وضع داكن
05-03-2024
Logo
قناة أضواء الرباط –الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي : 07 - علامات قيام الساعة الكبرى.
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

أحَمدُ الله ربَّ العالمين حَمدَ عباده الشَّاكرين الذَّاكرين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين ، و أن سيدنا محمداً عبده ورسوله . اللهم صلَّ وسلَّم وبارك عليك يا سيَّدي يا رسول الله صلاةً و سلاماً دائميْن متلازميْن إلى يوم الدِّين ، ثم أمَّا بعد ، أحبَّتي في الله السَّلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته . طِبتُم وطاب ممشاكم وتبوَّأتُم من الجنة مقعداً إن شاء الله ربُّ العالمين ، ونسأله عز وجل كما جَمَعَنا في هذا المسجد المبارك أن يجَمَعَنا في ظِلِّ عَرشِه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه ، وأن يتوفَّانا وإيَّاكم على كلمة التوحيد ، وإن أراد بعباده فتنةً فليقبِضنا إليها معافين ، غير فاتنين ولا مفتونين ، وغير خزايا ولا نَدامى ولا مُبدِّلين وهو وليُّ ذلك والقادر عليه ، وأُثنَّي بالصلاة والسلام على المعصوم سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا ربي تسليماً كثيراً .

علامات الساعة الصغرى من رحمة الله عز وجل بعباده :

عِشنَا في المحاضرتين السابقتين في بعضٍ من علامات الساعة الصغرى وقلنا : إنَّ من رحمة الله عز وجل أن ربَّ العباد سبحانه وتعالى جعل لنا هذه العلامات علامات الساعة الصغرى كي يُفتَح المجال لمن أراد أن يتوب ، و قلنا : إن المسألة في مسألة علامات الساعة ليست دراسة أكاديمية نتحدَّث فيها عن هذه العلامات وإنما ليثبت لنا أولاً : صِدقُ رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو الصَّادق فيما بَلَّغَ عن ربه ، وليَثبُتَ لنا ثانياً أن الله بالمسلمين رؤوفٌ رحيم ، وقد بيَّن لنا هذه العلامات حتى نؤوب إلى ربَّ العباد عز وجل ، كما - ولله المثل الأعلى - لمَّا نِصف العام يُولِّي ويقترب العام الدراسي من النهاية يبدأ المُعلِّم النَّاصِح ويبدأ الأب الشفيق والأم الحنونة على أولادها تُنبِّه الأولاد والبنات ، يا أولاد الامتحانات على الأبواب ، يا بنات الامتحانات أوشكَت ، يا أولاد استعدوا ، يا أولاد ذاكروا ، يا أولاد راجعوا .

المسألة لأنها ضد هوى النفس تكون ثقيلة على الأولاد و ثقيلة على البنات ، لماذا ؟ لأنه عندما نأمُر أمراً لا يكون مع هوى النفس لا تتقبَّله النَّفس برضا ، بدليل أنَّ كل واحدٍ منَّا لو تركناه يتحدث عن همومه لملأ الخليقَ كله هُموماً ، كل واحد لديه هُموم ، كل واحد لديه هَمّ بطريقته . و لكن القضية الأكبر أنَّ همَّك الأساسي هو أن يرضى عنك ربُّ العباد عز وجل . يجب أن يكون الهمّ الأساسي :

(( ( إن لَم يَكن بِكَ غَضبٌ عَلَيَّ فلا أُبالي ) ))

[ [ الطبراني ] ]

هكذا قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم .

ذكرنا أن علامات الساعة الصُّغرى في الكتب المعتمدة والأحاديث الصحيحة ومن قبل ذلك كتاب ربِّنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تربو على التسعين علامة ، وتستطيع كما قلنا في المحاضرة الأولى أنَّ تقريباً جُلَّ هذه العلامات قد ظَهَر، وتوقَّفنا بالأمس عن عيَّنات أخرى من علامات الساعة الصُّغرى ، وتوقَّفنا عند تقارب الزمان ، وكَثرَة الهَرَج ودخول الرويبِضَة في مجال الفتوى ، وقلنا الرويبِضَة : التَّوافهُ من الناس حتى يقول صلى الله عليه وسلم

(( ( لن تقومُ السَّاعةُ حتَّى يَكونَ أسْعدَ النَّاسِ بالدُّنيا لُكَعُ ابنُ لُكَعٍ ) ))

[ [ الترمذي ] ]

و لُكَع في اللغة : أي من لا قيمة له .

هو سعيد في الدنيا ، تافه لا أمل عنده ، لا منهج ، لا أهداف ، مُتعِب لأبيه ، مُتعِب لأمِّه ، مُتعِب لأهله ، مُتعِب لجيرانه ، مُتعِب لمن يعمل معه ، على هامش الحياة ليس له أهداف كبيرة يُحقُّقها ، لا تعتمد عليه في صغير الأمر ولا كبيره ، أهوج ، أحمق ، هذا هو السعيد في الدنيا . تجده يتراقص على المسرح يَمْنةً ويسرة ، فرح بالدنيا ، فرح بالموسيقى ، سبحان الله نسأل الله الهداية للجميع ، لكن لن تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لُكَع ابن لُكَع ، لماذا ؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( ( بدأ الإسلامُ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بدأ فطُوبِى للغرباءِ ، قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : المُستَمسِكون بسُنَّتي عند فساد أمِّتي ) ))

[ [ صحيح مسلم ] ]

تمسَّك بالسُّنة ، تمسَّك بكتاب الله ، تمسَّك بأهدافه ، بمبادئه ، بقيَمه ، يبحث عن مرضاة الله ، ويبحث عما يُرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

العبرة من يضحك في الآخر :

بقي أن نتحدث اليوم كما وعدنا عن علامات الساعة الكبرى . علامات الساعة الكبرى المشكلة الكبيرة فيها هي أن عند ظهور أول علامة قلنا إن باب التوبة يُغلَق .

{ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) ﴾ }

[ [ سورة الأنعام ] ]

انتهى ، الشاب يريد أن يتوب يجد الباب قد غُلِّق تماماً مثل توبة فرعون ، هل نَفَعَ فرعون كلامه الذي قال لمَّا دخل الماءُ في فمه ، ماذا قال :

 ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ ماذا قال : قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) تقول له الملائكة أو يقول له ربنُّا سبحانه وتعالى ، أو يَردُّ القرآن عليه : آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91 ) ﴾ 

[ [ سورة يونس ] ]

معقول أيها المجرم تأتي في هذه اللحظة وأدركتَ الغرق ، وحتى من كِبرِه لم يقل آمَنتُ بالله ، آمَنتُ بالقاهر ، بالقادر ، بالخالق ، لا ، آمَنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، بالذي يقولون عنه هذا ، سبحان الله انظر إلى الكِبْر ، الكِبْر أوصَلَهُ إلى أين ، ليس آمنتُ بالله ربّ العالمين ، آمنتُ به خالقاً قادراً ، آمَنتُ به غافراً للذنب ، لا ، آمَنتُ بالذي آمَنَتْ به بنو إسرائيل. حتى يُقال في بعض الآثار أنَّ جبريل كان يُحدِّث النبي صلى الله عليه وسلم و يقول :

(( ( يا رسول الله والذي بَعثَكَ بالحقِ نبيَّاً لو رأيتَني عندما قال فرعون آمَنتُ- وهو ألم يقل آمَنتُ بالذي آمنت به إسرائيل - كنت أدُسُّ الماء في فَمِه كي يغرق قبل أن تُدرَكَه رحمة الله ) ))

[ [ الترمذي ] ]

أي جبريل كأنمَّا يغار على مقام الله عز وجل ، يغار على هذا المُجرم الذي ادَّعى ماذا ؟ ادَّعى الأُلوهيَّة . يا أخي ممكن أن تفعل أي شيء إلا إدعاء الألُوهيَّة ، نعم . قال :

{ ﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24) ﴾ }

[ [ سورة النزاعات ] ]

{ ﴿ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) ﴾ }


{ ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) ﴾ }

[ [ سورة غافر ] ]

أي فرعون يمرُّ على سيدنا موسى ليُظهِرَ ماذا في الأرض ، إذا أنت مُجرم ماذا تُظهِر ؟ إذا كان موسى هو صاحب الإفساد كما ترى فأنت صاحب ماذا ؟ هذه سُنَن الله في الكون .

{ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) ﴾ }

[ [ سورة المطففين ] ]

فربِّنا يُعوِّض المؤمنين يوم القيامة ، أحياناً مثلاً تجد ابن عمك لا يُصلِّي ، ولا يتَّقي الله ، وعندما يراك وأنت قادم من المسجد ، يقول : شيخ الإسلام وصل ، و يقول لك : خُذني على جناحك ، احجز لي مكاناً بجانبك ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، يا أخي أنت مُبتلى بالبُعد ، لا داعي لأن تَسخَر من الشاب المؤمن

{ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴾ }

انتبه أنا ضَحَكتُ على الشيخ ، سَخِرت منه ، أحرجته أمام الناس ، ماذا تستفيد من ذلك ؟

{ ﴿ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾ }

فالمسألة تَنقلِب أو تنعدم يوم القيامة فاليوم ، ما اليوم ؟ يوم القيامة ؟

{ ﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾ }

[ [ سورة المطففين ] ]

المشكلة الذي يضحك في الأول أو في الآخر ؟

الذي يضحك في الآخر . اللهم أضحكنا في آخر الأمر يا رب العالمين . لأن ربَّ العباد هو الذي أضحك وأبكى .

{ ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ (43) ﴾ }

[ [ سورة النجم ] ]

أضحَكَ أهل النَّعيم في الجنة وأبكى أهل العذاب في النار .

اللهم لا تجعلنا منهم واجعلنا من أهل الجنة يا رب العالمين .

علامات الساعة الكبرى :

1 ـ إشراق الشمس من الغرب :

عندنا ست علامات كبرى ، أول ما تظهر الأولى تتابع الأخريات بعدها . وكل الأحاديث التي تحدَّثت عن ظهور العلامات الكبرى طبعاً يوجد خلاف بين العلماء ، هناك من يقول : عشر علامات ، ومن يقول : تسع ، ومن يقول : اثنتا عشرة ، على كل نحن ركَّزنا على ست علامات ثَبَتت في البخاري و مُسلِم ، وطبعاً من قبل في القرآن .

أول علامة اختلف العلماء أيُّهما قبل الآخر ، هل يا ترى طلوع الشمس من الغرب أم ظهور الدابة ؟

العلماء على رأيهم ونحن نُرجِّح طلوع الشمس . الناس في يوم من الأيام بعد أن يصلوا الصبح ينتظرون أن تشرق الشمس ، لم تُشرِق الشمس ، تَعَطَّلت وتعجَّب الناس ، هكذا يروي لنا حبيبنا الصَّادق المَعصوم صلى الله عليه وسلم ، فيَصَيح صائح ، صائح يصيح : ها إن الشمس قد طَلُعَت من الغرب . يا الله . المؤمن أول ما يرى هذه العلامة يقول :

{ ﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)﴾ }

[ [ سورة يس ] ]

المجانين الذين لا يؤمنون بالله ، والذي يقول لك بعلم الفَلَك : أصل الأرض عندما دارت وتدور وتَلُف ، يا عمي لا هذا ولا ذاك ، الشمس أشرقت من الغرب هذه علامة من علامات الساعة ، انتهى. لا نريد أن ندخل في فلسفة و لا في أي شيء آخر ، ثبت علميَّاً من ثلاث سنوات أن المريخ قد أبطأ في حركته جزءاً من الثواني ، فالشمس أشرقت عليه من الغرب، فقال علماء وكالة ناسا : إن الشمس طَلُعَت يوماً على كوكب المريخ من الغرب وسوف يأتي زمن - العلماء الذين لا يؤمنون ولم يقرؤوا البخاري ولا مُسلِم ولا يعرفون أي شيء عن الإسلام - تُبطِئ الكرة الأرضية أو الكوكب الأرضي سوف يُبطئ في حركته فتطلُع عليه الشمس يوماً من الغرب .

هذا كلام العلم الأكاديمي من غير أن يقرؤوا أو يسمعوا الشيخ عمر ولا الشيخ فُلان ولا الشيخ عِلَّان .

الشمس تَطلُع من الغرب .

(( الصحابة سألوا : ( كم مُكثُها يا رسول الله ؟ صحابة عندهم عقول نيَّرة ، يرتبطون بالآخرة ، يرتبطون بالله عز وجل ، يسأل السؤال ، كم تستغرق ؟ يوم مثل أيامنا ؟ قال : أول يومٍ تمكُث سنة ، سنة كاملة ) ))

[ مسلم ] 

الله من رحمته لو جعل علينا الليل سرمداً إلى يوم القيامة ، من يأتينا من بعد الله بنهار نستطيع أن نتعايش فيه مع مصالحنا ؟

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) ﴾ 

[ [ سورة القصص ] ]

نحن نقول : إن من كَرِم الله أن الليل يتعاقب مع النهار فيأتي الليل في سُبات نستريح ، و من ثم العلم الحديث يقول لك : لا بد أن تنام في الظلام ، لماذا ؟ يقول لك : إن كمية الضوء الداخلة إلى الجسم تؤذيه أذىً عجيباً طوال النهار ، و لابد أن تنام في الليل في الظلام لكي تبدأ هذه الأشعة الخطرة بالخروج من الجسد ، فلو نمتَ بالنور ولو كان النور قليلاً هذا لا يساعد هذه الموجات على الخروج من الجسم ، ولذلك قبل أن يقول العلم هذا ماذا قال لنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم ؟

((  إذا دخل الليل فأغلِق الباب ، وأوكِ السِّقاء ، وأطفئ المِسرَجَة ))

 [ مسلم ] 

أغلِق الباب من أجل اللصوص كاحتياط ، و أوك السِّقاء : غَطِّ الأواني ، الله أعلم في الليل يوجد حشرات ، ميكروبات ، أَوكِ السٍّقاء ولو بعود قش ، أنا لم أجد غطاء للكأس والإناء أغطيه ولو بعود قش . يقول لك شخص : ماذا سيزيل ذلك العود من القش ؟ يمكن هذا الميكروب يقع على العود فلا ينزل فيما تشرب وفيما تأكل . فالرسول يحافظ لك حتى على حياتك في الدنيا ، حناناً منه صلى الله عليه وسلم ، بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم . و بعد ذلك أطفئ المِسرجَة : أطفئ الأنوار ، نم في الظلام .

أول يوم تَمكُثُ سنة ، سنة نهارٌ كامل لا ليل فيه ، أول سؤال يسأله الصحابة بأن الأمر يَهمُّهُم بالدرجة الأولى من ناحية الدِّين ، قالوا : يا رسول الله كيف نُصلِّي يومها ؟ أول شيء سألوا عنه ماذا ؟ الصلاة ، لأن الصلاة في ماذا ؟ في كيانهم ، في عقولهم ، في قلوبهم ، أول ما سألوا كيف نصلي ؟ لا يوجد ساعات ، ولا مُنبِّهات ، ولا راديو ، ولا تلفاز ، ولا غيره يعرفون من خلالها الأوقات ، قال :

(( ( اقدْروا بهذا اليوم قَدْراً ) ))

[ مسلم ] 

نحن استفدنا من هذا الحديث الأخوة الذين يعيشون في القطب الشمالي في اسكندنافيا ، وبعض من بلاد شمال أوروبا يأتي رمضان عندهم ، ويكون العشاء الساعة الثانية عشرة والنصف ، والفجر الساعة الثانية والنصف صباحاً ، فالليل عبارة عن ماذا ؟ عبارة عن ساعتين . ويوجد مدن أو مناطق في النرويج لا يرون الشمس أشهراً عدة ، ظلام دامس ، يظلَّون مُكتئبين و عصبيين و عندهم اكتئاب ويأس ، سبحان من أعطانا هذه الرحمة والنور والشمس و هذا من كرم الله علينا ، إذاً كم تصبح مدة الصيام كم ساعة ؟ تصبح اثنتين وعشرين ساعة . يشتكون من أولادهم هناك ، ولد عمره خمس عشرة سنة معقول يصوم اثنتين وعشرين ساعة ؟ نقول له : لا يا بني ، لا يصوم اثنتين وعشرين ساعة ، كيف يصوم يا شيخي ؟ نقول له : ينقطع عن الصيام مع أذان الفجر ويحسب أقرب مدينة على نفس خط الطول أو يأخذ بتوقيت أم القرى مكة ويحسب كم ساعة يصوم أهل مكة ؟ أهل مكة مثلاً يصومون ست عشرة ساعة ، أو خمس عشرة ساعة ، يُفطِر ولو كانت الشمس في كَبِدِ السماء .

{ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) ﴾ }

[ سورة البقرة ]

لأنه ماذا قال : ( اقدروا لهذا اليوم قدراً ) قَدَّر اليوم لماذا ؟ لأن الولد لا يستطيع أن يصوم ، ووالده أيضاً الذي يعمل وعنده مهام فكيف يصوم بهذه الطريقة وقد أباح لهم أخواننا ونحن نُبيح معهم في المجلس الأوروبي للإفتاء ؟ حيث أنه أحياناً أوقات العشاء تكون في الساعة الواحدة ، لو انتظر العشاء ليُصلِّي الساعة الواحدة ويستيقظ ليذهب إلى عمله الساعة الخامسة لا يستطيع . فأبَحنَا له أن يجَمَع العشاء مع المغرب ولكن بعد أن تدخل العَتمَة. الأحناف يقولون : إن العَتمَة إذا دخلت ذهب المغرب ودخلت العشاء . العَتمَة عند الأحناف قبل العشاء بنصف ساعة ، عند الأحناف صار المغرب قضاءً ، فنأخذ هذه الفتوى عن أبي حنيفة ، ونُقرِّبُها ، ونجَمَع لهم فقهاً خاصاً ، أي هذا ليس من فقهنا في دولنا العربية .


المهم ، الفُتيا تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص .

((  يا رسول الله ، أول يوم الشمس تّظَلُّ سنة ، ولكن ثاني يوم ؟ قال تَظَلُّ شهراً ، وثالث يوم تَظَلّ جُمعةً ، واليوم الرابع يومٌ كيومكم هذا)) 

 [ مسلم ] 

كم تستمر العملية ؟ تستمر مُدَّة لا يعلمها إلا الله . رَوت بعض الأحاديث أنَّ بعد هذه المدة أربعين يوماً أو سنة كاملة ، المهم الشمس تَظَلّ ، الكون ابتدأ يختل ، الكون من ملايين السنين الشمس تشرق من أين ؟ من الشرق ، أصبحت الشمس تشرق من أين ؟ من الغرب . آذنَت الدنيا بالزوال . قال ربنا :

﴿ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)﴾ ﴾

[ [ سورة إبراهيم ] ]

ما معنى ذلك؟ السماوات وغير السماوات أيضاً . هكذا معنى الآية .

﴿ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)﴾ ﴾

هذه أول علامة .


2 ـ ظهور الدابة :


إذا ظَهَرت فالأخرى على أثرها ، ما هي هذه الأخرى ؟ إذا وقَعَ القول عليهم . حَقَّت الساعة . وعلامات الساعة الكبرى .

﴿ ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82) ﴾ ﴾

[ [ سورة النمل ]  ]

سيدنا تَميم الداري كان نصَرانيّاً و أسَلَم ، أصبح صحابياً ، ( فقال يا رسول أنا أريد أن أُحَدِّثُك بالعَحَب الذي رأيت ، خَبِّر يا تميم ؟ قال تميم الداري كان رحَّالة يحب أن يسافر كثيراً ، قبل حكاية تميم بيوم ، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَقُصّ على الصحابة ويشرح لهم قضية الدابة والمسيح الدجال ، في اليوم الثاني أسلَم تميم ، جاء مسلماً وقال : يا رسول الله ركِبنا السفينة مع ثلاثين رجلاً من لَخْم ، قبيلة اسمها لَخْم ، قبيلة لَخْم ، فأَرفَأَت بنا إلى جزيرة ، أين وصلت السفينة ؟ شاطئ الجزيرة ، فنزلنا ، فإذا بِدابَّةٍ أهلَبْ ، دابَّة أهلَبْ ، أي لا يُدرى رأسُها من ذَنَبِها ، كثيفة الشعر، في حجم النَّاقة ، لا يعرفون رأسها من ذيلها ، لا يعرفون أين الرأس وأين الذيل ، فإذا بها تُحدِّثُنَا من أين القوم ؟ فظنَنَّا أنها شيطانة ، لأن العرب قديماً كانوا يقتنعون بوجود الغول والغوريلا والجنّ يكلِّمهم ، أي كلام ، وكأن الجن يظهر لهم مُستَتِراً ، ولكن كان عندهم قناعات بهذه الأمور، والهامَة التي تخرج مكان القتيل ، كان عندهم قناعات خيالية بهذا الأمر، فظنَنَّاها شيطاناً فجَرينا ، ماذا فعل الرجال الثلاثون ؟ جروا ، هربوا . فتَبِعَتْنا ، يا الله ، قالت : إن ها هنا رجلٌ يريد أن يلقاكم ، يا الله ، فَتَبِعناها ، تتكلم بلسان عربي .

الرسول صلى الله عليه وسلم اصطحب معه واحد من الصحابة اسمه مُريْدة في منطقة قريبة من الحَرَم وأشار بيده على قطعةٍ من الأرض قال ( يا مُريَدة من هنا تخرج الدابَّة ) حدَّد المكان ، لأن الله يُريه ما لا يُرينا صلى الله عليه وسلم ، يرى ما لا نرى ، ويعرف ما لا نعرف عليه الصلاة والسلام ، حدَّد مكان خروج الدابة .

(( قال : فدخلنا في كهفٍ عميق ، إليه رجلٌ ضخم الجُثَّة مُقَّيدٌ بسَلاسَل من حديد ، يديه إلى رُكبتيه ، إلى الجدار الذي خلفه ، جالس القرفصاء ومقيَّد ، له عين طافيَةٌ كالعِنَبة ، والعين الأخرى ممسوحة . يا ستار يا رب شكله مرعب . قال : من أين القوم ؟ قلنا : نحن قوم من العرب ، قال : هل بُعِثَ نبيُّ الأمُّيين ؟ قلنا : بلى ، عليه الصلاة والسلام ، أبخل البخلاء من سَمِعَ اسمه ولم يُصلِّ عليه ، اللهم صلِّ عليه ، قال : وهل آمَن الناس به ؟ قال : بعضهم آمَن وبعضهم كذَّب ، قال : وهل مازال في بحيرة طَبريَّا ماء ؟ قلنا : نعم . قال : سوف يأتي زمن يَجِفُّ فيها الماء ، وهل مازالت نخلُ بَيْسَان تَطرَح تمراً و رُطَباً ؟ قلنا : نعم . قال : سوف يأتي زمن لن تَطَرح . وما صَنَعَتْ عين زُغَر ؟ كان يسألهم عن مناطق جغرافية في الجزيرة العربية ، وهم يتعجبون ، كيف عرف الرجل بها ؟ قلنا من أنت ؟ لماذا تسألنا ؟ والنبي الذي بُعث وبحيرة طبرية إلى آخره ؟ قال : أنا المسيح الدجال . يا الله. فخُفْنا ، هم لم يعرفوا القصة ، والعرب كانوا أمُّيين لا يقرؤون ، ولم يقرؤوا عن التوراة و لا الإنجيل ، ولا غيره ، وقلنا : وما الذي وضَعَك هكذا ؟ قال : لم يُؤذَن لي بَعدُ بالخروج لكن سوف يُؤذَن لي) ))

 

[ [ أخرجه مسلم ] ]

وقَصَّ القصة الباقية التي سوف آتي لها في العلامة الرابعة إن شاء لله رب العالمين.

تميم الداري قصّ هذه الحكاية على النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال الرسول للصحابة بعد صلاة المغرب (على مَصَافِّكِم إن تميماً الدراي أخاكم في الله قد شَرَحَ الله صدره للإسلام ، ورأى ما قصَصتُه عليكم البارحة فأريد أن تسمعوه منه ، قُصّ يا تميم )

قَصَّ تميم ما قَصَّهُ على النبي من يومين .

نعود إلى الدَّابة ، الدَّابة أول ما تخرج تدخل على الناس من باب الحَرَم ، سُرعتها في الأرض سرعة الريح المُرسَلة ، تَضَع قدمها في المكان الذي يصل إليه نظرها .

هي مثلاً تنظر من هنا وعينها تأتي إلى أين ؟ قطر مثلاً ، عينها الأولى في قطر ، النظرة الأخرى في البحرين وتجدها في البحرين ، النظرة الرابعة في القاهرة تجدها في القاهرة وهكذا ، سُرعَتُها كالريح المُرسَلة ، تُمسِكُ معها شيئيين ، خاتم سليمان بن داود ، وعصا موسى بن عمران ، معها هذين الأمرين ، كلما وجدت إنساناً إمَّا لمَسَت وجهه بخاتم سليمان ، فينزل عليه النور ، يُنير، يضيء ، مثل الإخوة حضرتكم وجوه مضاءة لأنكم تصلّون الفجر ، وقد صليتم الظهر ما شاء لله ، الوجوه تضيء باستمرار بالمحافظة على الصلوات الخمس، يَبَيضُّ وجهه ، ينزل عليه هالة من النور، و تَختِم أنف الكافر والفاجر بعصا موسى ، فيَكلَحُ وجهه ، ماذا نزل على وجهه ؟ غَبَرَة ، فيتعامل الناس زمناً وتختفي الأسماء و ينادي الناس يا مؤمن ، يا كافر ، فقط ، يا مؤمن ، يا كافر ، لا يوجد شيء غير ذلك ، لا يوجد محمد و لا أحمد ، ولا عبد الله  و لا عبد الكريم ، و لا محسن ، ولا أسماء ، أبداً ، الأسماء وجه عليه نور ينادي الناس بماذا ؟ تعال يا مؤمن ، اذهب يا كافر ، والعياذ بالله يا رب العالمين . 

[ [الترمذي ] ]

اللهم اجعلنا من المؤمنين ، الدابَّة الله عز وجل يقول : تُكَلِّمُهُم ، تُكَلِّمُهُم بماذا ؟ تُكَلِّمُهُم بما أحدثوا في دين الله عز وجل ، و تُكَلِّمُهُم بأنهم نسوا ربَّ العباد عز و جل ، كأن العلماء لم يكتفوا بالوعظ ، وإنما الوعظ ما أثَّرَ في الناس فجاءت الدابة لتُكمِلَ كلام العلماء .


3 ـ الدخان :


بعد ظهور الدابة ، تَمكُث في الأرض أربعين يوماً ، تظَهَر الآية الثالثة ، حيث يقول ربنا : 

﴿ ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ ۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) ﴾ ﴾

[ [ سورة الدخان ] ]

من سورة ماذا ؟ الدخان . 

فارتقب ، الكلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، انتظر يا محمد وانتظروا يا أصحاب محمد ، يوم تأتي السماء بدُخان . 

الدنيا تَكفَهِر ، ويَظَهَر فيها مثل رؤيتنا بالضبط للعواصف ولكن عبارة عن دُخان ساخن ، على رأس المؤمن المُصلِّي كالزَّكْمَة ، مثلما ورد في صحيح البخاري ، أي يصيب الإنسان بماذا ؟ بالزُّكام ، قليل من السُّخونة على الرأس مثل الزُّكام ، وعلى رأس الكافر و الفاجر كنيرانٍ تغلي فوق رأسه . 

الطف يا الله .

الناس تَضرَع إلى الله في الدعاء ﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾ ، تظل هذه الآية مُدَّة والمؤمنون بين كل حين يزداد الإيمان في قلوبهم ، أن ما قاله القرآن حقاً وما قاله الرسول صدقاً . 

وكارثِتُنا أننا ما درَسَنَا لا علامات الساعة الصغرى ولا الكبرى ولا ما بعد الموت ، لأننا كما قلنا في أول محاضرة ما قاله علي للحسن ولده : ( يا حسن يا بني ، ادرس الموت  و تعلمه جيداً حتى إذا جاءك فلا يفاجئك فيظْهرك ) .


4 ـ المسيح الدجال :


عندما تَنكَشِف مسألة الدُخان الناس تظن أنها بدأت تستريح ، تظهر العلامة الرابعة و هي أخطر العلامات ، يأذن الله للمسيخ الدجال أن يأتي ليَعيثَ فساداً في الأرض ، يمتَنِع عن أماكن ثلاث ، يُمنَع من دخول مكة ، يُمنَع من دخول المدينة ، يُمنَع من دخول بيت المقدس . قال صلى الله عليه وسلم : 

(( ( على أبواب مكة والمدينة ملائكة تَطرَدُه أو لا يستطيع أن يَشُمَّ رائحتَهم الطيبة ) ))

[ [ البخاري ] ]

أي هو نفسه لا يستقبل أنفه ولا حاسة الشم لديه الرائحة الطَّيّبة ، تعلم مثل ماذا ؟ يوجد أناس إن جاؤوا إلى المسجد مرة وجلسوا ينصتون للشيخ ، عن ماذا يتكلم الشيخ ؟ يقولون : عن علامات الساعة ، ونحن نعرف علامات الساعة فيذهبون ، تَزُكُم سَمعَه الكلام الطيِّب لا يريد ، يقول لك : نحن نعلم ذلك ، يا سيدي بارك الله فيك ، و عمر بن الخطاب كان يعرف ، و تميم الداري كان يعلم .

أيضاً يوجد أناس كما أقول دائماً فيها من أخلاق الحشرات السُّوء كله ، يوجد نوع من الحشرات تعرفونها اسمها : الخنافس السوداء ، الخُنفساء لو وضعتها في كومَة الورد والعطر و الطِّيب والريح الطَّيِبة ، أتعلم ماذا تفعل ؟ تختنق وتموت .

ضعها في كومة السَّماد والعفونة وأعزك الله القمامة و الرَّوَث والرائحة الخبيثة تنتعش، هل يوجد في الإنسان مثل هذه الصفة ؟ نعم ، إذا أطال الخطيب في الخطبة خمس دقائق ، ماذا يفعل ؟ ينظر إلى الساعة ويعدل في الشيء ، ومن ثم يقول لك : يا أخي إذا صليت فقط ، تستثقل عليه الخطبة ، لكن لو حكم المباراة أعلن التعادل في نهاية المباراة أيفرح أم لا يفرح ؟ يفرح مع ضربات الزيادة ، وضربات الجزاء ، وضربات على دماغه ، كلها ضربات، فرح بذلك ، الأهبل البعيد ، لكن سبحان الله المؤمن يُحب الذكر ، يحب الرائحة الطَّيبة، يحب الشيء الجميل ، سبحان الله . 

بعض من الناس إذا جلس في مجلس الغيبة والنميمة ، الله ، يقول لك : وبعد ذلك ؟ ولماذا طردوه من العمل ؟ ما علاقتك بذلك ؟ وتقول : أنا كنت متوقعاً له ذلك ، وعندما طردوه من العمل ماذا حصل ؟ تحسَّر ؟ ضغطه ارتفع ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله ، هذه أخلاق الخنافس، اللهم أعذنا وإياكم منها .

هناك نوع آخر من الناس مثل حضرتكم في أخلاق النَّحل ، النحل واضع على باب الخليَّة ، والذي درس في علم العسل وعلم النحل حَرَساً ، تشمُّ الأفراد الداخلَة بعد أن جَمَعَت الرَّحيق ، فإذا تعَلَّقَت بأرجل العاملات الحاملَة للرِّحيق بعض من القاذورات أو رائحة كريهة يطردُها الحراس حتى تُنَظِّف نفسها وتعود ، هكذا المسجد لا مكان فيه إلا للقلب الصافي كصفاء قلوبكم ، اللهم صَفّ قلوبنا بالإيمان يا رب العالمين .

المسيح الدجَّال يُمتَنَع عن الدخول إلى مكة وإلى المدينة ، يَصِل إلى أبواب المدينة يَخرُج إليه المنافقون الذين يسكنون فيها :

(( ( تنفي المدينة خَبَثَهَا كما ينفي الكير خَبَثَ الحديد ) ))

[ [ صحيح مسلم ] ]

المدينة تُخرِج الأشياء غير الطَّيبة ، أهل النفاق الذين يعيشون وسطه .

(( ( أتباعه أصنافٌ ثلاث : سبعون ألفاً من يهود أصفهان هكذا يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم ، والمنافقون والنساء ) ))

[ [ رواه أحمد ]  ]

ليست النساء المُصلِّيات الملتزمات ، المحجَّبات ، لا ، النساء كما قلنا في نهاية المحاضرة الأولى أتباع كل موضة ، تقول لك : هناك موضة جديدة أختي اسمها : المسيخ الدجال ، هلَّا ذهبنا ومشينا وراءه ؟ انظري ربما لديه أزياء جديدة ، و عنده تسريحة جديدة ، ويكون لديه خيبة جديدة من الخيبات .

يا مؤمن ، يا مؤمن أربع دول عربية السنة قبل الماضية كانت النساء تشتري من شركة مستحضرات تجميل معينة ، ستمئة طن أحمر الشفاه ، هل تعلم الطن كم كيلو ؟ كم كيلو بالله عليك ؟ ألف ، أي كم ألف كيلو ؟ ستمئة ألف كيلو غرام من أحمر الشفاه ، وتقريباً ثلاثة أرباعهم طُلِّقوا بعد ذلك ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، القضية ليست في أحمر الشفاه ، المهم الذي يخرج من الشفاه ، الكلام الطَّيِب الذي يَخرُج من الشفاه ، و اشتروا أربعمئة وعشرين طناً من طلاء الأظافر ، وثلاثمئة وخمسة عشر طناً من إزالة طلاء الأظافر، لا حول ولا قوة إلا بالله ، يا حسرةً على العباد ، دفعوا من المبالغ ، يقولون : والله كان المبلغ سبعة مليارات دولار ، وفينا في بلادنا العربية والإٍسلامية من يبيت من غير عشاء ، ويبيتُ في الطَّل والعراء ، وللأسف الشديد يسألنا رب العباد عنهم يوم القيامة .

المهم :

(( (المسيح الدَّجال ، ما سُرعته في الأرض يا رسول الله ؟ قال : سُرعَتُه كالرِّيح المُرسَلَة ، يا الله ، ريح ، ماذا يفعل ؟ الله أعطاه قدرة عجيبة ، يقول الأرض في هذا الوقت مَحَلَت لا تُنبِتُ زرعاً ، والسماء لا تُمطِر قّطْراً ، و ضُلوع البهائم تتَقلَّص ليس فيها قطرة لَبَن ، فيأتي أمام الناس فِتنَة ، فيقول : يا سماء أمطري ، تُمطِر ، يا أرض أنبتي زرعاً تَنبُت ، يا ضلعُ امتلئي لبَناً يمتلئ ). ))

[ [ مسلم ]  ]

ويقول : ( من آمن بي أدخلتُه جنتي ، ومن كفَرَ بي أدخَلتُه ناري ، وجنَّتُه نارٌ وناره جنة ) .

المؤمن في الدنيا المسلم مثل حضرتكم ما شاء الله كل يوم يفعل شيئين : يستعيذ بالله من المسيح الدجَّال وفتنه بعد كل تَشَهُّد ، كما علَّمَنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم ، و يقرأ عشر آيات من سورة الكهف ، من واظَب على قراءة أول خمس آيات و آخر خمس آيات من سورة الكهف كل يوم ، إذا وجد المسيخ الدجال أمامهُ ، قرأ على جبهته كلمة كافر ، انتبه ، إذا لم تنتبه إلى المحاضرة فهذه تكفي ، تقرأ الآيات الأولى الخمسة من سورة الكهف والآيات الخمسة الأواخر منها ، ربنا يُقرئك على جَبهَة المسيخ الدجال كلمة كافر فلا تتبَعُه ، فتعتبر كل هذا سبحان الله العظيم .

أعرابي يأتي من خارج المدينة ، من البادية ، تعرفون البدو لديهم شِدَّة في التعامل ، قال : أريد أن ألقى رسول الله عليه الصلاة والسلام – رضي الله عن عمر - كان واقفاً على الباب ، الرسول كان في حالة حزن شديد على تسعة من الصحابة قتلوهم بعض الكفار في قضية المُريسيع غَدراً وفُجوراً ، غَدروا بهم في الطريق ، قالوا لهم : يا محمد نحن بحاجة إلى أحد يُعلِّمُنا الدين ، فبَعَث معهم هؤلاء التسعة ، فقتلوهم في الطريق ، قتلوا ثمانية وفَرّ الأخير .

فالرسول حزن على صحابته ، في هذه اللحظة وصل الأعرابي ، قال : أنا أريد أن أكلِّم محمداً ، فقال : اسكت يا أعرابي، الرسول ليس في حالة ليسمع أحد . قال : من هذا ؟ من يمنعني عن رسول الله ؟ قالوا : هذا عمر بن الخطاب . قال إليك يا بن الخطاب ، والله لأدخُلنَّ عليه و لأكلمنه ، قال : يا أعرابي الرسول في حالة غضب ، قال : والذي بعثه بالحق لن أترُكَه حتى يبتسم .

أبو بكر تحنَّن إلى عمر ، يا عمر أدخله ، ادخل ، فدخل ، الرسول صلى الله عليه وسلم يستمع إلى الأعرابي ويقول : يا رسول الله سمِعتُ أحد الصحابة ينقل عنك أن المسيخ الدَّجال سوف يُمسِك زمامَ الطعام والشراب يوماً ، فما بالُك إن ادَّعيت يومها يا رسول الله أنني آمَنتُ به فأَضْرِمُ يدي في ثَريده - أدخل في الثَّريد لديه - حتى إذا شَبِعت كَفرتُ به مرة أخرى ، ما رأيك ؟ فابتسم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، هو قال : سأجعله يضحك ، سأجعله يضحك ، سبحان الله !

انظر والرسول حنون ، وهناك أناس ، ما علينا ، دعونا في الأعرابي الجميل هذا ، فالرسول ابتسم :

(( ( قال : سوف يُغنيك الله من فضله ، قال : كيف يا رسول الله ؟ أنا رجل جائع ، كيف يغنيني الله ؟ قال : طعامُ المؤمنين يومئذٍ التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل والتَّكبير يُلهِمُهُم الله إياه كما يُلِهمُهُم النَفَسَ ) ))

[  [ رواه أحمد ] ]

 الله . انظر إلى الذِّكْر كم هو جميل ، الملائكة هل يأكلون أو يشربون ؟ الملائكة منذ أن خَلَقَهُم الله إلى أن تقوم الساعة ماذا يفعلون ؟ يُسِبِّحون ، ماذا قال عنهم الله :

﴿ ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) ﴾ ﴾

[ [ سورة الأنبياء ] ]

ماذا ؟ لا يتوقفون .

كما تُلهَم أنت النَّفَس ، الشَّهيق الزَّفير ، شَهيق ، زَفير ، يُلهَم المَلَك ماذا ؟ التَّسبيح ، هكذا أنت ، إذا ظهر المسيخ الدَّجال ، وشعرتَ بالجوع ، تُسبِّح ، تَحمَد ، يُحدثني العلماء في وكالة ناسا عندما سألتهم : رواد الفضاء عندما يصعدون إلى الفضاء يأكلون الجُبن واللحم و الفول ؟ قالوا لي : لا ، لا يا شيخ لا يأكلون هذا ، إذاً ماذا يأكلون ؟ نُعطيهم كبسولات صغيرة ، تفي بحاجاتهم الشَّبعيَّة ، فيأخذ كبسولة صغيرة كأنه أكل الدجاج ، وأكل السمك ، وأكل الخبز ، سبحان الله ! لأنه لا يوجد هناك وقت . فإذا كان هذا بشرٌ مع بشر فما بالك بالمؤمنين مع ربِّ البشر ؟!

المسيح الدَّجال ، ألا يوجد أحد بطل يخرج ويذهب يَصرعُه أو يقتله ؟ يقول لك : لا، لا يُسلَّط عليه أحد ، لا أحد يستطيع عليه ، ماذا نفعل ؟ هنا يَضرَع المؤمنون إلى الله بالدعاء ، قل : يا رب خَلِّصْنا من هذا الهم ، يعمل فتنة ، يأتي بشخص - مثل الذي يُسحِر الناس - ثم يأتي بالسيف ويَقسِم الرجل نصفين ، فيتَصوَّر الناس أنه انقسم إلى نصفين ، ثم يُعيده مرة أخرى  ويقول : أنا ربكم الأعلى ، لا حول ولا قوة إلا بالله .

المؤمن يقول : والله ما ازددتُّ بك إلا كُفراً ، إنما الذي يُحيي ويُميت هو ربُّ العباد عز وجل ، ربُّ العباد لا يراه أحد ، وأنت أمامنا كيان كائن ومن ثم سُمِّي المسيخ لمِسخَة هيئَتِه، أو المسيح الدَّجَّال لأن عينه ممسوحة . قالوا : يا رسول الله صفه لنا ؟ قال :

(( ( رجلٌ طويل ، سَبَط الشعر ، شعره مُجعَّد ، عينُه اليُمنى ممسوحة وعينُه اليُسرى طافيةٌ كالعِنَبَة أعور) ))

[ [البخاري ] ]

والعياذ بالله .


5 ـ نزول عيسى عليه السلام :


هذا الإنسان أو هذا المخلوق هو آخر الفتن الخطيرة أو قبل الأخيرة التي يلقاها المؤمنون في هذه الدنيا ، فلمَّا يضرع المؤمنون إلى الله عز وجل ، يكون المسيح الدَّجال وصل إلى أرض فلسطين ، هنا يُكرِمُ الله عباده بنزول سيدنا المسيح ، سيدنا عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، عند المنارة الشرقية شرقي دمشق ، إذا ذهبت وزرت المسجد الأموي اسأل الإمام أو الأخوة هناك عن مكان المنارة الشرقية فيشير لك إليها :

(( ( ينزل عليه مَهرودتان - مهردوتان أي ثوبان ، مثلاً جلباب وعباءة ، جلبابان فوق بعض أي عباءتان - ينزل على يمينهِ مَلَك وعلى يسارهِ مَلَك ، إذا طَأطَأ تقاطَر من جبهَتِه حبَّاتُ عرقٍ كالجُمان النَّقي ) ))

[ [ مسلم ] ]

مثل الفضة المُذابة ، وإذا رَفَع عَلاهُ البَهاء ، أول ما ينزل ينزل في موعد صلاة ، يدخل على أول مسجد يقابله ، الناس تَعرِفُه ، المُصلِّون المُتعَوّدون على الصلاة يعرفون القصة ويعرفون من هو سيدنا المسيح .

﴿ ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) ﴾ ﴾

[ [ سورة النساء ] ]

يعرفون أنها آية من الآيات وعلامة من العلامات ، ومعلوم من الدين بالضرورة نزول سيدنا عيسى عليه السلام في آخر الزمن ، فيتأخر الإمام ، معقول إمام مثلنا يصلي بالناس ، يصلي بنبي من الأنبياء ورسول من الرسل وآية من آيات الله وروح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم ؟ فيتأخر ، فيقول سيدنا عيسى للإمام : صَلِّ بنا ، انظر إلى التواضع ، يقول للإمام : صَلِّ بنا فإنما جِئتُ تابعاً لأخي محمد. 

الله أكبر ، وأنت يا إمام ، تُمثِّل النبي محمداً ، الله أكبر ، يقول : صَلِّ ، يصلي خلف الإمام ، ما هذا  العِز ؟ ما هذا المُلك لدى أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ سيدنا عيسى يُصَلِّي مأموماً ، نعم يُصَلِّي مأموماً وراء تابعٍ لمُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، سبحان الله . فيُصَلِّي .

المؤمنون في هذه الحالة في حالة كَرْب ، لماذا ؟ رأوا الدَّابة ، الشمس سَطَعَت من الغرب ، ومصائب الدُّخان ، والمسيح الدَّجال ، في حالة من الرُّعُب ، فيَمسَحُ عيسى على رؤوسِهم فيُطمئِنُهم ، سيدنا عيسى يكون مثل ماذا ؟ مثل طفل صغير تركناه في أول يوم في الروضة وعمره أربع سنوات ، عندما تأتي أمه أو أبوه ماذا يفعل ؟ يرتمي في حُضنِه ويبكي ، مجرد الأب ماذا فعل ؟ ولذلك قلت لكم من قبل : السائل في طريق الله والذي ينسى أن الله أقرب إليه من حَبْل الوريد ، مثل طفل - ولله المثل الأعلى- لديه أب ، فالأب يكون ممسكاً بيد ابنه ليعبرا الطريق فأَظلَم الحي كله ، الكهرباء انقطَعَت عن المنطقة ، كل المنطقة قطعت عنها الكهرباء ، فالولد سيطر عليه الخوف والوساوس بدأت تهجُم عليه ، يقول الآن سننزل في حفرة أو نضغط على بطن كلب نائم و يعضَّنا ، أو سيارة طائشة من الشباب الطائش تدهسُنا ، فنسي أن أباه بجواره ، فالمخاوف استولت عليه فأصبح خائفاً ، الكهرباء رجِعَت إلى المنطقة ونظر الولد فإذا بأبيه ممسكٌ يده ، وإذا بأبيه معه يُرَبِّتُ عليه ، فاطمأن ، هكذا المؤمن في المعاصي ، إذا عصى ربَّ العباد نسي أن الله أقرب إليه من حبل الوريد ، نسي ، فلمَّا يُشرِق التوحيد ونور التَّوكل ونور اليقين في قلب العبد يرى أن ربّ العباد أحنُّ عليه من أبيه وأمه ، وهو الذي يَكلؤنا بالليل والنهار ، ويُرسِل علينا حفظة ، ويُرسِل لنا ملائكة تحفظنا من أمر الله ، هذا من كرم العزيز الحميد .

ألا توحِّدوا الله ؟ لا إله إلا الله .

سيدنا عيسى يُبَلَّغ طبعاً بالمسيح ، فيبدأ بالبحث عنه فيهرَب المسيح منه ، المسيح الدجال يهرب من سيدنا عيسى ، حتى يلقاه على باب الِّلد ، هناك في فلسطين على مدخل المدينة سيدنا عيسى أول ما يلقاه المسيح ، قال صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري : 

(( ( يَنمَاثُ كما يَنمَاثُ الملح ) ))

[ [ البخاري ] ]

أي المسيح يذوب مثل ذوبان الملح في الماء ، سبحان الله ! كما لو وضَعتَ حفنة من الملح مع قليل من الماء يذوب ، ولا يستطيع المسيخ أن يتحمَّل رائحةً زكيةً تَنبُعُ من سيدنا عيسى عليه السلام فيموت بالخنق من الرائحة الطَّيبة .

الناس تستريح من عناء المسيخ :

(( ( ينزِل سيدنا عيسى ويَمكُث في الأرض أربعين سنة ، يقتُل الخنزير ، يكسِرُ الصَّليب ، ينشر العدل في الأرض ) ))

[ [ البخاري ] ]


6 ـ ظهور يأجوج ومأجوج :


تظهر آخر علامة من علامات الساعة الكبرى السِّتة : يأجوج و مأجوج :

﴿ ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) ﴾ ﴾

[ [ سورة الأنبياء ] ]

﴿ ﴿ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) ﴾ ﴾

[ [ سورة الأنبياء ] ]

يا الله ، ما هي قصة يأجوج و مأجوج ؟ أين يعيشون ؟  طبعاً كُتُب التَّفاسير خاضَت في الكلام كثيراً ، نحن نقف عند ما صَحَّ من الكتاب والسُّنَّة ، أو عند ما جاء وورد في الكتاب في كتاب ربنا ، وفي صحيح ما جاء عن رسولنا صلى الله عليه وسلم .

بعض الكتب يقول لك : هي قبائل مُتوحشَّة ، الواحد منهم يَفتَرِش إحدى أذنيه ، ويلتحف بالأذن الأخرى ، المهم سواء هم متوحشون ، المهم هم قبائل ، أو جماعات كثيرة العدد، رهيبة ، تُثير الفَزَع ، سوف تأتي وتخوض ، تبدأ من شرقي فارس - شرقي إيران - وتدخل إلى منطقة العراق ، ومنطقة الجزيرة ، ومنطقة الشام ، ومنطقة جنوب الشام ، تدخل إلى جزيرة العرب ، وتَعيثُ فساداً في الأرض ، أي قبائل متوحشة . يقول صلى الله عليه وسلم :

( يشرب أوَّلُهُم من بحيرة طَبَريَّا - بحيرة طَبَريَّا ماؤُها عذب - و يَمُرُّ آخِرِهُم فيقول كان في هذه البحيرة ماءٌ منذ زمن فكم عددهم ؟ أي أوَّلُهُم يشرب الماء فينتهي الماء ، فآخرهم يَمُرّ ويقول : يا الله كان يوجد في البحيرة هذه ماء منذ زمن طويل . استغرقوا زمناً طويلاً إلى أن عبروا جميعاً ، لمَّا يعيثوا فساداً في الأرض ، يأمُر الله عز وجل روح الله عيسى يقول له : يا عيسى حَرِّج بعبادي جانب الطُّور، خُذ المؤمنين الباقين ، القِلَّة القليلة الباقية والثابتة على إيمانها خُذها عند جبل الطُّور ، ويجلس عيسى داعياً ربَّه ، والمؤمنون معه يُؤمِّنوا على دعائِه أن يُريحَهُم من يأجوج و مأجوج ، فيُصَابون بالنَّغَف ، يُصَابون بالميكروبات والجراثيم أعزَّكُم الله مثل الدِّيدان أو حشرات في رِقابِهم ، فيُصبِحون فُرسَى ، يُصبِحون أمواتاً ، فيملؤهم الدُّهُن وزَهْمُهُم الأرض ، تبدأ الرائحة السَّيئة مثل - أعزَّك لله - زلزال خطير أصاب دولة فيها مئة ألف و مئتا ألف تجد الروائح الكريهة خَرجَت ، فإذا بربِّ العباد يُرسِل طيوراً لها أعناقٌ كأعناق البُخْت ، رقبة مثل رقبة الجِمَال ، فتحِمِلُهُم وتُلقِيهم في البحر ، ويأمر الله عز وجل السماء أن تُمطِر ، فتُنزِل سيولاً ، فتَجرِفُ بقيَّة زَهمِهِم إلى البحر ، وتعود الأرض مرَّةً أخرى طيَّبةً نقيَّة و عندئذٍ يقول الله : يا أرض رُدِّي بَرَكَتِكِ ، ارجعي للبركة مرة أخرى ، فما الذي يحدث ؟ 


الساعات الأخيرة قبل إعلان يوم القيامة :


يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ( يلعَبُ الصِّبيان بالحَيَّات ، وتَرعَى النُّمورُ مع الأبقار، وتَرعَى الذِّئابُ مع الغنم ، وتَكفي اللُّقْحَة من اللَّبن ،  حَلبة اللَّبَن الواحدة للنَّاقة أو للنَّعجَة أو للشَّاه ، تكفي الفِئَام من الناس ، نحن مثلاً عددنا بالمئات ، الحَلْبَة الواحدة تكفينا ، ويَستَظِلُّ القوم ، القبيلة من مئة أو مئتين أو ثلاثمئة ، بقَحْف الرُّمَّانة ، قشرة الرُّمَّانة نصفها ، لو أخذتَ منها حبّ الرُّمَّان ، ظَلَّت القِشرَة تعمل ظِلّاً يَستَظِلّ به خمسمئة شخص ، إذاً الرُّمَّانة كم حجمها؟! سبحان الله العظيم ! حتى يُقال : إن عمر بن عبد العزيز وَجَد في بيت المال حبَّات قمح كَنُواة البَلَح ، قال : هذه كانت تُستَخرَجُ أيام العدل ، البركة . (يا أرضُ رُدِّي بَرَكَتِك ، فَتُرَدُّ البركة إلى الأرض مرَّةً أخرى ، ثم تّهُبُّ ريحٌ طيَّبَة ، تَقبُض المؤمنين من تحت آباطِهِم ، فيموتون على التَّوحيد ، فليَظَلَّ على الأرض إلا لُكَع بن لُكَع يتهارجون تَهارُجَ الحُمُر ، يقتل بعضهم بعضاً ، لا يدري القاتل بما قَتَل ، ولا المقتول لما قُتِل ) ))

[ [ الألباني ] ]

ثم :

(( (يظهر ذو السُّويقتين رجل حبشي أسود ملتصق الفخذين ، أفْجَح القدمين ، يذهب فيَهدِمُ الكعبة حَجَراً حَجَراً)  ))

[ [البخاري ] ]

(( ( يُنزِّل من عليها الكِسْوة ، ويأخذ الحجر الأسود ويُلقيه ) ))

[ [ الإمام أحمد ] ]

هنا أصبحت :

(( ( الساعة كالحامِلِ المُتِم لا يدري أهلها متى تَضَع ) ))

[ [ الأمام أحمد ] ]

( وإذا بربِّ العباد يأمر إسرافيل أن ينفُخَ في البوق النَّفخَة الأولى :

﴿ ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) ﴾ ﴾

[ [ سورة الزمر ] ]

يبقى الأربع الكبار : جبريل ، ميكائيل ، إسرافيل ، مَلَكُ الموت .

(( (يقول : يا مَلَكَ الموت من على وجه الأرض ؟ يقول : يا ربي ما بَقِي إلا جبريل وإسرافيل وميكائيل ، وعبدُك الماثِلُ أمامك ، يقول : يا مَلَكَ الموت اقبِض روح ميكائيل ، اقبِض روح جبريل ، اقبِض روح إسرافيل ، من على وجه الأرض يا مَلَكَ الموت ؟ يقول : يا ربي ما بقي إلا عَبدُك الماثل أمامك ، يقول : يا مَلَكَ الموت مُتْ ، ثم يقول ربُّنا : لمَن المُلْك اليوم ؟ خَلَتْ الأرضُ كما كانت ، عادت الأرض كما كانت ، ما بقي إلا وجه الله الكريم ، كل شيءٍ يَفنَى، كل شيءٍ ينتهي ، كل شيء يموت ولا يبقى إلا وجه ربك ، ثم يُحيي ربُّ العباد إسرافيل ، فينفُخُ فيه مرة أخرى فإذا هم قيامٌ يَنظرون ) . ))

[ [ ابن الجوزي ] ]

حتى إن أمَّنا عائشة قالت :

(( ( يا رسول الله ما لي لم أرَكَ اليوم تَرقُد وتَهنَأ بالرُّقاد ؟ قال : كيف أهنأ بالرُّقاد يا عائش و إنَّ صاحب القَرْن قد التَقَم قَرْناً ) ))

[ [ البخاري ] ]

صاحب القَرْن هو من ؟ 

(( ( إسرافيل ، قد التقم قَرْناً ، حَنَى جَبهَتَه ، وشَخَصَ عينيه إلى العرش ، وقَدَّمَ قَدَمَاً وأَخَّرَ الأخرى يخاف أن يَرَتَدَّ إليه طَرْفُه ، خائف أن يُغمِض عينيه ، ربما يأمُرُه الله في النَّفْخ بالبوق ) . ))

[ [ البخاري ]  ]

عندما رأى الرسول ذلك المشهد أمامه ، هل سيأتيه نوم ؟ هل يستطيع أن ينام ؟ ما الذي يجعلنا ننام ؟ سَدّ الغيب عنا . يقول لك يا عم يا رجل لماذا عَقَدتَّها ؟ حَمِّلْها على الله .


خروج الناس من الأجداث وسيرهم على غير هدى :


 المهم نحن نريد أن نقول : فإذا نُفِخَ فيه مرَّة أخرى فإذا هم قِيامٌ ينظرون :

﴿ ﴿ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) ﴾ ﴾

[ [ سورة ق ]  ]

ماذا يقول المُنادي ؟ يُنادي المُنادي من قِبَل العَليّ الأعلى : أيَّتُها العِظَام النَّخِرَة ، أيَّتُها اللُّحوم المُتَناثرة قومي لفصْل القَضَاء أمام الله رب العالمين ، نقوم من الأجْداث سِرَاعاً ، فالمَدفُون في آسيا ، والمَدفون في إفريقيا ، والمَدفون في القطب الشمالي ، والمَدفون في القطب الجنوبي ، والذي مات غريقاً في البحر ، والذي مات حريقاً في الطائرة ، والذي مات في الزلزال، والذي مات بغير زلزال ، والذي مات على فراشه ، والذي مات في المستشفى ، والذي مات في مكان غريب ، كُلُّه يَتَّجه يسيرون على غير هدى :

﴿ ﴿ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِر (7) ﴾ ﴾

[ [ سورة القمر ] ]

وهم يخرجون فُوجِئوا بالآتي : الجبال تتحرَّك ، و إذا لمَستَها كأنها :

﴿ ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) ﴾ ﴾

[ [ سورة القارعة ] ]

كالصوف حُلِج ودَخَل في الماكينات ، هَشّ ، سبحان الله وتُرِكَت الأمور وبُدِّلَت الأرض غير الأرض . 

قالوا : صفها لنا يا رسول الله ؟ لمَّا يَصِل العباد إلى أرض المَحشَر ، بعد أن يَدُلَّهُم الأنبياء والعلماء يتجِهون إلى أرض المَحشَر ، قال :

(( ( أرضٌ بيضاء نَقيَّة ) ))

[ [ صحيح مسلم والبخاري ] ]

﴿ ﴿ لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) ﴾ ﴾

[ [ سورة طه ] ]

أي لا يوجد فيها حُفرة و لا هَضَبَة و إنما مُستوية لم تُصنَع عليها مَعصَيةٌ قط ، لأنها أرض جديدة .

﴿ ﴿ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ (47) ﴾ ﴾

[ [ سورة النجم ] ]

ربنا يُنِشئ 

﴿ ﴿ عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) ﴾ ﴾

[ [ سورة الواقعة ] ]

ثم النَّشأة الأخرى ، ثم بعد ذلك يتَّجِهُ العباد وتقترب الشمس من الرؤوس ولقد تركَتَ مَدارَها ، كانت تَمسِكُ نفسها بفضل الله أولاً ثم بالجاذبية بالطَّرد والجذب مع الكواكب الأخرى ، الكواكب تغيَّرت : 

(( ( الشمس اقتربت من الرُّؤوس ، والناس كلٌّ يَعرَق على مستوى إيمانه ، الذي تَعِب في الدنيا في ظِلّ العرش ، يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه ، اللهم اجعلنا منهم يا رب . والذي تَعِب قليلاً العرق إلى رُكَبتيه ، والذي تَعِب لله أقل العرق إلى حُقْويه ، والذي تَعِب أبسط من هذا العرق إلى كَتِفيه ، ومن نام طوال حياته ولم يتعب لله يوماً ولم يصنع خيراً قط يُلْجُمه العرق إلى أُذنيه ) ))

[ [ مسلم ] ]

نسأل الله السلامة .

و من ثم العباد يجتمعون ويقولون : ماذا نفعل ؟ الشمس اقتربت وودَّ العباد أن يذهبوا إلى النار ولا تطول هذه الوقفة الخطيرة . وإذا بهم يجدون آدم عليه السلام يقولون له :

( يا أبانا أنت الذي خَلَقَكَ الله بيده ونَفَخَ فيكَ من روحِه اشفع لنا عند ربنا ؟ الشفاعة لمُجرَّد بداية الحساب فقط وليس شفاعة لدخول الجنة أو غيرها ، لا ، بداية حساب ، ويقول : هل أخَرَجَكُم من الجنة إلا أبوكم آدم ؟ لا ، لا ، أنا لستُ لها ، أنا فعلت فعلاً ، اذهبوا إلى نوح ، يقول : لستُ لها ، لقد دعوت على قومي ، اذهبوا إلى إبراهيم ، لستُ لها لقد كذبت كذبات ثلاثة ، و ما كانت كذبة ، اذهبوا إلى موسى لستُ لها لقد دَعوتُ على قومي :

﴿ ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)  ﴾ ﴾

[ [ سورة يونس ] ]

اذهبوا إلى عيسى قال : لستُ لها ولم يذكر ذنباً ، أين أنتم ممَّن قال : أنا لها ، أنا لها ؟ اذهبوا إلى أخي محمد ، العباد يذهبون إلى حبيب الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله يقول : أَسجُدُ تحت العرش ويفتَحَ الله عليَّ من مَحَامِده ، ويُقال : يا محمد ارفَع رأسك واسأل تُعطَى ، واشَفَع تُشَفَّع ، أمَا كَفَاكَ الصلاة ؟ أمَا كَفَاكَ القيام ؟ أمَا كَفَاكَ التَّهجُّد ؟ أمَا كَفَاكَ الصِّيام ؟ أمَا كَفَتَكَ العِبادة يا خير الأَنَام ؟ يقول : يا رب أمُّتي ، أمُّتي ) .

[ البخاري ]


تطاير الصحف يوم القيامة ونصب الموازين :


تبدأ عندئذٍ تَطَاير الصُّحف :

﴿ ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) ﴾ ﴾

[ [ سورة الإسراء ] ]

ما هو تطَاَير الصُّحف ؟ الصُّحف تتطاير وتُعَلَّق كل صَحيفة بصاحِبِها ، ماذا يوجد بهذه الصَّحيفة ؟ الصَّحيفة هذه فيها مُجمَل الحَسَنات ومُجمَل السيئات ولله المثل الأعلى . مثل الإجازة في آخر السنة لدى الولد المُجمَلة ، لكن الكُرَّاسات والدفاتر التي أتت في الامتحانات أين؟ في لجنة الامتحانات في التفاصيل ، السؤال الأول ، السؤال الثاني ، السؤال الثالث ، كان في الأول ثلاثة ، وفي الثاني خمسة ، وفي الرابع سبعة ، وأين ؟ هناك تحت العرش . لكن أنت تُمسِك الورقة ، تُمسِك الحساب الإجمالي ، هذا الحساب أول ما تتطاير الصُّحف ، فهناك أناس تَمُدُّ يَدَها اليمنى فتُمسِكُها ، وهناك أناس والعياذ بالله لا تستطيع إلا أن تُمسِك بالشمال ، النوع الثالث تُمسِك الصحيفة من وراء ظهرها ، تتَعَلَّق في رقبته ، يُمسِكُها باليمين ويقرأ ، و الثاني تَتَعلَّق في رقبته في الشمال ويقرأ ، والثالث والعياذ بالله يَتَعلَّق في ظهره ، فيأتي به من الخلف ، وبعدها ، بعد هذا تُنْصَب الموازين .

﴿ ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ (47) ﴾ ﴾

[ [ سورة الأنبياء ] ]

الميزان يقف عليه جبريل ، و يُنادى على إنسان إنسان ، ويُفتَح له هذه السِّجلَّات التي يقرأ فيها ويَطَّلِع عليها كلها ، ثم إذا ثَقُلَت موازينه يَرَفع كتابه ، ماذا يقول ؟ 

﴿ ﴿ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) ﴾ ﴾

[ [ سورة الحاقة ] ]

أذكر عندما تحدَّثنا مثل هذه الأحاديث منذ أكثر من عشرين سنة ، كان يسمع الناس الذين يمرون في الشارع نَحيبَ المُستَمعين داخل المسجد من خارجه ، ولكن يبدو مع عصر العولمة قَسَت القلوب شيئاً ، فَجَفَّت العيون من البُكاء وأصبحنا مُتعوِّدين على جفاف القلوب ، لكن نسأل الله عز وجل أن يُلَيِّن قلوبنا ، وأن يشَرَح صدورنا ، وأن يجعلنا وإياكم مما يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه .

يهزُّ المؤمن حديث الآخرة ، يجب أن يَهزّه ، إن لم يَهتَز قلب المؤمن لحديث علامات الساعة وما بعد الموت والآخرة ، فَثِق أو ليَبحَث له عن قلب ، فإنَّ قلبه إمَّا نام ، وإمَّا سَقُم ، و إمَّا حَدَث فيه شيءٌ آخر ،  نسأل الله أن يحيي موات قلوبنا .

تتطاير الصُّحف ، و يُنادى على إنسانٍ إنسان فإذا ثَقُلَت موازينه يصيح مُبتِهجَاً :

﴿ ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21 ) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) ﴾ ﴾

[  [ سورة الحاقة ]  ]

وأمَّا الآخر فبعدما يُنادي عندما تَثقُل مَوازينه يُنادي جبريل : لقد سَعِد فُلان بن فُلان سعادةً لن يشقى بعدها أبداً ، سبحان الله . 

والآخر تَخِف موازينه ، ويقول :

﴿ ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) ﴾ ﴾

هل يَحِنّ عليه أحد ؟ لا .

﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) ﴾ ﴾

[ [ الحاقة ] ]

الآيات ..


العبور على الصراط ثم ورود الحوض :


بعدما العبد تُوزَن له الأعمال عند الميزان هناك موقف آخر خطير ، يَعبُر على الصِّراط .

(( ( رضي الله عن سيدنا أنس ، قال : يا رسول الله هل أجِدُكَ في المَحشَر أو أين أجِدُك في المَحشَر يا رسول الله ؟ قال : يا أنيس ، لا تُخطِئُني في مواطن ثلاث : عند الميزان  حتى تَثقُل موازين أمِّتي - أن تخف - وعند الصِّراط - هل يعبرون أم لا ؟ - وعند حوض الكوثر - هل يشربون أم يُذادون عن الحوض- ) ))

[ [ الترمذي و أحمد ] ]

هذه أخطر ثلاثة مواقف ، تطاير الصُّحُف ، وزن العمل ، و وجوب المرور على الصِّراط .

الصِّراط أحَدُّ من سيف أحدكم ، الصِّراط مثل شفرة الخَنجَر ، أو السكين ، أو الخيط: 

(( (دَحْضُ مَذَلَّة ) ))

[ [ رواه البخاري ] ]

كما يقول صلى الله عليه وسلم .

العابرون عليه ثلاثة ، ناجٍ و ومَخدوش ومُكرْدَس .

الطف يا لطيف. 

من الناجي ؟ قالوا إن الصِّراط مضروب على جسر فوق جهنَّم ، و جهنَّم سُمِّيت بجنَّهم لأنها تتَجَهَّمُ في وجوه الناس ، ولا تظن أن نار جهنم نار حمراء ، هي نار سوداء كالليل البَهيم والعياذ بالله ، وعلى الصِّراط  قَنَاطر ، حواجز ، تبدأ بقَنطَرة التوحيد ، فإن وُلِدَ العَبد موحِّداً توحيداً خالصاً يَمُر ، تلقاه قَنطَرَة الصلاة ، فإن وُجِدت الصلاة كاملة يَعبُر ، تلقاه قَنطَرة الزكاة إن أدَّى زكاة ماله في الدنيا يعبر ، تلقاه قَنطَرة الصيام ، فإن وُجِد في الصيام كاملاً يَعبُر ، تلقاه قَنطَرة الحج إن كان مُستطيعاً في الدنيا ، فإن كان قد حَجّ يَعبُر ، تأتيه قَنطَرة الأوامر والنواهي إن وجِد كاملاً فيها يَعبُر ، يلقى آخر قَنطَرة وهي القَنطَرة السابعة وهي أصعَبُهم قَنطَرة المظالم ، يجد على الصراط إنساناً لم يره من قبل يتعلَّق في رقبته أريد حقِّي ، يا ابن الحلال من أين أتيت؟ من أنت ؟ يقول : أنت ذات مرة كنتُ مظلوماً وكنتَ تستطيع أن تَنصُرَني فما نَصرتَني ، مرَّة أنا عَطستُ فحَمِدّتُ الله فلم تُشَمِّتني وتقول : يرحمُك الله ، مرة مَرِضُّتُ وعَلِمتَ بهذا لم تَعُدني ، لمَّا مُتُّ وأنت كنتَ تدري وتُدرِك وتستطيع ما شَيَّعتَ جنازتي ، هذه حقوقي عليك ، أنا أطالِبُكَ بها الآن ، يا الله ، مظالم تَخرُج لك ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، مسألة غير سهلة ، أين الذي ظَلَم زوجته ، والتي ظَلَمَت وزجها ، والذي ظَلَم أولاده ، والذي ظَلَم أباه ، والذي حَجَر على أبيه ، وقدَّم في المحكمة حجراً على أخيه ، ورفع قضية على عمه ، وعلى خاله ، واغتصب الأرض التي ليست له ، وأخذ البناء الذي ليس له ، واستولى على الشركات التي ليست له ، وبطنه استوعبت الخليج كله في بطنه ، ماذا يقول لله يوم القيامة ؟ ماذا يقول لله ؟ 

الله يرضى عن الصِّدِّيق شَرِبَ شَرْبَة لبن شَكَّ في مصدرها ، وضَع إصبعه في فمِه وتقيَّأ ، قال : ( اللهم إني أعتذرُ إليك مما اختَلَط من اللحم و العروق) وهناك أناس نسأل الله السلامة عَبَرَت المظالم ، لو عَبَرَ المظالم ، أين يذهب ؟ قال : أنا نَجَوت ، يقول : ليس بعد ، ماذا بعد ؟ 

الحوض الكوثر، يذهب إلى حوض الكوثر وأثناء دخولهم الملائكة تَمنَع طائفةً من أمِّة محمد : 

(( ( الرسول يَحِنُّ عليهم يقف ، إلى أين يا محمد ، يقول : أشفَعُ لهم عند ربِّي ، يقول الله لي : يا محمد لا تفعل ، إنهم رَجَعوا على أدبَارِهم القَهْقَرَة ، فأقول سُحقاً سُحقاً لمن بَدَّلَ و غَيَّر ) ))

[ [ البخاري و مسلم ]  ]

يا الله ، بالله عليك ، بالله عليك ، لو دَخَل حبيبنا صلى الله عليه وسلم جامعة من جامعتنا العربية المُسلمة ووجد ثلاثة أرباع البنات حاسِرات وواضعات على وجوههن كذا وكذا ، هل يقول : هؤلاء هم أحفاد عمر وأحفاد عثمان وأحفاد أبي ذَرّ وأحفاد عمار وبلال ؟! معقول ؟! يقول : معقول هؤلاء هم ؟ 

هذه سلالة عائشة ؟! هذه بقيَّة أسماء ؟! معقول هذه حفيدة نسيبة بنت كعب ؟! ماذا يقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم ؟ لو أريناه ما نراه على شاشات التلفاز ، في دولنا المسلمة ، ماذا يقول حبيبنا ؟ ماذا يقول ؟ بالله عليك ماذا يقول ؟ وماذا نقول نحن ؟ وأين حياؤنا منه ؟ وأين خَجَلُنا منه ؟

(( ( يُذادُ أناسٌ من الحوض من أمِّتي يوم القيامة فأقول : سُحقاً سُحقاً لمَن بدَّل و غيَّر) ))

[ [ يخاري و مسلم ] ]

البقيَّة الباقية بعد أن تشرب شَربَة من حوض الكوثر ، يغسل الماء في جوفها من غِلّ، وحقد ، وحسد ، وضَغينة :

﴿ ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) ﴾ ﴾

[ [ سورة الحجر ] ]


الفوز بالجنة لمن حسن عمله :

 

الآن يأتون على أبواب الجنة ، تُرحِّب بهم الملائكة .

﴿ ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) ﴾ ﴾

[ [ سورة الرعد ] ]

هنا عندما يَضعُ المسلم قدَمَه اليسرى بجوار قدِمِه اليمنى داخل عتَبَة الجنة :

﴿ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) ﴾ ﴾

[ [سورة آل عمران ] ]

اللهم اجعلنا من الفائزين ، اللهم اخِتِم لنا بالصالحات ، اللهم اخِتِم لنا بالتوحيد ، اللهم ارزقنا قبل الموت توبةً وهداية ، ولحظة الموت رَوحَاً وراحة ، وبعد الموت إكراماً ومغفرةً ونعيماً ، أكرِمنا ولا تُهِنَّا ، أعطِنا ولا تَحرِمنا ، زِدنا ولا تَنقُصْنا ، كُن لنا ولا تَكُن علينا ، ذَكِّرنا بالآخرة آناءَ الليل وأطراف النهار ، اللهم اجعَلنا من التَّائبين ، واجعَلنا من التَّوابين ، واجعَلنا من المُتطَهِّرين ، واجعلنا من الذَّاكرين لك آناءَ الليل وأطراف النهار ، اعْصِم أبناءنا وبناتنا من كل مكروه و سوء، واجعل هذا البلد آمنا مُطمَئنِاً ، وسائر بلاد المسلمين ، سخاءً رخاءً يا ربَّ العالمين ، اجعَل اللهم خير أعمالنا خواتمها ، وخير أيامنا يوم أن نلقاك ، وصلى الله على سيدنا محمد و على آله وصحبه وسلم .

أحبِّتي في الله صِحبتِموني فأحسَنتُم صُحبَتي ، جزى الله خيراً كل من صَبَر علينا واستمع ، ولا تنسونا من صالح دعائكم ، ونستودعكم الله الذي لا تضيع ودائُعه .

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

إخفاء الصور