وضع داكن
06-12-2022
Logo
الدرس : 41 - سورة الأنعام - تفسير الآيات 106-107 ، الإنسان دائماً في قبضة الله
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الواحد والأربعين من دروس سورة الأنعام .


الآية التالية موجهة للنبي عليه الصلاة والسلام :


 ومع الآية السادسة بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

﴿  اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) ﴾

[ سورة الأنعام ]

 كأن الآية متوجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم :

﴿  اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ(106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(107) ﴾

[ سورة الأنعام ]

 هاتان الآيتان مررنا عليهما سريعاً في الدرس الماضي، ولا بد من وقفة متأنّية عند مضمون هاتين الآيتين. 

أولاً: إذا قلت لمن هو في أعلى درجات الاجتهاد: اجتهد، فهذا الأمر يعني داوم على اجتهادك، واثبت على اجتهادك، وتابع اجتهادك .

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(1) ﴾

[  سورة الأحزاب  ]

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا(136) ﴾

[ سورة النساء ]

 إذا جاء الأمر للمأمور وهو مُطبِّق له فيتّجه الأمر إلى الاستمرار عليه، ومتابعته، والثبات عليه ، إذاً: 

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ هذه الآية موجهة للنبي عليه الصلاة والسلام ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ .


ما يُطرح في هذه الأيام يتناقض مع نص القرآن الكريم ومع أصل الدين :


 أولاً: الرب ربٌ، والعبد عبدٌ، الذات الكاملة، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، واحد أحد، فرد صمد.

﴿  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ(4) ﴾

[  سورة الإخلاص  ]

 علِم ما كان، وعلِم ما يكون، وعلِم ما سيكون، وعلِم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ هذا الإله العظيم إذا أعطى توجيهات فهي التوجيهات التي لا ريب فيها، لا مأخذ عليها، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، لأن الله مطلق، وكلامه مطلق، وكمال كلامه مطلق، وصوابُ توجيهاتِه مطلقٌ، إذاً: 

﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ إخواننا الكرام ، يقول تعالى في آية أخرى في سورة الحجرات : 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ۦ ۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1) ﴾

[  سورة الحجرات ]

 وكأن الله سبحانه وتعالى أنبأنا عن أنه سوف يأتي زمان كل إنسان يقدّم بين يدي الله، وفي هذه الأيام أيها الإخوة تُطرَح موضوعات تناقض القرآن الكريم، يُنادى بتعديل قانون الأحوال الشخصية، يُنادى بمساواة المرأة مع الرجل حتى في الميراث، يُنادى برفع كل تحفُّظ عن حقوق الطفل، شيء طويل، لكن كل هذا الذي يُطرح يتناقض مع نص القرآن الكريم، مع أصل الدين، هناك جرأة في نقض وحي السماء، وما جاء به سيد الأنبياء .

 إذاً هنا الآية: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ للتقريب: تصور مريضاً أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، جاهلاً جهلاً مطبقاً، حدثتْ معه أزمة قلبية ، فزار طبيباً يُعد أول طبيب في القلب، معه أعلى شهادة في العالم، فأعطاه توجيهات، فهل يستطيع هذا المريض الأمي الجاهل أن يحاور الطبيب في توجيهاته ؟! البون شاسع جداً، المريض في جهل مُطبِق، وعادات سيئة في الطعام والشراب، ولا يملك أي ثقافة صحية، يحاور إنساناً في أعلى درجة من العلم.


مجرد أن تفكر في بديل لحكم شرعي فأنت لا تعرف الله :


 لذلك أيها الإخوة ، لمجرد أن تفكر في بديل لحكم شرعي فأنت لا تعرف الله، والدليل : 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍۢ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًا مُّبِينًا(36) ﴾

[ سورة الأحزاب ]

 لاحظ نفسك مع خبير، مع عالم شهير يعطيك توجيهاً، وليكن طبيباً، لا تفكر أن تناقشه، لماذا؟ لأنك واثق من علمه، فكيف بكلامٍ من عند الله؟ فكيف بوحي السماء ؟ لذلك: 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ كنت مرة في مؤتمر في أمريكا في لوس أنجلس فألقى عالم كلاماً قال فيه:هنا في هذه البلاد ليس فيها شيء مقدس، أي شيء مهما بدا مقدساً فهو خاضع للبحث والدرس والنقد، أما نحن كمسلمين فعندنا مُسلّمات، هذا كتاب الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه . 

