وضع داكن
28-09-2022
Logo
قناة القرين دولة الكويت –الشيخ متولي الشعراوي : 8 - العقيدة الإسلامية وأسس النهضة
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :


المذيع :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
أيها الأخوة المؤمنون ؛  تمر الأمة الإسلامية اليوم في مرحلة من مراحل الدفاع عن النفس ، حيث أننا نشاهد قول النبي صلى الله عليه وسلم : 

(( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ، فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْل وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وليقذفنَّ في قُلُوبكم الوَهْنَ قيل : وما الوْهنُ يا رسول الله ؟ قال : حُبُّ الدُّنيا وكراهيَةُ الموتِ ))

[ أبو داود عَنْ ثَوْبَانَ ]

واقعاً ملموساً ، وبما أن سبيل النهضة لأمة القرآن لابد أن يبدأ من العقيدة التي ران عليها غبار الضلال نتيجة الهجمة الفكرية لمبادئ الكفر ، وكلنا يعلم أن الإسلام هو عقيدة انبثق عنها أنظمة تشمل كافة ما في الحياة والكون .
لذلك كان لا بد من بيان الأرضية التي يقوم عليها الإيمان بالله والرسول والقرآن ، بياناً واضحاً يقوم على القناعة العقلية لا على المشاعر والوجدان ، لذلك كان الخطاب دوماً يتوجه لأولي الألباب ، لأن العقل هو الحكم في هذا الموقف ، وما سواه قد يتطرق إليه الخلل فيصيبه بالانحراف والضلال ، وصحيح أن الهجوم الإلحادي على عقيدة الأمة قد ترك بعض الأثر نظراً لأن العيش في حياة غير إسلامية لا يترك الرأي العام الإسلامي في ضياع ، فيصبح التصور تحت وطأة الواقع المتردي فيصاب بالمرض ، لذلك كله كان لا بد من مواجهة التحدي فنعود جميعاً لننفض الغبار الذي علق بإيماننا ، حتى تصبح العقيدة ناصعة صفاء ونقاء ، لنعود أمة ذات رسالة في الحياة فتتسلم القيادة الفكرية التي لم تكن إلا لها ، ويجب ألا تكون إلا لها .
معنا اليوم فضيلة الشيخ محمد متولي شعراوي ننزع من معين ما آتاه الله من علم ليجلو لنا حقيقة العقيدة لهذه الأمة حتى تنهض النهضة التي تمكن لها في الأرض النصر على أعداء الإسلام ، ونيل رضوان الله عز وجل ، أهلاً وسهلاً بفضيلة شيخنا ، هذه ندوة ستكون ندوة مفتوحة يشارك فيها الجمهور ، الأخوان الحاضرون هنا فليجب فضيلة الشيخ على الأسئلة التي ستطرح من الأخوان ، تفضل من مِن الأخوة عنده سؤال فليتفضل تفضل سيدي ...
مداخلة :
بسم الله الرحمن الرحيم ، يتعمد بعض الملاحدة عن سابق قصد ومكر وإصرار إثارة بعض الشكوك حول وحدانية ووجود الله سبحانه وتعالى ، فنرجو من فضيلتكم أن تبينوا لنا بالتذكير بالأدلة العقلية التي تثبت وجود الله سبحانه وتقطع على هؤلاء الماكرين مكرهم وباطلهم وأضاليلهم وشكراً .

 

تعريف العقيدة :


فضيلة الشيخ محمد متولي شعراوي:

بسم الله أحمده وأستعينه ، وأصلي وأسلم على خير خلقه سيدنا محمد وبعد ؛ فما أكثر ما يتلقى المسلمون من مبادئ وافدة تشكك في دينهم تشكيكاً يحاول أن يهدم البنيان من أسه، والتشكيك حين يكون في حكم يكون من السهل أن نقنع بحكمة الحكم ، ولكن التشكيك يعظم خطره إن اتصل بأصل العقيدة ، فما معنى كلمة العقيدة أولاً حتى يصبح بحثنا عن بيان ؟
 العقيدة مأخوذة من العقد ، والعقد رباط لا يسهل حله ، وموضوعها لابد أن يكون أمراً غيبياً ، فالعقيدة لا تتصل بالمحسوس أبداً ، فلا يقال مثلاً : إني أعتقد أنني الآن أجلس في استوديو لأسجل ، ولا أقول : أنا أعتقد أن جمهورنا الآن أمامي يسمعني ، ولا أقول : أعتقد أن المصباح مضيء ، لأن ذلك أمر حسي لا مدخل للعقيدة فيه ، وإنما تكون العقيدة في أمر غيبي حجته من الآثار المشهدية ، لذلك سميت عقيدة ، فالعقيدة إذاً اليقين بقضية من القضايا ، بحيث لا تطفو إلى الذهن لتناقش من جديد ، فإن طفت مرة أخرى لتناقش من جديد فلا تسمى عقيدة ، إنما تسمى فكرة لا تزال محل الدرس ، فإن انتهي من درسها فكرياً ، واقتنع بها الإنسان ، واختمرت في قلبه ، سميت عقيدة ، أي ربطة لا يسهل أبداً حلها ، وإذا ما أردنا أن ننظر إلى العقيدة بمعناها العام ، وأردنا أن ننظر إليها بمعناها الخاص ، فإننا نقول : العقيدة بوجود إله واحد ، وإلا فكثير من المبادئ الوضعية والمذاهب الحديثة يمكن أن يأخذ في نفوس مقتنعيها مأخذ العقيدة . 

الإنسان بالاستقراء الكوني الوجودي جنس بين أجناس :


إذاً لابد أن تكون العقيدة حول وجود الإله ووحدانيته ، هذه العقيدة حين نبحثها نبحثها على لونين ، اللون الأول نبحثها لنؤصلها في مؤمنين بها أولاً ، وطرأت عليهم شبهات يمكن أن نحللها فترجع العقيدة صافية من جديد ، ولون آخر يحاول غرسها فيمن لم توجد عنده ، فلنحاول جاهدين أن نعالج اللونين ، أما اللون الذي لا توجد عنده العقيدة بوجود إله واحد فيجب أن تكون مواجهته من واقع المحصلة ، المشاهد الذي لا نكران له ولا جحود ، لأنه ما دام لا يعتقد بوجود إله واحد على مقتضى ما تقتضيه الديانات السماوية فهو إنسان لا يؤمن بغيبيات وراء المادة ، ولا يؤمن إلا بالمادة المحسسة ، فلننقله إذاً من المادة المحسسة لنصل به إلى غيب يجب أن يعتقد ، نقول له : أنت أيها الإنسان الذي ألحد فأنكر وجود إله كما تدعيه الأديان ، لا تشك في وجود نفسك ، ولا تشك في وجود كون أنت تتصل به اتصال انتفاع ، فإذا ما استعرضت نفسك ، واستعرضت الكون الذي تنتفع به ، وجدت نفسك سيد هذا الكون ، لأن الكون المحس لك لا يخرج عن أجناس تقرب منك مرة ، وتبتعد أخرى ، فأقرب الأجناس إليك الحيوان إلا أنك تتميز عنه بالفكر ، وبعد ذلك يأتي جنس آخر يقرب من الحيوان ، إلا أن الحيوان يمتاز عنه بالحس والحركة ، وهو النبات ، ويأتي جنس آخر يتميز عن النبات بالنمو ، وهو جنس الجماد ، فأنت بالاستقراء الكوني الوجودي جنس بين أجناس ، هذه الأجناس حيوان يقرب منك ، ونبات يبعد عنك مرحلتين ، وجماد يبعد عنك ثلاث مراحل ، فإذا ما نظرت إلى سيادتك على هذه الأجناس وجدت أن كل جنس أدنى يكون في خدمة الجنس الأعلى ، فالجماد في خدمة النبات يمده بعناصر غذائه لينمو ، ويمده بالماء ، والماء جماد أيضاً ، وبعد ذلك يأتي ليخدم الحيوان أيضاً ، ويأتي ليخدم الإنسان أيضاً ، فالجماد في خدمة الأجناس الثلاث التي تعلو ، فإذا انتقلت إلى مرتبة النبات وجدت النبات في خدمة الجنسين الذين يعلوانه ، جنس الحيوان وجنس الإنسان ، فإذا ما ارتقيت إلى جنس الحيوان وجدت ذلك الحيوان في خدمة ذلك الإنسان ، إذاً فالإنسان سيد هذه الأجناس كلها ، وكلها تصب في خدمته ، كلام استقرائي منطقي واقعي لا يجادل فيه أحد ، ولم نقل فيه قال الله ، ولا قال رسول الله ، إذاً فأنت أيها السيد قد عرفت لكل جنس دونك مهمة يؤديها بوجوده ، فوجب عليك أن تلتمس لنفسك مهمة تؤديها بوجودك ، وإلا كان وجودك أتفه من وجود النبات ، وأتفه من وجود الحيوان ، وأتفه من وجود الجماد ، لأن هذه لها مهمة تؤديها ، ماذا تصنع إذاً وهذه الأشياء تصب في خدمتك ؟ إذاً لا بد في سلسلة الارتقاءات الجنسية أن كل جنس يخدم جنساً أعلى .
إذا فلتسر المتواليات الجنسية إلى القمة ، الجماد يخدم النبات ، والنبات يخدم الحيوان ، والحيوان يخدم الإنسان ، فوجب عليك حتى لا تكون أتفه من هذه الأشياء أن تلتفت إلى وجود شيء تكون أنت في خدمته ، وإلا كنت تافه الوجود ، وكان كل شيء في الوجود خيراً منك ، وهذا يناقض أنك السيد ، إذاً فلابد أن توجد لك مهمة تناسب سيادتك ، ولكن ليس هناك جنس أعلى مني في مرئياتي ، إذاً فلا بد أن يقف العقل هنا وقفة ليجهد نفسه في وجود ذلك الشيء الذي يجب أن يرتبط به ، وقفة عقلية لم نقل قال الله ، ولا قال الرسول ، فإذا ما نظر نظرة أخرى وجد شيئاً آخر عجيباً وهو أن هذه الأشياء التي هي في خدمته بالواقع والاستقراء ليس له قدرة عليها ، ولن يوجدها هو لتكون في خدمته ، بل أدت له الخدمة قبل أن يقدر على أن يقدر غيره له ، لنفسه ، إذاً فوجب أن يبحث عن شيء أقوى منه ، وأقوى من الأجناس ، سخر ما لا يقدر عليه الإنسان لخدمة ذلك الإنسان ، وقفة عقلية أخرى . 

نفعية كل شيء بقدرة الله فقط :


شيء آخر أنك حين تترقى في الأجناس تجد أن الجنس الذي يدخل في مكنتك انتفاعاً يتطلب النفع هو من شيء لا يدخل في مكنتك ،  فالجماد والنبات والحيوان في مكنتي وفي مقدوري ولكنه بحاجة إلى أشياء أخرى ليست في مقدوري ، إن حاولت أن أسخرها تمليكاً لا أستطيع ، فالشمس التي تمد كل هذه الأشياء بحرارتها وضوئها لتؤدي مهمتها لا تدخل تحت قدرتك ، والهواء لا يدخل تحت قدرتك ، والقمر لا يدخل تحت قدرتك ، والماء لا يدخل تحت قدرتك ، وعملية تبخيره وتكثيفه لا تدخل تحت قدرتك ، ومع ذلك تؤدي ، إذاً فهي تؤدي لك ، وتؤدي للجنس الذي من الممكن أن تتملكه ، إذاً كلما ابتعدت ملكية الإنسان للأجناس التي تخدمه كلما قويت نفعية هذه الأجناس ، فوجب أن تدخل أيضاً في متوالية أخرى وهو أن ما يمكن أن يدخل في قدرتي انتفاعاً خدمته مترتبة على ما لا يدخل تحت قدرتي تملكاً كالشمس والماء والهواء ، إذاً فوجب أن تتيقن أن ما يغيب عنك ولا يدخل حتى في حسك يكون أقوى من هذه الأشياء ، وهو الذي سخرها لك ، وقفة عقلية ثالثة . 

الله هو القوة التي يبحث عنها كل إنسان :


شيء آخر أنك تجد نفسك تصنع أشياء ، من مادة موجودة توجد منها شيئاً جديداً ، فمثلاً ذلك الكوب نصنعه ، ولكننا نصنعه من مادة مخلوقة لنا أن نذهب إلى جنس الجماد ، فنجد مادة كالرمل مثلاً لها مواصفاتها الخاصة ، وبعد ذلك نأخذها بنشاطنا الذهني فنذيبها حتى نصنعها عجينة ثم نصنع منها ألواحاً زجاجية ، ثم نصنع منها أكواباً ، ثم نصنع منها من الأواني ما شئنا ، فإذا ما سلسلت أي صنعة من صنعات الإنسان فستنتهي إلى وجود شيء لم يدع الإنسان أنه صنعه ،  سأقول لمن صنع ذلك المكتب : من أي مادة  صنعتها ؟ يقول : من الخشب والمسمار والغراء ، فأقول له : ومن أين أتيت بالخشب ? استوردته من السويد ، فنذهب إلى السويد ، وأنت من أين أحضرت الخشب ؟ والله من الغابات ، فنذهب إلى الغابات لنقول : وأنت يا غابات من أين أتيت بهذا ؟ فلا تجد جواباً .
حين تنقطع الأسباب في يد البشر المعروف لك فاعلم أن قوة أخرى وراء تلك الأسباب ، فإذا ما قطع ذلك الفكر واحد من البشر يقول للناس : إن اللغز الذي يبحث عنه عقلكم أنا جئت لأحله لكم ، أو لستم تبحثون عن شيء أعلى منكم لترتبطوا به ؟ نعم ، أو لستم تبحثون عن قوة أقوى من قوتكم ومن قوة الأشياء المسخرة لكم ولم تسخروها بقدرتكم لتبحثوا عمن أخضعها وسخرها وهي أقوى مني ولا تدخل في ملكي ؟  فيقولون : نعم ، ألست تبحث حين تسلسل الصناعات إلى موادها الأصيلة إلى من أوجد هذه المواد التي أنشئت منها هذه الصناعات ؟ فيقول : نعم ، أقول : أنا أدلك إن القوة التي تبحث عنها اسمها : الله ، وأنا جئت لأبلغك عن الله ، أنا لم أجيء لأعرفك وإنما جئت لأعرفك مراد الله منك ، ومعجزتي أنني أستطيع أن آتي بشيء أنت نابغ فيه ، وأعجزك فيه ، ولم أكن من أهل تلك الصناعة ، فحين يأتي رسول بمعجزة ليقول لنا ذلك فإما أن نصدقه لأنه دلنا على شيء نحن نبحث عنه ، ومن دلك على شيء أنت تبحث عنه سيظل ذلك الشيء محل اليقين منك إلى أن تأتي قوة أخرى لتقول : لا ، هو كاذب ، وإنما الذي فعل كل ذلك هو شيء آخر ، فتثبت الدعوة للرسول إلى أن يوجد مدع آخر بحجة أخرى أقوى من الحجة التي جاء بها الرسول .
مثلا في مثل هذا المكان وجد الموظفون هنا بعد خروجهم حافظة نقود ، وجاء واحد من المشاهدين بعد ذلك ليقول : فقدت حافظة نقودي ، فادعاها لنفسه ، فجئنا بكل من حضر فلم يدعها لنفسه ، فلمن تكون هذه الحافظة ? هي لمن ادعى أنها لها إلى أن يأتي مدع آخر يقول : لا ، هي لي بأمارة كذا وكذا وكذا .
فحين يجيء الرسول ليقول إن الذي يفعل القوة التي تبحثون عنها هو الله ، ومطلوبه منكم كذا وكذا وكذا وكذا ، نقول له : أنت شفيت أنفسنا إلى أن يظهر شيء آخر يقول : لا ، لقد كذب عليكم ، وأنا الذي فعلت ، وأنا الذي سويت ، مبحوث عنه دلك عليه واحد ، وبعد أن دلك لم يوجد له معارض ، الذين أشركوا بالله شمساً أو أشركوا بالله قمراً نقول لهم : ما منهج الشمس الذي طلبته منكم ?  لا منهج ، نقول : إله خلق ولا منهج له لمن خلق ؟! نقول : ما الذي أعدته الشمس لمن يعبدها ؟ وما الذي أعدته الشمس لمن لا يعبدها? إله بلا منهج ، وبلا جزاء لمن خالف ولمن لا يطيع لا يسمى إلهاً ، إذاً فبطل أن يكون غيره .
وبعد ذلك ننظر نظرة أخرى ، هذه النظرة تستوي فيها كل العقول ، وكل الأجناس ، وكل الثقافات ، نقول له : اللغات التي يتكلم بها الناس ، ما هي اللغة ? اللغة ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ، والأغراض ومعانيها متفقة في سائر اللغات ، ولكن المختلف فيها الصوت أو اللفظ الذي يدل على المعنى ، فالشمس اسمها شمس عندنا ، ولكن في لغة أخرى المدلول عليه واحد هو الشمس ، ولكن لها اسم آخر sun مثلاً ، وكذلك في اللغات الأخرى  ، إذاً فلا اختلاف في المعاني وإنما الاختلاف في الألفاظ التي تؤدي هذه المعاني . 

وجود المعاني أولاً  في كل اللغات ثم وجود الألفاظ :


حين نسأل أهل اللغة : نقول لهم أيوجد اللفظ أولاً ثم يوجد معناه أم أن المعنى يوجد أولاً ثم يوضع له اللفظ ? الكل مجمع على أن المعنى يوجد أولاً ثم يوضع له اللفظ ، بدليل أن الأمور العدمية لا ألفاظ لها في اللغات ، لم نكن نتطلب من أي لغة قبل أن يظهر التلفاز أن يوضع اسم لذلك التلفاز ، ولكن عندما وجد المعنى والمدلول عليه اضطررنا أن نضع له لفظاً ، لو قلت تليفزيوناً أو قلت تلفازاً أو أي شيء آخر .
إذاً فوضع الألفاظ للمعاني والأسماء للمسميات إنما يتأتى بعد وجود المعاني ، وبعد وجود المسميات ، ولابد من معرفة الوضع ، ومعنى معرفة الوضع أن المتكلم بالعربية يعلم أن اللفظ وضع لمعنى كذا ، فإن لم يفهم وضع اللفظ لمعنى كذا وإن كان عربياً فإنه لا يفهم العربية، لا يفهم حتى العربية ، ومن باب أولى لا يفهم الانجليزية ، فإن تعلّم أن ذلك اللفظ man  تؤدي معنى رجل ، يبقى إذا نطقت أمامي بالانجليزية أعرف مدلولها ، فإن لم أعرف مدلولها قبل أن أسمعها فلا أعرف لها معنى ، كذلك إذا كان لها لفظ عربي لم أعرف مدلوله ، وإن كنت أتكلم بلسان عربي ، فاللغة تفقد قيمتها ، إذا المعنى يوجد أولاً ثم يوضع له اللفظ ، ولابد من معرفة السامع والمتكلم بمدلولات الألفاظ ، وإن تكلموا بلسان واحد ، مثلاً كان هناك شخص لغوي اسمه أبو علقمة ، أبو علقمة هذا كان متقعراً في اللغة ، متقعر أي يأتي بالألفاظ الغريبة ، مرة كان عنده خادم ، والخادم شقي بخطاب سيده طويلاً ، لأنه يأتي بألفاظ ليست في مستوى الخادم ، فاستيقظ أبو علقمة ليلة وقال : يا غلام ! أما هذه فقد فهمها الولد ، فقال له : أصقعت العتاريف، فقال الغلام : زقفيلم ،  قال أبو علقمة وما زقفيلم ? لأول مرة يستفسر أبو علقمة عن معنى لفظ لغوي ، فقال له : وأنت ما معنى أصقعت العتاريف ? قال : يا بني لقد أردت أصاحت الديكة ? قال : وأنا أردت لم تصح .
إذاً فعدم علم الغلام باللفظ الموضوع له جعله لم يفهم شيئاً ، إذاً  فلا بد أن نفهم المعنى أولاً ، واللفظ الموضوع له ثانياً ، وانظروا إلى ذكاء الغلام حيث جاء بلفظ مخترع من عنده ، ليس له وجود في اللغة ، وما دام لفظ مخترع من عنده أبو علقمة طبعاً لن يعرفه ، فلما قال : زقفيلم ، جاء له بكلمة لا يعرفها ، بحث في القواميس ولم يعرفها ، فاضطر أن يسأل الغلام ، فانتهز الغلام الفرصة وقال له : وأنت ما معنى أفقعت العتاريف ? قال : أردت أصاحت الديكة ? قال الغلام : وأنا أردت لم تصح .
 معنى هذا أن كل اللغات إنما توجد المعاني أولاً  ثم توجد الألفاظ ، فإن وضع لفظ لمعنى مخترع أو معنى خرافي قيل عند وضعه إنه لشيء خرافي ، ككلمة الغول ما معناها ؟ شيء خرافي مخيف ، هذا هو معناها ، يبقى إذاً وضع الألفاظ لابد أن توجد المعاني أولاً ثم توجد الألفاظ ، لفظ الله الذي يشك فيه الملاحدة متى دخل لغة العرب ؟ واللفظ المقابل له في كل اللغات متى دخل لغات الناس ما دامت الألفاظ لا توجد إلا بعد وجود المعاني ؟
إذاً فلفظ الله لم يوجد إلا بعد أن وجد معناه أولاً ، وليس وجد اللفظ ثم اخترع له المعنى، وذلك هو الضرورة اللغوية التي تلح في أن لفظ الله لا بد أن يكون معناه سابقاً على ذلك اللفظ ، وإلا فمن أين جاء للغة البشر ذلك اللفظ ، والألفاظ لا تأتي أبداً إلا بعد وجود معانيها ؟!  

التعقل والتصور :


من أيسر دليل ترد به على هؤلاء جميعاً بعد ذلك نبحث عن شيء آخر ، عن الفلاسفة ومدارسهم المختلفة ، من أول مدارس اليونان حينما بحثوا بعقولهم ورأوا أن عقولهم لها سيادة ، وتستطيع أن تلج حتى الغيب ، يوجد عندهم فلسفتان ، الفلسفة الأولى الفلسفة المادية التي تبحث في المادة والتجربة عليها ، العلوم التجريبية ، وشيء آخر يسمونه الميتافيزيقا ، أي شيء وراء المادة ، وأجهدوا نفوسهم في ذلك اللون من الفلسفة ، أي شيء وراء المحساة ، وبحثوا فيه بمدارسهم المختلفة ، فما الذي قال لهم : إن وراء المادة شيء يجب أن يبحث عنه ؟ مادام الأمر متعلقاً بالأمور المادية حصراً من أين عرفوا أن وراء المادة شيء يجب أن يبحث عنه ؟
إذاً فالدليل لنا لا أنهم وصلوا ولكن لأنهم أجهدوا عقولهم في أن يبحثوا وراء المادة ما هو ، إذاً فهم مقتنعون وجدانياً وفطرياً أن المادة لا يمكن أن تكون وحدها ، ولابد من وجود شيء خلف هذه المادة هو الذي يحرك هذه المادة ، سواء عرفوا ووصلوا أم لم يعرفوا ولم يصلوا ، وبعد ذلك نجد الفلسفة المادية انفصلت عن الميتافيزيقا ، لماذا انفصلت ؟ لأن الفلسفة المادية أدت ثمارها للكون ، وأعطت العالم وسائل حضارية ، وارتقت حيوات الناس ورفعت ، والفلسفة الميتافيزيقية لم تعط العالم شيئاً أبداً ، وظلت في متاهاتها إلى تلك الساعة ، لماذا ؟ لأنهم تعدوا حدود تعقلهم ، المطلوب في القوة التي وراء الكون أن تتعقلها لا أن تتصورها ، وفرق بين تعقل الشيء وتصوره ، كيف ؟ نحن هنا في حجرة مغلقة ، ثم دق الجرس ، كلنا يتعقل وجود طارق في الباب ، ونحن متفقون في ذلك جميعاً ، ذلك هو التعقل ، فإذا دخلنا منطقة التصور دخلنا في متاهة ، فمن قائل إنه شيخ كبير ، ومن قائل إنه فتى ، ومن قائل إنه صغير ، ومن قائل إنه رجل ، ومن قائل إنه امرأة ، ومن قائل إنه طويل ، ومن قائل إنه قصير ، ومن قائل إنه جاء بشير ، ومن قائل إنه جاء نذير ، لأننا دخلنا في متاهات التصور ، ولو وقفنا عند منطقة التعقل فقط أن طارقاً بالباب لتركنا للطارق أن يعبر عن نفسه ، من أنت ؟ فيقول : أنا فلان .
إذا فالتصورات لا تأتي من المتصور ، وإنما تأتي من الشيء المتصور ، ما مطلوبك؟ مطلوبي كذا وكذا وكذا فكان من الواجب أن يكتفي العقل بتعقل قوة وراء تلك المادة المحسوسة، هذه القوة لها عمل في تلك المادة المحسوسة ، ثم يترك العقل الزمام للقوة نفسها لتحدثه عن اسمها ، اسمي كذا ، وعن مرادها ، وعما تعده لمن يسير وفق طاعتها ، وعما تعده لمن يسير على نظام معصيتها ، فالفلاسفة إذاً لم يضلوا في التعقل ، وإنما ضلوا في منطقة التصور ، لماذا؟ لأنك حينما تريد تصور شيء لا تتصوره إلا على وفق المحسوس لك ، ومحال أن تتصور الله على وفق المحسوس لك ، لأنه مادام خلف الجميع ، وما دام فوق الجميع ، وما دام وراء الجميع ، وأنه خلق الجميع ، فلا بد أن يكون متميزاً عن الجميع ، وأنت لا تستطيع أن تتصور إلا على ضوء ما عرفت الناس ، ولذلك الذين صوروا الله قعدوا يصورونه بشكل الإنسان ، وله كذا ، وله كذا ، ويخطو ، ويتصارع مع يعقوب، لماذا ؟ لأنهم لا يعرفون في تصورهم موجوداً إلا ذلك الإنسان .
إذاً الذي أتعب الفلاسفة ليس منطقة التعقل لوجود قوة ولكنها منطقة التصور، هي المكان ، إذاً العقل بفطرته أولاً ، وببحثه الاستقصائي في مادة الوجود ثانياً ، وبما ينقل إليه ثالثاً، مدين إلى أن يؤمن بوجود قوة سميت القوة باسم ، هذا الاسم لا بد أن يكون له قبل الإطلاق معنى موجوداً في النفوس و لو لم يكن له معنى موجوداً في النفوس لكان شيئاً خرافياً ، ونص على أنه شيء خرافي . 

ضرورة وجود إله يحاسب كل إنسان على عمله :


الذين يناقشون المسألة من الناحية الإلحادية ، نقول لهم : أنتم تنظمون حيواتكم بعقولكم ، وترون وضع نظام للإنسان في الحياة هو أمر ضروري ، وضع أي نظام ضروري لحياة الإنسان أنتم اضطررتم إليه حتى أنتم أيها الملاحدة بأن تصنعوا قوانين ، وتجرموا الأفعال، وتعاقبوا على هذه الجرائم .
فالكون الذي تعيشون فيه أخلا من الجرائم التي يؤمن الجميع بجرميتها ؟ لم يخلُ ، لكن هل يستطيع إنسان أن يقول إنه يستطيع أن يعرف كل جريمة وقعت وخاصة إذا كان صاحب الجريمة ذا حيلة يستطيع أن يبتكر بها ويفعل ولا تطله يد القانون ؟
نقول لهم : وهؤلاء الذين يحدث منهم الفساد لا الذين تقع أعين القانون عليهم ، أشد الناس فتكاً بالمجتمع هم المحتالون ، الذين يستطيعون أن يصنعوا الجرائم ، ومع ذلك لا تقع يد القانون عليهم ، فنقول لهم : إذا كنتم أنتم قد فعلتم بمن وقعت عينكم عليه عقوبات فالذين لم تقع عينكم عليه وهم أكثر إفساداً في الكون ممن وقعت عليه عيونكم ، أيتركون هكذا ؟ ليست عدالة طبيعة ، فكان من الواجب أن تتطلبوا أنتم وجود قوة تعلم هذه الخفيات حتى تصونوا ، إذا كنتم أنتم صنتم مجتمعاً لم تخلقوه ، ولم تسألوا عنه ، ولم يدّع لكم فيه ألوهية ولا ربوبية ، وأردتم صيانته ، إذا نظرنا هذه النظرة فالذين لا تقع عيونكم عليهم إلى من يوكل أمرهم ؟ إذاً يكون العالم مختلاً ، ويكون الذي يجرم الجرائم أشد انتفاعاً ممن لم يجرم ، لأن الذي أجرم أعطى نفسه كل شهوات حياته ، والذي لم يجرم صنع نفسه في قالب افعل كذا ولا تفعل كذا ، وبعد ذلك يكون الخير مع هؤلاء ، والشر من هؤلاء ، أفي منطق العقل أن يترك الأشرار بدون أن يحاسبوا ؟ وأن يضيق على الأخيار ؟ وحين يفقدون الحياة يكونون قد خسروا كل شيء ، فقد ألزموا أنفسهم بمناهج ضيقة حيواتهم ، وضيقت شهواتهم ، وغلبهم عليهم من انفلتوا وأخذوا شهواتهم . 

الهدف من إرسال الرسل :


إذا كان هؤلاء الذين يلحدون في الله نقول لهم : تعالوا إذاً لننظر فيما نقول إنه صدر من عند الله وفيما صدر من عندكم أيها الملاحدة ، فللنظر إلى أي تقنين قننتموه لهذه الحياة ، فسنجد تقنينات اضطر إلى تعديلها ألف مرة ، بينما نجد التقنين الذي نقول نحن إنه جاء من عند الله تقنين يصل قمة التميز، وكل تعديل في تقنيناتكم يقربكم منه ، وما دام كل تقنين في تقنيناتكم يقربكم من القانون الذي أنا أقول : إنني تلقيته من الإله ، فكان من الواجب أن تعتقدوا أن القوة التي أمدتني بهذا القانون فوقكم ، وأنني حينما أقول إنني أخذته عن الله أكون إنساناً صادقاً ، وإنساناً أميناً ، وإلا كان من الممكن أن أدعي شيئاً لنفسي ، ولذلك حينما كان الرسول يأتي بعجيب معجز ، يقولون : من عندك ، أنت جئت به من عندك ، أرأيتم إنساناً يصنع كمالاً ثم يجعله لغيره ؟
 الناس في بشريتهم يأخذون كمالات الناس لينسبوها إلى نفوسهم ، فيقول :

﴿ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) ﴾

[ سورة يونس ]

يقولون : هذا من عندك ؟ أنا بشر ولا أستطيع أن آتي بهذا الكلام ، أرأيتم عبقرياً يأتي بتقنين ثم بعد ذلك يعزوه لغيره ؟ إنه يسرق قوانين الناس ليقول إنها من وضعه .
إذاً فمجيء الرسل كان أمراً ضرورياً للبشر ليحل لهم اللغز، ولم يجيئوا ليعرفونا وجود الله ، وإنما جاؤوا ليعرفونا مطلوب الله ، حينما يسأل أبو بكر أو تختلف الرواية فيقال سئل علي فيقول له قائل : أعرفت ربك بمحمد أم عرفت محمداً بربك ؟ فيجيب جواباً إذا سمعته تعجبت كيف نظّم عقد هذا الجواب ، فيقول : لو عرفت ربي بمحمد أي أنا آمنت بربي لأن محمداً قال لي لكان محمد أوثق عندي من ربي ،  ولو عرفت محمداً بربي ما احتاجت إلى رسول ، كأن الله جاء في أذني وقال : أرسلت لك رسولاً اسمه محمد ، أنا عرفت ربي بربي ،  وجاء محمد فبلغني مراد ربي مني .
كأن مراد القوى الخفية لا يمكن أن تكون أمراً يصل إليه العقل ، واسمه الحق لا يمكن أن يصل إليه العقل ، وبعد ذلك تأتي الأديان التي ترد على ذلك الإلحاد وعلى رأسها الاسلام الدين الخاتم ليعطي تحدياً للدنيا بما فيها الملحدين . 

عجز الملاحدة عن تحدي الله عز وجل : 


الملحد الذي ينكره الإله لا شك أنه يصادم مطلوب الإله ، ويحاول جاهداً أن يكذب ذلك الإله ، ويحاول جاهداً أن يخرج عن مطلوب ذلك الإله تحدياً له ، نقول له : نعم ، ولكن الله حينما قال : إنني اخترت لاسمي اسماً اسمه الله ، سميت به نفسي ، وأنا أتحدى البشر بما فيهم من كافرين وملحدين أن يأخذوا هذا الاسم ليطلقوه على شيء من ذواتهم ، مع أن وضع الاسم للمسمى أمر مألوف عندنا ، كل يوم نضع أسماء لمسميات ، فما الذي يمنع الملاحدة من أن يكذبوا الله في ذلك التحدي ؟ ويقول أهل الإسلام يتحدى بأن أحداً لا يمكن أن يسمي نفسه الله سأسمي نفسي الله ، يتحدى الإسلام ذلك فيقول : هل تعلم له سمياً ؟ أعرفت في الدنيا كلها من هو سمي الله ؟ سمعوا ذلك التحدي ، ومع ذلك ما اجترأ واحد منهم أن يسمي نفسه أو شيئاً من أتباعه الله ، لماذا ؟ لو كانوا على ثقة وعلى يقين بأن الله لا وجود له لتحدوا بملء أفواههم ، ولكن هذه لم يجرؤوا أن يجعلوا أنفسهم موضع التجربة ، ولو كانوا على يقين من عدم الوجود لتحدوا الله وسموا أنفسهم ، أو ما يملكون ، أو ما يعرفون باسم الحق سبحانه وتعالى .
إذاً من الممكن جداً أن نقنع الطرفين الطرف الأول والطرف الثاني ، وفي إقناع الطرف الأول ما يغنينا عن إقناع الطرف الثاني .
المذيع :
سؤال آخر .
بسم الله الرحمن الرحيم ، نشكر فضيلة الشيخ على هذا البيان الموفق ، ونرجو من فضيلته أن يبين لنا رأي الإسلام فيمن يخلط بين مظاهر قوى الطبيعة والذات الإلهية ومن يذل فيؤله البشر ؟ وما هو الطريق إلى تبيين الذات الإلهية ؟ و شكراً . 

الطريق إلى تبيين الذات الإلهية :


فضيلة الشيخ محمد متولي شعراوي:

الطريق إلى تبيين الذات الإلهية ليس من وضع البشر ، لأن الذات الإلهية هي التي تعطي الفكرة عن نفسها ، إذا كان مجرد الاسم ليس للبشر أن يضعوه للذات ، بل الاسم أيضاً توقيفي ، حتى لو قال الله في كتابه إنه يفعل فعلاً من الأفعال فلا يباح لي أن أشتق من ذلك الفعل اسماً له ، فمثلاً يقول :

﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)  ﴾

[ سورة الأنفال ]

إذاً قال يمكر الله أيصح أن أقول : الله ماكر مع أن الحدث نسبه هو لنفسه ؟!
يخادعون الله وهو خادعهم أيصح أن أقول : الله مخادع ؟ فإذا كان لا يباح لي أن أطلق على الله لفظاً أطلق الله فعل ذلك اللفظ لذاته يبقى من باب أولى ألا أتدخل في أصل الذات لأنني منعت من اسم الذات ، فإذا كنت منعت من اسم الذات ، ولا رأي لي فيه ، يبقى ذات الذات ينبغي ألا يكون لي رأي فيها أبداً ، فالذات هي التي تعلن عن نفسها اسماً ومسمى وصفة ، ويكفي أن توجد في إطار ليس كمثله شيء .
لماذا ليس كمثله شيء ؟ لأنه ما دام الحق قد أخذ وضع الألوهية ، ووضع الربوبية، والكل مردود له فينبغي أن يكون متميزاً عن هذه الأشياء ، لأنه لو كان في خلقه مثل له لأحطنا بالله ، والإحاطة بالله قدرة للعقل عليه ، أنا إذا أتيت بتمرين هندسة وطرحته على الطلاب فالذي يقبل على حله يقال : قدر عقله وفكره على التمرين .
فلو أنني استطعت أن أتصور الله على وصف شيء متصور في البشر أكون قد قدرت على الله ، ويصبح الله مقدوراً عليه ، والقادر لا ينقلب مقدوراً عليه أبداً ، ومن عظمته أنه لا يدرك ، إذا كانت بعض المعاني عند الناس ، المعاني التي يجندون لها حياتهم ، ويضحون من أجلها بكل شيء ، كلمة الحق مثلاً ، الحق معنى لا شكل له ، ولا صورة ، ولا هيئة ، ومع ذلك نجد للحق كمعنى أنصاراً .
المادة كلها عقولاً وطاقات في خدمة ذلك الحق ، والحق معنى من المعاني ، فإذا كانت بعض المعاني التي لا صورة لها ، ولا شكل لها ، تحكم قوى الناس ، وتحكم كل تصرفاتهم فكيف بمن خلق ذلك الخلق ؟ الذي خلق ذلك الحق أولى بأن يعجز الإنسان عن تصوره ، العدالة مثلاً معنى من المعاني ، الفكر يجهد نفسه ليطبقها ، والطاقة تجند نفسها لتحميها ، فما هي هذه العدالة ؟ إنها معنى لا يتصور له شكل ، ولا يتصور له لون ، ولا تتصور له هيئة ، فإذا كان ذلك من الأشياء المخلوقة لخالق أفيكون الخالق يقدر عليه العقل مع أن مخلوقاً من مخلوقاته لم يقدر عليه العقل ؟! 

اختلاف صفات الإنسان عن صفات الله :


حين ننظر نظرة أخرى نقول : أنت أيها الإنسان الدليل لم  يتركه الله في الكون حولك فقط ، وإنما جعل الله الدليل في ذاتك ، حتى لا يكلفك رحلة طويلة من ذاتك إلى الكون حولك ، فنقول له : إنك حين تموت تقول : خرجت الروح ، إذاً فالروح كانت تدير جسمك ، أي تدير حركة هذه الآلة ، فحين خرجت الروح صارت هذه الآلة رمة ، حينما صارت رمة لم يعد لها حركة ولا حياة ، نقول له : الروح التي كانت تدير هذا الجسم ، وتعطيه هذه الحياة ، أرأيتها بعينك ؟ يقول : لا ، لا ، أشممتها بأنفك ؟ لا ، أسمعتها بأذنك ؟ يقول : لا ، أذقتها بلسانك ؟ يقول : لا ، ألمستها بيدك ؟ يقول : لا ، إذاً هي لم تدخل في نطاق حسك ، ومع ذلك كانت تدير جسمك .
 شيء في ذاتك ومع ذلك لم تستطع أن تدركه ، ولا أن تتصوره ، فكيف يتخطى عقلك ليريد تصور من خلق شيئاً لم تستطع تصوره ؟ 
إذاً فالتصور كله عن الله لابد أن يوجد عن الله نفسه ، يقول : صفاتي كيت وكيت وكيت ، على العين والرأس ، وبعد ذلك إذا وصف نفسه بشيء يوجد في كونه نعطيه فيه ما يناسب ذاته ، الله موجود ، وأنت موجود ، أوجودك من عين وجود الله ؟ لا ، الله غني وأنت قد توصف بالغنى ، أغناك من غنى الله ؟ ، الله حي وأنت الآن حي أحياتك من حياة الله ؟ إذاً فإذا قيل : الله له يد ، لماذا تريد أن تجعل يد الله هذه كيدك ؟ 
 له يد تناسبه هي مظهر القدرة والحركة فيه ، ولم يكلفك الله متاهة أن تعرف يده كيف شكلها ؟ لأنه لو أراد ذلك لبينها لنا ، وأيضاً فإنك إذا ما نظرت إلى أن الألفاظ وضعت لتؤدي المعاني المعروفة فمعنى ذلك أن الشيء الذي لا يوجد له نظير في حياتك لا يوجد له لفظ في لغتك ، فإن أحب الحق أن يبين لي قدرته وتمكنه من كونه يقول :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) ﴾

[ سورة الفتح ]

فأنا آخذ من اليد القوة والسيطرة ، وبعد ذلك نثبت له يداً تناسب ذاته في إطار قوله:

﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) ﴾

[ سورة الشورى ]

مادمت قد أثبت له حياة وهي منافية لحياتي ، كذلك حين يقول : استوى على العرش ، استوى على العرش أو جلس أو صعد ، أنت لك جلوس ، وهو له جلوس ، لماذا تريد أن تجعل جلوسه من نوع جلوسك ؟ أو وجوده من نوع وجودك ؟ نقول  له : لا ، إذاً فيكفي أن تفهم من الاستواء على العرش الاستيلاء والغلبة ، لأن العرش في عرف البشر هو مظهرية التمكين من الملك .
 قالوا : جلس فلان على العرش أي استتب له الأمر ، ولم يعد هناك مخالف ، فلتأخذ ذلك المعنى وتقول : إن لله عرشاً يناسب ذاته ، وجلوساً يناسب ذاته .
إذا جئنا لبدوي يعيش في الخيام ، وبعد ذلك قلنا له : إن فلاناً له بيت عجيب في مكان كذا ، كيف يتصور ذلك البيت ؟ أيتصوره على مستوى لم يره أم سيأتي إلى متصورات كان يعرفها يقول : بيته مثل هذا ، فإذا ما ذهب للواقع وجد بيتاً آخر من نوع آخر لم يدخل تحت تصوره ، لماذا ؟ لأن مثل هذه المرائي ما كانت تتصور وهو لم يرها ، فإذا كان ذلك في معلومات البشر ، وفي مصنوعات البشر ، فإذا ما وصف الحق نفسه بشيء بعضه في كونه فيجب أن أنسبه لله كما نسبه الله لنفسه ، فلا أعطل ، وبعد ذلك أقول : ولكن له يداً تناسبه ، ووجهاً يناسبه ، لأن كل صفاته ليست كصفاتي ، فكل ما وصف به نفسه في إطار ليس كمثله شيء . 

العجز عن إدراك التصور الإلهي كمال للعقل :


بعد ذلك ، قد يظن ظان أن العجز عن إدراك التصور الإلهي سبة للعقل ، نقول له: هو كمال للعقل ، نقول له : هو كمال للعقل ، لماذا ؟ إذا جئت لولد في الإعدادية بتمرين هندسي من كلية الهندسة ، وقلت له : حل ذلك التمرين ، فأخذ يخطئ ، وجلس طوال النهار يبحث ، ويفرض ، ويعمل عملاً ، ويقول : بما أن كذا يساوي كذا ولا يصل إلى نتيجة .
 وولد ثان مسك التمرين ، و يقول لك : أنا لا أستطيع أن أحله ، من منهما صاحب العقل الأقوى ؟ هل الذي شرع ليحل أم الذي امتنع عن الحل ؟ الذي امتنع عن الحل ، لأنه ما دام عرف أن ذلك التمرين ليس في مكنة عقله الآن، و المواد الذي أخذها لا يمكن أن توجد مفتاحاً لذلك التمرين ، يبقى فهم التمرين . إنما الذي قعد يخطئ يبقى لا يفهم ، يبقى معنى العجز عن الإدراك إدراك ، ما دمت عجزت عن أن تدرك إذاً أنت أدركت ، فمادمت قد أدركت أن ذات الحق وكل التصورات عنه لا يمكن أن تعرف إلا منه وحده ، هو الذي يقول ، أنا كذا ، وأنا كذا ، وأنا كذا ، وبعد ذلك لا تستعجب ذلك ، لأن بعض عناصرك وهي الروح لا تعرف تصورها وهي موجودة فيك ، لذلك يقول الله :

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) ﴾

[ سورة الإسراء ]

وبعد ذلك نقرأ قول الله : 

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) ﴾

[ سورة الذاريات ]

 وبعد ذلك إذا خرجت الروح من الجسد ، ماذا يكون ؟ رمة ، فكأن قيومية الحق إن تخلت عن هذا الوجود يكون عدماً ، فإذا قلنا لك : الإله الغيبي الذي لا تعرف صورته ولا تقدر تتصوره هو الذي يدير الكون فصدق لأن الروح وهي فيك لم تستطع إدراكها ومعرفتها ، ومع ذلك تدير آلتك ، وهي سبب حياته .

خاتمة وتوديع :


المذيع :

أعزائي المشاهدين ؛ نشكر فضيلة الشيخ محمد متولي شعراوي بعد أن حلق بنا في جولة فكرية عقلية في موضوع العقيدة ، أفاض فيها بما فتح الله به عليه ، وقد وفقه الله إلى سياق الأدلة الدالة على وجود الله سبحانه وتعالى ، فشكراً لفضيلة شيخنا محمد متولي شعراوي وإلى لقاء آخر إن شاء الله وسلام عليكم من الله ورحمة .

الاستماع للدرس

00:00/00:00

إخفاء الصور