وضع داكن
05-03-2024
Logo
محفوظات - موضوعات لغير الدكتور - الشيخ صالح المغامسي : 05 - تفسير سورة التين
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

التين والزيتون المراد به المحلُّ والمنبت وليس التين الذي نأكله والزيتون الذي نعصره :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، موقع الراسخون في العلم ، يقدم : قال ربنا جلّ ذكره وهو أصدق القائلين :

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾

[سورة التين]

 لا خلاف بين العلماء أن قول الله جل وعلا : (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)) هو جوابٌ للقسم المسبق في الآية أو في السورة الكريمة ، لكن الإشكال عند العلماء هل المراد القسم بأعيان المُقسم به أم المراد البقاع والأماكن التي تكون بها ؟ فالله جل وعلا قال : (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1)) ، ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه هو التين الذي نأكله ، والزيتون الذي نعصره ، لكن فريقاً من العلماء في مقدمتهم ابن جرير الطبري ، والحافظ ابن كثير يرون أن المقصود من هذا القسم البقاع ، وأن تلكم البقاع حَوَت أكابر الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، فنحن نعلم أن عيسى بن مريم هو خاتم أنبياء بني اسرائيل ، وليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم نبي ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

 

((أَنا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسى ابنِ مَريمَ؛ الأَنْبِياءُ كُلُّهم بَنو عِلَّاتٍ ، ولَيسَ بَيْني وبَينَ عيسى نَبيٌّ))

 

[أبو هريرة تخريج المسند]

 فهذا الفريق من المفسرين يقول : إن قول الله جل وعلا : (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1)) إنما المراد به المحلُّ والمنبت ، أي القسم بأرض الشام ، الأرض المباركة ، التي فيها ولد وبُعث ونشأ عيسى بن مريم عليه السلام ، وليس المقصود كما قال ابن عباس : التين الذي نأكله والزيتون الذي نعصره .

 

الطور في اللغة هو الجبل الذي نبت به الشجر :

 كذلك قالوا في قول الله جلَّ وعلا : (وَطُورِ سِينِينَ (2)) ، إن الطور في اللغة هو الجبل الذي نبت به الشجر ، والمراد هنا طور سيناء ، والمراد أصلاً المحل والبقعة المباركة ، التي كلّم الله جلَّ وعلا عندها الكريم والصفي موسى بن عمران عليه سلام الله ، فقالوا : المراد المحلُّ والبقعة ، واحتجوا على هذا بأن الله جلَّ وعلا ختم تلك الأماكن التي أقسم بها بقوله جلَّ وعلا : (وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ (3)) ، وهذا كما نعلم اسم إشارة ، والبلد المراد به مكة بالاتفاق ، والأمين بمعنى المأمون ، فهذا منحى قاله بعض أهل العلم .
 وقالوا : من الأدلة على هذا أنه لا يوجد تناسب ما بين القسم بالتين والزيتون مثلاً ، والقسم بالبلد الأمين ، ولكن أكثر أهل العلم على خلاف هذا ، وإن قال الأكابر من أهل التفسير بالأول ، فهؤلاء تركوا الأمر على ما هو عليه ، أي أن الفريق الثاني أبقى الأمر على ما هو عليه ، فقالوا : إن القسم هنا بالتين الذي نأكله ، وبالزيتون الذي نعصره ، وليس المراد المحل ولا البقع ، وبعض أهل العلم ومال إلى هذا الأنوسي ، رأى أنه لا يوجد تناف بين الحالين ، وهذا - والعلم عند الله - أقرب للصواب ، وأدنى للتوفيق ، وهو أنه يقال لا يوجد تناف بين القسمين ، فيكون القسم بأعيان هذه المقسومات ، والمراد به البقاع والمحل دون أن نتجاوزها ، بمعنى أن يكون المقصود القسم بين الأمرين ، فأقسم الله جلَّ وعلا بالتين والزيتون ، أما التين فهو الثمرة المعروفة ، وقد ورد عن الإمام مالك رحمه الله أن التين من أشبه ثمار الدنيا بثمار الجنة ، والحجة في هذا أن التين يؤكل من غير أن يكون فيه شيءٌ يُرمى ، أو قشرٌ يُزال ، من غير أن يكون فيه فصمٌ يُرمى ، أو قشرٌ يُرمى ، أو بذورٌ تُزال ، بخلاف غيره ، فالتمرة مثلاً لا شيء عليها ، غطاء نزيله لكن بداخلها النوى الذي لا نأكله فنرميه ، وغيره من المطعومات ربما أزلنا قشره ، وأكلنا لبه ، أما التين فإنه يؤكل ، بل إن بعضه أشبه باللقمة الواحدة ، يؤكل دون أو يُقشر ، ودون أن يُرمى منه شيء ، ولهذا ورد عن مالك رحمه الله أن التين أشبه ثمار أهل الدنيا بثمار أهل الجنة ، والعلم عند الله .

الأئمة الأربع خلّد الله علمهم وبقي فقههم :

 إذا استطردنا بالحديث ، فإن مالك رحمه الله أحد الأئمة الأربع المتبوعين ، وعندما نقول أحد الأئمة الأربع المتبوعين فإن الأئمة رحمة الله عليهم من الفقهاء وغيرهم ممن خلّد الله علمهم ، وبقي فقههم ، وهؤلاء من عُرفوا بالأئمة المتبوعين ، فأصبحت لهم مدارس فقهية ، وأولهم ظهوراً أبو حنيفة النعمان ، ثم مالك رحمه الله ، ورحمة الله على أبي حنيفة ، ثم الإمام الشافعي ، ثم الإمام أحمد ، رحمة الله على الجميع ، فهؤلاء اشتُهر أنهم أئمة أربع متبوعون ، أخذ الناس عنهم العلم ، وقامت مدارسهم الفقهية هنا وهناك ، إلا أن مالكاً رحمه الله كان مستوطناً دار الهجرة ، مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي حقه قيل المثل المشهور : لا يُفتى ومالكٌ في المدينة ، وما بين أيدينا اليوم من كتبه كتاب الموطأ ، وكتاب الموطأ هو أقدم كتابٍ مطبوعٍ بين أيدينا ، هو أقدم كتابٍ وصل إلينا من القرون الأول ، والموطأ كتابٌ ذكر فيه مالك أحاديث بأسانيدها ، وذكر فيها أحاديث بلاغات ، أخذها عن غيره ، والمقصود أن الموطأ هو الكتاب الأم ، لمذهب الإمام مالك رحمه الله الذي كان يستوطن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومالكٌ أخذ عنه الشافعي ، لكنه هو نفسه لم يدرك أبا حنيفة ، ولم يأخذ عنه شيئاً ، وإنما أخذ عن محمد بن الحسن ، لقي محمد بن الحسن وهو صاحب صاحب أبي حنيفة ، والإمام أحمد رحمه الله آخر الأئمة ظهوراً ، وهذا استطرادٌ عندما ذكرنا قول مالك رحمه الله : إن التين من ثمار الدنيا أشبه الثمار بالجنة .

القدرة في التأويل عند ابن سيرين :

 كذلك جاء في التين مما يستطرف خبرٌ عن محمد بن سيرين رحمه الله ، ومحمد بن سيرين أحد التابعين عُرف عنه القدرة على تعبير الرؤى ، وقد ورد أنه جاءه رجلٌ ذات يوم فقال : يا إمام إني رأيت أنني آكل ثلاثين تينة ، فتفكر قليلاً ثم قال له : يا بن أخي يغلب على ظني أنك تُجلد ثلاثين جلدة ، فخرج الرجل من عنده ، فلم يلبث أن صعد على سطح بيته ، فاغتسل ، فلما نزل الماء من ميزابه ، انسكب على أحد الوجهاء والأمراء الذي كان يمرُّ تحت الدار ، فغضب عليه ، وأنزله من سطح الدار ، وأمر بجلده ثلاثين جلدة ، فتحققت تعبير وتأويل محمد ابن سيرين ، ثم إن الرجل نفسه بعد ذلك بدهرٍ رأى الرؤيا نفسها ، أنه يأكل ثلاثين تينة ، فجاء إلى محمد بن سيرين ، فقال : يا بن أخي إن صدقت رؤياك فيغلب على الظن أن يخرج فيك جروح ، ودمامل ، وبثور ، تبلغ الثلاثين ، فكان كذلك ، ثم بعد ذلك الرجل نفسه يرى رؤيا أخرى يرى أنه يأكل ثلاثين تينة ، لكن الرؤيا الأخيرة لم تكن بعيدةً عن الرؤيا الثانية ، في حين طال الفصل ما بين الرؤيا الأولى والرؤيا الثانية ، فلما قصَّ عليه ، قال : يا أخي إن صدقت رؤياك ، فإنك تُرزق بثلاثين ديناراً ، فعاد الرجل إلى بيته ، فلم يلبث قليلاً إلا وقد أُهدي إليه ثلاثون ديناراً، فتعجّب الرجل من أن الرؤيا واحدة ، واختلف تأويل محمد بن سيرين ، وكلها تتعلق بالتين الذي نشرح الآن قول الله جلّ وعلا فيه : (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1)) ، فعاد الرجل إلى محمد بن سيرين وقال : يا إمام أخبرني كيف عرفت مع أن الرؤيا واحدة ؟ قال : عندما أتيتني في الأول وأخبرتني أنك رأيت نفسك تأكل ثلاثين تينة في منامك ، لم يكن ذلك وقت أوان نضج التين ، فلم أر في رؤياك إلا عراجين وأغصاناً ، فعلمت أنك تجلد بها ، فلما جئتني بالثانية وقلت لي : إنك رأيت نفسك تأكل ثلاثين تينة ، كان هذا وقت دنو نضوج التين لا وقت نضوجه ، فعلمت أنها بثورٌ تخرج فيك ، فلما أتيتني في الثالثة ، كان هذا وقت نضوج التين ، ووقت أن يستطيب الناس به ، ويطعموه ، ويأكلوه ، فعلمت أنه خيرٌ يساق إليك ، فانظر القدرة في التأويل ، والقدرة في التعبير عند محمد بن سيرين رحمه الله ، وهذا كله استطرادٌ كما قلت معرفي عند قول الله جلَّ وعلا : (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1)) .

تلخيص لما سبق :

 أما الزيتون فهو شجرةٌ مباركة كما قال ربنا جلَّ وعلا :

(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35))

[سورة النور]

 فالزيتون شجرٌ مبارك ، فالقسم بالزيتون هنا ، والقسم بالتين قبله ، إنما المراد به على قول بعض أهل العلم المقام والبقعة التي نشأ بها خاتم أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم عليه السلام ، قال أصدق القائلين :

 

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾

 

[سورة التين]

إخفاء الصور