﴿ لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ(42) ﴾

[  سورة فصلت ]

 أريد أن أوضح الفكرة بمثل: ذهب إنسان إلى شخص لإصلاح مركبته، وفي المكابح قطعة يجب أن تُغيَّر، فلما غيّرها بقطعة جديدة، وثمة قطعة تستند إليها هذه القطعة رماها في الطريق ، قال : هذه لا فائدة منها، فقال له صاحب المركبة: أرجعها، قال له: لمَ؟ قال له: لأن الشركة فيها خمسة آلاف مهندس، وعُمرها مئة عام، ولا يمكن أن تكون أنت أشد فهماً منهم أبداً، أرجعها، وما تمكن صاحب المركبة أن يحاوره، لأن عنده مسلّمات أن شركة عريقة تصنع السيارات من مئة عام، وخبراتها كلها متراكمة، وعندها خمسة آلاف مهندس، وهذا إنسان يعمل في الميكانيك في دمشق لا يمكن أن يكون أشد فهماً من هؤلاء مجتمعين .

 الآن لو لم تتمكن أن تأتي بدليل على ما في القرآن فيكفي أن هذا كلام الله، وأن الذي أنزله هو الخبير، هو العليم، هو الحكيم، هو المطلق، هو الخالق، هو الرب، هو الرحيم، هو الذي خلق الإنسان، هو الذي يعلم ما يسعده وما يشقيه ، ما يجعله سليماً من كل مصيبة وما يجعله هالكاً .


قيمة الأمر من قيمة الآمر :


 إذاً: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ مَن هو الذي أوحى هذا القرآن؟ طبعاً الله رب العالمين، ماذا تعني كلمة رب؟ رب الذي يربيك، أولاً: الذي خلقك، والذي أمدّك، والذي يربي جسدك، والذي يربي نفسك، ربى نفسك بخصائص، ورباها بالوحي، ورباها بالمعالجة، ورباها بأفعاله، كلمة رب أعتقد أنها أقرب اسم من أسماء الله تعالى للإنسان، أقرب إنسان إليك من دون استثناء أمك التي ولدتك، والتي ربتك، والتي حرصت على سلامتك وسعادتك، وفي حياة كل واحد منا أمّ، وأقرب إنسان إلى الإنسان أمه التي أنجبته، يأتي بعد ذلك أبوه، الآن أقرب جهة غير أمك إليك الذي خلقك، الله عز وجل من أسمائه أنه رب العالمين، خلقك، أمدّك بالأجهزة، بالأنسجة، بالأعضاء، بالحواس، بالدماغ، بالقدرات، بالمهارات، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بالطعام، أمدك بالشراب، أمدك بما في الأرض من جبال، وأنهار، ووديان، وأغوار، وبحيرات، وبحار، وأطيار، وأسماك، وأنواع النباتات .

 لذلك: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر، بل شرف الأمر من شرف الآمر، أنت حينما تتبع إنساناً أصدر قراراً الإنسان يخطئ ويصيب، وقد تكون له مصلحة في هذا القرار، ليست هذه المصلحة تابعة لمن يُطبق هذا القرار، بل لمن يصدر هذا القرار، قد تُفرَض عليك ضريبة لمصلحة الجهة التي فرضتها، لكن خالق السماوات والأرض هو الذي خلقك، وهو الخبير، لهذا قال تعالى : 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) ﴾

[  سورة البقرة ]

 بالمناسبة أيها الإخوة، أي قرار من إنسان لأنه إنسان، ولأنه مثيلك في الإنسانية تستطيع أن تحتال على هذا القرار، واضع القرار إنسان، والذي يُطبق عليه القرار إنسان مثله، وبإمكان الإنسان الأذكى أن يحتال على الأقل ذكاء، لذلك أيّ قانون يصدره الإنسان في الأرض يسهل التحايل عليه، يصدر قانون بتحديد السرعة في الطرقات في بلد غربي، ويوجد على الطرقات محطات تكشف السرعات الزائدة، جيد، الإنسان الذي سيطبق عليه القانون قد يكون أذكى من واضع القانون، يخترع جهازاً يوضع في السيارة قبل عدة كيلومترات من وجود الكاشف ينبهه .


أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان :


 مرة كنت راكباً سيارة في هذه البلاد، فإذا بالسائق يخفض سرعته من مئة وثمانين إلى مئة، ما الذي حصل؟ قال لي: هناك جهازُ كشفِ السرعة بعد قليل، والجهاز الذي عندي أنبأني بذلك، معنى ذلك أن القرار قد انتهى مفعوله، وهذا القانون الذي وُضع لسلامة الركاب في السفر قد أُلغي، لأن المطبِّق أذكى من الواضع .

فأيّ قانون وضعي من السهل جداً التحايل عليه، أوضح مثل الصيام، تصور أن الصيام فُرِض على المواطنين بقانون، وليس في الإسلام صيام، لكن الدولة رأت أن الصيام مفيد جداً للمواطنين، فأصدرت قانوناً بترك الطعام والشراب من الفجر وحتى الغروب، كم تستطيع الدولة أن تطبق هذا القانون؟ لا تستطيع مع أي أحد، فإذا دخل إلى بيت الخلاء يشرب، أما المسلم فيدخل إلى الحمام في أيام الصيف، ويكاد يموت عطشاً، والصنبور فيه ماء عذب، بارد، زلال، ولا يستطيع أن يضع في فمه نقطة ماء أبداً.

 أرأيت إلى القانون الذي أنزله الله عز وجل؟ فلا يمكن أن تصلح البشرية إلا بوحي السماء، لأن الذي أصدر القانون معك دائماً، وبيده كل شيء، أما في الساعة الثالثة ليلاً الإشارة حمراء، والكل يتجاوزها، السبب؟ ليس هناك شرطي، لأن واضع القانون يطولك علمه عن طريق الشرطي، فإذا كنت في الساعة الثالثة ليلاً فلا يوجد شرطي، إذاً تتجاوز الإشارة، أما القانون الإلهي فهو معك دائماً، لا تخفى عليه خافية، لا تخفى عليه خواطرك . 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24) ﴾

[ سورة الأنفال ]

هو معك، وكل شيء بيده، لذلك إيمانك أن الذي خلقك معك، وأفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان .

فلذلك أنا أرى أنه لا يصلح قانون أرضي، لكن الآن هناك وسائل ضبط عالية جداً وبالتعبير المعاصر(سوبر ماركت) يعني فيها بضائع من دون مبالغة بمئات المليارات، عند مخرج هذا السوق يدفع الإنسان ثمن البضاعة، لو أنه لم يدفع ثمنها فعلى كل بضاعة لصاقة فيها مادة، إن لم يُدفع ثمن هذه البضاعة تصدِر إشارة، فينطلق صوت مخيف، وتُغلق الأبواب بشكل آلي، فقلّمَا تحدث سرقة، هناك ضبط إلكتروني، يا ترى هؤلاء الذين في السوق من هو الأمين، ومن هو غير الأمين؟ لا نعرف، لأن ثمة ضبطاً إلكترونيّاً، كأن الأمانة قد ألغِيتْ، وليس هناك مخالفات، أما يوم قطعت الكهرباء في بلدة، سكانها ثمانية عشر مليوناً بأمريكا تمت مئتا ألف سرقة في ليلة واحدة، حجم السرقات ثلاث مليارات، لم يعد هناك ضبط إلكتروني، هذه الاستقامة الإلكترونية لا قيمة لها عند الله أبداً . 


جوهر الدين :


 أما راعي غنم في شعث الجبال يلتقي بإنسان يقول له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، يقول له الراعي: ليست لي، يقول له: خذ ثمنها، يقول: والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟ أرأيت إلى هذا الراعي ؟ لقد وضع يده على جوهر الدين .

 فإذا قلت : أين الله ؟ فأنت مؤمن ورب الكعبة، أنت مؤمن، وإذا خفت من الله في خلوتك . 

 إذاً: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قد يفرض عليك عدوك تصرفاً أنت لا تحتمل تطبيقه لكنك مرغم عليه، أما هذا التوجيه الذي يأمرك الله أن تتبعه فهو مِن عند مَن؟ من عند الرحيم، من عند الحليم، من عند الحكيم، من عند القوي، من عند الغني، من عند الرب، من عند الإله، من عند من بيده كل شيء . 

﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ لماذا ؟ عندنا اعتراض في البلاغة:  

﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة معترضة، تقول: قال الله عز وجل، عز وجل جملة معترضة، الاعتراض هنا يفسر موجب الاتباع، لماذا؟ ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ لأنه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا خالق إلا هو، لا مربي إلا هو، لا مسيّر إلا هو، لا موجود على الحقيقة إلا هو، لا معطي إلا هو، لا مانع إلا هو، لا رافع إلا هو، لا خافض إلا هو، لا معز إلا هو، لا مذل إلا هو، لا محيي إلا هو، لا مميت إلا هو، لا رازق إلا هو، هذا الكلام النطق به سهل جداً، لكن عقله يحتاج إلى جهد كبير، ألا ترى مع الله أحداً، أن ترى أن يد الله تعمل وحدها .


لأنه لا إله إلا هو فينبغي أن تتبع ما أوحي إليك من ربك :


 الآن في هذه الأزمات، وهذه الفتن، وهذه الاجتياحات ، وهذه الحروب ، وهذا التطاول من بعض البشر على بعضهم الآخر، وهذا الإملاء ، المؤمن الصادق لا يرَى إلا الله، لا يرَى مع الله أحداً . 

﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(10)  ﴾

[  سورة الفتح  ]

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17) ﴾

[  سورة الأنفال ]

((  لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ  ))

[  أحمد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء  ]

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي لا معبود بحق إلا الله، وما من جهة تستحق العبادة إلا الله، بالمناسبة أيها الإخوة، أنت كإنسان حينما تكون لغير الله تحتقر نفسك، لا تعرف قدر نفسك إذا كنت لغير الله، أنت مخلوق لله، الجماد للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لله، الإنسان لله وحده.

 أيها الإخوة الكرام ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لأنه لا إله إلا هو فينبغي أن تتبع ما أوحي إليك من ربك. 

يعني كمثل من واقعنا: أنت بحاجة إلى تأشيرة خروج، وذهبت إلى دائرة الهجرة والجوازات، وهي مِن أربع طوابق، قال لك أحدهم: هذه التأشيرة لا يستطيع واحد في هذا البناء كله أن يوافق عليها إلا المدير العام، هل تبذل ماء وجهك أمام شرطي؟ أمام كاتب ديوان؟ أمام موظف؟ هذه التأشيرة من صلاحية المدير العام وحده، لذلك لا تسال أحداً، ولا تبذل ماء وجهك أمام أحد، ولا ترجو أحداً.

 الآن المثل سنكبره: كل قضاياك متعلقة بالله، فحينما تتضعضع أمام غني، وتبذل ماء وجهك فقد سقطت من عين الله، لأن الله خلقك وليس بينك وبينه حجاب، اسأله، يُعاب من يشكو الرحيم إلى من لا يرحم .

ملك الملوك إذا وهب  قم فسألن عن السبب

الله يعطي مـن يشاء  فقف على حدّ الأدب

* * *

المشركون لا تعبأ بهم لأنهم لا يعرفون الله دينهم الدرهم والدينار :


 الآن : 

﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ المشركون لا تعبأ بهم ، لأنهم لا يعرفون الله، أفُقهم ضيق ، طموحاتهم تنتهي عند الدنيا ، الآخرة ما أدخلوها في حساباتهم أبداً ، يعبدون شهواتهم من دون الله، دينهم الدرهم والدينار .

 سمعت أن عالماً كبيراً من علماء المسلمين له تفسير قيّم، زار بلاداً بعيدة في الغرب، وجلس في حديقة، كان إلى جانبه شخص من تلك البلاد، وهذا العالم لونه يميل إلى السمرة، فسأله: من أنت؟ وماذا تعمل ؟ فلما علم هذا الغربي أنه عالم إسلامي قال له: تحب أن أشرح لك الإسلام ؟ قال له: لا مانع، قال له: كم معي من الوقت؟ قال له: ساعة ، فهذا العالم شرح له أساسيات العقيدة ، وأساسيات الأحكام ، في خمسين دقيقة ، وترك عشر دقائق للحوار، فلما انتهى هذا الذي يحاوره ذلك العالم أخرج من جيبه مئة دولار وقال له: أنا هذا الإله الذي أعبده من دون الله، انتهى الأمر.

 لذلك حينما يعبد الناس شهواتهم ، وحينما يحققون مصالحهم لا مبادئهم ، وحينما يحتكمون إلى أهوائهم لا إلى عقولهم ، وحينما يعامل الإنسان بحسب قوته، فإذا كان ضعيفاً سحقوه، ولا سيما في هذا العصر عصر العولمة، عصر المادة، عصر القهر، عصر الظلم، عصر النهب والسلب، عصر الكذب، عصر الدجل، في مثل هذا العصر قال تعالى : 

﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ ولا تعبأ بهم، هم أحقر من أن تلتفت إليهم ، لماذا أتوا إلى بلاد مجاورة؟ لأن فيها أسلحة كيمائية ، هم استخدموها ، لماذا تأتي إلى بلد بحجة أنه يملك أسلحة كيماوية ، وأنت لما أردت أن تقاوم من يقاومك استخدمت الأسلحة الكيماوية ؟! هؤلاء لا تصغي إليهم ، هؤلاء يقول الله عنهم :

﴿  الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) ﴾

[  سورة يس  ]

 هم أقلّ من أن تخاطبهم ، لأنهم لا يملكون الحجة ، يكيلون بألف مكيال ومكيال .


الكون كله مسير إلا الإنس والجن فهما مخيران :


﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ هؤلاء الذين أشركوا مع الله آلهة، هؤلاء الذين أشركوا مصالحهم مع ربهم ، أشركوا شهواتهم مع ربهم ، إياك أن تصغي إليهم ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ 

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ ما معنى ذلك؟ إياكم أيها الإخوة أن تفهموا فهماً ما أراده الله، أن الله عز وجل أجبرهم على الشرك، سبحانه وتعالى أن يفعل ذلك، لكن الله أعطاهم الخيار، هم لم يشركوا عُنوةً، بل أشركوا باختيارهم الذي منحه الله لهم، فأنت يمكنك تقييد إنسان بقيد، ما عنده خيار، لكن أنت منحته الاختيار، معنى الاختيار أنه بإمكانه أن يكفر أو أن يؤمن، بإمكانه أن يصدق أو أن يكذب، بإمكانه أن يستقيم أو أن ينحرف، بإمكانه أن يرحم أو أن يقسو، الإنسان فقط والجن مخيرون، وما سوى ذلك مسيَّرون، الكون كله مسير، المادة كلها مسيرة، الحيوان كله مسير، الملك كله مسير، ليس هناك مخلوقات مخيَّرة إلا الإنس والجن، معنى مخير أي أنه يفعل ما يريد، فهذا الذي أشرك، وهذا الذي كفر، وهذا الذي قتل، وهذا الذي زنى، وهذا الذي سرق، هؤلاء هل فعلوا هذا تحدياً لله ؟ لا، هو الذي سمح لهم أن يختاروا .

﴿  وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) ﴾

[  سورة الأنفال  ]

 معنى ﴿سَبَقُوا﴾ أي أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله أو أنهم يستطيعون التفلت من عقاب الله، هم في قبضته .

﴿ وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ (183) ﴾

[  سورة الأعراف  ]

 المتانة مقاومة قوى الشّد، والقساوة مقاومة قوى الضغط، يعني كأن هذا الإنسان مربوط بحبل متين، مهما قوي، مهما تغطرس ، في أية لحظة هو في قبضة الله .

 سمعتم عن الغرب كيف تغطرس، وتألّه، والله مرة سمعت في ندوة جندياً في دولة معتدية، يقول : أنا الرب، أنا الإله، كيف ؟ قال له: أنا أقرر إبقاء هذا الإنسان حياً أو أقتله، معي صلاحية، عدّ نفسه إلهاً.

 لكن لما وقف سعيد بن جبير أمام الحجاج، وقال له الحجاج: إنني سأقتلك، قال له : والله لو آمنت أن قتلي بيدك لعبدتك من دون الله، ولكن الذي ينهي حياتي هو الله، وقد يكون هذا الإنهاء على يديك ، لكن الذي ينهي حياتي هو الله .

الكافر لا يمكن أن يفعل شيئاً ما أراده الله فهو في قبضة الله :

 أنت حينما تؤمن تكون شجاعاً، حينما تؤمن لا تنافق، لا تنهار، الذي منحك الحياة هو وحده يأخذها منك .

﴿  هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(56) ﴾

[  سورة يونس  ]

 يعطي ويمنع ويرزق ، لذلك : 

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ هم ما أشركوا عنوة، ولا تحدياً، لكنهم أشركوا لأن الله سمح لهم أن يؤمنوا أو أن يشركوا، سمح لهم أن يكفروا أو أن يؤمنوا، سمح لهم أن يصدقوا أو أن يكذبوا، سمح لهم أن يطيعوا أو أن يعصوا، أنت مخير، أنت أتيت إلى هذا المسجد، بإمكانك ألا تأتي إليه، أن تبقى في البيت، لا سمح الله ولا قدر بإمكانك أن تذهب إلى ملهى في الوقت نفسه، بإمكانك أن تتزوج، وبإمكانك أن تزني، بإمكانك أن تأكل المال الحرام وبإمكانك أن تأكله حلالاً .

 كنت أضرب مثلاً: تفاحة في هذه الشجرة هي لك، حينما خُلقت هي لك، أما أنت مخير، يمكن أن تشتريها بمالك، ويمكن أن تسرقها لا سمح الله، ويمكن أن تأكلها ضيافة، ويمكن أن تأكلها هدية، ويمكن أن تتسولها، تسول، هدية، شراء، سرقة ، بإمكانك، هي لك ، لكن وصولها إليك باختيارك ، 

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ وهذا الذي تسمعه : فعَلْنا ، وتركنا ، وقهرنا ، وقصفنا ، وقتلنا ، الكافر لا يمكن أن يفعل شيئاً ما أراده الله ، هو في قبضة الله ، بل إن خطة الله تستوعب خطته، هو يخطط، الذي يفعله بعد التخطيط ضمن خطة الله، فكرة دقيقة جداً، الذي يفعله بعد أن يخطط هو في الأصل من خطة الله عز وجل، لذلك: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ حتى النبي الكريم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

﴿ قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ۖ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًا (26) ﴾

[  سورة الكهف  ]

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ يعني أنت يامحمد إن أنت إلا نذير . 

﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ كَفُورٌ (48) ﴾

[ سورة الشورى  ]

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ وقال :

﴿  لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ(22) ﴾

[  سورة الغاشية  ]


النبي مبلِّغ فقط والإنسان معه ملك ومعه شيطان :


 النبي مبلِّغ فقط، والإنسان معه ملك ومعه شيطان، معه ملك يلهمه الخير، ومعه شيطان يوسوس له الشر، والشيطان والملك لا يستطيعان إجباره على شيء ما أبداً والدليل : 

﴿  وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22) ﴾

[  سورة إبراهيم  ]

 لا الملك له عليك سلطان، ولا الشيطان له عليك سلطان، ولا النبي له عليك سلطان، ولا الداعية له عليك سلطان، أنت حر، افعلوا ما شئتم ، افعلوا ما شئتم هذا تهديد ، كل شيء له ثمن، افعل ما شئت ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .

﴿  إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ(23) ﴾

[  سورة فاطر  ]

 أنت تبلغهم والله يحاسبهم، والإنسان مخير وليس مسيراً، مخير فيما كُلّف، ومسيّر فيما لم يُكلَّف، والذي سُيِّر به فيما لم يُكلَّف لصالحه .

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور