإبل موجودة، السماء موجودة، الجبال موجودة، الأرض موجودة:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 1-2]

 أنت في مدرسة، وهذه الحياة كلها مدرسة، جئت إليها لتعرف الله عز وجل، وتستقيم على أمره، وتفعل أفعالاً تقربك إليه، وتخالف فيها شهواتك التي أودعها الله فيك، فإذا جاء وقت اللقاء سعدت بقربه إلى الأبد، هذا هو سر الخلق، وهذا هو الهدف الكبير من خَلق الإنسان.

تمام النعمة الهدى :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾

 إنّ هذه النعم فيضٌ من الله، لكن العلماء قالوا: تمام النعمة الهدى، فالهدى واحد والمال صفر، فصاروا عشرة، ومع الهدى زواج، صفر ثان، فهو مهتدٍ، وله دخل يعيش به وله زوجة، الأولاد صفر ثالث، الشأن العالي في المجتمع صفر رابع. الآن لو حذفت الواحد لكان كل الذي أمامه أصفار، لذلك:

﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ* كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ﴾

[سورة الدخان: 25-29]

 سُميت نَعمة لِما فيها من ترف وضياع، وليست نِعمة، لكن النِّعمة المجردة من الترف وهي المطية لمرضاة الله سبحانه:

﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً *وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ﴾

[ سورة الفتح: 2-3]

الصلاة من لوازم النعمة :

 المهتدي يسمى المال عنده نعمة:

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ*كلا ﴾

[ سورة الفجر: 15-17 ]

 وهذه المقولة ليست صحيحة، ليس عطائي في الدنيا إكراماً، إنه ابتلاء، وليس حرماني إهانة، إنه معالجة، كلا، فالله سبحانه وتعالى نفى أن يكون عطاؤه في الدنيا إكراماً، إذا أعطاك المال وأنفقته في وجوهه الصحيحة فقد ابتلاك الله به، واستعملته فيما يرضيه، فانقلب الآن المال إلى نعمة كان ابتلاءً فصار نعمة، أعطاك الله زوجة فعرّفتها بربها وحجبتها عن الأجانب، وعرفتها أمر دينها، فسعدت بها وسعدت بك الآن أصبحت الزوجة نعمة:

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

[ سورة الفجر: 15]

 إنسان هذا قوله، وهذه مقولته، وليس هذا صحيحاً،

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ﴾

 إذا أُصيب رجل في صحته، أو أصيب في دخله، أُتلفت بعض بضاعته، احترق محله التجاري، فَقَدَ أحد أولاده، هذا ليس إهانة إنه معالجة،

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ*كلا ﴾

  (كلا) أداة ردع وزجر ونفي، كلا ليس عطائي إكراماً، عطائي ابتلاء، وليس حرماني إهانة، حرماني دواء، هذا هو المعنى.

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾

 من لوازم النعمة، ولئلا تُحجب بالنعمة عن المنعم صَلِّ، وكلمة (صل وانحر) هي الدين كله، وهناك آية مشابهة لها.

جوهر الدين الصلة بالله عز وجل والإحسان إلى الخلق :

 إنّ جوهر الدين صلة بالله عز وجل، وإحسان إلى الخلق، هذا هو الدين كله، فإن عرفته اتصلت به، فإذا سعدت بقربه تشكره، وشكره الإحسان إلى خلقه، لأنّ الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، فجوهر الدين اتصال بالخالق، وإحسان إلى الخلق، إلى الخلق ليس للمسلمين فحسب بل للخلق قاطبة، انظر إلى هذه الآية ما أجملها:

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾

 لربك اجعل هذه الصلاة خالصة له، لا رياء فيها ولا سمعة:

(( من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية اللّه إذا خلا بها لم يعبأ اللّه بسائر عمله شيئاً ))

[ رواه الديلمي عن أنس ]

 إذا صلى عبدي صلاته في السر كصلاته في العلانية فهذا عبدي حقاً، لأنه مخلص، يصلي في السر كما يصلي في العلانية، يقبل على الله في السر كما يقبل عليه في العلانية.

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾

 أوجَهُ التفسيراتِ لهذه الكلمة؛ وانحر الأضاحي، فَذَكَرَ الجزءَ وأراد الكل، ذكر عملاً صالحاً من هذه الأعمال الكثيرة، وأراد بها مطلق العمل الصالح، كقوله تعالى:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

[ سورة الماعون: 1-2]

 قد يسأل سائل: لماذا اختار الله سبحانه وتعالى هاتين الإساءتين بالذات؟ لأن الإساءة الأولى تمثل أشنع عمل، فلو منعت خيرك عن إنسان لكان هذا إساءة، ولو منعتها عن يتيم فهي أبلغ إساءة، لو آذيت اليتيم كان أبلغ وأبلغ ثلاث مراحل، أن يدع اليتيم، يزجره، يعنفه يدفعه بيده، الآن إلى الفقرة الثانية.

﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾

[ سورة الماعون: 3]

 أي العمل الصالح مهما خف إلى أن أصبح كلمة ومع هذا يضن بها، لا يفعلها، مهما خف العمل الطيب لا يفعله، ومهما كان العمل السيئ قبيحاً يفعله، فليس المقصود يحض على طعام المسكين، بل المقصود أنه يمتنع عن فعل الخيرات مهما قلَّت، ويفعل السيئات مهما كانت فظيعة.

لو طلبنا لقاء الله عز وجل فالثمن محدد والباب مفتوح :

 كذلك:

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾

 أي اتَّصل بالله، وافعل الخير تقرباً إليه.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف: 110]

 إذا رجوت لقاء إنسان، يقال لك هذه الأسبوع مشغول، والذي بعده عنده سفر، والذي بعده يقال لك: عندنا ثمانون إنساناً ينتظرون فانتظر معهم، هذا إنسان، أما لو طلبت لقاء الله عز وجل فالثمن محدد، والباب مفتوح.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف: 110]

تعريف الدين كما ورد في القرآن الكريم :

 قال بعضهم: هذه الآية تلخيص القرآن كله، (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحَى إلي)، ماذا يوحى إلي؟ (أنما إلهكم إله واحد)، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، لا رازقَ ولا معطيَ ولا رافعَ ولا خافضَ ولا معزَّ ولا مذلَّ إلا الله، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الوجوه كلها:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 55-56 ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾

[سورة الفتح: 10]

﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 54]

﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

[سورة غافر: 20]

﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

[سورة الرعد: 11]

﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[سورة الزمر]

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة هود: 123]

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة الأنفال: 17]

 هذا هو الدين، وهذا كل دين..

فحوى الديانات كلها قول (لا إله إلا الله) :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[سورة الأنبياء: 25]

 هذا فحوى الديانات كلها، أفضل كلمة قلتها أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله.
 عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ وَلَا تَتْرُكُ ذَنْباً))

[ابن ماجه عن أُمِّ هَانِئٍ ]

(( لا إله إلا الله حصني من دخلها أمن من عذابي))

[كنز العمال عن عليّ ]

 هذه كلمة التوحيد أخطر كلمة في الدين، هي الدين كله، فاعلم - ليس فقل - أنه لا إله إلا الله، بل اعلم.

(( من قال: لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله ))

[الطبراني عن زيد بن أرقم]

(( من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية اللّه إذا خلا بها لم يعبأ اللّه بسائر عمله شيئاً ))

[ رواه الديلمي عن أنس ]

 قال تعالى:

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾

 هذا الدين كله، فإذا كانت صلاة الرجل شكلية وليس له عمل صالح، فكل أعماله غير مجدية، يقول: تعلَّمنا هذا العلم، يقال له: تعلمته لتباهي به الناس، خذوه إلى النار..

المحافظة على الصلاة أن تكون على جادة الاستقامة :

 ألفنا هذا المؤلف الفلاني، هذا المؤلف دقيق فيه فهرس أعلام، وفهرس للموضوعات، وفهرس أماكن، وفهرس أزمنة، وفهرس للآيات وللأحاديث، وله مقدمة وفصول وقرَّظه كثير من الأدباء والعلماء، وتجليده جيد، وتباهيت به، لكنه لم يكن عملاً يُرجى به وجه الله.
 الدين صلة بالله عز وجل، وإحسان إلى الخلق، فكل شيء ينتمي لهذين الشيئين فهو مجدٍ ومثمر، وكل عمل بعيد عن هذين الجوهرين فهو عمل لا جدوى منه، كأنه خسارة.
 أحد كبار العلماء توفي ترك مئة مؤلف، رآه تلميذه في المنام، قال له: يا سيدي ماذا فعل الله بك؟ قال: طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل، هذه الصلة، ألك صلة بالله عز وجل؟ إذا وقفت بين يدي الله، هل تشعر أنك أقبلت عليه؟ أما هذه الصلاة الشكلية، قال له: قم فصل فإنك لم تصل، إقامة الصلاة لا أن تقول الله أكبر، أن تقيم هذه الصلة: حافظوا على الصلوات، إنْ أذّن ذهبنا إلى المسجد، ليس هذه المحافظة، المحافظة أن تكون مستقيماً بين الصلاتين، حتى إذا جاء وقت الصلاة وقفت وأنت مقبل على الله ولست خجولاً منه سبحانه وتعالى، هذه المحافظة على الصلاة أن تكون على جادة الاستقامة.

﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾

 أيْ افعل الخيرات من أجل أن ترقى في الدنيا والآخرة، لأنه كل إنسان جاء إلى الدنيا ولم يعمل صالحاً فليس عند الله مقبولاً، يا رسول الله إن فلانة تذكرُ أنها تكثر من صلاتها، تكثر، ليس تصلي، ما معنى تكثر؟ أي لها قيام ليل، ضحى، أوابين، وصدقتها، ليس الزكاة، زكاة وصدقة، وصيام، غير أنها تؤذي جيرانها، قال: هي في النار.
 بني الإسلام على خمس، هل تسمى هذه الدعائم هي الإسلام، لا، هذه دعائم الإسلام، وليست هي الإسلام.

(( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

المعنى الحقيقي للإسلام :

 الإسلام بناء آخر؛ لما سأل النجاشي سيدنا جعفر عن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام فماذا قال له؟

(( قال: أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْماً أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ ))

[ أحمد عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ]

 هذا هو الإسلام، الإسلام صدق، والإسلام عفة، والإسلام أمانة، والإسلام ورع واستقامة، والإسلام عمل صالح، هذا الإسلام، أما الصلاة فليست هي الإسلام، بل هي إحدى دعامات الإسلام، يقوم عليها الدين، هل المدرسة بناء؟ ليست بناء، ولا مقاعد، ولا سبورة، ولا كتباً، إذاً ما هي؟ المدرسة علم، قد ترى مدرسة، ولكن ليس فيها علم، ليس فيها مدرسون، بناء مدرسة وغرف صفوف، ومقاعد وسبورة وغرفة إدارة وملعب، وليس فيها مدرسون، لا نسمي هذا البناء علماً، العلم شيء آخر، العلم مدرس دخل الصف ألقى محاضرة علم، فيها الطلاب، فالإسلام غير الصلاة، قم فصل فإنك لم تصل:

((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ))

[أحمد في كتاب الزهد]

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 حجوا قبل ألاَّ تحجوا، قد يأتي زمان يحج الإنسان ويرجع كما ذهب، يبقى مقيماً على معاصيه.

﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾

 لئلا تُحجب بالنعمة عن المنعم صلِّ، لئلا تكون جاحداً لهذه النعمة صلِّ، ومن أجل التقرب إلى الله عز وجل انحر، هذا هو الدين.

الأشرار عصيٌّ بيد الله عز وجل :

 هناك أحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام فيها جوامع الكلم، وفي الأثر الموقوف:

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه))

[كنز العمال من قول عليّ]

 إنّ الدين كله في هذا الحديث، لا تخف من إنسان، لا شيء يخيف إلا الله، هذا المخيف بيد الله عز وجل.

 

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا  فإنا منحنا بالرضى من أحبنا
ولذ بحمانا و احتم بجنابنــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـا
* * *

 الخلق الشريرون بيد الله عز وجل، إما أن يرخي لهم الحبل ليصلوا إليّ، وإما أن يبعدهم عني، علاقتي مع الله عز وجل. إذا تلقى رجل ضربةً بعصاً، فهل يتشاجر مع العصا، إذا فعل يكون أحمق، فهؤلاء الأشرار عصيٌّ بيد الله عز وجل، هذه أدوية في صيدليته، فيها أدوية منوعة، الشريرون أدوية في هذه الصيدلية، أحياناً لا بد له من إنسان شرير ليخيفه، ويأكل له ماله، فقد يكون ماله حراماً، قال تعالى:

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾

[سورة النساء: 90]

كل شيء يحدث بقضاء من الله وقدر :

 قال تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾

[سورة الحديد: 22]

 التفسير الوجيه لهذه الآية: إن كل إنسان له عند الله صفحة هي سِجِلُّ أحواله، دخله، إقباله، صلاته، طهارة نفسه، علاقاته الاجتماعية، فيها هل له معاصٍ أم لا معاصي له، فربنا عز وجل بناءً على هذه الصفحة، وعلى هذا الكتاب يرسل له مصيبة.

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾

[سورة الحديد: 22]

 قبل أن تنزل المصيبة، هناك دراسة مستفيضة حول حالة الإنسان، من قبل أن نبرأها، فما قُضِيَ للإنسان أنْ يأتيه فلا بد أن يأتيه، لأن الله سبحانه وتعالى حكيم عليم، اطلع على قلبه فرأى انحرافه، فقدّر له ما يرجعه، وهذا تفسير مبسط للقضاء والقدر، القضاء من الحكم، والقدر من التقدير، فربنا عز وجل اطلع على هذا الإنسان فحكم بإعراضه، فقدر له ما يرجعه إليه، كل شيء بقضاء من الله وقدر:

((والإيمان بالقضاء والقدر يذهب الهم والحزن))

[ ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي هريرة]

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

القضاء هو الحكم والقدر هو التقدير والقضاء والقدر دائماً لمصلحة الإنسان :

 ربنا عز و جل كل يوم هو في شأن، اليوم نظر لهذا الإنسان فرآه مقبلاً فقدر له إكراماً، وإن رآه معرضاً قدَّر له معالجة، فالقضاء هو الحكم، والقدر هو التقدير، والقضاء والقدر دائماً لمصلحة الإنسان، بيده سبحانه الخير كله:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة آل عمران:26]

 الإعزاز خير والإذلال خير، العطاء خير والمنع خير، هذا تفسير قول

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور